أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأحد، 12 فبراير 2017

سلطان يشهد انطلاق مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي 2

مجلة الفنون المسرحية

سلطان يشهد انطلاق مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي 2

شهد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مساء أمس، في قصر الثقافة بالشارقة انطلاق فعاليات الدورة الثانية من مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي، الذي تنظمه إدارة المسرح بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، ويستمر حتى 15 من فبراير/‏‏شباط الجاري.
‎وانطلقت أولى فعاليات الحفل بكلمة ألقاها عبدالله محمد العويس، رئيس دائرة الثقافة والإعلام، قال فيها «نستقبل اليوم الدورة الثانية من مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي للاحتفاء بأهل المسرح في دول مجلس التعاون الشقيقة، ليكون منصة جديدة لإبراز وتشجيع واحتضان التجارب المسرحية.
ولقد كان من دواعي السرور أن العروض التي أنتجها وقدمها هذا المهرجان في دورته الأولى نالت النصيب الأوفر من الانتشار خلال السنة الماضية على مستوى الوطن العربي، كما توجت بالعديد من الجوائز الرفيعة، ومثّلت بلدانها في العديد من المناسبات المسرحية العربية والدولية».
وتابع العويس: «ترجمة وتجسيداً لتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، خلال الدورة الماضية تم إطلاق مسابقة لكُتّاب المسرح المدرسي في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث أوفدت الشارقة وفودها إلى العواصم الخليجية، للتعريف بالجائزة وبشروط المشاركة بها، وسط إدارات المناشط والمسارح المدرسية في الكويت والسعودية وقطر والبحرين وعُمان، كما نظمت العديد من اللقاءات الإعلامية بمشاركة طلاب وطالبات ومعلمين ومعلمات في تلك الدول الشقيقة.
وقد شهدت الدورة الأولى من هذه المسابقة مشاركة واسعة من جميع الدول الخليجية، ساعدت على التعرف إلى العديد من الأسماء الموهوبة في الكتابة الإبداعيّة في الوسط المدرسي، وكلنا أمل في أن تسهم الدورات المقبلة من هذه المسابقة في استكشاف وإبراز المزيد من الكتّاب، كما نتمنى أن تلهم المسابقة الكتّاب الذين فازوا بجوائزها على المتابعة في إثراء المكتبة المسرحية بنتاجاتهم المبدعة».
وأشار العويس إلى أن المهرجان يأتي موازناً بين البعدين الإبداعي والفكري للممارسة المسرحية؛ فإلى جانب العروض المسرحية الستة، هناك العديد من الأنشطة المصاحبة المخصصة للمناقشات الفكرية والنقدية وستنظم على مدار أيام المهرجان لتعمق التواصل بين المشاركين.
وفي هذا الإطار يأتي الملتقى الفكري المصاحب الذي سيناقش واقع المسرح الخليجي من حيث مضامينه وأساليبه، كما ستلي العروض ندوات تطبيقية يومية تضيء على جماليات العروض وتحاور موضوعاتها.
وشاهد صاحب السمو حاكم الشارقة والحضور فيلماً وثائقياً يستعرض أبرز ملامح ومحطات الدورة الأولى من مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي.
وتخلل الحفل التعريف بأعضاء لجنة تحكيم المهرجان، والتي تضم في عضويتها: وليد عمران من الإمارات، وسامر عمران من سوريا، وفادي أبي سمرا من لبنان، ولطيفة بلخير من المغرب، ويوسف البحري من تونس. ‎كما أن المهرجان في دورته الثانية سيشهد 6 عروض مسرحية، وهي: مسرحية «هناك» من قطر، وهي من تأليف وإخراج عبد الرحمن المناعي، ومسرحية «حرب السوس» من سلطنة عمان، من تأليف حميد فارس وإخراج مرشد راقي، ومسرحية «تشابك» من السعودية، كتبها فهد ردة الحارثي ويخرجها أحمد الأحمري، ومسرحية «الكراسي» من البحرين، تأليف يوجين يونسكو وإخراج حسين العصفور، ومسرحية «غصة عبور» من الإمارات، تأليف تغريد داوود وإخراج محمد العامري، ويختتم المهرجان بعرض مسرحية «انعكاسات» من الكويت، وهي من تأليف علي العنزي وإخراج الكويتي خالد أمين.
حضر الحفل الشيخ سالم بن عبدالرحمن القاسمي، رئيس مكتب سمو الحاكم، والشيخ فيصل بن سعود القاسمي، مدير هيئة مطار الشارقة الدولي، وخولة الملا، رئيسة المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة، وعلي سالم المدفع، رئيس هيئة مطار الشارقة الدولي، ومحمد عبيد الزعابي، رئيس دائرة التشريفات والضيافة، والدكتور خالد المدفع، مدير عام مؤسسة الشارقة للإعلام، وصلاح المحمود، مدير عام هيئة الشارقة للوثائق والأرشيف، وإسماعيل عبدالله، أمين عام الهيئة العربية للمسرح، وعدد من المسؤولين ومديري المؤسسات الثقافية، وكوكبة من نجوم الفن والمسرح الخليجي، وأحمد بورحيمة، مدير إدارة المسرح في بدائرة الثقافة والإعلام.

----------------------------------------
المصدر : الخليج 

الهيئة العربية للمسرح تنشر كتاب: “المفارقة في المسرح” لأثير الهاشمي

مجلة الفنون المسرحية


الهيئة العربية للمسرح تنشر كتاب: “المفارقة في المسرح” لأثير الهاشمي 

ضمن مطبوعات الهيئة العربية للمسرح، تم إصدار كتاب ” المفارقة في المسرح للناقد أقير الهاشمي ويتناول الكتاب مجموعة من النصوص بالدراسة والتحليل مقدمة الكتاب: إن المفارقة تقنية مهمة، أصبحت أسلوباً رئيساً في الأدب العالمي بشكل عام، والأدب العربي بشكل خاص، إذ إن ما تؤديه هذه التقنية من أساليب ترتفع بالنص وتطوّره كالابتعاد عن المباشرة اللغوية، أو تكثيف اللفظ لتعميق المعنى أو كسر الرتابة اللغوية (الموضوعية والفنية)، أو لاستعمال ما هو غير مألوف ومختلف، ومن ثم إن هذه الخصائص وغيرها من شأنها أن تكسر أفق انتظار المتلقي، وعلى هذا الأساس فإن المتلقي يبحث عما هو مشوّق دائماً، ولذلك أصبحت للمفارقة أهمية كبرى في مجال الدراسات الأدبية، ونظراً لـِما تشكله تقنية المفارقة من مميزات عديدة ومما تتطلبه من خصائص جمة، فإن المسرح يأتي أوّل الأجناس قبولاً وتناسباً لها ولأنواعها، لما يمثله من مميزات يمكن أن يتسع للمفارقة بكل تجلياتها، ومن ذلك نقول إن السبب وراء اختيارنا لهذا الموضوع هو عدة أسباب أهمها: إن المفارقة تقنية مهمة في المسرح كما هي في الأجناس الأخر. إن المفارقة في الأدب المسرحي العراقي المعاصر أخذت أبعاداً أخرى كونها تأثرت بالأبعاد السياسية للعراق وما مرَ به من ظروف اجتماعية وثقافية متأزمة خلال سنوات متعاقبة، ولذلك أصبحت المفارقة جزءاً من حياتنا اليومية مما عـُكست بشكل قصدي أو لا قصدي في النص المسرحي العراقي. وعلى الرغم من العناية في الآونة الأخيرة بتقنية المفارقة في الوطن العربي و العراق من خلال عدد من الدراسات (الشعر، القصة، الرواية، المقامات) فإنها لم تدرس في المسرح – بشكل عام -، ولا المسرح العراقي – بشكل خاص -، فكان ذلك السبب الرئيس وراء اختيارنا  لهذا الموضوع. أما الدراسات التي استفدنا منها في دراستنا، فإنها كثيرة، لكن الأهمية تتفاوت من دراسة الى أخرى، ومن هذه الدراسات (المفارقة، والمفارقة وصفاتها) لـ د.سي ميويك، ترجمة د.عبد الواحد لؤلؤة، وكذلك بحث كل من د.سيزا قاسم (المفارقة في القصص العربي) وبحث د.نبيلة إبراهيم (المفارقة)، ودراسة (المفارقة في شعر الرواد) للدكتور قيس الخفاجي، و (المفارقة والأدب) لخالد سليمان، ومن بين الكتب المهمة التي تناولت المفارقة واستفدنا منها، كتاب (المفارقة في الشعر العربي الحديث) للدكتور ناصر شبانة، علاوة على عدد كبير من الدراسات التي لا تقل أهميتها عن الدراسات التي ذكرناها أعلاه. أما المنهج الذي سرنا عليه في هذا البحث، فهو المنهج الوصفي التحليلي، وبحسب مقتضيات البحث. تناولنا في هذا البحث، مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة مرفقة بملخص باللغة الإنجليزية. أما الفصل الأول، فكان إشكالية المصطلح ووظيفته الأدبية، تضمن مبحثين، الأول دراسة (إشكالية المصطلح)  حيث تطرقنا إلى إشكالية ترجمة المصطلح من خلال اختلاف المترجمين والنقاد حول مصطلح المفارقة، ومن ثم تعريفها في المعاجم اللغوية القديمة والحديثة، وبعد ذلك عرضنا لإشكالية المفارقة في التعريف الاصطلاحي، حيث لم تستقر المفارقة على تعريف محدد، بل تنوعت التعريفات والآراء حولها، لكننا حاولنا أن نضع التعريفات في بوتقة واحدة من أجل الخروج بنتيجة متقاربة إزاء تعريف المصطلح سواء في النقد الغربي أو العربي، وكذلك تناولنا  في هذا المبحث أنواع المفارقة، ووقفنا على أهم الأنواع، وحاولنا من خلال دراستنا وضع تحديدات مناسبة لكل نوع، كما درسنا طريقة صناعة المفارقة وبنائها في ضوء أسئلة طرحناها: كيف تـُبنى المفارقة ؟ وما طريقة بنائها ؟ فوجدنا أن طريقة بناء المفارقة تحتاج إلى مهارة لغوية خاصة، كما أنها تعتمد على مبدأ الاقتصاد كما يوضح ميويك، وفي المبحث الآخر (وظيفة المصطلح الأدبية)، تناولنا فيه وظيفة المفارقة بشكل عام، ومن ثم عرضنا لوظائف المفارقة في الأنواع الأدبية، كالشعر والقصة والرواية والمسرح، ودرسنا نماذج من المسرح العالمي كنموذج تطبيقي قبل الدخول إلى مرحلة النقد التطبيقي على المسرح العراقي. وتناولنا في الفصل الثاني (المفارقة في المسرح النثري) تضمن ثلاثة مباحث، المبحث الأول درسنا فيه (المفارقة وأنواعها في النص المسرحي النثري)، درسنا فيه ما تعرضنا له في الفصل الأول في الجانب النظري الخاص بالمفارقة وأنواعها، وحاولنا تطبيق المفارقة وأنواعها على المسرح العراقي النثري، و في المبحث الثاني (بناء المفارقة ووظائفها في المسرح النثري)،كذلك حاولنا تطبيق ما تعرضنا له في الجانب النظري من الفصل الأول الخاص ببناء المفارقة ووظائفها، فدرسنا النصوص بالتحليل النقدي من خلال آلية بناء المفارقة ووظائفها الأدبية في النص،  أما المبحث الثالث، فكان (المفارقة في مسرح الطفل)، وفيه حاولنا دراسة المفارقة في نصوص مسرح الطفل، لأنه أحد أعمدة المسرح العراقي، درسناه من خلال الأسئلة الآتية: أين تكمن المفارقة في مسرح الطفل ؟ وما مدى هيمنتها في مسرح الطفل ؟ ما أنواعها ؟ ما طريقة بنائها ؟ وظائفها ؟ أسلوب الكاتب فيها ؟ أما الفصل الثالث، (المفارقة في المسرح الشعري)، فتضمن مبحثين، المبحث الأول (المفارقة وأنواعها في النص المسرحي الشعري)، حاولنا في هذا المبحث أيضاً تطبيق ما تعرضنا له في الجانب النظري في الفصل الأول وتطبيقه ودراسته على المسرح الشعري، من خلال المفارقة وأنواعها، أما المبحث الثاني (بناء المفارقة ووظائفها في النص المسرحي الشعري)، فتناولنا بالتطبيق النقدي بناء المفارقة في المسرح الشعري والوظيفة الأدبية المتأتية من المفارقة لدى كل نص. وأوردنا خاتمة، لخصنا فيها أهم ما خرج به البحث من نتائج. أما الصعوبات التي واجهت الكتاب، فنعتقد أن لذة البحث وكتابته تتأتى من تلك الصعوبات، وأهم هذه الصعوبات:- قلة ما كـُتب من الدراسات حول المفارقة في المسرح، بخاصة المسرح العراقي، مما اعتمدنا في كثير من الأحيان على تحليلنا النقدي أو رؤيتنا النقدية المتواضعة، مع ملاحظة مهمة أننا لم نختر النصوص المسرحية العراقية بشكل تعييني، بل حاولنا قراءة أكثر النصوص العراقية إن لم نقل جميعها، فكانت حصيلة ما درسناه  في هذا البحث هي بحسب ورود المفارقة فيها، وهيمنتها بها. إن هذا الجهد، ما هو إلا جهد بسيط نأمل من خلاله أن يكون ثمرة متواضعة من ثمرات النقد المسرحي المعاصر. 

---------------------------------------
المصدر : المسرح نيوز  -  هبة جاد 

السبت، 11 فبراير 2017

دراماتورجيا المخرج : من فضاء النص نحو فضاء العرض – محمد الكغاط نموذجا

مجلة الفنون المسرحية 

دراماتورجيا المخرج : من فضاء النص نحو فضاء العرض – محمد الكغاط نموذجا

د. محمد حميدي

تأسس المنظور الحديث لفن الإخراج المسرحي لدى محمد الكغاط انطلاقا من تصوره العام لفضاء النص الدرامي في ارتباطه بفضاء الخشبة، و من إيمانه بدور الدراماتورج في بناء مقومات العرض المسرحي من خلال البحث عن  عناصر الربط بين النص الدرامي وبين تقنية الكتابة السينوغرافية ومجال التمثيل والفرجة . ولا غرابة في ذلك ما دام الفنان محمد الكغاط  يجمع بين عملية التأليف والإخراج بالإضافة إلى التمثيل، لذا، تتميزت نصوصه الإبداعية بخاصية الانفتاح على العرض المسرحي.

ففي مقدمة مسرحية “منزلة بين الهزيمتين”  دعا المخرج محمد الكغاط إلى كسر الخطاب السري أو الثنائي بين المؤلف والمخرج، أو بين المؤلف والقارئ، وأعطى الامتياز للمشاهد..كما دعا إلى اللعب المكشوف، أو ما أسماه تقريب المسرح من الجمهور بتعرية كلما يجري فوقه وفي كواليسه، فكان ذلك بمثابة اعلان لميلاد دراماتورجيا المخرج المسرحي  التي تشتغل انطلاقا من النص على كتابة “مشروع العرض المسرحي، أي كتابة نص العرض إلى جانب النص المسرحي”.1

 ان هدف الكغاط من ذلك هو توجيه انتباه الجميع (نقادا وممثلين ومشاهدين) نحو العرض المسرحي من خلال حرصه على وضع تصورات اخراجية للنصوص الدرامية. اذ يشير “أن هـدف المخرج المسرحي سواء كـان مخرجا مفسرا أو مخرجا مرآة أو مخرجا مبدعا هو تحقـيق عرض مسرحي متـكامل يستجيب لتـطلعات الجمهـور ويدفـع النقـاد إلى الإشـادة به “.2

1-الدراماتورجية الحديثة وسلطة المخرج

الواقع أن المناخ الجديد للعمل المسرحي الذي ساد إبان القرن التاسع عشر، قد هيأ ظروفا جديدة لتعامل المخرج المسرحي مع الإبداع المسرحي بأدوات وأساليب حديثة ساهمت في ظهور وظائف مسرحية جديدة كالسينوغراف والدراماتورج وتقني الإضاءة ومصمم الديكور والأزياء…الخ. وكان ذلك بمثابة اعلان لميلاد نص المخرج المسرحي والتعامل معه باعتباره نقطة انطلاق نحو تأسيس رؤية جديدة للعرض المسرحي أو بصيغة أخرى  البحث عن الكيفية التي تتيح للمخرج الانتقال من النص إلى العرض او منه بحثا عن الكتابة السينوغرافية « 3 » خاصة “وأن العمل على الركح يضفي نظرة أخرى على النص”4

 ان هذا الانتقال  يتم بواسطة ما يعرف بالتصور الدراماتورجي، ما دامت الدراماتورجيا تحاول أن تفك العلاقات المعقدة بين النص والعرض، وكونها  كذلك” تعمل من داخل النص على التفكير في إمكانيات المرور إلى الخشبة، ومنها إلى دراسة صيغ المرور نحو الجمهور، إنها تعمل إذن على فهم وضع كل نص على حدة، وعلى بناء عروض واقعية أو افتراضية”.5

هكذا صاغ الفنان محمد الكغاط  مشروع العرض المسرحي معتمدا في ذلك على التجريـب والبحث عن علاقات النص بالعرض. يقول: “.. ومع بداية الثمانينات صرت أبحث عن مشروع العرض المسرحي، وهي محاولة للبحث عن قالب يقوم على التجريب يبحث في اللـغة والحوار وتقنيات العرض، وفي نفس الآن لنخرج بنص للعرض قريب مما يسميه السينمائيون، التقطيع التقني “Le découpage technique” ،6

ان عمل الدراماتورج  من هذه الزاوية يهم كل شيء في العمل المسرحي (النص، الإخراج، السينوغرافيا، الفضاء، الممثل…الخ)، ولذلك اولى محمد الكغاط عناية خاصة للنص الدرامي الذي يجب أن يحمل مشروع العرض،  يقول: “فنصوصي المسرحية خصوصا الأخيرة منها هي عبارة عن مشروع عروض حيث يتوفر النص على الحوار إلى جانب السينوغرافيا، بمعنى الفضاء المسرحي وكيفية اشتغاله، وكذلك الجانب الدراماتورجي أي الاهتمام بتقسيم النـص والجملة المسرحية، وتقسيم نفس الممثل، أي أن الجملة المسرحية أكتبها انطلاقا من نفس الممثل كما أتصوره أنا.. هكذا يكون النص المسرحي مشروع عرض”.7

2-الربط بين التجريب والدراماتورجيا

ما دامت الدراماتورجيا تؤسس لهذا المنظورالحديث في علاقة النص بالعرض من خلال الانتقال بالمفهوم التقليدي للنص المسرحي نحو تاسيس مفهوم مغاير له عبر ربط هذا الاخير بفضاء العرض،  وهو تصور قائم في اساسه على التجريب الذي يشمل كل العناصر التي تكون النص والعرض معا، يقول محمد الكغاط : “فمهما يكن من أمر النـص الدرامي والنص السينوغرافي عندنا فإنني أعتقد أن التجريب في مفهومه الشامل لا يهتم بالتمييز بين النصين  بقدر ما يهتم  بكل العناصر التي تكونهما، انه ينطلق  من الحرف في النص الدرامي مـرورا بالكلمة والجملة والحوار واللغة.. ومرورا بالنص السينوغرافي بما يعنيه من ديكور وملابس واكسسوار وإضاءة ومكياج وحركة وصوت وصمت…الخ “، 9 وفي السياق نفسه يرى بأن كل عرض مسرحي  يعد تجربة ينبغي أن تضيف جديدا  إلى ما تحقق من منجزات في  الميدان  الفني، ولتحقيق هذه الأهداف لابد من قاعدة متينة، وليست هذه القاعدة المتينة إلا نصا جيدا يتوفر على:

-الفكرة السامية، والمقصود بها الاتصال الوثيق بحياة الجمهور وبقضاياه الأساسية.

-البناء المحكم الذي يسهل مهمة المخرج.

-تكوين تصور عام عن العرض المسرحي.

-مساهمة عمال الديكور والإضاءة وغيرهم في العرض.

-إرضاء الجمهور مرحليا عبر تعويده تدريجيا على العروض التجريبية .

تناسب الممثلين مع الشخصيات.10

إن اختيار النص يدفع إلى الابتكار، ولن يكون هذا الابتكار سوى عمل  المخرج والدراماتورج والسيينوغراف ومهندس الديكور ومصمم الأزياء وتقني الإضاءة، الذين ينطلقون جميعا من هذا النص حسب اختصاصات كل واحد منهم من أجل ابتكار وخلق معادلات لملفوظات النص عبر الحركة والإضاءة وتشكيلات الفضاء …. ومن هنا فالتجريب لا يمكن أن يخضع لمعيار محدد عند المخرج المسرحي والعاملين معه، بل يتحدد أساسا انطلاقا من مختلف تجارب كل مخرج في علاقته بالنص والعرض والممثلين. وربما لهذا السبب يرى محمد الكغاط أن “باستطاعة كل مخرج أن يتحدث عن تجربته الخاصة وعن العلاقات التي يحددها  لنفسه اتجاه النص والممثلـين والخشبة والجمهور والحياة بصفة عامة، ولذلك فهو يفضل الحديث عن المخرجين بدل الحديث عن الإخراج عندما يتناول بالدراسة مدارس الإخراج المعاصرة”.11

ويمكن إذن أن نستخلص أن عملية الإخراج المسرحي من منظور محمد الكغاط تتأسس – في تصوره كمخرج ومؤلف وممثل – ، من مختلف مكونات الفعل المسرحي. وهو تصور يقوم على الرؤية الدراماتورجية التي تساعده عي عملية الانتقال من السمعي إلى البصري أو البحث عن مفردات النص الدرامي بواسطة العرض، كما يخضع الإخراج لديه كذلك لمسألة اختيار النص وللقاعة ولعملية التداريب وتكـرار العروض، وهو ما جعله يؤكد على أن  الإخراج ” يمثل إحدى القراءات الممكنة لنص المؤلف، هذه القراءة التي يمكن أن توجه عمل المخرج نتيجة عوامل ذاتية ومادية. وتتعلق هذه العوامل باختيار النص وتحديد هدفه وإمكانيات الفرقة المادية والبشرية والقاعة ونوعها وتجهيزاتها، كما أن التصور الذي يضعه المخرج للعرض لابد أن يخضع لعدة تغييرات أثناء التداريب والعرض أمام الجمهور، وبين تقديم وآخر.”12 كما تخضع عملية الإخراج لديه لمسألة التجريب في مكونات النص والعرض معا، بناء على اطلاعه على مختلف النظريات والمدارس الإخراجية الغربية وكذا المناهج والدراسات النقدية التي تتناول الظاهرة المسرحية وتحللها من مختلف الزوايا، ثم كذلك من إلمامه بفن السينما والإذاعة.. إلى جانب اهتمامه بأنواع التراث العربي. كل هذه العوامل دفعت محمد الكغاط إلى البحث عن القالب المسرحي العربي الذي يخضع بدوره لعملية التجديد والتجريب ما دام “مفهوم القالب المسرحي نفسه لا يعدو أن يكون عملا إجرائيا، إذ يجب أن يكون لكل كاتب أسلوبه الخاص به، ولكل مسرحـية صيغتها التي تنفرد بها، ولكل عرض قالبه الذي يميزه عن غيره، ومادامت الظواهر التراثية نفسـها بنصوصها وعروضها قوالب قديمة يمكن تحديثها وذلك من خلال لغة حية وحركة مناسبة وتقنيـة ملائمة”.13

3- تجليات التصور الدراماتورجي من خلال مشروع العرض المسرحي. أساطير معاصرة:

ان ايمان محمد الكغاط  ببناء مشروع العرض المسرحي انطلاقا من ربط الكتابة بفضاء الركح، و بضرورة التجريب المسرحي في مختلف مستوياته  (اللغة، الحوار، الفضاء، التقنيات المسرحية…). نابع  من تصور الدراماتورجي في تحقيق هذا الهدف بوضع الخطاطة العامة للعرض انطلاقا من النص، وهو الأمر الذي عبر عنه بقوله :” ..وأنا قبل أكتب مسرحية أفكر في كل جزئياتها، بحيث أنني لا أشرع في الكتابة إلا عندما يكتمل لدي التصور عن العرض ككل، وأحيانا اعرف حتى الممثلين الذين سيؤدون الأدوارـ التي أعتقد أن الكاتب الحق في المسرح، وخاصة إذا كان مؤلفا ومخرجا، لا بد أن يضع في اعتباره المتلقي 14.

إن النص المسرحي في تصور محمد الكغاط لا يعتبر هدفا في حد ذاته، بل هو الفكرة التي يمر من خلالها إلى العرض. ولهذا كان دائما يملأ النص بكثير من الإرشادات المسرحية التي يمكن أن توجه عمله كمخرج، كما توجهه خلال قيامه بتدريب الممثلين على الأدوار، وأيضا في كيفية وضع الديكور وتوظيف الموسيقي والإضاءة والأكسسوار واستغلال الفضاء…إلخ. وفي هذا الإطار يقول: ” إن أهمية النص المسرحي لا تتجلى فقط في موضوعه وفكرته، وإنما في القالب أو التصور السنوغرافي الذي يمكن أن اصب فيه هذه الفكرة. ولذلك عندما أشير أن النص هو مشروع عرض مسرحي، معنى ذلك أنني أحمله من الإرشادات المسرحية ما يبلور هذا التصور، ولكن دون أن أترك هامشا كبيرا للمخرج الذي ربما سيتناول هذا النص فيما بعد، ويحاول إخراجه، ولذلك فالإرشادات المسرحية بالنسبة إلى، عبارة عن مفكرة تجعلني إذا ما قمت أنا شخيصا- وهذا ما أقوم به- بإخراج النص المسرحي، أحاول أن ادخل تغييرات على النص وعلى طريقة إخراجه من خلال تقييم ملاحظات الجمهور للعرض”15.

وبالعودة إلى العرض المسرحي “أساطير معاصرة”16، نلاحظ أن التقسيم الذي خضع له النص الدرامي، بدءا بالبرولوج واللوحات الدرامية الثلاث بخلفياتها الدرامية ومستوياتها وحركتها، هو التقسيم نفسه الذي خضع له العرض المسرحي. وهو ما يعني أن محمد الكغاط كان يكتب أيضا بعين المخرج وليس فقط بعين المؤلف. ومن هذا المنظور، فالإرشادات المسرحية التي وظفها بكثرة في النص – بالإضافة إلى البرولوج – تلعب دور الخيوط الناظمة بين الحوار والشخصيات والأزمنة والأمكنة و اللوحات، أو بعبارة أخرى إنها تملأ فراغات النص وبياضاته. وهذه الإرشادات هي التي ستصبح بدورها لغة سمعية وبصرية في العرض، يحسها ويراها المشاهد في الفضاء الركحي. ذلك ما سنقف عنده من خلال عرض مسرحية ” أساطير معاصرة”.

أ) البرولوج

حافظ المخرج محمد الكغاط في العرض على البرولوج كما وضعه في النص المسرحي. ويتضمن هذا البرولوج ثلاث شخصيات رئيسية هي:

* أيو، وهي شخصية ماخوذة عن أسطورة برومثيوس، إذ وقع الإله زيوس في غرامها، مما أثار حقد وغيرة زوجته هيرا، فمسختها عجلة بيضاء وسلطت عليها ذبابة قارضة لم تترك لها فرصة واحدة للرقاد والراحة، كما سلطت عليها أرجوس/ الغول، صاحب العشرة آلاف عين ليحرسها في كل مكان 17.

* أنتيجون، وهي الشخصية التي وقفت في وجه قانون كريون الظالم، الذي قضى بعدم السماح لها بدفن جثمان أخيها. ومع أنها لم تخضع لأوامر كريون، فقد أمر هذا الأخير بوضعها في كهف وإغلاقه عليها. غير أن هايمون وهو ابن كريون وخطيب انتيجون قد طلب الصفح عنها من أبيه الذي رفض ذلك، بعدها هرب هايمون إلى الكهف ليعيش بجانب خطيبته انتيجون، في حين أخبر الكاهن تيرسياس كريون بمخالفته لقوانين الشرائع الإلهية، وذكره بالنتائج التي سيترتب عن ذلك، إذ هرع كريون في الحين إلى الكهف، فوجد أنتيجون قد فارقت الحياة، وابنه متعلق بها، فلما رأى هايمون أباه كريون حاول قتله، فلم يفلح في ذلك فقتل نفسه 18.

* ألكترا: وهي الشخصية التي عاشت عيشة تعيسة بسبب إهانات أمها كليتمنسترا وعشيقها لها، وكذلك بسبب إخلاصها لأبيها المقتول من طرف عشيق أمها. لكن أخاها أورستس سيخلصها من هذا العذاب، بعد أن أخذ بثأر أبيه بقتل أمه وعشيقها 19.

  لقد أشار المخرج محمد الكغاط من خلال البرولوج إلى مختلف الأمكنة التي وقعت فيها أحداث هذه الأساطير، كمدينة أرجوس ومدينة طيبة ومدينة موكينيا، وذكر فيه كذلك بالوقائع التاريخية لهذه الأساطير مع تداخلها بأسطورة بغداد المعاصرة.

ويمكن أن نلاحظ كذلك أن هذه الشخصيات الثلاث التي ذكرها المخرج في البرولوج لا تقابلها في العرض إلا ممثلة واحدة، هي التي قامت بتشخيص أدوار مركبة كما سنرى ذلك فيما بعد.

ب) المكان والزمان

يتسم مكان الأحداث في عرض مسرحية ” اساطير معاصرة” بتداخله بين الماضي/ الأسطوري، وبين الحاضر/ الواقعي. كما يتسم كذلك زمان الأحداث بتداخل أزمنته الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. وسنوضح ذلك عبر الجدول الآتي 20:

المكان
الأسطوري

اللوحة الأولى اللوحة الثانية اللوحة الثالثة
يمكن أن يكون في قفار سكينيا باب من أبواب طيبة السبعة ساحة من ساحات مدينة موكينيا



المكان الواقعي

يمكن أن يكون شارعا معاصرا كتلك الشوارع التي عرفتها مدن القرن العشرين، لكن المدينة التي تعنينا تنتمي إلى ما يسمى بالعالم الثالث يمكن أن يكون المكان معاصرا، ويمكن أن يتداخل الأسطوري بالمعاصر يمكن أن يكون المكان ساحة مقاومة تلتقي فيها نماذج من
الشخصيات التي وقفت في وجه الظلم عبر التاريخ البشري.

الزمان الأسطوري قد يكون زمان بروميثوس متداخل بين الماضي والحاضر متداخل بين الماضي والحاضر والمستقبل

الزمان الواقعي

قد يكون الزمان الحاضر هو يوم من أيام التاريخ البشري من بدابته إلى ما سيأتي منه هو الماضي والحاضر والمستقبل
نلاحظ أن المخرج محمد الكغاط حرص على تطبيق هذه الإرشادات الزمكانية في فضاء العرض المسرحي، كما حددها في نص الإرشادات، وذلك بواسطة تقنيات فنية مختلفة منها: إظلام الخشبة والموسيقى التي لعبت دور الانتقال من حالة إلى حالة أخرى، ومن زمان إلى زمان آخر، ومن مكان إلى مكان ثان، كما لعبت دور الربط بين اللوحات الثلاث، وأحداثها وأمكنتها وشخصياتها…إلخ.

وكذلك بواسطة الديكور واللباس اللذين جمعا بين الزمان الأسطوري والزمان الواقعي.

ج) الممثلون والأدوار المسرحية المركبة

ركز المخرج محمد الكغاط في عرض مسرحية أساطير معاصرة” على الممثل وعلى إمكانية لعبة لعدة أدوار مختلفة. وحتى نتبين ذلك سنشير أولا في الجدول الآتي إلى الشخصيات الرئيسية التي أوردها المؤلف في النص المسرحي، ونبين صفاتها وأحوالها وكيف انه حاول أثناء العرض اختزال أدوار هذه الشخصيات التسع في ثلاثة أدوار وبواسطة ثلاثة ممثلين.

اللوحات الشخصيات أحوالها وصفاتها
اللوحة الأولى أيو أسطورية، ويمكن أن تمثل أي امرأة أخرى مقاومة للتسلط والظلم والطغيان
الشخصية رقم 1 جلاد
الشخصية رقم 2 بطل له مواصفات بروميثيوس الذي وقف في وجه ظلم وجور زوس.
اللوحة الثانية أنتجون قوة الشخصية – حب المعرفة – التحدي – التعاسة.
بولينيس معذب بسبب خروجه عن القانون
إيثيوكليس شهيد
اللوحة الثالثة ألكترا مقاومة التسلط والظلم والاغتصاب.
المربي نموذج الإنسان المخلص.
أورستس أمل التغير بالنسبة لألكقرا.
وبرجوعنا إلى العرض، سنجد أن هذه الشخصيات التسع تحولت إلى ثلاثة أدوار مركبة، تولى تشخيصها ثلاثة ممثلين عبر تعاقب اللوحات.

فالممثلة التي قامت بدور أيو في اللوحة الأولى هي نفسها التي لعبت دور أنتيجون في اللوحة الثانية، ودور ألكترا في اللوحة الثالثة، فضلا عن دور كليتمنسترا في اللوحة الثالثة كذلك. كما أن الممثل الذي شخص دور الشخصية رقم 1 في اللوحة الأولى هو نفسه الذي شخص دور بولينيس في اللوحة الثانية، ودور المربي في اللوحة الثالثة. في حين أن الممثل الذي لعب دور الشخصية رقم 2 في اللوحة الأولى هو الذي قاد بدور ايثيوكليس في اللوحة الثانية، ودور أورستس في اللوحة الثالثة.

أما عن الشخصيات، فهي تحيل على أسماء في الأساطير الإغريقية وخاصة أساطير برومثيوس وانتيجون وألكترا.

ويمكن أن نبين ذلك أيضا في الجدول الآتي:

الممثل الأدوار التي شخصها

الممثلة

أيو
أنتيجون

ألكترا

كليتمنسترا


الممثل الأول

الشخصية رقم 1
بولينيس

المربي


الممثل الثاني

الشخصية رقم 2
إيثيوكليس

أورستيس

كما أن بعض هذه الشخصيات الأسطورية تتداخل مع بعض الشخصيات الواقعية، فأيو يمكن أن تعوض بأي امرأة أخرى مقاومة للظلم والطغيان، كما ان الشخصية رقم 2 التي تذكر – حسب قول محمد الكغاط – ببرومثيوس يمكن أن تحمل صفة أي رجل يتمتع بالقوة الكاملة للوقوف في وجه الطغاة. أما شخصية ألكترا فيمكن أن تعوض بدورها بأي امرأة استطاعت مقاومة التسلط في والظلم . وهذه الشخصيات تمثل أدوار رئيسية في العرض، في حين نجد أسماء شخصيات أخرة تلعب أدوار ثانوية، وهي شخصيات تظهر خلال مجرى الأحداث، ويمكن أن تعوض بالأصوات فقط، كالشخصيتين اللتين تمثلان دور الذبابتين، والشخصية التي تمثل دور أرجوس، وكذلك الشخصية التي تقوم بدور كليتمنسترا أم ألكترا.

د) الفضاء الركحي

وهو يوضح في العرض الشكل الذي يمكن ان توجد عليه الخشبة، أو المناطق التي يمكن أن تقسم إليها، وسنتبين ذلك من خلال لوحات العرض ومستوياتها21.

– اللوحة الأولى

نلاحظ خلال المستوى الأولى من اللوحة الأولى أن الخشبة قد فسمت إلى عدة مستويات. ويبدأ مشهد لعب الأوراق في أحد أركان المقهى بين الممثل رقم 1 والممثل رقم 2، وهما يجلسان إلى الطاولة.

وخلال المستوى الثاني من اللوحة الأولى، يظهر الممثل رقم 1 وهو يوثق الممثل رقم 2 إلى الشجرة أو الصليب.

وفي المستوى الثالث من اللوحة الأولى، تظهر أيو في عمق الخشبة وهي ترتدي لباس أميرة يونانية، تغني وترقص- واضعة القلة فوق رأسها- على نغمات موسيقية .

أما المستوى الرابع من اللوحة الأولى، فتتحول فيه مقدمة الخشبة إلى بؤرة للعب، حيث تطارد الذبابتان والغول/ أرجوس أيو.

– اللوحة الثانية

وقد قسمت الخشبة في هذه اللوحة إلى فضاءين وهما: الفضاء الأمامي وتظهر فيه أنتيجون، ثم الفضاء الخلفي، ويظهر فيه كل من إثيوكليس وبولينيس، وقد وظف المخرج الستائر للفصل بين الفضاءين معا.

– اللوحة الثالثة

وخلالها نلاحظ أن المخرج محمد الكغاط قام بتجميع كل عناصر الديكور والتوابع المسرحية التي سبق له توظيفها في تأثيث فضاء اللوحتين السابقتين، الشيء الذي جعل من فضاء اللوحة الثالثة فضاء استحضاريا، يختزل فيه المخرج كل اللحظات والمواقف الدرامية التي عاشتها شخصيات الحكاية منذ بداية العرض المسرحي. لذلك نرى وجود نصب وتماثيل وأقنعة وظيفتها التذكير بأيو وأنتيجون اللتين سبق أن ظهرتا في اللوحتين الأولى والثانية.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الإرشادات المسرحية المتعلقة بالفضاء والتي اقترحها محمد الكغاط في النص، يتعذر تطبيقها في  في بعض العرض، بالنظر الى  طبيعة المكان المسرحي الذي يقدم فيه العرض المسرحي، )ففي حالة هذا العرض فقد تم تقديمه باحد مدرجات كلية الاداب والعلوم الانسانية بمكناس 1994 إذ لا تتوفر فيه أدنى شروط العرض التي يمكنها السماح للمخرج باستغلال جميع عناصر الديكور، وتقنيات ومعدات توظيف الإضاءة، إضافة إلى طبيعة الركح الضيقة التي حالت دون حرية تنقل الممثلين(…إلخ.

هـ) المؤثرات الصوتية

يمكن تقسيمها في العرض المسرحي إلى نوعين هما:

أ-المؤثرات الصوتية الخاصة بالموسيقى

ينبغي التأكيد، أن المخرج محمد الكغاط قد وظف الموسيقى في العرض المسرحي “أساطير معاصرة” بشكل محدود جدا، حيث ركز على بعض المقاطع الموسيقية للعازف الموسيقي ناصر شمة العراقي، واستغلها للتعبير عن الصوت، أو الانتقال من لوحة إلى أخرى، أو لمصاحبة حدث معين..، وذلك مقارنة مع الوظائف المختلفة التي يمكن أن تستغل في إطارها في هذا العرض، وضمنها التعبير عن بعض المواقف الدرامية المساعدة على تطور الأحداث، أو تعويض بعض العناصر الأخرى في العرض، ومنها أدوار بعض الشخصيات الثانوية.

هكذا، يمكننا تحديد الوظائف التي قامت بها الموسيقى في العرض على النحو الآتي:

– وظيفة التعبير عن الصوت، ونجد ذلك في المقاطع الآتية: ” انبعاث موسيقى شبيهة بمطارق الحدادين”، خلال بداية المستوى الثاني من اللوحة الأولى في العرض. ثم ” انبعاث موسيقى شبيهة بدقات طبول الحرب” خلال الحركة الأولى من اللوحة الثانية في العرض.

– وظيفة الربط بين مستويات العرض، ويظهر ذلك من خلال عملية الانتقال من لوحة إلى أخرى في العرض، أو من مستوى إلى مستوى آخر من اللوحة نفسها.

– وظيفة مصاحبة الحدث، وتجلى ذلك عند بداية المستوى الثالث من اللوحة الأولى في العرض، والمستوى الرابع من اللوحة الأولى في العرض كذلك، كما هو واضح في الأمثلة الآتية: “أيو .. تغني وترقص على نغمات موسيقية تعبر عن بهجة الشباب بالحياة”، ثم ..عيون أرجوس عبارة عن قناع عملاق كله عيون تومض بالضوء.. يصحبه الأزيز والموسيقى”.

ب- المؤثرات الصوتية الخاصة بالأصوات الاصطناعية.

ووظفها المخرج محمد الكغاط في العرض المسرحي ” أساطير معاصرة” للتعبير عن دلالات متعددة وهي كالآتي:

– التعبير عن إيقاع ركض الفرس في بداية اللوحة الأولى من العرض.

– إظهار حالة معينة: غضب الوحش الذي يطارد أيو، ويمثل لذلك بانبعاث صوت الرعد، ونجد ذلك في اللوحة الأولى من العرض.

– التعبير عن صوت الذبابة، ونجد ذلك في المثال الآتي:” ينطلق أزيز مزعج”، في بداية المستوى الرابع من اللوحة الأولى في العرض.

و) الديكور

 يعتبر الديكور في العرض المسرحي من أهم مكونات السينوغرافية التي تمنح للفضاء بعده الفني والجمالي، كما تساعد المتفرج على إدراك العرض وفهمه بشكل صحيح وشامل.

وإذا عدنا إلى العرض المسرحي” أساطير معاصرة”، فسنجد أن الديكور في هذا العرض يعبر عن خلفيتين متداخلتين فيما بينهما، سواء من حيث أحداثهما أو أمكنتهما أو أزمنتهما، وهو ما لاحظناه خلال بداية اللوحة الأولى من العرض، أو ما عبر عنه المخرج محمد الكغاط في نص الإرشادات المسرحية22، وأكده كذلك بقوله:”..حاولنا أن نستغل هذه التقنية أيضا على المستوى السينوغرافي من أجل أن نربط بين الأسطورة وبين الواقع على مستوى اللباس وعلى مستوى الديكور..” 23. وهذا يعني أن الديكور في عرض مسرحية “أساطير معاصرة” يقوم كذلك بوظيفة الربط بين المكان والزمان والحدث..، إلى جانب وظائف أخرى نذكرها على الشكل الآتي:

– تعويض شيء بشيء آخر: فالديكور الذي يرمز إلى قطعة الخشبة التي تشبه الشجرة أو الصليب، والتي قيد إليها الممثل رقم 2، يعوض في الواقع الأسطوري الصخرة التي قيد إليها برومثيوس…

– تعويض الشخصية: فالديكور يمكن أن يعوض الشخصية في العرض، كما نجد ذلك خلال اللوحة الثالثة، حيث قام المخرج محمد الكغاط بنصب تماثيل وأقنعة لترمز إلى أيو وأنتيجون وذلك من أجل تجسيد الموقف الموحد بين أيو وأنتيجون وألكترا، والذي يتمثل في صمودهن في وجه الطغيان الحاكم.

ز) الإضاءة

وترمز في عرض مسرحية : أساطير معاصرة” إلى دلالات مختلفة منها:

– التعبير عن الحالة النفسية للمثل ونمثل لذلك في اللوحة الأولى من العرض، حيث تظهر الممثلة التي قامت بدور أيو وهي تعيش نوعا من النشوة والسعادة.

– الدلالة على الفترة الزمانية، فالإضاءة توحي في العرض مثلا إلى بداية النهار كما يتضح ذلك خلال اللوحة الثالثة من العرض.

ويوظف المخرج محمد الكغاط – إلى جانب الإضاءة – تقنية إظلام الخشبة، وذلك للإشارة إلى الانتقال من مستوى إلى مستوى آخر، ويتجلى ذلك في العرض في الانتقال من المستوى الثاني إلى المستوى الثالث من اللوحة الأولى، أو الانتقال من اللوحة الثانية إلى اللوحة الثالثة في العرض.

ح) الأزياء

وظف المخرج الأزياء في العرض المسرحي أساطير معاصرة، إما للفصل بين زمانيين مختلفيين: الزمان الأسطوري والزمان الحاضر، وإما للإحالة على عصر معين (العصر اليونان)، إذ تظهر الممثلة التي شخصت دور أيو في لباس أميرة يونانية في اللوحة الأولى من العرض، وكذلك يظهر الممثل الذي قام بدور ايثيوكلوس في بداية اللوحة الثانية من العرض بلباس يوناني وقد أشهر سلاحه.

ط) التوابع المسرحية

وتحيل في العرض المسرحي على دلالات متنوعة ووظائف مختلفة وهي كالآتي:

– وظيفة التقييد، ويتجلى ذلك من خلال استعمال الممثل رقم 1 للحبل أو اللجام لربط الممثل رقم 2 إلى الشجرة، ويظهر ذلك خلال المستوى الثاني من اللوحة الأولى في العرض.

– وظيفة تخزين الماء والاحتفاظ به بواسطة القلة، نجد ذلك في المستوى الثالث من اللوحة الأولى في العرض.

– وظيفة القناع الذي يشبه قرني البقرة، الذي يوحي بتحول الممثلة التي قامت بدور أيو إلى بقرة، ويظهر في بداية المستوى الرابع من اللوحة الأولى في العرض.

ي) الرقص

نلاحظ أن المخرج محمد الكغاط وظف الرقص بشكل محدود جدا في عرض مسرحية” أساطير معاصرة،، إذ وظفة فقط ليرمز إلى سعادة الممثلة/ أيو التي ترقص وتغني على نغمات موسيقية تعبر عن بهجة الشباب بالحياة، ونجد ذلك في المستوى الثالث اللوحة الأولى في العرض.

هكذا نسنتج، أن الإرشادات المسرحية التي وظفها المخرج محمد الكغاط في النص المسرحي ” أساطير معاصرة”، تظل بالنسبة إليه كموجه لعمله في الإخراج المسرحي وذلك من اجل مسرحة النص ومنحه بعده الركحي 24، الذي يضيف إلى لغته القائمة على الحوار، لغات متعددة ومختلفة( سمعية وبصرية)، تمنح العرض طابعا فرجويا مؤسسا على لغة فنية وجمالية وهو ما جعل إخراجه لعرض مسرحية ” أساطير معاصرة” يتميز بطابع تجريبي شمولي، مما يعني أن هذا الجانب التقني عنده يبدأ منذ التخطيط للفكرة الأولى لسيناريو النص الدرامي، وكذلك أثناء تدريب الممثلين، أو عند تقديم العرض ثم بعد مشاهدة الجمهور له. ومن هنا فالإخراج بالنسبة إلى محمد الكغاط هو شيء يتجدد باستمرار ويخضع على الدوام للتجريب، كما أنه (أي الإخراج) يستثمر مختلف العناصر السيميائية التي توفرها كل أدوات التعبير المسرحي، مما ينجم عنه إنتاج عروض تخيلية، تعطي للقارئ / المتفرج إمكانيات متعددة لقراءة وتأويل العرض المسرحي.

وهكذا ، فإن سعي المخرج محمد الكغاط إلى بناء هذا العرض، هو ما كان يدفعه دائما إلى الاهتمام – بشكل أساسي – بالمنحى التجريبي في مستوياته المتعددة، على مستوى الإخراج المسرحي خاصة، حيث يحرص في هذا المجال على توظيف مختلف الأدوات التعبيرية في العرض من ديكور وموسيقى إضاءة وأزياء…، وذلك طمعا في الوصول إلى بناء العرض الشمولي الذي يدفع المتلقي إلى المشاركة الفعلية والإيجابية.

الهوامش:

1 – محمد الكغاط: المرتجلة الجديدة ومرتجلة فاس، مطبعة سبو، الطبعة الأولى، الدار البيضاء 1991، ص:15.

2 – محمد الكغاط: المسرح وفضاءاته،  ص: 183.

3 – المرجع نفسه، ص: 186.

4- Jean  Pierre Ryngeart: Introduction à l’analyse du théâtre, imprimerie Gautier- Villars, Paris -1992, p: 19.

5 – Jean  Pierre Ryngeart: Introduction à l’analyse du théâtre, p : 6.

6 – محمد الكغاط: “حول تجربة الكتابة المسرحية بالمغرب”، الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي، ع. 295، 21 شتنبر 1988، نقلا عن محمد بهجاجي: ظلال النص، قراءات في المسرح المغربي، دار النشر المغربية ، الطبعة الأولى، الدار البيضاء 1991 ص: 54.

7- حوار مفتوح مع محمد الكغاط حول تجربته المسرحية: إنجاز بديعة الراضي، جريدة أنوال ع 1066، 11/5/1989 ، ص: 22.

8 – يـعرف باتـريس بافيـس المسرح التجـريبي بكـونـه المسرح الـذي يـكرس البـحث عن صـيغ تعـبيرية جـديـدة في عمـل المـمثل، ومناقـشة كـل مـكونات الفـعل المـسرحـي (: Dictionnaire du théâtre,ed. Sociales, paris : p: 413 Patrice Pavis ) ويشير في هذه القولة إلى نوع محدد من التجريب، حيث إن التجريب ظاهرة رافقت تطور المسرح بصفة عامة واختلفت مستوياتها حسب المراحل التاريخية، وقد عرف هذا المفهوم بشكل كبير مع ظهور التيارات المسرحية المعاصرة ومدارس الإخراج المسرحي، إذ شمل التجريب مختلف مكونات الفعل المسرحي (النص الدرامي – الإخراج – العرض – التمثيل – السينوغرافيا – الفضاء …). أما في الوطن العربي، فيتأسس مفهوم التجريب المسرحي على ما تقدمه أحدث التيارات والتنظيرات المسرحية الغربية، وعلى البحث عن خصوصيات المسرح في الوطن العربي كذلك.

9 – محمد الكغاط: التجريب ونصوص المسرح، مجلة آفاق ،العدد 3 ، خريف1989 ، ص: 22.

10 – محمد الكغاط: بنية التأليف المسرحي بالمغرب من البداية إلى الثمانينات، ص: 113-114.

11 – محمد  الكغاط: المسرح و فضاءاته، ص: 177.

12 – المرجع نفسه ، ص: 225.

13 – محمد  الكغاط: المسرح و فضاءاته، ص: 159.

* – قمنا بإعداد هذا الجدول اعتمادا على دراسة مسرحية متفرقة.

14 -أحمد عياش هيبة: حوار مع الأستاذ محمد الكغاط، الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي، الأحد 9 يونيو 1991.، ع 352، ص: 6.

15- حوار أجريناه مع محمد الكغاط بفاس، يوم الأربعاء 15 نوفمبر 2000.

16- اعتمدنا على العرض الذي اخرجه محمد الغاط وقدمته فرقة” هواة المسرح الوطني” خلال المهرجان الوطني الأول المنظم بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس ما بين 6 إلى 11 أبريل 1993 بمدرج الإمام مالك.

17- سامي شنودة: الأساطير اليونانية/ مدخل إلى علم الحضارة، دار اليسر للنشر والتوزيع، بدون طبعة، البيضاء، 1988، ص: 74.

18 – المرجع نفسه، ص: 84.

19 – سامي شنودة: نفسه: 74.

20- لقد حافظ المخرج محمد الكغاط في عرض مسرحية” أساطير معاصرة” على اللوحات الثلاث التي قسم النص من خلالها، ويظهر ذلك أثناء العرض من خلال استعمال المخرج لتقنية إظلام الخشبة والموسقى عند نهاية كل لوحة. لذلك فكل إشارتنا في هذا التحليل إلى اللوحة أو مستوياتها وحركتها تدل على تقسيم إجرائي وتقني فقط يبين مستويات العرض من البداية إلى النهاية.

21 – يمكن التعرف على مستويات اللوحة في العرض المسرحي من خلال الانتقال من مشهد إلى آخر. ويتضح هذا الانتقال إما عن طريق توظيف تقنية إظلام الخشبة، أو بواسطة الموسيقى، او من خلال خروج الممثلين أو دخولهم.

22 – محمد الكغاط: أساطير معاصرة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، 1، فاس، 1993، ص: 6.

23 – بديعة الراضي: حوار مفتوح مع الدكتور محمد الكغاط حول تجربته المسرحية” نموذج أساطير معاصرة”، جريدة أنوال، ع 1065، 9-1-1993، ص: 10.

24 – يرى باتريس بافيس أن النص المسرحي يوجد كمكتوب، لكنه دائما في انتظار الخشبة، ولا يأخذ معناه إلا داخل العرض. أنظر: Patrice Pavis : Dictionnaire du théâtre, p :344. 

ملحق لأهم الأعمال المسرحية التي قام بتاليفها وإخراجها الدكتور محمد الكغاط

النص المسرحي
المؤلف
المخرج التشخيص
بغال الطاحونة محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
الحقارة محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
النواعير محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
مثل دورك محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
ميت العصر محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
فلاش باك محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
منزلة بين الهزيمتين محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
1-2-3 محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
تيكابوم محمد الكغاط  
أبو الهول الجديد محمد الكغاط  
فلان فلان الفلاني فلتان محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
ذكريات من المستقبل محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
المرتجلة الجديدة محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
مرتجلة فاس محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
أساطير معاصرة محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
بشار الخير محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
مدينة بلا مسرح محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
مرتجلة شميسا للا محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
بروميتيوس 91 (بغداديات) محمد الكغاط  
زهرة محمد الكغاط محمد الكغاط هواة المسرح الوطني فاس
الشجرة الناطقة محمد الكغاط  
المقامة القردية محمد الكغاط  
جحا المحامي محمد الكغاط  
أنتجونا تتذكر محمد الكغاط  

الفنان ياسر الحسن : مسرحية " أماني " امتداد لأسلوب تجارب مسرحياتي من خلال الثيمة التي اشتغل عليها

«هناك».. بحث عن الأمان في زمن الأوجاع

مجلة الفنون المسرحية

«هناك».. بحث عن الأمان في زمن الأوجاع

عبد الرحمن المناعي يغادر به مربع العروض التراثية

بمشهد أناس يقفون طوابير طويلة على حاجز عسكري، فيما يصرخ فيهم الجندي، أن «ابتعدوا عن الحاجز حفاظاً على أرواحكم»، يفتتح المسرحي القطري عبد الرحمن المناعي عرضه «هناك»، الذي كان نجم ليلة مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي الأولى، الذي انطلقت فعالياته أول من أمس، في قصر الثقافة، ليلامس من خلاله شيخ المسرحيين المناعي، وجع الشعوب العربية، التي تعود أبناؤها خلال السنوات الأخيرة على الانتظار طويلاً أمام الحواجز التي فتتت الأوطان وحولتها إلى جزر صغيرة. مغادرا المناعي من خلالها مربع العروض المسرحية التراثية.

حكاية مسرحية «هناك»، تدور حول حالة من الانتظار لعبور الحواجز التي تتراكم أمام الإنسان في عصرنا الحالي، وتوضح خوفه وبحثه المستمرّ عن الأمن، وغيرها من الحالات .

وتر الأوجاع

ورغم الهدوء الذي أصاب إيقاع عرض «هناك»، ما سرب بروداً لافتاً إلى صالة قصر الثقافة، إلا أن البحث عن الوطن والأمان والنقر على وتر أوجاع الإنسان، كان سيد العرض الذي رفع له معظم حضور الندوة التطبيقية التي أدارها خالد زيارة القبعة، حيث رأوا فيه إسقاطاً مباشراً على الواقع، بعد جفاف أوراق «الربيع العربي»، ليصبح «الموت» لعبة مكررة، لم تعد قادرة على لفت الأنظار.

اتفاق واضح بين نقاد العرض على أن اختلاف ملابس ممثلي العمل، كان فيه دلالة على اختلاف الجنسيات الواقفة على الحواجز العسكرية، وقد تقاسمت جميعها أوجاع الحرب، السائدة في المنطقة، لتلمع في فضاء العرض الذي جاء هادئاً في السينوغرافيا، جملة رددها الممثلون «يدخل الوطن الحرب، وبعد تحريره يتحول إلى جزر من الأحزاب».

برود الصالة

ورغم جمالية فكرة العرض، إلا أنه خلا تماماً من تصاعد الحبكة والأحداث، ما أدخله في رتابة الملل، وفقاً لقول جمال صقر، والذي أبدى إعجابه بما بذله الممثلون من جهد، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن مشهد موت الطفل في العرض، جاء بارداً، ولم يكشف عن الفاجعة التي أصابت أمه، مبيناً أن جموع الواقفين على الحاجز، فيه إشارة إلى أننا جميعاً تحولنا إلى لاجئين موزعين في أصقاع الأرض.

من جانبه، بيّن عماد الشنفري أن إشكالية عرض «هناك»، تمثلت في البرود الذي أصاب الخشبة، نتيجة لجمود الممثلين، والذين قال إنهم كانوا بانتظار توجيهات المخرج. وأوضح أن طبيعة النص ثائرة ومتوترة، ولكن ذلك لم يترجمه الممثلون بإحساسهم، ما أصاب جمهور العرض ببرود تام، مشيراً إلى أن التنقلات بين مشاهد العرض كانت بطيئة.

المناعي في رده، أكد على ديمومة اختلاف الأذواق في العروض المسرحية، في إشارة منه إلى أن ذلك «لا يفسد للود قضية». وقال: «في كافة عروضي المسرحية، دائماً ما أنحاز إلى الإنسان، وأبحث دائماً عن مشكلاته التي تقلقني، وأعتقد أن هذا العرض أذهب فيه ناحية ما يقلق الوطن والإنسان العربي»، مؤكداً انحيازه الدائم للممثل.

قائمة

قدم عرض «هناك» فرقة الدوحة المسرحية، فيما ضمت قائمة أبطاله كلاً من الفنانين، فالح فايز، وأحمد عفيف، وحنان صادق، وشارك فيه أيضاً محمد علي العباسي ونافذ السيد، ومحمد السياري، ومحمد حسن، وجاسم السعدي، وعبد الله الهاجري، وخالد يوسف، وتولى عبد الرحمن المناعي تأليف وإخراج العمل.

------------------------------------
المصدر : غسان خروب - البيان

الجمعة، 10 فبراير 2017

النص الغائب في المسرح الأمازيغي القديم قبل الغزو الروماني

مجلة الفنون المسرحية

 النص الغائب في المسرح الأمازيغي القديم قبل الغزو الروماني

لبروزيين عبيد

إن الحديث عن تاريخ المسرح الأمازيغي القديم، وخاصة قبل فترة حكم الرومان لشمال إفريقيا، هو في حقيقة الأمر، اضطلاع المسرحي بعمل المؤرخ بمعنى من المعاني، أي كتابة تاريخ الفن المسرحي الأمازيغي مقرونا بتاريخ النوميديين أو الأمازيغ، وبالتالي فهذه المقالة ستتناول المسرح من وجهة نظر تاريخية.
إن خوض المغامرة، يقتضي تحديد العناصر التي سننطلق منها لتحديد تجليات المسرح الأمازيغي، وهي نظام المجتمع النوميدي، أي العادات والتقاليد والدين والعلاقة بين الأفراد، وتفاعل الأمازيغ مع الحضارات الأخرى، والفرجة الشعبية، والكتابات التاريخية بالرغم من اضطرابها ونسبيتها، ذلك أن أي مآثر تكتشف في شمال إفريقيا تنسب مباشرة، بقصد أو غير قصد، للرومان "إذ بسبب صعوبة تأريخ الآثار البربرية القديمة، ولكون جل مؤرخي المغرب القديم درسوا في البداية تاريخ روما، يعزى كل كشف أثري  في المنطقة إلى الرومان"  وهكذا يدعو عبد الله العروي إلى إعادة كتابة التاريخ.
 وليس المهم عندنا إعادة كتابته في هذه المقالة، بل جعله نسبيا، ولا يمكن الاعتماد عليه إلا إذا توافق مع العناصر الأخري، فـ"التاريخ العريق الذي قطعه الفن والأدب الأمازيغيين، كان يحمل من الأصداء والأهواء والحقائق، وأشتات الخلق والإبداع الفني التي وسمت الحضارة الأمازيغية عبر العصور..."  ما كان يحمله، ومما يزيد من هذا الغموض، أن رواد المسرح المغربي الحديث يكتفون بالإشارة إلى أن الأمازيغ تأثروا بالثقافة اليونانية والرومانية، دون شرح أسباب الأخذ عنهم، ومظاهر هذا التأثر، لأن الاحتكاك لا يعني بالضرورة الفهم والتأثر، فعبد الله العروي يقول: "صحيح أن ماسينيسن اتصل باليونان وأن ولده ماستنبعل توج في ألعاب أثينا، إلا أنه كان يستحيل أن يستوعب الناميديون الحضارة الإغريقية بدون وساطة لأن استعدادهم لم يكن قد تم بعد" . وللخروج من هذا التيه سنحاول أن نقدم رؤيتنا لتشكيل الوعي الفني للإنسان الأمازيغي في شمال إفريقيا.
إذا أردنا أن نحدد تاريخ الفن الأمازيغي في شمال إفريقيا، لا بد من الحديث عن فترتين حددهما علماء التاريخ، الأولى الباليوتيك، والثانية النيوليتيك التي ارتبطت بظهور الإنسان المزارع ومربي الحيوانات والفنان، ودون الخوض في تفاصيل الأصل الشرقي أو الغربي للإنسان الأمازيغي، يمكن أن نعتمد طرح ألبير عياش المستند الى الأبحاث الأركيولوجية، حيث يقول: "تميزت إفريقيا الشمالية، كغيرها من المناظق بمناخ حار ورطب، وبوجود غابات كثيفة... وكان يعيش في هذه الطبيعة المتوحشة أيضا، بشر ذوو صفات حيوانية. إذ كانوا يتغذون من النباتات ومن جذورها ومن الصيد...وظهر أناس جدد حوالي 12000 سنة قبل الميلاد، يملكون مهارات جسمانية وقدرات فكرية، تعلن عن ظهور الإنسان الحديث أي الإنسان العاقل"  ومن هنا نتساءل، هل الفرجة المسرحية مرتبة بالإنسان العاقل في شمال إفريقيا؟ وإذا كانت كذلك، فهل يمكن القول إن الفرجة في شمال إفريقيا تمتد إل حوالي 12000 قبل الميلاد؟
لا يمكن الجزم بوجود أشكال فرجوية في هذه الحقب المتقدمة من تاريخ شمال إفريقيا، كما لا يمكن نفي وجودها، لكن وحسب المؤرخين، وجدت تربة خصبة من خلال أصولها التي يمكن أن تنتج عنها، لأن لهذا الإنسان أيضا اهتمامات فنية ودينية.
إن الأمر الذي جعلنا نعتمد على ألبير عياش دون غيره، هو تطابق آرائه مع الأبحاث الأركيولوجية الحديثة، إذ نجد مثلا عثمان الكعاك يقول: "الشعب البربري، أو شعب الأمازيغ –أي الأشراف والأحرار- نزح إلى شمال إفريقيا بعضه من أوربا وبعضه من اليمن على طريق الحبشة ومصر وليبيا، وانتشرت في ربوع المغرب وجهات من الصحراء وأطراف من مصر، واستقر بكثير من الجزائر، مثل جزر الكناري في المحيط الأطلسي وجزر سردينيا وصقلية وقوصرة ومالطة في البحر المتوسط، وكان ذلك في عصور متقادمة لا تقل عن ثلاثين قرنا قبل ميلاد المسيح" . واختلاف الروايات عن أصل الأمازيغ سيقود بالضرورة إلى السقوط في التناقض في حديثنا عن المسرح الأمازيغي القديم قبل الفترة الرومانية.
إن تاريخ الفرجة الأمازيغية، يحتكم إلى تاريخ الأمازيغ، لكن عن أي تاريخ؟ التاريخ الذي كتبته المدارس الكولنيالية، أم بعض الوثائق التاريخية في العصر الفرعوني والفينيقي والإغريقي التي تتحدث عن حياتهم، خصوصا في برقة، وهي إما نقش أو كتابة على ورق البردي، والتي تكشف أن الفراعنة أخذوا عن الأمازيغ أسباب حضارتهم، وتفسير ذلك حسب عثمان الكعاك أن موطنهم ضعيف، عرف كوارث طبيعية، عكس موطن الفراعنة الذي أخصبه النيل، وبالتالي، فإننا يجب أن نسلط الضوء على هذه الفترة التاريخية بعيدا عن الأحكام الجاهزة.
وحتى لا تكون هذه المقالة حول مساءلة التاريخ الأمازيغي، سنعمد إلى تقسيم حياة الفرجة الأمازيغية حسب المحيط الذي نشأت فيه، وعلى ضوء المعطيات التاريخية السابقة إلى:
- المرحلة البدئية: مرحلة انبثقت منها الفرجات من الطقس الديني والاحتفالات، هذا إذا اعتبرنا أن الفرجة خاصة إنسانية، ارتبطت بوجود الإنسان في شمال إفريقيا، وستكون هذه المرحلة من 12000 سنة قبل الميلاد إلى 815 قبل الميلاد.
- مرحلة الاحتكاك: احتكاك الأمازيغ بالحضارة الفينيقية واليونانية والقرطاجية والرمانية، وإن كانت نسب الاحتكاك متفاوتة ومحط اختلاف المؤرخين، لكن هذه المرحلة، هي مرحلة التفاعل مع الحضارات الأخرى بشكل مباشر أو غير مباشر، وتبدأ منذ سنة 815 قبل الميلاد إلى استيلاء الرمان على الشريط الساحلى لشمال إفريقيا سنة 146 قبل الميلاد.  
لا يمكن أن نتحدث في المرحلة البدئية عن الفرجة الأمازيغية إلا باعتبارها نصا غائبا أو مفترضا، ذلك لغياب الوثيقة التاريخية، وضبابية المعلومات حول هذه الفترة، لذلك سنعمد إلى الانطلاق من نظام الحكم الأمازيغي، والانتهاء ببعض الأشكال الفرجية التي نفترض أن تكون قد ظهرت في هذه الفترة.
أسس الأمازيغ قبل البونيقيين أو الفينيقيين الحكم المولكي، قادهم ملوك صغار يسمى الواحد منهم "أجليد"، أخذت هذه الملكية كتلة إلى أن عمت جهات بعينها . إن بنية المجتمع الأمازيغي في هذه الفترة يعكس تطورا كبيرا، فلا يمكن لهذا الإنسان أن لا تكون له اهتمامات فنية.
ولما كانت للأمازيغي "عادات خاصة به عائلية قروية وموسمية ودينية، له لغته البربرية المتميزة بذاتها المعروفة من القديم والمتسلسلة إلى الآن والتي لها آدابها الشعبية والعلمية شفاهية وكتابية وله عقائده القديمة الوثنية"  فإن معالم الفرجة المسرحية تظهر في هذه المرحلة، أي المرحلة البدئية، ومرد ذلك إلى وجود أشكال فرجوية أمازيغية تتضمن جانبا من جوانب المسرح، ونتحدث هنا عن فرجتي أحيدوس وإمديازن.
تعتبر الفرجة الشعبية أيقونة مجموعة من الفنون، بالأخص الرقص والغناء الشعبي، ذلك لاشتراكهما في الأصل الطقسي المنبثقة عنه. لقد عرف المجتمع الأمازيغي القديم في الفترة الملوكية بالوثنية كما تذهب العديد من الدراسات حول الأصل الطقسي للفرجة، لذلك نعتبر أن فرجة أحيدوس قد تطورت من خلال طقس عبادة النار الذي مازال موجودا فيها، توقد النار لتكون مركز الشكل الدائري لأحيدوس، كما أنها تتماها مع طقس عبادة النار الذي مازال إلى يومنا هذا في دول جنوب الصحراء، وهو ما يجعل رقصة أحيدوس تمزج بين البعد المجوسي الوثني القديم المقدس والمسيحي الإسلامي فيما بعد...
أما مرحلة الاحتكاك فإنها تعد من أهم المراحل التي شكلت وعي الإنسان الأمازيغي، ذلك أنهم يدينون بثقافة الغالب، ولما كان الأمر كذلك، فلا يمكن أن نفصل من منطلق عصرنا الراهن بين الدين والفن الفرجوي، فالمصريون يربطون المسرح بالطقوس التي كان يقوم بها الكهنة لتقديس إزيس وأزريس، والغرب يرجع بداية المسرح إلى الطقوس الديونيزوسية. ومنه يمكن الانتقال من الطقسي للحديث عن الفرجوي في مرحلة ما قبل الرومان، وذلك من خلال معطيات تاريخية تنتمي إلى نفس الفترة التاريخية، وأولاها ما كتبه الفراعنة، "إذ ابتدأ المصريون البحث عن تاريخ البربر منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وابتدأ البونيقيون البحث عنهم ابتداء من القرن السابع وابتدأ ذلك اليونان من القرن السادس" .
وسواء تعلق الأمر بالفراعنة أو الفينيقيين أو اليونان، فإن كتاباتهم اهتمت بجوانب سوسيوثقافية أغفلت المسرح والأشكال الفرجوية (حسب اطلاعنا على ما كتب)، ومرد ذلك إلى أن الفن بصفة عامة كان في بداية تأسيسه أو لم يكن ذا شأن كما هو عليه في العصور اللاحقة. 
وعموما، ومن منطلق المصريين الذين يقولون بوجود المسرح قبل اليونان، فإن الأمازيغ أيضا قدسوا إزيس وأزريس، وبالتالي فنفس الطقوس التي كانت تقام على شرف الإلهين في مصر أقيمت أيضا في أرض تامازغا، بل يذهب عثمان الكعاك أبعد من ذلك حين يقول: "التمثيل قديم عند البربر، جاؤوا به من الهند وأسس له يوبا الثاني معهدا لتدريسه في شرشال وألف فيه التصانيف، والتمثيل البربري إما ديني على الطريقة الهندية واليونانية القديمة، فهو أناشيد ورقص وحركات وتصاوير تمثيلية لاسترضاء  الالهة أو إبعاد غضبهم، أو خزعبلات مثيرة للسخرية من بعض الشخصيات البارزة وإظهار عيوب الناس المنتقدة، وشارك البربر في التمثيل اليوناي ثم الروماي... والمسارح منبثة في شمال إفريقيا انبثاثا يدل عل ولوع البربر بالفن المسرحي" 
يعتقد جل الدارسين أن الأمازيغ تأثروا كثيرا باليونانيين، وليس أدل على ذلك ما قام به سيفاكس الذي جلب معالم الحضارة الإغريقية إلى الجزائر. لقد أولى الأمازيغ عناية بالغة بالفن عموما، حيث "كان يوبا الثاني يصرف مداخيل مهمة، فقد أنفق أموالا طائلة من أجل جلب الفنانين والأدباء الإغريق إلى عاصمته قيصرية في الجزائر ووليلي في المغرب" .
وبناء على ما سبق، يمكن القول إن المسرح الأمازيغي، يرتبط بما أسميناه المرحلة البدئية ومرحلة الاحتكاك، وإن كان حديثنا عنه بشكل غير مقنع لأسباب كثيرة، منها ضعف بعض الروايات التاريخية، واختفاء بعض الكتب المسرحية التي ألفت من طرف الملوك الأمازيغ، وعدم ظهور أبحاث علمية جادة وموضوعية تدرس الفن الأمازيغي بصفة عامة والمسرحي خاصة، وضعف ترجمة الكتب التي تهتم بالأمازيغ في شمال إفريقيا. لذلك لا بد من ترجمة الكتب التي تعنى بالأمازيغ في مكتبة الفاتيكان والمكتبات الفرنسية، ومساءلة التاريخ والتشكيك فيه على ضوء طروحات عبد الله العروي، والاهتمام بالفرجة الشعبية الأمازيغية لأنها تتضمن معطيات تاريخية مهمة، يمكن استغلالها للتأريخ للفن الأمازيغي.

«مغامرة التأصيل في مسرح الطيب الصديقي» لرشيد بناني: رحلة إمتاع ومؤانسة تجمع بين المنهجين التاريخي والتجريبي

مجلة الفنون المسرحية

«مغامرة التأصيل في مسرح الطيب الصديقي» لرشيد بناني: رحلة إمتاع ومؤانسة تجمع بين المنهجين التاريخي والتجريبي

الطاهر الطويل

يأتي كتاب «مغامرة التأصيل في مسرح الطيب الصديقي» استمرارا لمشروع نقدي كرسه الباحث المسرحي المغربي رشيد بناني للتأريخ لتجربة بعض أعلام المسرح المغربي، تجلّى في الكتب التالية: «حفريات في ذاكرة المسرح المغربي: محمد القري»، «تجارب وأعلام»، «المسرح المغربي قبل الاستقلال: دراسة دراماتورجية».
في هذا الكتاب الجديد، الصادر ضمن منشورات «أمنية» في الدار البيضاء، يتناول بناني مسار الطيب الصديقي، عبر بابين، يحمل أولهما عنوان: «الطيب الصديقي حياة فنان»، ويضم فصولا متعاقبة للشخصية موضوع الدراسة من الميلاد والطفولة، مرورا بمرحلة التكوين، والبدايات أو البحث عن مسرح شعبي، وصولا إلى مرحلة النضج والإبداع الفني، سواء خلال إدارة المسرح البلدي في الدار البيضاء أو خارج هذه المؤسسة. أما الباب الثاني المخصص لتطور الكتابة المسرحية عند الطيب الصديقي فيتضمن مقاربات دراماتورجية للأعمال المبكرة المنجزة في إطار الاقتباس والترجمة وكذلك للنصوص المؤلفة.
ومثلما جاء في مقدمة الكتاب التي تحمل توقيع الباحث والناقد المسرحي عبد الرحمن بن زيدان، فإن رشيد بناني في هذه الدراسة النقدية يريد أن يوثق للتجربة بتتبع حياة الصديقي، من دون إغفال كل اللحظات المؤثرة في تكوينه، وفي تكوين التجربة الحياتية والفنية لهذا المبدع الذي أوصله إبداعه المسرحي إلى المديات المغربية والعربية والعالمية.
أول إجراء منهجي تبناه الباحث رشيد بناني للتأريخ لتجربة الصديقي، هو تحديد زمن البحث في الفترة الممتدة ما بين 1965 و1980، مبررا تبني هذا الإجراء بأنه اختيار دقيق ومقنع بالفترة الخصبة التي وسمت العطاء المسرحي عند الطيب الصديقي، الذي أثبت فيها قوة التجربة المسرحية الباحثة عن إرساء مسالك البحث عن مسرح عربي أساسه الأصالة في التجربة على مستوى الرؤية وعلى مستوى الإخراج وعلى مستوى الاختلاف، من دون التخلي عن ربط كل تجربة بمرجعياتها، حتى لو كانت خطاباتها تتناقض مع الدعوة إلى هذا التأصيل، لأن الأساس عنده هو تحريك الاهتمام بالجديد المسرحي لتحرير المسرح من كل كلام لا يصل إلى بناء الفرجة المسرحية الممتعة.
ويرى بن زيدان أنه مع كل تحول في تجارب الطيب الصديقي الكتابية، فإن موضوع قراءة العالم المسرحي لهذا الفنان يزيد استشكالاً، لأن هذا الموضوع لا يبقى محصورا في كتابة نص المؤلف وكتابة زمن الفرجة بهذا النص، لأن الصديقي معروف بتعدد المواهب والكفاءات والثقافات، بها يصرف وجوده في الميدان الفني ليبني نتاجه المسرحي، فهو أثناء تفكيره في منجزه المسرحي يفكر ككاتب ومخرج وممثل، وفنان تشكيلي وخطاط، ورئيس فرقة ومدير مسرح ومنظم جولات فنية وكاتب سيناريو الفيلم، وهذه المكونات هي التي وثقت صلات ذاكرته الثقافية بالممارسة المسرحية التي وسمت حضوره بالجرأة والإقدام على التجريب المسرحي، وهو ما جعل عنوان الدراسة التي يقدمها رشيد بناني موسومة بـ»مغامرة التأصيل في مسرح الطيب الصديقي».
ومن هذه المغامرة في الاقتباس والتأليف المسرحي، والتوجه بها نحو تأصيل المسرح العربي، تحددت منهجية الكتاب باللجوء إلى تبني المنهج الكرونولوجي لكتابة حياة الصديقي، اعتمادا على اختيارين اثنين هما: تجميع كل المعلومات حول السيرة الخاصة للصديقي، وتحديد المتون المسرحية كنصوص أو كعروض كتبت خصوصيات التجربة المسرحية الصديقية بتناقض الزمن الذي عاش فيه، أو تأثر به أو تفاعل معه.
هذه المغامرة البحثية حول التجربة المسرحية للطيب الصديقي هي التي توخى بها الباحث رشيد بناني الإحاطة بمجمل تجربة الصديقي، والتعريف بتوجهاتها الفنية، والتعريف بالبنيات العميقة لدلالاتها إيديولوجيا ـ من جهة ـ والكشف عن خطاباتها التي كثيرا ما كان ينفي بعض النقاد أي دور لها في التواصل مع المتلقي المفترض ـ من جهة ثانية ـ لأن ما يهم الصديقي هو المتعة البصرية والإمتاع والمؤانسة، بعيدا عن السياسة والسياسيين؛ لكن وعلى الرغم من هذا الابتعاد ـ المُفترض ـ فإن الصديقي كان يوظف بلاغة السخرية في مسرحياته، منتقدا خلل المجتمع، وخلل العلاقات بين الطبقات الاجتماعية، وكان لا يتوانى في اختيار النصوص التي تصير عنده قناعا مجازيا لتمرير هذا النقد وهذه السخرية اللتين تبنيان لحظات الفرجة عنده، مرة بفن الارتجال، ومرة بالحوار المكتوب في النص الأصلي، ومرات بالذاكرة التراثية الشعبية والعالمية.
عندما أراد الباحث رشيد بناني أن يجعل من الطيب الصديقي موضوع اشتغال مصنفه النقدي ليقدمه في هذا الكتاب، فإنه وضع استراتيجية بها أراد أن يتتبع السيرة الغيرية للصديقي، ويعود إلى أقوال الصديقي نفسه، ويعتمدا على جل المتابعات النقدية التي واكبت التجربة، وهو ما كان قد دشن به أول بحث جامعي عن الطيب الصديقي. وهذا المنطلق الذي أسس به علاقته مع عالم الصديقي جعله مفتونا بهذه التجربة التي ترجمها ترجمة خاصة في هذا المصنف، وكأنه يعيد قراءة ما قدمه في جامعة «إكس مارسيليا» كي يضيف ما يراه مناسبا لتقديم التجربة بشكل متكامل يستوفي فيه شروط البحث في عمق مسرح الصديقي.
وفي هذا الكتاب «مغامرة التأصيل في مسرح الطيب الصديقي» يضع الباحث رشيد بناني في سياق بحثه أهم ما يشغل فكره، ويأخذ باهتمامه وهو يروم مقاربة تجربة الطيب الصديقي والتأريخ لها. ومن بين هذه المواضيع ذات العلاقة بالتأريخ للسيرة الصديقية: البدايات أو البحث عن مسرح شعبي (1957 ـ 1965)، «مركز الفن المسرحي» بالمعمورة (1958 ـ 1960)، في المسرح البلدي في الدار البيضاء ( 1960 ـ 1962)، مرحلة النضج والإبداع الفني (1962 ـ 1965).
إن تناول مكونات تجربة الصديقي معناه في هذا الكتاب ذكر كل ما يتعلق بالسيرة الفنية للصديقي، واستحضار علاقاته مع أعلام التأسيس المسرحي المغربي اقتباسا وتأليفا فرديا، أو تأليفا جماعيا، أو إخراجا مسرحيا، أو تأسيسا للفرقة المسرحية. وهو في هذه العملية التأريخية كان وكأنه يكتب مدخلا عاما نظريا لما سيقدمه لاحقا في هذا المصنّف والمتعلق بموضوع له أهمية بالغة في الممارسة المسرحية عند الطيب الصديقي، وهو فعل الكتابة المسرحية وتطورها.
لقد اختار رشيد بناني، بعد المنهج التاريخي في الكتابة عن الصديقي، منهجا تجريبيا أراد به تفكيك وقراءة وتجميع، كل أشكال الكتابة المسرحية وصنّفها حسب تجربة الاقتباس والترجمة مع (المسرح العمالي ـ 1965 ـ 1959 ) ونموذجه مسرحية «المفتش» التي وصفها بالمغربة العصرية، ومسرحية «فولبون» أو الترجمة إلى الدارجة المغربية، أو العودة التدريجية إلى المغربة، ومسرحية «مومو بوخرصة».
وتتمظهر الدراسة التطبيقية في هذا الكتاب في مقاربة النصوص التي ألّفها الصديقي، حيث أبرز الباحث رشيد بناني أهمّ المحاور التي أثث بها عملية قراءة العديد من المسرحيات الصديقية، وقام بكشف التركيب التاريخي لهذه المسرحيات ليمزج ما بين التحليل الدراماتورجي والكشف عن البنيات العميلة للرؤية السياسية عند الصديقي، مؤكدا أن هذا المخرج وظف «المسرح في خدمة النظام السياسي». وأثناء الكشف عن الوظيفة السياسية التي كانت تحدد اختيارات الطيب الصديقي لبناء فرجاته المسرحية بالشكل الإخراجي الجديد المُبهر، كان الباحث رشيد بناني يتناول بُعدا آخر من بين الأبعاد الاجتماعية التي ابتعد بها الصديقي عن السياسي ليلامس قضايا اجتماعية تتناول موضوع البادية، وهو ما حققه في ورش تجريبي قدمته مسرحية «في الطريق».
وفي سياق التحليل الدراماتورجي الذي كان يستعين به الباحث في تحليