أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الخميس، 26 يناير 2017

بستان شجرة الكرز والاسلوب التشيكوفي الاكثر ثعلبية

مجلة الفنون المسرحية

بستان شجرة الكرز والاسلوب التشيكوفي الاكثر ثعلبية


صباح هرمز الشاني


لا تختلف صنعة مسرحية (بستان شجرة الكرز) عن صنعة مسرحيات تشيكوف الطويلة الثلاث الاخرى والمعروفة، الا بقدر تقليص حجم وكثافة المفردات الموظفة فيها من أربع الى اثنين، وهما الرموز والدلالات الموحية، والمفردات الدالة على الجو النفسي، وغياب بقية المفردات منها كالمؤثرات الصوتية والمونتاج.
تدور حوادثها في ملكية (ليوبوف أندريفنا) العائدة من باريس، بعد غياب خمس سنوات، مع ابنتها (أنيا) والمربية الالمانية (شارلوتا) وخادمها (ياشا)، لتباغت انها لاتتمكن من تسديد فائدة ملكيتها المعرضة للبيع.
ولكون (لوباخن) وكيل أعمالها ورغبة منه لتخلص الملكية من المزاد العلني، أو (هذا ما يبدو عليه في الظاهر)، يقترح عليها تقسيم بستان اشجار الكرز والارض المجاورة لها الى قطع صغيرة لتشيد عليها مساكن صيفية شريطة أن تهدم كل ما فيهما من منازل واشجار، لتقوم بتأجير القطع، وتنال ربحا سنويا منها، ويوعدها بتأمين القرض، الا انها لاتقوم بتنفيذ هذا المقترح على أمل أن تتلقى الدعم من عمتها الكونتيسة التي تعيش في الخارج، ولأن المال الذي تنتظره لايصل، وحتى ان وصل، فأنه لايكفي لسد تأمين القرض، فأن لوباخن يصبح صاحب الملكية، لانه يقوم بشرائها.
لقد أختلف الكبيران تشيكوف وستانسلافسكي على معنى هذه المسرحية، وكان في اساس هذا الخلاف كما يقول ترويا: (تضاد رئيسي في تفسير الاثر من الناحية السايكولوجية) فتشيكوف تصور بستان الكرز وخطط لها وكرر قول ذلك عشرين مرة الى انها كوميدية بل هزلية تقريبا، اما ستانسلافسكي فكان يرى فيها مأساة اجتماعية تطرح موضوع زوال طبقة النبلاء الريفيين امام الاثرياء الجدد المتصلبين والمغامرين من العامة.*1
وما يؤكد على ان هذه المسرحية كوميدية، هي الرسالة التي يبعثها تشيكوف الى زوجته (اولغا) يقول فيها: (سيكون الفصل الاخير مرحا، او بالاحرى ستكون المسرحية كلها مرحة وعابثة)*2
ويرى ترويا: (ان الانفعال الذي تسببه بستان الكرز متأتٍ من التضاد بين التراجيديا الصامتة التي ينطوي عليها الموضوع، والجانب المضحك الى حد ما في الشخصيات)*3
ان هذا الخلاف سبق وان نشب بينهما في مسرحية الخال فانيا، اذ ثمة الكثير من الادباء والفنانين، وقبل ان تصدر اعمالهم، يصفونها تحت تسميات ومصطلحات لا تمت في معظم الاحيان الى مضامينها بصلة. وهذا الكلام يقينا، ليس موجها الى تشيكوف ذلك انه ليس بحاجة مثل هذا التصنيف، هذا الرجل العظيم، الذي هو اكبر منا، ولكنني لا ادري لماذا اجد نفسي منجذبا الى قراءة ستانسلافسكي اكثر من قراءة تشيكوف، وكانت لي على ما اظن نفس القراءة للخال فانيا، ولعل مرد ذلك يعود الى عملية المزج وليس التضاد كما يقول ترويا، بين التراجيديا الصامتة التي ينطوي عليها الموضوع، والجانب المضحك الى حد ما في الشخصيات، بحيث يصبح هذا الجانب اكثر تراجيدية من التراجيديا الصامتة، ويمكن ان نلمس هذا الجانب في معظم شخصيات المسرحية الثانوية، كدونياشا، ويبهودوف، وبشتشيك. فليس من المنطق والمعقول التصدي لثيمة كبيرة، كخيانة الوطن من قبل الطبقتين، ومعالجتها بطريقة كوميدية، (وانتقدت صحف اليسار بعض المؤثرات المضحكة في هذه (المأساة الاجتماعية) ولم يرد احد ان يرى في بستان الكرز الملهاة التي كان تشيكوف يتحدث عنها).(4)
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا وبالحاح:
- ترى هل ان هذه المسرحية ثورة على طبقة النبلاء او لنقل الجيل الجديد على القديم، أم خيانة من قبل الفريقين للوطن، وهذا ما سأحاول الاجابة عليه عبر التقنية التي استخدمها المؤلف في مسرحيته هذه:
1- المفردات الدالة على الجو النفسي:
تضم عشرين مفردة، موزعة بنصيب ثماني عشرة مفردة، وبشكل متساو على كل من الفصل الاول والثاني والرابع، وبنصيب مفردتين للفصل الثالث.
وتأتي اول مفردة من هذه المفردات على لسان (بيهودوف). كضربة اولى، لطرح موضوع بيع البستان، وعدم الرغبة بالبقاء في الملكية: الصقيع في الخارج يصل الى ثلاث درجات واشجار الكرز مغطاة بالازهار، لا استطيع ان استحسن مناخنا هذا.. (يتنهد) كلا لا استطيع، انه لا يفيد...
والمفردة الثانية التي تأتي بأربع منها (دونياشا) في جملة واحدة، التي هي: تثلج، الطقس، باردا، والربيع تعبر عن شخصيتها المتفائلة وفرحها بلقاء (آنيا): رحلت في فترة الصوم الكبير، وكانت تثلج، وكان الطقس باردا حينها، اما الان فهذا فصل الربيع.
أما في حوار آنيا مع اختها فاريا، فترد مفردة الطقس مرتين، وكانت (تثلج) مرة واحدة، اشارة الى تذمرها في المرة الاولى من (شارلوتا)والثانية من عيش امها بباريس في الطابق الخامس.
(واصبح الطقس دافئا) وفاريا، تفتح النافذة بهدوء، لقد اشرقت الشمس، انظري يا امي، ياله من هواء لطيف، طيور الزرزور تغرد، عشقا بالبستان وتشبثا للبقاء في الملكية.
وعودة (ليوبوف اندريفنا) الى طفولتها، وهي تنظر الى البستان عبر النافذة! وكنت استيقظ تماما كما هو الان، لم يتغير شئ. (تضحك بسعادة) كله، كله ابيض، اوه يا بستاني! بعد فصل الخريف المعتم والعاصف، وبعد الشتاء البارد، تكون شابا وسعيدا مجددا، لم تتخل الملائكة عنك...
ومفردة العاصفة من قبل (يبهودوف) ايحاءً لحظه السيء: ولكنني اشعر بأنه علي ببساطة أن افسر القدر، اذا جاز التعبير، يعاملني بالتأكيد بلا رأفة، كما تعامل العاصفة مركبا صغيرا.
وتلفظ (دونياشا) مفردة (الطقس بارد هنا نوعا ما) نتيجة إرتباكها وردا لقول بيهودوف لها: هل لي ان اكلمك؟
وتأتي مفدرة (الطقس بارد جدا) على لسان (فيرز) اشارة الى اخلاصه لـ (اندريفنا وشقيقها غايف): هلا ارتديت المعطف رجاء ياسيدي. بينما ينطق المتشرد مفردة: (انه الطقس جميل اليوم) لأن اندريفنا تمنحه قطعة نقود ذهبية: انني ممتن لك كثيرا ياسيدي (يسعل) انه لطقس جميل اليوم (أوه، يا اخي المعذب!.. تعال الى الام فولغا التي كانت تاوهاتها...) (يكلم فاريا) هل لمواطن روسي جائع يا آنسة، أن يزعجك لأعطائه القليل من النقود النحاسية
لو باخن (يغضب) لكل شئ حد بالفعل.
اندريفنا: (في حالة ضياع ولاتعرف ما عليها فعله) خذ.. هذه.. خذ (تبحث في حقيبتها) لا املك نقودا فضية.. لا تأبه لذلك، اليك بقطعة نقدية ذهبية...
وتتكرر مفردة (الطقس رائع) مرتين من قبل آنيا وترفموف دلالة على انجذابهما للآخر، ارينا: كم تحسن الكلام (وقفة قصيرة) الطقس رائع هذا اليوم.
ترفموف: اجل الطقس رائع.
(ويحل الشتاء) يقولها (تروخموف) للتعبير عن المعاناة التي عاشها. وعلى لسان (شارلوتا) مرة: الطقس رائع تماما، ومرة على لسان الصوت مرة اخرى، دلالة على الفرح.
لوباخن: لقد حل تشرين الاول، لكن الطقس لايزال مشمسا وهادئا كما لو انه فصل الصيف، انه طقس جيد (ينظر الى ساعته، ومن ثم ينظر الى الباب) لاتنسوا ايها السيدات والسادة، بأنه لم يتبق سوى ست واربعين دقيقة قبل موعد النطلاق القطار، ما يعني بأنه علينا الانطلاق قبل عشرين دقيقة اسرعوا.ان استخدام اكثر من مفردة في حوار لوباخن هذا معناه واضحة وهي تعبر عن سعادته في امتلاكه للبستان، الا ان نظره الى ساعته ومن ثم الى الباب تعمق قوة هذا المعنى وبالتالي تمنحه ابعادا اكثر، وهو استعجاله في رحيلهم، ومن ثم الارتياب بمدى مصداقيته.
وقول اندريفنا: الوداع ايها المنزل العزيز، يا منزل جدي، سيرحل فصل الشتاء، وسيحل فصل الربيع من جديد، وعندها لن تكون هنا، سوف تهدم. ايماءة واضحة الى اضمحلال طبقة النبلاء التي كانت تمثلها وحلول طبقة او جيل جديد بدل الطبقة القديمة فالشتاء هو الطبقة القديمة، والربيع هو الجيل الجديد.
اما مفردة الطقس الرائع يلفظها (بشتشيك) ففيها ثعلبية تشيكوف، اذ يتألم (بشتشيك) لمغادرة اندريفنا للملكية، ولكنه رغم ذلك، ولأنه لا يملك اي قوة لردعها، يلفظها لئلا يظهر ضعفه امامها: وحين تسمعين بأن نهايتي قد اوشكت فكري فقط بحصان وقولي في أحد الايام كان يوجد رجل مثلك، بينما الحوار الدائر بين لوباخن وفاريا، الذي يعرج فيه لوباخن الى العام الماضي وتساقط الثلج فيه، مقارنا به لهذا العام، حيث الطقس صاف ومشمس، اشارة واضحة الى سعادته قياسا بالعام الماضي، لأبتياعه البستان من جهة، وانفراده بالملكية من جهة ثانية، وعدم زواجه بها اي بـ بفاريا من جهة ثالثة، الا ان رد فاريا عليه بالاسلوب التشكيوفي الثعلبي والمراوغ في جملة: لم أنظر (وقفة قصيرة) بالاضافة الى ذلك فأن ميزان الحرارة لدينا قد انكسر (وقفة قصيرة) تكشف عن شخصية لوباخن غير المبدئية بما لا يقبل الشك، وانتهاء كل شئ ما بينهما، العاطفية والاجتماعية في آن.
تقول أندريفنا: حين نغادر لن تبقى روح واحدة في هذا المكان يرد عليها لوباخن بجملة، حتى فصل الربيع
مانحة معنيين في آن، فهو إما يقصد ان الملكية غدت مهجورة وبلا حياة، او انه سيعود في الفصل القادم لاعادة الروح فيها.وتتكرر نفس المفردة بعد حوارين او ثلاثة على لسانه وهو يقول: وهكذا حتى فصل الربيع. هيا ايها السيدات والسادة الى اللقاء يخرج...
2- الرموز والدلالات الموحية:
تحتوي على اكثر من ثلاثين رمزا موزعاً بنصيب عشرين على الفصل الاول وخمس لكل من الفصل الثاني والثالث، ورمزا واحدا للفصل الرابع، ابتداء من وصول اندريفنا مع ابنتها وخادمها بالقطار، وانتهاء بمغادرتها معهم بالقطار ايضا، ايحاء الى بدء الحياة بالسعادة وانتهائها بالالم، مرورا بالحوادث الجارية للمسرحية في البستان الرامز الى روسيا، انتهاء بأول جملة يشرعها لوباخن، وهو يتحدث عن اندريفنا، تاركا انطباعا جيدا عنها لدى المتلقي، وهو يصفها بالانسانة الجيدة والهادئة والبسيطة، الا انه يرجع ليقول، (انه لايعلم كيف تبدو الان)، وهي جملة تشيكوفية، الهدف منها كشف النقاب عن الوجه الاخر لـ لوباخن، كما ان حوار لوباخن هذا هو مقدمة ضرورية لمعرفة المتلقي انتماء كل منهما، فأذا كانت اندريغنا تنتمي الى طبقة النبلاء الريفيين، فأن لوباخن ينتمي الى طبقة الاثرياء الجدد، ورغم ما له من المال، غير انه مازال فلاحا، ويغفو عندما يقرأ كتابا ولايفهم منه شيئا، والجملة الاخيرة تنطوي على نفس معنى الجملة التشيكوفية الاولى من حيث دلالتها في كشف النقاب عن الوجه الاخر لـ لوباخن، لأنتهازية الفلاح، واستخدام كافة الوسائل الخسيسة، سيما وهو لايحب الكتاب للوصول الى اهدافه، وهي جمع الثروة والمالز
لوباخن: مضت على وجود اندريفنا في الخارج خمس سنوات، ولا اعلم كيف تبدو الآن، اذكر ان والدي الذي كان يملك محلا صغيرا في القرية آنذاك، ضربني على وجهي وجعل انفي ينزف. اخذتني اندريفنا التي كانت لاتزال شابة ونحيلة الى المغسلة وقالت لاتبك ايها الفلاح الصغير. ومع ذلك... فأنا الان غني ولدي الكثير من المال. ولكن يمكن لاي شخص ان يلاحظ بأنني مجرد فلاح، وان يتكبد عناء التفكير بي وازعاجي. لقد كنت اقرأ هذا الكتاب ولم افهم منه كلمة واحدة. لقد غفوت وأنا اقرأه.
ان عدم استحسان مناخ البستان لـ يبهودوف، يغيض لوباخن ويطلب ان يدعه وشأنه، ذلك ان مثل هذا الشعور، يحفز بقية اهالي القرية لمغادرتها وبالتالي بقاءه وحيدا، وهذا ما يحصل فعلا في نهاية المسرحية، 
يبهودوف: يحدث لي كل يوم شئ سئ، انما لا أستطيع التذمر، فقد اعتدت على ذلك، حتى انني اسخر منه.
واكتفاء لوباخن بكلمة (آه) ردا على رغبة دونياشا اطلاعه على سر وهو طلب يبهودوف يدها للزواج، دلالة على ربط هذا الزواج بزواجه من فاريا، ورفضه.
والحوار الدائر بين فاريا وآنيا حول عرض الملكية للبيع واكتفاء آنيا بالرد على هذا الخبر بـ (ياالهي) ومن ثم تغيير هذا الموضوع باتجاه طلب او عدم طلب لوباخن يد فاريا للزواج منها، يؤكد عدم رغبة آنيا البقاء في الملكية، والميل باتجاه بيعها.
وان التغير الذي يحدث في نبرة صوتها، يوحي الى ان فاريا تحب لوباخن، ولكن زواجها منه لن يتم، لانه كثير الانشغال، ولا وقت للتفكير لديه، بها، وهذه لمزة اخرى الى تركيز جل تفكيره بمسألة واحدة فقط، وهي جمع المال، ولأن فاريا من اكثر شخصيات المسرحية براءة، ونقاء، وحبا للاخرين، ووصلت الى قناعة انها لن تتزوج لوباخن، فقد انصرفت تحلم بزواج اختها انيا برجل غني من جهة، وبرحيلها هي الى الاماكن المقدسة الموجودة في روسيا، لتصبح راهبة.
فاريا: بينما اجول في المنزل ياعزيزتي، وانا اقوم باعمالي الغريبة، لا اتوقف عن الحلم، لو امكننا فقط ان نزوجك رجل غني... وكنت لارحل بعيدا، متوجهة في البداية الى دير ، ثم الى كيف، وبعدها الى موسكو.. وأنا اسير من مكان مقدس الى آخر، كنت لاواصل مسيري أواه، يالها من حياة جميلة!
وقول لوباخن (الوقت يمر) واجابة غايف عليه بغباء وبتجاهل (ماذا) ومن ثم تغيير الموضوع من قبله ومن قبل آينا، بالاضافة أندريفنا) اشارة الى عدم امكانيا تم سد القرض.ولعل عدم رد اندريغنا على اطراء لوباخن لها بخصوص ما فعلته له في السابق ويحبها كما لو كانت اخته. ايماءة تشيكوفية، لعدم ثقة اندريفنا بـ لوباخن: الامر الوحيد الذي ارجوه منك هو ان تثقي بي كما كنت تفعلين سابقا، يا الهي الرحيم، كان والدي يعمل كرقيق لدى والدك وجدك ايضا، لكنك فعلت الكثير في الماضي، بحيث أغفر كل شئ، واحبك كما لو كنت اختي.. واكثر من اختي.
اندريغنا: لا استطيع البقاء جالسة، انني لا استطيع ذلك بكل بساطة! هذه السعادة كثيرة علي. يمكنكما ان تضحكا علي.. فأنا حمقاء.. يا خزانة كتبي العزيزة (تقبلها) يا طاولتي الصغيرة.
ووصف غايف مقترح لوباخن، تقسيم بستان اشجار الكرز والارض المجاورة للنهر الى قطع صغيرة لتشييد مساكن صيفية، بالتفاهات، وعدم فهم هذا المقترح من جانب اندريفنا، تدل الاجابتان على اتكاليتهما وتوفيقهما، وبالاعتماد على الاخرين في حل مشاكلهما، وفوضوية وعبثية الحياة التي يعيشونها، اذ حتى عندما يحاول (فيرز) الدفاع عن مقترح لوباخن يردعه غايف بجملة: (اسكت يا فيرز).
فيرز: في السابق، اي منذ اربعين او خمسين سنة كان الكرز يجفف ويحفظ وينقع ويصنع منه المربى احيانا... واحيانا كانت ترسل عربات محملة بالكرز المجفف الى موسكو وخاركوف...
اندريفنا: واين هي تلك الصنعة الان؟
وتأتي جملة لوباخن (لست محظوظا اليوم) لا لأن شارلوتا لم تسمح له بتقبيل يدها، بل لأنه لم يستطع إقناع اندريفنا في تسديد قرض الملكية وتقسيم ارض بستان شجرة الكرز.
ويأتي ربط بشتشيك نوم وشخير لوباخن، واستيقاظه مجددا، بطلب قرض مئتين واربعين روبلا من اندريفنا، على الرغم من وصفه بأنه رجل رائع جدا.. هذا ما تقوله إبنته داشنكا ايضا.. وهي تقول مختلف الامور.. (لاحظ الجملتين الثعلبيتين الاخيرتين).. (هذا ما تقوله ابنته).. وهي (تقول مختلف الامور).. اي انه يقول لوباخن انه رجل رائع لا على لسانه وانما على لسان ابنته، اشارة واضحة الى عدم نومه طوال الليل، خوفا من سرقة نقوده، وانه ليس بالرجل الرائع.
ورؤية اندريفنا امها تمشي في البستان مرتدية ثوبا ابيض اللون، هو رد على غايف الذي يقول: (اجل والان سيباع البستان لتسديد ديوننا، لأدانة بيع المزرعة من قبل امها وتذكير لحبها لهذا البستان، ولمضاعفة هذه الادانة وتعميق هذا الحب، تقرن مشيتها بوجود شجرة بيضاء صغيرة وهي تنحني وتبدو كأمرأة.
غايف: والان سيباع البستان لتسديد ديوننا 
اندريفنا: انطر تلك هي امي تمشي في البستان، مرتدية ثوبا ابيض اللون (تضحك بسعادة) انها هي!
فاريا: بوركت امي العزيزة.
اندريفنا: ما من احد، لقد تخيلت ذلك فقط، هناك اتريان الى اليمن، عند منعطف المنزل الصيفي توجد شجرة بيضاء صغيرة وهي تنحني.. انها تبدو كأمرأة.
(وهو ايحاء جميل الى قتل هذه المرأة ببتر الشجرة)
وتتضح الثعلبية في اسلوب تشيكوف اكثر من اي مكان اخر في هذه المسرحية، عندما يصل غايف الى قناعة، وبعد تفكير عميق، بأنه لا يوجد حل لتسديد قرض الملكية سوى لو ترك لهم احدهم القليل من المال، او تزوجت انيا من رجل غني، او لو ذهب احدهم الى ياروسلافل وجرب حظهم مع العمة العجوز الكونتيسة الغنية، وترد عليه فاريا: (ان الله وحده يساعدنا)، اشارة الى هراء ما تتفوه به.
ولا يكتفي بأظهار غايف على هذا النحو المبتذل، وانما يدفعه الى ان يقسم بشرفه على بيع الملكية ليثبت تشيكوف، بأن غايف لا شرف له وانه كلما امعن في مراهناته على عدم بيعها يزداد كذبا ورياء: سندفع الفائدة انا متأكد ذلك (يضع قطعة حلوى في فمه)، اقسم بشرفي بما تشاءان، بأن الملكية ستباع (متحمسا) سأخاطر بسعادتي! ها هي يدي. يمكنكما ان تدعواني كاذبا تافها اذا سمحت بأجراء المزاد، اقسم بروحي!
وقائمة برموز ودلالات طويلة، وسأكتفي بالاشارة اليها فقط:
في الحوار الدائر بين لوباخن واندريفنا وغايف، والحاح الاول على موافقة او عدم موافقة اندريفنا على تأخير ارضها للغلل، واجابتها عليه، باجابة لا علاقة لها بسؤاله.
اصطحاب اندريفنا الفرقة الموسيقية الى المنزل، في الوقت الذي تفتقر فيه الى المال لسد قرض الملكية، اشارة الى فوضى حياتها وعبثيتها.
في الحوار الدائر بين اينا وتروخموف، تلميح جلي الى زوال طبقة النبلاء، عبر عدم رغبتهما البقاء في الملكية ومغادرتها.
والاسلوب التشيكوفي المخفي وراء قول بشتشيك لـ تروفيموف:
يمكنك أن تبيع حصانا.. ولكنه لا يكمل هذه الجملة، وهو في الحقيقة يريد ان يقول: يمكنك ان تبيع حصانا ولكن لا يمكنك ان تبيع بستانا، او ارضا.
وحب اندريفنا للمنزل، وعدم استطاعتها تخيل الحياة بدون بستان اشجار الكرز وبيعها معه، وهو حب المكان والعودة الى الطفولة.
وطلب ياشا من اندريفنا اخذه معها الى باريس اشارة الى رغبة الكل في مغادرة الملكية.
حديث لوباخن الطويل بعد شراءه للملكية الدال على اللف والدوران.
(يسمع من بعيد صوت فأس يضرب شجرة) وما تزال اندريفنا في البستان اشارة الى عدم احترام لوباخن لسيدته.
والحوار الدائر بين لوباخن وفاريا اشارة الى نهاية الحياة في هذه الملكية.
وفي معرض تصديه لهذه المسرحية يقول الاراديس نيكول: (ولايتطرق الى الذهن أن مثل هذا الكلام الذي يقوله تروفيموف يجعل منها مسرحية ذات غاية يدعو اليها المؤلف، فليس هنا مجال للافكار العقلية او الذهنية المجردة بل نرى كل شئ مصغما بالعاطفة مجسما بالخيال)(5)
فأن تكون هذه المسرحية مفعمة بالشاعرية، رأي لاغبار عليه، أما انها بدون غاية، وليس هناك مجال للافكار العقلية والذهنية المجردة فيها، فمثل هذا الرأي لا يتفق مع النجاح الذي حققته بأخراج ستانسلافسكي الذي (أقنع الممثلين ان يمثلوا فيها باتجاه ابكاء الجمهور أمام انهيار عالم سحري محكوم عليه بضرورات الحاضر الاقتصادية، وليس ان يضحك او يبتسم)(6) 
وقد دون تشيكوف بأقتناع: (ما من مكان فيه سلطان ساحق مثلما هي لدينا نحن الروس، نحن المهانين بعبوديتنا السحيقة، والذين يخافون الحرية.) (7)
(وكان يفكر ان مسرحيته المقبلة التي كان يحلم بها منذ زمن طويل ستكون تصويرا ينصب على هذه السلبية الوطنية.) (8) وصاغ هذه السلبية في مسرحية (بستان شجرة الكرز)...

المصادر
1- تشيخوف: تأليف هنري ثرويا
2- نفس المصادر السابق
3- نفس المصادر السابق
4- نفس المصادر السابق 
5- المسرحية العالمية: الاراديس نيكول/ الجزء الرابع
6- تشيخوف: تأليف هنري ترويا
7- تشيخوف: تأليف هنري ترويا

المخرج حرب يعيد إحياء مسرح المقهى في الاردن

مجلة الفنون المسرحية

المخرج حرب يعيد إحياء مسرح المقهى

يعيد المخرج المسرحي حكيم حرب إحياء عروض مسرح المقهى التي كان قد اشتغل عليها في تسعينيات القرن الماضي في مقهى الفينيق الثقافي آنداك.
ويعرف المسرح في المقهى بوصفه إعادة عرض (ريبروتوار) لمسرحية قدمت على مسرح الخشبة (العلبة الإيطالية) وأعيد إعدادها لتقدم في مقهى ثقافي، بينما مسرح المقهى ويسمى أحيانا مسرح "الكباريه السياسي" وما يقدم كمشاهد ولوحات مسرحية يشارك فيها الجمهور إلى جانب الممثلين في غرفة صغيرة في مقهى أو كامل حيز المقهى، وتتراوح تلك المشاهد من أساليب المسرح التقليدي والغناء والارتجالي، وينتمي هذا النوع من المسرح الى مدرسة المسرح التجريبي التي انطلقت في العالم نهاية خمسينيات القرن الماضي، وعربيا في مصر والعراق ولبنان في سبعينيات القرن الماضي. ويرجع نشأة هذا النوع الكاتب والناقد المسرحي الفرنسي المعروف باتريس بافي إلى ما كان يطلق عليه "مقهى الفلاسفة" في القرن الثامن عشر.

وقال المخرج حرب لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) "إن إعادة عرض مسرحية "ليلة سقوط طيبة" مساء الثلاثاء في "أوتاد" حي جبل اللويبدة وداخل مسرح المقهى تجعلنا نعيد قراءة أسطورة "أوديب" على طريقة الكباريه السياسي وفي إطار ما يطلق عليه "الكوميديا السوداء" بعد تخليص الحكاية من شكلها الكلاسيكي القديم وإعادة تناولها بشكل معاصر ورؤية مغايرة، كمحاولة من فريق مسرح المقهى لطرح أسئلة جديدة"، مشيرا إلى أن الجمهور في مسرح المقهى مشارك في اللعبة المسرحية وليس مجرد متلقٍ.
وأشار إلى تجربته الأولى في مسرح المقهى في تسعينيات القرن الماضي في مقهى "الفينيق الثقافي" ومقهى "كان زمان"، مبينا انه أسس أنذاك فرقة مختبر الرحالة المسرحي وكانت الفرقة مهتمة بتقديم عروضها خارج الصالات التقليدية حيث قدمت عروضاً في المقاهي والساحات العامة والشوارع.


وأضاف "كنا قد أسسنا آنذاك فرقة مسرحية أطلقنا عليها اسم " فرقة مختبر الرحالة المسرحي" وقد كانت الفرقة معنية بتقديم عروضها المسرحية خارج صالات العرض التقليدية المغلقة، فجابت شوارع ومقاهي المملكة وقدمت عروضها في الشوارع وعلى الأرصفة وفي المقاهي في أكثر من محافظة أردنية، وكان النصيب الأكبر لمحافظات العاصمة والزرقاء وإربد والعقبة، حتى أننا أثناء سفرنا الى القاهرة عن طريق ميناء نوييع، قمنا بتقديم عرضنا المسرحي "هاملت يصلب من جديد" فوق سطح الباخرة ، وقد تجمع المسافرون من حولنا على شكل حلقة، وشاركنا في هذه التجربة بالإضافة إلى من ذكر سابقاً، الأصدقاء الفنانين : علي عليان، وبسام أبو عياش، وسامر جرار ووسام قطاونة .

وأشار إلى أنه كان لفريق الرحالة المسرحي الشرف الكبير بانتزاع أول جائزة دولية في التمثيل المسرحي على مستوى الأردن في مسرحية "المتمردة والأراجوز" التي أعدها وأخرجها، وكانت من نصيب زميلتنا الفنانة "كفاح سلامة" وذلك في الدورة الرابعة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 1992 ومناصفةً مع الممثلة البولندية "باربارا دزيكان"، لافتا إلى أن ميزانية المسرحية آنذاك كانت 300دينار فقط " والتي كانت نجحت في انتزاع خمس جوائز من مهرجان مسرح الشباب الأردني الأول، ما أهلها للترشح للمشاركة في مهرجان القاهرة الدولي.

------------------------------------------------
المصدر : مجدي التل-  (بترا)

الأربعاء، 25 يناير 2017

جحيم الحياة في المدن الكبرى عبر 'ليلة قبيل الغابة'

مجلة الفنون المسرحية

جحيم الحياة في المدن الكبرى عبر 'ليلة قبيل الغابة'
 أبو بكر العيادي

“ليلة قبيل الغابة” نص ذو نفس شعري وطرح جريء، لم يفقد راهنيته الحارقة خصوصا في هذا المناخ السياسي والاجتماعي الذي يخيم على فرنسا، والذي تستعمل فيه الهوية كوسيلة للكراهية والإقصاء، في هذا النص الذي يرجع تأليفه إلى أربعين سنة خلت، يحدثنا برنار ماري كولتيس عن إمكانية تشكل الهوية من الإيمان العميق بإنسانية الإنسان، هي دعوة للآخر، المجهول، كمن ينشد إغاثة.


اكتشف برنار ماري كولتيس (1948 /1989) المسرح عندما غادر مسقط رأسه ستراسبورغ، ولم يكن قد بلغ العشرين بعد، وانتقل إلى مدينة ميتز، هناك حضر عرض مسرحية “ميديا” لسينيكا في إخراج للأرجنتيني خورخي لافيلّي وبطولة النجمة ماريا كاساريس، فكان اكتشافا مذهلا فتح له أبواب الفن الرابع، حتى أنه قال في ما بعد “لو لم يحدث ذلك، لما مارست المسرح إطلاقا”.

بدأ التأليف والإخراج منذ العام 1970، بـ”المرارات” عن طفولة مكسيم غوركي، و”المسيرة” عن نشيد الإنشاد، و”محاكمة مترنحة” عن “الجريمة والعقاب” لدستويفسكي، وأسس في الظرف نفسه فرقته الخاصة “مسرح الرصيف”، قبل أن يتنقل في فرنسا وخارجها، في أميركا اللاتينية وأفريقيا بخاصة، ويبدع الأعمال التي كانت سببا في شهرته مثل “في عزلة حقول القطن” و”معركة الزنجي والكلاب” و”الرصيف الغربي” و”ليلة قبيل الغابة”، هذا النص الذي ألفه كولتيس عام 1977، وأخرجه للكوميدي فرانسيز جان لوك بوتيه عام 1981.

هو نص من المسرح التجريبي يتألف من جملة واحدة تمسح ثلاثا وستين صفحة، شديد التكثيف، كثير الاستطراد، مع خطابات مكررة، تعمل عمل كوبليه في أغنية، بطله شخص لا نعرف من هو، ولا في أي مكان يوجد، ولا لمن يتوجه بحديثه.

في عالم ليلي يعبره هاربا دون التفات، يُحدّث غريبا صادفه عن كل شيء، حتى عن الحب، أو كما يقول كولتيس نفسه “رجل يحاول أن يستبقي بكل الكلمات التي يستطيع إيجادها شخصا مجهولا صادفه في عطفة شارع ذات مساء، وهو وحيد”.

رجل هارب سئم الوحدة، “حيث لكل شخص حكايته الخاصة في ركنه المنزوي” يحدث المارّ عن دنياه، وهي ضاحية يهطل فيها المطر، يحس فيها الناس بالغربة، ويعيشون البطالة، أو هكذا شاءها المخرج هذه المرة.

ذلك أن باتريس شيرو، عندما أخرج هذه المسرحية عام 2010، كان قد تصور بطل هذا النص نزيل مستشفى، دامي الجبين، ممددا على فراش، فوق ركح خال، يهذي هذيانا محموما حتى الموت.

أما كريستيان فريديريك فقد استعان، في هذا العرض الذي يتواصل على خشبة مسرح “الجيب” بباريس، بالفنان أنكي بلال، رسام الأشرطة المصورة المعروف، فأنجز له ديكورا أسود عاريا، لا يؤثث عريه سوى قاعدة مغطاة بقطعة من البلاستيك الأسود، يظهر فوقها البطل المجهول تحت وابل من المطر، يحاول أن يحتمي من الزخات ما استطاع، وعلى وجهه علامات خوف لا نعرف مصدرها، هل هو خوف من عنف المدينة الذي يحاصره من كل جانب أم هو عنف توقه ورغبته التي لا تحدّ؟

"ليلة قبيل الغابة" نص من المسرح التجريبي يتألف من جملة واحدة تمسح ثلاثا وستين صفحة، شديد التكثيف
وما إن ينطق حتى يكشف عن حيوية غامرة، فيجهد بكل قواه أن يحوز رضا الآخر، المخاطَب المجهول، وتنعكس صيغ الخطاب في تغير نبرته وحركاته، تماشيا مع إيقاع جملة كولتيس التي لا تنتهي.

يوهمنا بأنه يمشي عبر المدينة، أثناء الليل، تحت المطر، دون أن يتوقف، ليبدو في النهاية مثل “الرجل الذي يترنح” لجاكوميتي، ثابتا في نهاية رصيف يواجه مجهولا قد يكون مضى في سبيله، أو لعله يناجي في الظلمة نفسه ليواجهها بما يحب وما يكره، لكأن ثمة مرآة بين شخص يتكلم وآخر لا يُرى، يوهمنا الكاتب بوجوده، ولكن المتفرج لا يقف له على أثر.

تتبدى المسرحية في البداية كلاما مسترسلا وقولا بلا حدود، ولكن ميل المتكلم إلى مخاطب مجهول يحتّم إيجاد نبرة خاصة يدرك المتفرج من خلالها ما تخلفه الوحدة من عذاب، وما تنطوي عليه رغبة التواصل من آمال.

وتبدو الشخصية وحيدة على الخشبة في مكان غير محدد، قد يكون تطابق عدة أمكنة في مكان واحد: عطفة شارع، مقهى، مترو، غابة تلوح عن بُعد.. ولكنه أقرب إلى فضاء ذهني، متخيل، فضاء شاب منغلق داخل العنف المديني، وداخل رغبته نفسها، ما جعل أداء الممثل مرهونا بدينامكية متذبذبة، للتعبير جسديا عن الملفوظ، المنحصر بين رغبة القول وتأكيد الذات والتحمس والانكسار والعودة إلى أعوام الطفولة، مع المحافظة على خيط الوصل مع الشخص المجهول.

نص عميق عن وحدة الإنسان في عصرنا هذا، وعن جحيم الحياة في المدن، يؤكد رفض الفرد الذوبان داخل كتلة، وسعيه المحموم لربط الصلة. يقول المخرج كريستيان فريدريك “أنا على يقين من أن هذا النص هو أيضا اعتراف طويل بالمتاعب التي يلقاها الفنان في إيجاد موطئ قدم داخل المجتمع”. طوال ساعة ونصف الساعة، ينفخ الممثل دوني لافان الروح في كلمات كولتيس، متمتما حينا، صارخا حينا آخر، مختنقا كأنه يزفر آخر أنفاسه أو يهمس بوصية، ليحاول التقرب من الآخر، بحثا عن أمل، أو عن شيء يتشبث به.

---------------------------------------------
المصدر : جريدة العرب 

بطل مزيف يقتنص الفرص ليجالس جنود العدو

مجلة الفنون المسرحية

بطل مزيف يقتنص الفرص ليجالس جنود العدو

عواد علي 

يكون للكوميديا الساخرة في المسرح، عادة، أبلغ التأثير حينما يفترض المتلقي في الشخصيات ذات المقام العالي الكمال في السلوك، والحصافة في الرأي، والصدق في التعبير، لكنه يتفاجأ بأنها على العكس تماما، أي أنها شخصيات هزيلة وكذّابة ومضللة وفاقدة للقيم، حتى يبادر بالتهكم عليها. وعندما يلتقي النص الساخر المتقن بالممثل المقتدر والمخرج المبدع تبلغ السخرية أوجها وتحقق هدفها، على النقيض من المسرح الهزلي الذي يهدف إلى الإضحاك فحسب من خلال التهريج.

مسرحية "أنت لست غارا" للكاتب التركي عزيز نيسين واحدة من أنجح المسرحيات الكوميدية الساخرة والأصيلة في مبناها ومنحاها. وقد حظيت باهتمام الكثير من المخرجين في المسرح العربي، فقدموها بأشكال إخراجية مختلفة، لم تتخطّ أي منها المغزى الأساسي للنص، وهو فضح السلوك الانتهازي والوصولي للمسؤولين الحكوميين، الذين لا يردعهم وازع أخلاقي عن قلب الوقائع، وتزييف الحقائق، وإيهام الناس البسطاء بصحة أكاذيبهم بغية تحقيق مصالحهم الشخصية، وذلك بجعل رجل جبان وخسيس وجاسوس بطلا قوميا.
بطل مزيف
المخرج الأردني أشرف طلفاح واحد من المخرجين الذين أغراهم هذا النص، فقدمه في عرض متقن جماليا ودلاليا، بسينوغرافيا تعبيرية متقشفة، مسندا شخصياته الثلاث إلى: أحمد العمري (في دور صالصي رئيس جهاز الأمن السري)، وعماد الشاعر (في دور برين مدير بلدية البلدة)، وعبدالرحمن صايمة (في دور غارا). وقد تمكن هؤلاء الممثلون من تجسيدها على نحو بارع بما يمتلكونه من حضور طاغ في الإلقاء المبالغ في نبراته والمثير للسخرية المريرة، وفي الحركات والإيماءات الجسدية الطريفة.
النص يقوم على حكاية بطل اسمه غارا، تكرمه السلطة الحاكمة الفاسدة في بلدة يونتابور على أساس أنه بطل حرب
يقوم النص على حكاية بطل مزيف اسمه غارا تكرِّمه السلطة الحاكمة الفاسدة في بلدة يونتابور، على أساس أنه أدّى أعمالا بطولية خارقة في الحرب، وضحّى بحياته من أجل وطنه، في حين أنه في الحقيقة إنسان يائس وجبان حاول الانتحار عدة مرات، وتطوّع في الجيش ليرتاح من زوجته العاهرة التي حاول أن يطلقها أكثر من مرة، إلاّ أن بعض كبار السادة في البلدة حالوا دون ذلك ليغطي على علاقتهم بها. وكان غارا يتمنى في إحدى المعارك أن تنال منه رصاصة واحدة تريحه، لكن ما من رصاصة نالت منه سوى تلك التي وجهها إليه قائد المعركة فأصابه في ساقه وهو يحاول الهرب.‏
تبدأ المسرحية بحفل إزاحة الستار عن النصب التذكاري للبطل القومي الشهيد غارا، الذي أشيع عنه أنه استبسل في معارك عديدة. ويتسابق على تمجيده والإشادة ببطولاته كل من رئيس جهاز الأمن السري، صالصي، ومدير بلدية البلدة برين. الأول يلقي خطابا رنانا يزعم فيه أن غارا كان من أقرب أصدقائه، وأنه تعلم منه الكثير من المثل والأخلاقيات التي تشجّع على التضحية بالنفس من أجل عزة الوطن وكرامته، ويقرر أن يغير اسم بلدته من يونتابور إلى غارابور تكريما له، ويتكرر الخطاب ذاته مع مدير البلدية بادعاءات ومبالغات جديدة في وصف الشهيد ومناقبه.
وبينما صالصي وبرين على هذه الحال يدخل شخص مشرّد إلى المسرح ويتبوّل على النصب، فيطير صوابهما من هذا التصرف الشائن، ثم يتفاجآن بأن هذا المشرّد هو غارا نفسه، فتشكّل عودته عبئا ثقيلا عليهما وكشفا لأكاذيبهما أمام أهالي يونتابور، وعائقا أمام طمعهما في الحصول على مناصب عليا، لذا يبدآن بالتحقيق معه ويقرران التخلص منه ومحو هويته الحقيقية للإبقاء على هويته الوهمية المزيّفة التي صنعاها.‏
ينتصر الزيف ويظل الناس مصدّقين الكذبة التي صنعتها المصالح
وبما أن غارا عائد إلى بلدته بعد غياب دام عدة سنين ليرى أمه وشجرة السنديان التي تحمل ذكريات طفولته، فإنه يقدم لهما كل المعلومات الحقيقية عن نفسه، فإذا به ليس بطلا، وما روي عنه من مواقف ليست إلّا أوهاما ومغالطات، من ذلك مثلا أنه عندما حمل الرقيب الجريح بعيدا عن ساحة المعركة ليسرق الأموال التي في جيبه ظنوا أنه يحاول إنقاذه، رغم شراسة المعركة، فأعطوه وساما، وعندما فتش جيوب أحد الجنود القتلى ولم يجد معه شيئا انتزع سنّيه الذهبيتين، ولكنهم ظنوا أيضا أنه يحاول أن ينقذ جريحا فمنحوه وساما ثانيا. وهكذا راح يحصد العديد من الأوسمة على ما اقترف من نذالات.
وبسبب خسته كان يقتنص الفرص ليجالس جنود العدو، ويلعب القمار معهم على أوسمته. وبهذه الاعترافات الصادمة، والمثيرة للسخرية يفضح غارا تسلق رئيس جهاز الأمن السري، ومدير البلدية إلى منصبيهما اعتمادا على خدعة البطل القومي. ولذلك فهما يحاولان منعه من دخول البلدة، ويرشيانه بمبلغ قليل من المال وعلبة سجائر لحمله على العودة من حيث أتى، وحين يرفض يشدّان حبلا على رقبته ويخنقانه وهما يصيحان “أنت لست غارا”. وبموت غارا وتضيع الحقيقة المؤلمة، وينتصر الزيف، ويظل الناس مصدّقين الكذبة التي صنعتها المصالح.

سبق للروائي الجزائري رشيد ميموني أن كتب رواية بعنوان “النهر المحول” عام 1986 تقوم على علاقة تناصية مع هذا النص المسرحي، لكن بصيغة معارضة، أي أنه تعامل معه تعاملا تحويليا لا ينفي الأصل بل يسهم في استمراره وقابلا للتجديد. وقد كيّف الكاتب الجزائري عمر فطموش هذه الرواية إلى نص مسرحي يحمل العنوان نفسه، أخرجته حميدة آيت الحاج عام 2007. يروي العرض، كما الرواية، قصة مقاوم جزائري كبير اسمه محند العربي، يصاب في معركة مع الاحتلال الفرنسي فيفقد وعيه، وبعد سنوات طويلة يستعيد وعيه ويقرر العودة إلى بلدته حيث يعيش أهله (والداه وزوجته وابنه) ليجد عالما مختلفا لا يعرف تفاصيله، فيسأل أول شخص يقابله في البلدة عن بعض معالمها العمرانية مثل أيّ غريب تطأ قدماه عالما جديدا، وتقوده خطواته إلى ثلاثة أنصاب من الرخام نُقشت عليها أسماء شهداء المقاومة، فيطلب من الشخص ذاته أن يقرأ له الأسماء المنقوشة، ويفاجأ بأن اسمه مدرج معها. ومن هنا تبدأ رحلة صراعه ومعاناته، وهو يحاول إقناع الجميع بأنه محند العربي، ويسعى إلى استرجاع هويّته ولقاء أهله، لكن سلطات البلدة كلها تهدده وتنصحه بالرجوع من حيث جاء، أي العودة إلى عالم النسيان لكي لا يؤثر على امتيازاتها ومصالحها التي حصلت عليها من جراء استشهاده.\

-------------------------------------------
المصدر : جريدة العرب

قراءة في مسرحية أسئلة الجلاد والضحية للأنباري كاتبا وصبري مخرجاً: وفرص ولادة جنس درامي جديد

مجلة الفنون المسرحية

قراءة في مسرحية أسئلة الجلاد والضحية للأنباري كاتبا وصبري مخرجاً: وفرص ولادة جنس درامي جديد

تيسير عبدالجبار الآلوسي

تاريخياً عبرت الدراما عن مجتمع المدينة الناشيء وانقسام مجتمعها الذي بات مصطرعاً بين قطبين متعارضين و\أو تعددية أقطابه التي تحيا بصيغة تجمع عناصرها المتناقضة في إطار وحدة تمتلك العلة والسبب في وجودها، وتتحرك إلى أمام بمسيرة التغيير الإنساني وصيرورتها... ومع تعاظم خطى التقدم الدرامي في عصر النهضة والمرحلة الأليزابثية كان الاهتمام بالمونولوجات، موظَّفة فيها، قد بدا أكثر وضوحاً. لكننا إذ نتجه لنستكشف مسستجدات مرحلة ولادة الرومانسية، سنجد اهتماماً بالفرد والنزعة الفردية وبمحاولات استكناه الشخصية وعوالمها النفسية بخاصة منها المضطربة المعتملة بخلجات ربما تكون أحيانا متناقضة حد الانفصام، فضلا عن حال الصراع بين الفرد ومحيطه في محاولته الاستقلال بوجوده عن بيئته وتأثيراتها أو في محاولته إدارة علاقاته بذاك المحيط..
ولهذا السبب فإن التجسد المونودرامي يتشكل في سردية ربما تضمنت تمظهرات حوارية على وفق تمظهرات الشخصية وحالاتها النفسية المتجسدة في النص المكتوب أو نص العرض..
إن شرط المونودراما القائم على الممثل الواحد لا يعني اقتطاع مونولوج من نص أو مطابقته خصائصه؛ فذلك أمر مختلف يبقى يتشكل في إطار نص درامي بتعددية شخصياته وطابعه القائم على الصراع بين طرفين متعارضين.. ولا يُفسّر المونولوج إلا في سياق البنية الدرامية.. بينما المونودراما هي نص مكتمل تركزت معالجته في كثافة أدائها، لكنها ستمتد على مسار ينبني من بداية ونهاية للسرد ويتضمن معالجة درامية تختلف عن السرد القصصي المنبسط في امتداد خطوطه أفقياً، بخلاف الدراما القائمة على التعاقب السببي لحلقات حدثها..
وبين انتشار الكتابة المونودرامية في ظروف المرحلة الرومانسية وانسحابها في ظروف أخرى، كانت المونودراما تمضي بمراحل متعددة لوجودها نصاً درامياً (مسرحياً بمعنى مصطلحه) أو وجوداً لخطاب على الركح.. وبجميع الأحوال احتاج العرض المسرحي المونودرامي إلى عدد من الأمور للتعبير أو التجسيد منها سينوغرافيا العرض وطابع حركة الممثل وتلوينات الأداء الصوتي وتفاصيل سير ما نسميه خط الحدث الدرامي ونموه مجازاً.
المونودراما عمل جمالي ممسرح ينهض به ممثل واحد حصراً لينقل إلى المتلقي تجربته المنفعلة باصطراعات روحية ربما تصل درجة الاضطراب والتمزق والفوضى التي لا تسمح للذات \ الفرد أن تكون عدوانية تجاه الآخر بل تشترط فيه، لا نقول التسامح معه، ولكن إيجاد علاقة تتبادل فيها معه سبب الوجود... وأعلى ما يعبر عنه الممثل السارد (المحاور) مع أو تجاه محيطه أو الآخر هو وصف آثار الآخر في ذات المونودرامي وعبوره لحسم نتيجة الصراع ووضعها بقالب بعينه.. فالمونودراما صيغت للخلاص الفردي الروحي بشكل جوهري أساس لا الموضوعي بما تفرضه قوانين تطوره من متطلبات خلاص لتغيير وضعية فيه...
ولكن، لطالما حاولت المونودراما أن تتملص من الالتباس بالتكثيف الذاتي الغنائي وأنْ تتجاوز حدود الفردي فيما تتقمصه وتعرضه وأن تشير تصريحا لا تلميحا إلى البيئة الموضوعية إلى الوجود بنموذجه الجمعي وإن ظهر متجسِّداً بالفرد.. إن تلكم الإشارة (الإيحائية المشفرة) إلى الموضوعي ليست من بوابة مطلب التغيير والإرهاص الدرامي بوصفه قيمة موضوعية، منذ ولادة الدراما تعبيراً عن الموضوعي متحدا بالذاتي الغنائي، مستولداً وجوده النوعي بوحدة السردي والملحمي، إنما من بوابة التمسك والتحدد بالهموم الروحية النفسية للفرد وآليات الاشتغال والتحول فيها أو التغيير والخلاص بتلك الحدود التي يتجسد بها..
اليوم، نجد من يحاول نحت مصطلح مونودرامي جديد، ربما شكّل جنساً جديداً في إطار النوع المسرحي الدرامي، إذا ما أغنته التجربة الآتية المستشرِفة مستقبلا مشروطاً بالتفاعل مع قوانين التعبير الجمالي عن واقعنا الإنساني الراهن والمرهص.
ما أستطيع الجزم فيه، أنّ أحداً لا يمكنه الحسم بطريقة رياضية قاطعة، توكيداً أو نفياً للتجريب الجديد، فيما تمت تسميته مبدئياً (المونودراما التعاقبية).. فكل شيءٍ يبقى قيد الجدل والتجريب حتى يتكرس منجزاً أو يضمحل إن لم يجد مستقبليه ومنفذيه من مبدعين ومن جمهور لا مناص من وجوده لإقرار وجود كيان جمالي جديد.
لكن ما يمكنني من طرفي وأنا أناصر مبدئياً كلَّ جهدٍ إبداعي جديد، أن أشير بوضوح إلى ما (قد) يثيره وصف (تعاقبية) من التباس كون الدراما بنية سببية في سمة ارتباط حلقاتها تعاقبيا أو في سمة (تعاقبية) حلقاتها على أساس السبب والنتيجة..  لكن، ربما يشفع لأصحاب مشروع (المونودراما التعاقبية) أنهم يتحدثون عن بنية جنس درامي (مسرحي) يلتزم بمبدأ الممثل الواحد لمادته التي تعلن بوضوح عن تأثرها بالتعددية الموضوعية على حساب الأحادية الفردية واحتمالات اقترابها من (الغنائية) وطابع الكثافة فيها...
فماذا أراد الفنان المبدع فاروق صبري أنْ يقدّمَه لنا في مونودراماه التي يتحدث فيها عن التجديد وربما عن استيلاد جنس مسرحي آخر في حضن النوع الدرامي؟ وهل جاء نص الكاتب المبدع صباح الأنباري مطواعاً ومناسباً للتنظير الذي وضعه السيد صبري ويتطلع إليه ويدفعنا لقبوله؟ هل ينطبق مصطلح مونودراما على مادة فيها تعدد في التجسيد تكسر الأحادية فضلا عن ظاهرة تشكّل موضوعي الهوية والوجود للدراما؟
هل شخصيتا الجلاد والضحية بتناقضهما وتعارضهما تسمحان بمادة مونودرامية التجسيد الإبداعي؟ ما هي دواعي وربما أسباب قبول تسمية أو تجنيس الإبداع الجديد كونه مونودراما؟ ثم ما هي دواعي وربما أسباب قبول تسمية التعاقبية من دون تناقض في المصطلح أو على أقل تقدير بتجاوز لعقبة التعارض في المصطلحين (مونودراما بمعنى فردي بأحادية التقمص والتجسيد وبدرجة اقترابه من ذاتي غنائي [ضمنا] بسمات كثافة أحاديته) و (تعاقبي بمعنى تعددي موضوعي ضمنا بغنى تنوعاته التي تكسر التقمص أو التجسد الأحادي)؟
حسنا، وهل جمالياً فلسفياً \ فكرياً يمكننا إقرار شكل التعبير في إطار هذا النحت الاصطلاحي؟ كم هو العمق الفكري للمعالجة المضمونية وهل ترقى لحجم ما تريد البرهنة عليه جمالياً؟ وستكون هناك أسئلة فرعية على هذه المحاور من قبيل: كيف يمكن للجلاد أن يقع بنيوياً في النطق بخطاب الضحية وتقمصه وتجسيده والعكس؟ وما مبررات كل من الكاتب والمخرج لمثل هذا المنزلق في المعالجة و\أو التشخيص الفكري؟ وفي عرض "أسئلة الجلاد والضحية": ما الذي لوحظ على أداء الممثل للهرب من مثل هذه المنزلقات في نص الكاتب أو ريبتوار العرض؟ هل نقبل خيار التحوير اللفظي في نصوص الموروث لتمرير سمات الشخصية مثلما حصل في أداء الممثل (مونودراميا) لأغنية شعبية؟
لدي ثقة وطيدة بأن الخطوة الأولى عادة ما تعترضها الأسئلة؛ ربما بقسوة كما تتبدى شكلياً مظهريا أسئلتي هنا في أول وهلة لقارئها. ولهذا السبب أحاول مراراً توكيد مؤازرتي التجربة المشروعة لاستيلاد جنس تعبيري جمالي جديد، وهي محاولة ستتعزز لاحقاً بالتأكيد.. فعصرنا مثلما مسيرة البشرية يتسم بخصوصيته، بمعنى هوية وجوده وقوانينه، ما يتطلب أن توجد تعبيرات جمالية تتسق وطابعه وتفاصيل الوجود الإنساني فيه..
إن الوليد عادة ما يكون غير مكتمل النمو وتظهر فيه علامات الحاجة للتقدم والنمو والاكتمال.. ولهذا لا يعيب الوليد أنه يولد طفلا غير مكتمل بل هو موجود بنضج بنيوي جيني من نوعه وجنسه. وبهذا لا يهضمنّ عملٌ نقديٌ إبداعاً جمالياً، لمجرد تبيان مواضع ما يُنتظر من التقدم والاستكمال له وفيه بل يؤكد البحث النقدي السليم هذا الإبداع وأهميته بتوقفه عنده وإلا فإن الأعمال النقدية بخاصة الغنية فكرياً نظرياً لا تتوقف عند العمل الزائف الملفق فتلك أمور خارج مهام النقد المعرفي الرصين...


ولنبدأ الرحلة في نقد تطبيقي على عرض مسرحية (أسئلة الجلاد والضحية) حيث تقديم جلاد على ضحية ربما في إشارة إلى سلطة القوة وإلى سطوة القوي وهيمنته وربما من دون سبب منتخب مختار سوى الأداء الصوتي وإيقاعه في ترتيب هذا العنوان..
لنبدأ الرحلة مع مسرحية أُريدَ لها أن تكون تأسيساً لمنجز نوعي كبير وجديد ولكنها حوصرت بالإمكانات المادية المحدودة؛ فصالة العرض كانت لمدرسة ثانوية تفتقر للإمكانات التقنية المطلوبة، من إضاءة و فضاء الركح وتفاصيل مهمة أخرى.  كما أن أغلب بروفات العمل كما يبدو كانت تجري في ظروف إنتاجية محدودة... وذلكم حال اشتغالاتنا المسرحية بعامة في الوطن والمهجر لظروف ليس من الضروري تسجيلها هنا منعاً لتشعب المعالجة وحذراً من ابتعادها عن مادتها الرئيسة..
نبدأ بديكور قحطان الأمين الذي تبنى السهل الممتنع حيث الواقعي يتحد بالرمزي وهنا سنجد أسواراً من سلاسل في فضاء الركح ومحاولة لصنع (السايك) في الامتداد.. وسنجد تلك السلاسل على أرضيته مع أرجوحة حياة وموت تتدلى بها الدمية رمز الضحية؛ يحوم حولها الجلاد.. إنّ تلك الأرجوحة محاولة لكسر سَكينة الضحية وصمتها التي لا يمنحها حراكها إلا مصدر من خارجها بإشارة ذكية لاستسلام (الضحية) و\أو أسْرِها من جهة وهول الإلغاء والهيمنة اللذين يقعان عليها من طرف الجلاد طبعا بمحيط أو بيئة تبقى مقيَّدة بسلاسل الاستغلال والاستعباد والإذلال.. وبذكاء سنجد اختيار صيغة في مجسمات الركح لصنع تعدد نسخ من شخصيتي الجلاد والضحية باستغلال الضوء والظل... إلى هذا الحد لا يغادر الديكورست بل يمنح تفاصيل أخرى للعرض مثل هراوة الجلاد من بين اكسسوارات تشكل ضرورات وحاجات في الاشتغال..
ولأن العرض يقوم على المونو والأحادية ومحدودية في الحركة والتنقلات المتاحة للظهور فإننا سنتحدث عن تفاصيل سينوغرافيا الجلاد والضحية بتلك من بوابة خدمة معالجتها بمحدداتها وما عرضت.. ولكننا سنشير إلى ما توافر من حركة محدودة وتفاعل مع البيئة وُفِّق الأداء في تشكيلها بين مواضع الفعل مشيرين لدرجة انسجامها مع البيئة بصرياً..
ولعل أبرز ذلك ما تجسد في الحركة الدورانية حول الأرجوحة والاقتراب والابتعاد منها وفي اتجاه الشخصية بحركتها ثم تفاعلها مع جدران رمزية الوجود هي (السلاسل المعلقة) ثم إسقاطات الإضاءة والألوان عليها باختلاف المشاهد فنحن أحيانا نجدها حمراء بمعنى وأخرى سوداء برمزية ودلالة مختلفة. إن ذلك هو ما منحنا تصورا إيجابيا طيبا بالخصوص..
هنا أعود لأذكّر بالإضاءة وتلك الألوان التي تتبدى في مشاهد الدم بما أوحى لنا به اللون المختار له عندما طافت الشخصية في ذاك الدم أو غرقت فيه في أثناء هدير خطاب التفجيرات وتمزق أجساد الضحايا ومن ثمّ نزيفها كأنهار وبرك من دمٍ، تجسيدا لحجم الكارثة وفواجعها...
لابد هنا من إشارة إلى اشتغال علي اللامي ومنجزه في المؤثرات الصوتية وفعلها الواضح في تسليط الضغط على المتلقي لنقله إلى فضاء الحدث وقد نجح بوضوح في ملء مهمته بدقة متكاملا مع الأغنية والترنيمات المؤداة في الخلفية أو من طرف الشخصية.. هنا كان أداء الفنانة ريهام صبري على الرغم من قصر حجمه وتحدد مداه، مميزاً في استحضار الصوت العراقي وعذابات الروح وأنينها، وهو يعْلق في الذاكرة لتلك العذوبة التي تبدى بها ولرخامة الصوت وسلامة الأداء الصوتي للحرف وإيقاعه باللهجة العراقية، لقد كانت حنجرة ممتلئة بمعزوفات آلات الإبداع والخلق الموسيقي متناغمة منسجمة مع اللحن ومع إيقاع العمل وتنقلاته الصوتية ومع طباع الانفعالات فيه...
وفي التجسيد المسرحي، لابد لي من التوكيد على نجاح الفنانين غسان العزاوي وميثم صالح في استيعاب الشخصية وفي التناغم معها وأداء مسارها بتفاصيل دقيقة من قبيل الإيماءات وحركة الأكف والأذرع والجسد وتنقلات الحركة الخارجية والتفاعل مع الديكور والاكسسوارات وفي السيطرة على الصوت وطابع دلالاته بعيدا عن الصراخ والبكائية، عميقا حيث مواضع التعبير عن الأحاسيس بطريقة تجسد كل نأمة وكلمة وعبارة بالصيغة أو الآلية التي توصل رسالتها سليمة.. أذكِّر بهذه المناسبة إلى أنّهُ ربما وردت (بضع كلمات) بغير موضعها، لكنها ظاهرة تحصل وتكون ابنة العرض ومساحة عطائه المخصوص.. لكن سبب إشارتي هذه يعود إلى أنّ بعض التغييرات في عبارات النص وصيغة أدائها قد تفضي إلى دلالات تتعارض والغاية الأبعد (استراتيجياً) للعمل كما اشرت بموضع آخر من هذه المعالجة وطبعا حصل هنا بهذا العرض أن جاء الممثلان بأداء أعاد العبارات إلى سياقات ما أراده بيان التنظير لهذا المنجز الجمالي المسرحي..
أثني على الإخراج التلفزيوني لحيدر فارس بخاصة في مواضع الكاميرا وتنقلاتها وزواياها، بما نقل الصورة المسرحية بسلاسة ودقة وربما بتطابق مع رؤية الإخراج المسرحي وتنظيرات سعى إليها كل من المؤلف والمخرج..
لكنني بسبب من محاولتي التركيز على العرض بعدما كتبتُ بوقت سابق عن النص، أحاول هنا بهذه المعالجة، الانتقال سريعا إلى الإخراج المسرحي متسائللا: هل تطابق مع النص؟ وهل استطاع تلبية التنظير الذي أطلقه المخرج نفسه في بيان أسماه (المونودراما التعاقبية)؟ بإشارة صريحة في البيان إلى سعيه لاستحداث جنس درامي بعمق فكري يعبر عن طابع العصر وما فيه؟
أحيل قارئي إلى أن من طابع العصر، بخاصة في ظل انتصار التكنولوجيا الحديثة في بلدان التقدم (التكنولوجي)، سمات تتجسد في طابع الروح الفردي والعزلة ودرجة السحق للبنى التقليدية لوجود الإنسان ومنها التكوينات المجتمعية من عائلة تقليدية ومن حلقات القرابة والصداقة وما أشبه، ليبقى كما أسلغت للتو، الإنسان الفرد بعزلته..
ولربما فرض هذا الطابع على الدراما التي وُلِدت في كنف المدينة وولادة الصراع المجتمعي أول مرة، جنسا جديداً، يقدم الموضوعي بـ(مزيد) من التقمص والتجسد الذاتي الفردي؛ حيث الإنسان بمطحنة الآلة الجهنمية.. فهل نشهد ولادة هذا الجنس عبر المونودراما الجديدة (التعاقبية) في تسمية بيانها الأول عند فاروق صبري منظّراً ومخرجاً منفذاً؟ مثلما عند نص المبدع صباح الأنباري؟؟
بقدر الممكن المتاح،  سأترك الموقف الفكري السياسي المجسَّد في رؤية المزاوجة بين الجلاد \ الضحية، لأركّز على الاشتغال على العمل الدرامي الجمالي وطاقات أدائه ومستوى تعبيره.. وأشير بدءاً إلى أنّ المخرج بعرضه هذا كان قد مزَّق المونودرامية  شكلاً عندما قدمها، بالتكافل مع الكاتب تطبيقاً لاستيلاد الجنس الدرامي الجديد، بتعددية استنساخ (الممثل) على الركح. لنقل: إنَّهما حاولا استنطاق الممثل الواحد باثنين بما اسمياه (التعاقبي) أي مونودرامي يعقب مونودرامي آخر يوحدهما الموضوع من جهة وطابع المعالجة التي تضعهما متكاملين في كينونة إنسانية واحدة..
ولكن، على الرغم من التمزيق المقصود أو الدفع بممثلين اثنين على الركح إلا أنّهما بقيا متناغمين كأنهما وجود واحد أو متحد مندمج إنهما محاولة لتقديم الصراع الداخلي في الشخصية عبر تجسيدهما باثنين هما وجهان لأحادية معنوية يُراد التحدث عن إسقاطاتها الفكرية البعيدة المختزنة فيها وعبرها...
لنلاحظ أن الاختيار قدم نموذجه، موحِّدا للجلاد والضحية بأسئلتهما تحت عنوان بنيوي دالّ هو:((أسئلة الجلاد والضحية)) وتلكم هي عبارة ستتعدد وتتوالد ولكنها تبقى بمرجعية لا تتناسل إلا من ذات الوجود وأحاديته أو وحدته الغريبة.
وفي هذا العرض بكندا، أونتاريو فــ: إنَّ أول ضربة إخراجية، هي تلك التي تبدأ مع دخول الجلاد إذ تولد معها نسختها الأخرى بصرياً على خلفية من ظلال لتتحد النسخة الظل مع دمية هي شخصية الضحية وكأن الضحية تولد بحركة الضوء الظل من رحم الجلاد أو من وجوده الموضوعي بصورة دلالية مشفرة في النسخة التي يتم إسقاطها على الشاشة المعدة في فضاء الركح..
أما لماذا الضحية في هذا المشهد تتجسد هكذا؟ فإن كلا من الكاتب والمخرج أرادا تنفيذ فكرة المونودراما المعبرة عن الإنسان بوجوده الجمعي الموضوعي بصيغة الإنسان الفرد الذي يتقمص هذه الكلية الشاملة للوجود الجمعي وبصيغة المونودراما النظيرة لعزلة الإنسان الفرد وما يعانيه من حال سحقه في إطار الانسحاق العام... وتوكيداً لأسئلتنا الاستطلاعية بشأن الشفرات والرموز نجيب عن تساؤلنا: لماذا (دمية) بقولنا: دمية إنما لرمزية ربما يراد بها كشف مقدار إلغاء الجلاد للضحية وهيمنته عليها بالمطلق وهنا لا تكون الدمية وجودا سلبيا بل إيجابا بمعنى الفعل الدرامي والمشاركة في بناء الحدث بصرف النظر عن المضمون المقصود قيميا أخلاقيا ولهذا قلتُ هنا (إيجابا) ولم أقل (إيجابيا) لأن اللفظ الأول أريد به الإشارة إلى كونها فاعلا ولا أتحدث عنها قيميا بما تدل عليه لفظة (إيجابيا)...

ومع انطلاق الفعل نتأكد من أن الكاتب والمخرج اختارا الإنسان الجمعي لا الفردي من عبارة الجلاد وهو يكلّم الضحية بقوله: "من آلاف السنين" وأنت تقبع تحت التعذيب ألم تكتفِ!؟ ألم تشبع!؟ في هذه اللحظات يؤكد أداء الممثل أسلوب النجوى وكأنه لا يتحدث إلى الآخر الضحية وإنما إلى وجودٍ بداخله ومنه وفيه في محاولة لتجسيد المونودرامية (دلالياً معنوياً) بصورة بنيوية...
لاحظوا معي عند مشاهدة المسرحية ستجدون أن الجلاد يحجب الضحية عن عين المتلقي وقد ظهَر هذا بالوقفة العمودية ربما بقصد أراد توكيد الهيمنة من صفة الجلاد في الوجود البشري على صفة الضحية في هذا الوجود المتحد.. ربما رأى تحليل دلالي إنها محاولة استبدال ولكنها محاولة تجسيد لمتناقضين يهيمن أحدهما على الآخر لتظهر ثنائية جلاد\ضحية في الشخصية الإنسانية وفي الوجود البشري بوحدة الأضداد في هذا الوجود...
في هذه اللحظة التي تصل ذروة من ذرواتها في الهيمنة يستفيد الكاتب والمخرج من لغة الأغنية (الخطاب الغنائي الذاتي) المأثورة بالتلاعب بكلماتها حيث اندماج السادي بالمازوخي بين الجلاد والضحية متحدين، وفي التمثيل نشهد روعة الأداء عندما يوظف هستيريا الضحك بالمشهد حيث ضحكة الجلاد ومعانيها غيرها عند الإنسان العادي المبتلى وهو هنا الضحية..
وفي خطاب الكلمة ستكشف مونودراما (أسئلة الجلاد والضحية) عن أسلوب الأول وكون كل شيء عنده عبارة عن صفقات فيدعو الضحية لعقد صفقة وبلحظة تالية يبدع في سينوغرافيا الظهور متنقلا بين السلاسل وهو يصرخ:  "ألتهمكم الواحد تلو الآخر" ضائعا بـ تيهٍ بين تلك السلاسل \ الجدران في فضاء الركح، وهنا سنشهد تقدم الضحية \ الدمية لتكون مشهديا في مقدمة المسرح وهو ما يُظهره التصوير التلفزيوني وكأنها في منطقة البروسينيوم متضخمة لأنها هي التي تختار الجلاد وهي التي تضعه في موضعه وفعله فكأنها تصنعه؛  فيما الجلاد يلتهم سلبيا في مضمون الالتهام وسلبا في موضع الفعل كونه مصنوع من طرف الضحية متَنَحٍ تجاهها و دمويته وقدراته في الفعل السلبي أخلاقيا هو سقوط وولوغ مصطنع أو دفع به إلى هذا الوضع فعل الضحية واختيارها... أما الضحايا التي يلتهمها فهي غير مرئية لأنها منسحقة ملغاة تماما بلا قيمة وليس وجودها أو رمزها في البروسينيوم إلا حال تضخم إيهامي بمنطق القطيع مغمض العينين فيما أراد أو هكذا افترض الكاتب والمخرج الإيحاء والدلالة عليه بهذه التركيبة القيمية..
لكن ليس بالضرورة بنائيا دراميا أن تكون كل العبارات دقيقة بمواضع ظهورها وتدخل في السياق الذي اخترنا النظر من خلاله إلى تلك المعالجة المونودرامية؛ فعبارة: "قلة خلصت من عندي اختارت المنفى" عبارة لا جدوى منها في سياق العمل وبنيته، إنها دغدغة لمشاعر المتلقي حيث مكان العرض خارج الوطن الذي ينتمي إليهي مبدعو هذا العمل... وهي ثغرة بنيوية ربما جرى تخليصها بعبارة حتى هذا الخلاص جاء برضاي يعني أن الضحية (العراقية) مطلقة الاستلاب ولا مجال لها لفعل بما ينسجم والدلالة الفكرية الأشمل في العمل..
ولابد من وقفة هنا أو على الأقل إبداء ملاحظة كما أشرتُ في أعلاه بشأن سلامة وحدة البنية الدرامية جماليا فكريا فلسفيا.

المشاهد التالية هي مشاهد سردية مشحونة؛ يتبادل الجلاد فيها دوره ودور الضحية للتعبير عن وقائع الحدث.. ومرةً يتيه في فضاء المسرح تعبيرا عن توهان الضحية ومرة يكون موجه الحركة بوصفه الجلاد متهِما جمهور القاعة بأنهم من ساهم في صنعه ثم استخدام المؤثرات بلحظة ذروة انفعالية وليس ذروة تولد من نمو الحدث وتبرير هذا قد يُسعفه كوننا بصدد معالجة مونودرامية الهوية والبنية..
إذن، ربما هذا ناجم عن طابع المونودراما في التعبير عن الاحتقان أكثر من تعبيره عن الصراع؛ لكن هنا يُنتظر من الوليد الجديد التعبير عن الموضوعي في الذاتي الغنائي بطريقة مناسبة وجعل حلقات الحدث متنامية..
بخلاف ما جرى بهذا العمل فلدينا وجهان لشخصية متحدة مندمجة من الجلاد والضحية تقدم الأولى أسئلتها بقصد الإيحاء إلى إجابات باتجاه حتى ينتهي مسار سردها وتجسداته لتبدأ الصفحة الثانية مجسِّدة لأسئلة باتجاه معاكس للضحية وننتهي حيث بدأنا، عندما ينقلب الاتجاه أو يعاود مساراً كأنه الحلقة تدور لتعاود اللقاء بالبداية ولكن بعد أن تكون شغَّلتنا بالاتجاه الواقع خارج الدائرة أو بعيدا عن السرد أي في موضع نكون نحن المتلقين فاعلين في وضع الإجابة لمجمل الأسئلة الملقاة علينا من الشخصيتين المنشطرتين عن وجود إنساني مندمج أو متحد..
قابيل يريد بعضا من هابيل فيما الضحية تتخلص من جثوم هابيل على وجودها برمته.. الجلاد يلتقط أغنية من عالم الضحية وعواطفه وانفعالاته حركت الروح لمن فارقتهم ليصبها في خطابه وتصير حركت الروح لمن عذبتهم وتبادل الأدوار واندغامها أو اندماجها هنا مقصود مثلما في كل مسار المسرحية المونودرامية إلى درجة وحدة الجلاد والضحية بطريقة لم ينقذها إلا المؤثرات الصوتية تحسم إقفال المشهد والانتقال إلى مشهد جديد..
وبانتهاء مشهد الجلاد (ومونودراماه) تظهر الشخصية الفعل على الركح ولكن هذه المرة بروح الضحية وأسئلتها بعد أن انتهينا إليها أعلى صوتا في نهاية المشهد السابق.. إن ولادة الشخصية بوجهها الجديد وجه الضحية (ومونودراما تعقب السابقة، تحدث من تمزيق الدمية وخروج الشخصية من شرنقتها، فينكسر الحراك الخاص بالضحية ليُنهي الجمود والسلبية وليصير هو الفاعل المهيمن على الحدث الدرامي.. ومجددا أؤكد بلا نمو يؤدي بنا إلى خاتمة فعلية متنامية متوالدة الحلقات بل بامتداد أفقي بأغلب مساره وربما دوران يعود بنا ليلتقي بنصفه الآخر قدريا بلا ثورة تغيير بل بفعل مشروط بتعايش سلبي مرضي مازوخي على الرغم من وجود عبارة ترفض أو تنفي هذا، لعل كل من الكاتب والمخرج أحسّا بما فرضه خطاب شخصيتيهما فأرادا نفي ذلك بتلك العبارة المُدخلة بلسان من خارج بنية الشخصيتين...
ربما أقول ربما حاول الإخراج التملص من طابع التكرار المونودرامي والمسار المنبسط أفقيا بوضع ضحكات التحدي للضحية بمواجهة ضحكات هستيرية  للجلاد وبوضع تحديات تعبيرية في أداء الممثل بالضد من استباحة أو استغلالٍ يقع عليه.. لكن المسار البنيوي يبقى مقفلا بالدائرة أو بخط الرجوع المقابل لتقدم الجلاد وهو خط قد يفضي إلى محو ما  وقع من الجلاد ولكنه لا يبني عالما بديلا بالتخلص من الأول وبناء عالم جديد مستقل حر، وهذا ليس سلبية.. لربما لأنه أراد ترك بناء العالم الجديد خارج دائرة النص ودائرة العرض في دائرة التلقي والوجود الاجتماعي الحقيقي حيث يكون الكشف عن الحقيقة في المنجز المسرحي (المونودرامي)  فرصة للتخلص من سكونية الفعل عند الضحية.. ربما! وهذه الربما أقصد بها الجمهور وليس النص ولا غايته ومعالجته!؟

تذكروا معي مشهد ألوان الدم فيما الضحية تطلب من آخر ما ربما من السجان \ الجلاد، تطلب مساعدته لينقذها: "طلعني ما أريد أموت" وتذكروا ايضاً: وضع الجلاد اختيار واحد أمام الضحية وهو ليس سوى اختيار الموت فأين الاختيار الآخر؟ هل نسيه الممثل أم تقصَّده الكاتب والمخرج!؟ كيف يمكن أن يكون اختر بين الموت و... وبين ماذا؟ لربما هناك تقابلات انقطعت عن استكمال مسار السرد وعن مسار بناء التوضيح الدرامي كاملا... أو لم تستطع الإيفاء بالإيحاء للمتلقي بما تريد سوى بانسحاق استسلمت له الضحية بلا خيار حقيقي..

ومجددا الغربة والعودة وعذاباتهما تدخل في النجوى وفي سرد مونودرامي على لسان الضحية، كأن أحداً يريد الإشارة إلى خيط يرتبط بالذين تخلصوا من الجلاد بالتوجه إلى المنفى ولكن لا روابط بنيوية حقيقية تعود على ما سبق أن مر في النص... هناك في إطار الأداء ومسار العرض استدعاءات لمشاهد من واقع الأقبية والسجون ولكن من دون ربط (بنيوي) بحسب ما تقتضيه الوقائع وتسلسلها بل هو استدعاء يستند إلى رابط واه هو رابط الموضوع أو وحدته بسلطانه الخارجي على البنية!

والنهاية الخاتمة تأتينا بلا صوت بل بصمت كما فلسفة الضحية المنسحقة والمستسلمة لذاك الانسحاق وطبعا ليس كما كان يُنتظر من ضرورة الإيحاء بأي افتراض وأي نداء قد تطلقه الضحية في الواقع ولهذا اكتفى كل من الكاتب والمخرج بنهاية صامتة تعود إلى السكينة والاضمحلال مكتفيا إذن هنا بمهمة الكشف عن تداعيات ومجريات السلب والإيجاب بالحدث والواقعة مجردين كما هما وليس بتقديم موقف قيمي أخلاقي أو نداء يتضمن ذلك.. إن كل من الكاتب والمخرج يتطلعان لموقف من شاهد مونودراما الحقيقة الوجودية لظاهرة الجلاد \ الضحية...
هناك في بنية النص ما كان مستهدفا في ثنايا متخفية وهنا في العرض بشيء من التملص من قيود النص محاولة أخرى وكلاهما تسعيان إلى إثارة المتلقي باتجاه رفض السكينة والوداعة ومهادنة الجلاد ورفض السلبية والاستسلام ورفض القبول بالنقيض مهيمنا يلغي وجود الضحية شخصية إنسانية تقف بتحد وباستقلالية.. ترفض السحق لكن من سيرفض السحق ليس ضحية مونودراما الأنباري وصبري ولكنهم المتلقين إذا ما أخذوا أو التقطوا الدرس كما أراداه..ولكن لماذا اختار صياح الأنباري وفاروق صبري ترك الخيار للجمهور ألأنهما يكرران أو يحملان فلسفة الضحية وانهما لا يريان أفق تغيير أم لتبنيهما مدرسة فنية بعينها. ذلك ما أترك الإجابة عنه هنا.
وبالعودة إلى البنى الجمالية؛ فلقد كانت مونودراما (أسئلة الجلاد والضحية) حفلة عرض مسرحي تنتمي إلى الذاكرة العريقة للمسرحية العراقية ومفرداتها ومن هذه الجذور الموحية نستنطق مضوموناً حاولت المونودراما به اختراق الهوية المحلية لتنتقل إلى الإنساني الأشمل في تغطية وجودنا وفي استيلاد منجز جمالي لفن ملتزم إنسانيا.. أما أية درجة من النجاح تحقق فيها فأتركها لكم مثلما تعرفت إليها في جغرافيا قاعة العرض وجمهورها الذي صفق لدقائق عديدة بتصريح أكَّد استقبالا مسرحيا حاراً دسم المادة، ما يجعل تركها لكم يؤكد نجاحا في المنجز سيتحدد مساره وحجمه ليس بعيدا بمستوى العمل نفسه وبمستوى الطرح التنظيري لجنس المونودراما التعاقبية الدرامي..
شكرا فاروق صبري مرات عديدة، للإخراج ولكل المنجز الفني المسرحي ومفرداته ولمحاولة استيلاد عمل بتنظير أثق أنه سيحظى باهتمام أكبر يليق بتجديده وبما يتطلع إليه من حجم مميز كبير وتأكد أن مسرح العبث المنسوب  للفرنسيين مطلع الستينات كان العاني قد قدمه بمسرحنا العراقي سنة 1949 وما سيولد من بنية مونودرامية جديدة بأي مسمى سيستقر عليه الوضع سينسب هذه المرة لأهله ومبدعه فلقد تغير الزمن ووسائط الاتصال والتفاعل المسرحي في عالمنا..
شكرا صباح الأنباري لمنجز جسد تصورا نظريا ووضع اللمسات الأولى لانطلاقة ستبنى تراكميا ولك قصب السبق والأولوية فيها...
شكرا لوعي التمثيل منهجا وأداء بعمق مدارسه ليقدم عرضا ممنهجا بروعة شكرا غسان العزاوي وميثم صالح..
شكرا لوعي المضامين وغنى الشفرات والرموز ودلالاتها في الديكور والمؤثرات الصوتية والإضاءة ولكل فريق العمل مبدعةً مبدعةً ومبدعاً مبدعاً...
أيها السادة لا يقدح في هذا المنجز أي ملاحظة نقدية سجَّلْتُها بل يتشرف بتعميد المنجز ويسعد بفريق العمل متكاملا حتى بمنتجي العمل وهم الجمعية العراقية الكندية في أونتاريو لأنهم المبادرون في تقديم العرض على الرغم من ظروف الإنتاج ومحدودية الإمكانات..
تحية لجمهور العرض الأول جميعا فلقد شهدتم حدثاً سيحتفي به المسرح المعاصر وإن كان اليوم مجرد وليد صغير إلا أنه من البذرة تنمو الشجرة وتولد الغابات سقف الحياة وفضاء وجودنا برمته جماليا بكل مضامينه ومعالجاته..
شكرا لقد أعدتموني مرة جديدة مضافة إلى تخصصي الأكاديمي والإبداعي وإلى اشتغال جمالي مستحق وسط انشغال بأولويات زمننا ومطاحن آلته الجهنمية.

الثلاثاء، 24 يناير 2017

كتاب "الكوميديا السوداء في المسرح المغربي " تأليف جميل حمداوي

الاثنين، 23 يناير 2017

نحـو مسـرح بسيـط

مجلة الفنون المسرحية
                                                                                                                                                               
نحـو مسـرح بسيـط


                زهيــر موســاوي

         لا يخفى على أحد الأزمة التي يعيشها مسرحنا المغاربي بشقيه الأمازيغي و العربي، هذه الأزمة راجعة بالأساس إلى تقليد أغلب الفرق المسرحية لأشكال مسرحية غربية بعيدة كل البعد عن ما يعيشه المواطن المغاربي البسيط من أفراح واحتفالات و هموم و أحزان. لذا نرى أنه من الضروري على الفرق المسرحية الراغبة في مواصلة ابداعها أن تستعمل تقنية المسرح البسيط لكي تعمل على خدمة الفن المسرحي الأمازيغي و العربي و لكي تعمل أيضا على خدمة الإنسان البسيط.

         تنبني تجربة المسرح البسيط حول فكرة تقديم عروض مسرحية بأبسط الامكانات المتوفرة لدى الفرقة و بموارد مالية بسيطة. فتوظيف العلامات و الرموز والأشياء البسيطة بالإضافة إلى بساطة مكونات العرض المسرحي الاخرى كافي لوحده أن يخلق لنا فرجة مسرحية. هذا يعني أنه لم يعد من الضروري تقديم مسرح طبيعي يحاكي الواقع كما هو. لأن ذلك يتطلب موارد مالية ضخمة زد على ذلك أن الفرقة ستجد صعوبة في نقل قطع الديكور الضخمة من مكان إلى آخر. اذن، أصبح من الواضح أن هذا المسرح لن يخدم المسرح المغاربي و العربي. ذلك أن بعض الفرق المسرحية تقع سنويا في فخ الدعم المسرحي و لا تنتج أعمالها المسرحية بحجة عدم حصولها على دعم مسرحي، كما أن الكثير من الفرق المسرحية تحتضر في مهدها و لا تستطيع أن تقدم أي عرض مسرحي للجمهور، بل و أن بعض الفنانين يتركون الفن المسرحي و يتجهون نحو قطاعات فنية و ثقافية أخرى كالسينما مثلا. هكذا فالمسرح البسيط بتقنيته البسيطة قادر على خلق فرجة مسرحية و قادر أيضا على خلق روح الاستمرارية لدى الفرق المسرحية لجعلها تواصل ابداعها المسرحي دون توقف وبلا ملل.

         يعمل المسرح البسيط على تقديم أعمال مسرحية بسيطة باستعمال أبسط الامكانات المتوفرة لدى المبدع المسرحي. ذلك أنه يمكن إنجاز فرجة مسرحية انطلاقا من طاولات و كراسي و قطع ديكور و ملابس و مصابيح إنارة و أدوات موسيقية وأشياء أخرى بسيطة تتوفر لدى المبدع المسرحي. هذا يعني أنه ليس من الضروري أن يتوفر المبدع على إمكانات ضخمة لانجاز عمل مسرحي. كما أن المسرح البسيط لا يعمل على إقصاء كل الأشياء الخارجة عن عالم المسرح و التي تنتمي إلى الفنون الأخرى كالسينما و التشكيل و لا يعتبر الممثل و جسده محور العمل المسرحي كما فعل مايور هولد في تجربة المسرح الشرطي و غروتفسكي في تجربة المسرح الفقير، بل تقوم فكرة المسرح البسيط على خلق عمل مسرحي بأبسط الامكانات المتوفرة لدى المبدع المسرحي. فالمسرح البسيط لا يلغي بصفة تامة مكونات العرض المسرحي الأخرى كالسينوغرافيا و الملابس و الديكور و الإنارة ... بل يمكن توظيف هذه المكونات في العمل المسرحي إن وجدت شرط أن يكون هذا التوظيف بشكل بسيط كي يكون العمل المسرحي بسيطا كذلك. إذن، فالمسرح البسيط يعمل على انجاز عمل مسرحي بسيط يحقق فرجة مسرحية بما لدى الفرقة من امكانات سواء أكانت ضخمة أم بسيطة، فإذا توفرت لدى الفرقة امكانات ضخمة فانها تنجز عملا مسرحيا بسيطا، كما انه يمكن أن  تنجز عملا مسرحيا بسيطا أيضا يحمل فرجة مسرحية في حالة ما إذا لم تتوفر إلا على إمكانات بسيطة فقط.

         هكذا، يجب أن تعتمد سينوغرافيا العرض المسرحي على البساطة في عناصرها الاساسية، و هذا يعني أنه لا يجب أن تكون فقيرة أو منعدمة. فبساطة السينوغرافيا تحول فضاء الخشبة إلى مجال للعب و الحركة الجسدية التلقائية. غير أن هذه البساطة يجب أن تسمح بتحديد الفضاءات المشهدية للعرض المسرحي كي يسهل التمييز بين الأمكنة و كي لا تتداخل فيما بينها. 

         تعطى الأهمية في المسرح البسيط للأفكار التي يطرحها العمل المسرحي و التي تلقى تعاطف المتلقي / الجمهور. ذلك أن هذه الأفكار تتطلب قالبا مسرحيا بسيطا فقط. فالممثل المسرحي يستغل كل الإمكانات البسيطة الذاتية المتوفرة لديه من خيال و تركيز و حركة جسدية و صوت و ايماءات و الإمكانات البسيطة المحيطة به كالديكور واللباس و الإنارة و الاكسسوارات ... ويشكل بكل هذه الإمكانات، البسيطة و المنسجمة فيما بينها، رسالة تحمل مجموعة من الأفكار حيث يكون المتلقي مدعواً إلى تفكيك رموزها و إعطائها معنى. هكذا، تساهم هذه الأفكار التي تُطرح في فضاء العرض في تحقيق نوع من التشارك المباشر و الفعال مع المتلقي. إذن، فالمسرح البسيط يوجد بوجود عنصرين أساسين و هما المتلقي و الأفكار التي يطرحها العرض المسرحي بمكوناته المختلفة.

         إن الفرجة المسرحية الهادفة يمكن أن تصنع حتى بأبسط الأشياء المتوفرة لدى الفنان المسرحي، هكذا فكل شيء على خشبة المسرح يجب أن يكون بسيطا، فالمنظر المسرحي المعقد لم يعد ضروريا، كما يجب الاستغناء عن قطع الديكور الضخمة و الاعتماد على الدلالة فقط و الاستغناء عن كل الأشياء السطحية التي لا تحمل أي علامة في فضاء العرض المسرحي. و على الممثل أن يعتمد على ذاته و مواهبه و الأشياء البسيطة المحيطة به كما يجب الابتعاد عن الزخارف و كل الاشياء الغير الضرورية. و يجب الاستغناء عن التعقيدات اللغوية و الأسلوبية على مستوى الكتابة الدرامية. فالجمهور المسرحي المغاربي و العربي لم يعد يرغب في حضور عروض مسرحية ضخمة تحمل في طياتها أفكار و لغة معقدة و بعيدة عن مشاكله اليومية، و إنما الجمهور يريد مسرحا بسيطا يعكس همومه و انشغالاته البسيطة و المعقدة في الوقت ذاته. هكذا، فالمسرح البسيط يعمل على تقديم عمل فني في شكل مسرحي بسيط يحمل قضايا ومواضيع اجتماعية و سياسية و بيئية... الخ.

         هكذا، يتمحور المسرح البسيط بالأساس حول حياة الإنسان وما يعيشه يوميا من أفراح وأحزان. فهو يعمل على تقديم قضايا و معاناة و اهتمامات وهموم الإنسان. لذلك يستخدم هذا المسرح تقنيات بسيطة كي يتمكن من إنجاح فعل التواصل حتى مع القاعدة الشعبية البسيطة. فهذه التجربة المسرحية تحاول أن ترد الاعتبار لبساطة الإنسان و إنسانية الإنسان و تقرب الجمهور العريض أكثر إلى حياة الإنسان و تُسلط الأضواء على مشاكله وانشغالاته اليومية. لذلك، يمكن أن يتخذ المسرح البسيط مواضيعه من الساحات و الأسواق العمومة و الفرجات المسرحية الشعبية المغربية الأمازيغية و العربية التي تشكل المرآة الحقيقية للإنسان البسيط. 
         بالاضافة إلى ذلك، يؤسس المسرح البسيط للهوية و الانتماء انطلاقا من المحلية. فالألبسة و الموسيقى و الأهازيج و كل عناصر السينوغرافيا يجب أن تكون مستوحاة من الثقافة المغربية الأمازيغية و العربية. كما يهدف الى تحقيق التفاعل الحضاري و الثقافي. بمعنى أنه ينفتح على الحضارات و الثقافات الأخرى و يتجلى هذا الانفتاح مثلا في توظيف أحداث و شخوص مسرحية تنتمي إلى حضارات و ثقافات أجنبية. و ينفتح أيضا على التراث إذ يوظفه و يقدمه في أعمال مسرحية جادة لخدمة القضايا المعاصرة. كما ينفتح المسرح البسيط على كل المدارس و التوجهات المسرحية ويأخذ منها ما يخدم الانسان بصفة عامة والفن المسرحي بوجه الخصوص.
       
         و في الختام، يمكن تلخيص تجربة المسرح البسيط في إنجاز أعمال مسرحية بسيطة سواء توفرت للمبدع المسرحي إمكانات ضخمة أم بسيطة. وذلك بتوظيف كل الاشياء و الامكانات المتوفرة لدى المبدع توظيفا بسيطا يحمل دلالة و معنى. فعناصر العمل المسرحي ببساطتها تحمل رموزا و دلالات و تعمل على تقديم أفكار وقضايا للجمهور المسرحي و بالتالي يتحقق فعل التشارك و هكذا تتحقق الفرجة المسرحية. 


سينوغرافيا مابعد الحداثة لروبرت ويلسون Robert Wilson))

مجلة الفنون المسرحية
 سينوغرافيا مابعد الحداثة لروبرت ويلسون  Robert Wilson))  

راندا طه 



هو مصمم مسرحي وكاتب وممثل ومخرج لمسرحيات ما بعد الحداثة كما أن له رسوماً ومطبوعات وأفلام، ومنذ عام 1960 قدم أشكالاً من الدراما الإنسانية الذاتية"Autistic", وتتميز أعماله بالإستاتيكية الصورية والخطوات البطيئة، والتناقض في مسرحه هو الأساس ، ويرتبط ذلك بفكرة التفكيك والتناقض ، كما أن الفعل الذي تقوم عليه أي مسرحية من مسرحياته يتشكل وينحل ويتداخل مع أشياء أخرى ويتشظى ويعاد تشـكيله .

 ويوصف ويلسون بأنه" إسفنجة أساطير myth sponge"، وإيقاعه شديد البطء فقد تستغرق العروض من 7إلى8 ساعات. والتكرارية والاختزالية في عروضه مؤثرة وفعالة ، ومنظومة الرمز في أعماله تصل إلي طابع الكونية.

و قـد صمم مسـرحية " خطاب إلى المـلكة فكتوريا "Letter for Queen Victoria  للعـرض في منطـقة البروسنيوم واستُعملت الديكورات المعقدة ، حيث يلبس الممثلون مـلابس صُممت خصيصاً للعرض ، فهي أشبه بمشهد من إحدى أوبرات فاجنر من القرن التاسع عشر (شكل 1). 

والمسرحية ليس لها بنية سردية ، فهي تفتقد لنقاط البداية والنهاية ويبدأ كل فصـل فيهــــا بمنظر ينضم إليه الناس تدريجياً ، في حين تظهر أشياء في أحيان كثيرة لا علاقة لها بالأحداث كتمساح أو رأس من الخس أو صخرة أو خزان مياه ، ويلعب المؤدون (الذين يحملون أرقامًا بدلاً من أسماء) أكثر من دور واحـد ، فعملية التحول مستمرة دائماً ( ).

أما موضوعات المسرحية فمختلفة ، مثل التفاعل الإنساني والجريمة والحرب الأهلية والاستعمار الثقافي والحضارات القديمة والقنبلة النووية. ولقد أراد ويلسون التأكيد على فكرة التواصل بين البشر وعوامل تدمير البشر في نفس الوقت ، واستعاد فيها ويلسون ما فقده المسرح الحديث من صفات التدين الصوفي ، وهي نقد لاذع للإدعاء بأن لغة الحوارهي اليد العليا في مسألة التواصل بين البشر.

كما يقدم رموزاً قوية من الإشارات والأصوات لأنه لا يوجد ديالوج بين الممثلين وإنما سطور متقطعة تكرر من فصل لآخر . وويلسون مثل "كاندنسكى" يخلق مناظر طبيعية على الخشبة من الأشكال المنحوتة التي تبهرنا بقوة ألوانها، كما أن أعماله توهمنا بوجود مسرحية تتطور من خلال استخدام صور مألوفة لا يمكن الوصول لتصور نهائي وحيد بشأنها( ) . (شكل 2, 3)

وقد وضع ويلسون تعريفاً جديداً للـ "خشبة المهـجنة"Hybrid Stage ، وهي المزج بين" الحركة البـاردة "Glacial Movement والرؤيـة الفنية وأنواع غريبة من الألفاظ الكلامية والأغـاني، و له رؤيـة ســريالية جــديدة للعالم(new-surrealist world view) لذا يعد وريثـــــاً للســــرياليين.

وكذا من أعماله المسرحية "نظرة شخص أصم Deaf man Glance" عام - وفيها اعتمد على تجربة العمل مع مراهق أبكم وأصم 1970- و "حياة سيجموند فرويد" و" أوبرا ملك أسبانيا"  1969( )، وكذلك " حياة جوزيف ستالين" 1973م و"قيمة الإنسان بالدولار "1975م  و" اينشتاين على الشاطئ "1976م  و"وحوش جريس Grace Monsters of   "التى صممها بالحاسب الآلى (شكل 4).

ومما سبق نجد أن "ويلسون" يكتب لموضوعات مادته بأهمية بالغة لا تقل أهمية عن الصورة الشكلية للعمل ، وإذا كانت هذه الصور لا تبلور موضوعاً مسرحياً في نهاية الأمر، فإنها تؤدى وظيفة شكلية هامة لأنها صور مألوفة لها أصداء عاطفية في وجداننا مما يعطيها ثقلاً شكلياً كمادة للعمل . 


























الهوامش
--------------------------------------------

1- بونى مارينكا ,مسرح الصور,ترجمة سميه يحيى رمضان,اكاديمية الفنون,1994,ص 92.
2- المرجع السابق, ص98.
3-نك كاى ,ما بعد الحداثية والفنون الأدائية, ترجمة نهاد صليحة , أكاديمية الفنون , القاهرة ,1997, ص96, 101.

الأحد، 22 يناير 2017

مهرجان المسرح العربي في دورته التاسعة.. طفرة مسرحية عظيمة فنّاً و إنساناً و فكراً و إعلاماً

مجلة الفنون المسرحية

مهرجان المسرح العربي في دورته التاسعة.. طفرة مسرحية عظيمة فنّاً و إنساناً و فكراً و إعلاماً


تقرير : هايل المذابي

اختتمت العروض المسرحية المتنافسة على جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة بتتويج العرض المسرحي المغربي "خريف " بجائزة أفضل عرض مسرحي للعام 2017 ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربي في دورته التاسعة المنعقد بمدينتي وهران و مستغانم بالجزائر 10 – 19 يناير 2017 .
و تنوعت فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان المسرح العربي بشكل أوسع و كبير من كل الدورات السابقة حيث شمل على مدار تسعة أيام أنشطة و ندوات فكرية و ورش عمل و تكريمات و عروض مسرحية قدمت تنافساً كبيراً و خلّاقاً .
وكان اليوم الأول من المهرجان 10 يناير قد بدأ بحفل الافتتاح الذي استهل برسالة اليوم العربي للمسرح 2017 و ألقاها بمناسبة العاشر من يناير اليوم العربي للمسرح الفنان الأردني حاتم السيد و ألقيت بالنيابة عنه ثم أعاد إلقاءها في حفل الاختتام 19 يناير ليلة تتويج خريف المغربية بالجائزة. 

وشملت فعاليات مهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح بالشارقة و يمثل تقليدا سنويا تلتزم به على مستوى الوطن العربي وبالتعاون مع الديوان الوطني للثقافة و الاعلام بالجزائر عروضا مسرحية كبيرة تم استيعابها ضمن برنامج المهرجان و كانت كالتالي : 8 عروض خاصة عرضت في المهرجان و 8 عروض مسرحية تنافست على جائزة القاسمي. و 4 عروض التي تبناها المهرجان ضمن المسار الثالث (التنمية و الترقية) تميزت بتوجهها للمعاقين و التراث و المرأة قدمتها فرق مسرحية من الجزائر و عُمان و السعودية و السودان. و بالإضافة إلى عروض محلية من مسرح الشارع إذا توفرت الشروط المناسبة نظمها ديوان الثقافة و الاعلام بالجزائر و ثمانية عروض قدمها المسرح الجامعي.
ندوات فكرية:
وقدمت ضمن أعمال المهرجان مجموعة من الندوات الفكرية هدفت إلى تجديد روح المؤتمر الفكري الذي ينطلق من خلال المجال الفكري في الدورة التاسعة من مهرجان المسرح العربي (دورة عز الدين مجوبي) إلى أفق جديد في صياغة الندوات، من خلال الندوات المحكمة (أربع ندوات) و الندوات التطبيقية (ندوتان) و ملتقيات اختصاصية (ثلاثة ملتقيات) و الورش التدريبية (خمس دورات) أشرف عليها الإشراف العام مسؤول المجال : د . يوسف عايدابي. و نسق وتابع لها عبد الناصر خلاف و أ . عمر فطموش..
وكانت الندوات المحكمة وعددها أربع ندوات تبنت الأولى أفضل ثلاثة من المتنافسين في مسابقة البحث العلمي المسرحي و إصدار نتيجة الفوز بالمراتب الثلاث. و الثانية عن أفضل ثلاثة من المؤلفين المتسابقين في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للطفل و إصدار نتيجة الفوز بالمراتب الثلاث. و الثالثة عن أفضل ثلاثة من المؤلفين المتسابقين في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار و إصدار نتيجة الفوز بالمراتب الثلاث. انتهاءا بندوة حسم الأمر في الحلقة الثانية من المناظرة العلمية التي بدأت عام 2014 (في الدورة السادسة) حول "ريادة النص العربي بين مارون النقاش و ابراهام دانينوس" و التي يتناظر فيها بشكل رئيسي الدكتور سيد علي اسماعيل من مصر، و الدكتور مخلوف بو كروح من الجزائر.
وشملت الندوات أيضا مجموعة متنوعة وواسعة الأفق و الأهداف منها ما طرح حول سؤال القطيعة و الاغتيال وشهادات و مشاهد عن تجربة الشهيدين عز الدين مجوبي و عبد القادر علولة و شملت هذه الصيغة ثلاث هما: شهيد المسرح الجزائري، عز الدين مجوبي. و شهيد المسرح الجزائري، عبد القادر علولة.
و حين تضيق العبارة يتسع الإيماء. و أما الملتقيات الاختصاصية فكانت ملتقى نجوم التمثيل الجامعي الجزائري. عقدت في مستغانم. و ملتقى المسارح الجهوية الجزائرية. و ملتقى المهرجانات المستضافة.
ورشة النص المسرحي "الموجه للكبار" بعد التأليف. الورشة الخاصة بالمسرح مع المكفوفين. تجربتان من الجزائر و سلطنة عُمان. الورشة الخاصة بالمسرح السعودي التغيير الاجتماعي. الورشة الخاصة بالمسرح السوداني العمل على التراث. ورشة المسرح الموجهة للأطفال من 6 إلى 12 سنة. 
كما و عقدت ندوات أيضا تتبع المؤتمر الفكري و جميعها في مستغانم وكانت ندوة شهيد المسرح الجزائري عز الدين مجوبي. ندوة شهيد المسرح الجزائري عبد القادر علولة. ندوة في النقد المسرحي لصالح كلية الآداب و الفنون. ندوة في التلقي و الجماليات البصرية لصالح كلية الآداب و الفنون.

وقدمت في اليوم السادس و السابع ندوتان محكمتان أعلن فيهما الفائزين بالمراتب الثلاث في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار للعام 2016. و لجنة تحكيم المسابقة للعام 2016 أ . بوكثير دومة – تونس. أ . مفلح العدوان – الأردن. بالإضافة إلى الناقد د . مصطفى سليم – مصر. إدارة الندوة : د . أنوال طامر – الجزائر و أما المتنافسون فهم 1. سعيد حامد شحاتة – مصر.2. هزاع ضامن البراري – الأردن.3. محمود محمد القليني – مصر.4. البوصيري عبد الله – ليبيا. 
وبالمثل تم تحديد مراتب الفائزين الثلاثة في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للأطفال للعام 2016. بلجنة تحكيم المسابقة للعام 2016 د. أياد السلامي – العراق. و أ . فتحي عبد الرحمن – فلسطين. وشارك فيها الناقد : أ . منصور العمايرة – الأردن. و إدارة الندوة : د . أحمد منور – الجزائر.
و كان المتنافسون فيها : 1. كنزة مباركي – الجزائر.2. محمد أحمد مستجاب – مصر3. د . مصطفى عبد الفتاح – سوريا. 4. دحو فروج – الجزائر.
ورش تدريبية 
و فيما يخص الورش التدريبية التي عقدت في مستغانم فكانت كالتالي : ورشة مهارات التمثيل. ورشة مفاهيم الإخراج. ورشة فن الماكياج و الأقنعة. ورشة فن الإيماء و التعبير الجسدي. ورشة النص المسرحي "الموجه للأطفال" بعد التأليف.
وكانت كالتالي: 1. مهارات التمثيل للطلبة الجامعيين تأطير نادرة عمران / الأردن. 2. مفاهيم الإخراج للطلبة الجامعيين تأطير سليم الصنهاجي / تونس. 3. الماكياج و فنون الأقنعة لفناني المسارح الجهوية الجزائرية تأطير ياسر سيف / البحرين. 4. ورشة الإيماء للطلبة الجامعيين تأطير سعيد سلامة/ فلسطين5. المسرح مع المكفوفين لصالح مسرحيتي أوديب و المزار تأطير نور الدين زيوال – المغرب. 6. المسرح و التغيير لصالح مسرحية أماني – السعودية، تأطير لينا أبيض.- لبنان. تأطير خالد جلال – مصر. 7.المسرح و التراث لصالح حصان البياحة السودان تأطير عزيز خيون – العراق. 8. المسرح و الأطفال لصالح أطفال مستغانم تأطير تأطير خالد الطريفي. 9.الكتابة للكبار لصالح كتاب جزائريين ، تأطير بوكثير دومة – تونس.10. الكتابة للأطفال لصالح كتاب جزائريين تأطير د. إياد السلامي – العراق.
ونظم المهرجان معرضان عن الهيئة العربية للمسرح الأول في وهران و الثاني في مستغانم احتفي فيهما بالإصدارات المسرحية الخاصة بالهيئة طيلة مسيرتها و منذ أن تأسست. 
واختتمن أعمال مهرجان المسرح العربي في اليوم التاسع بتتويج عرض خريف المغربي و ألقى الأمين العام للهيئة العربية للمسرح الفنان إسماعيل عبدالله كلمة الهيئة وتم تكريم المبرزين و المتفانين في خدمة أبو الفنون ممن حضروا فعاليات المهرجان من قبل وزارة الثقافة الجزائرية.
جدير بالذكر أن الدورة التاسعة من مهرجان المسرح العربي شهدت هذا العام طفرة عظيمة فيما يخص الجانب الإعلامي و الذي أشرف عليه و وجهه الفنان القدير غنّام غنّام مسؤول الإعلام و النشر بالهيئة العربية للمسرح و بالتعاون مع الديوان الوطني للثقافة و الاعلام بالجزائر.

الجمعة، 20 يناير 2017

أختتام مهرجان المسرح العربي االعربي التاسع بفوز العرض المغربي"خريف" بالجائزة

الخميس، 19 يناير 2017

عرض مسرحية "القلعة "بسينوغرافيا متكاملة

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption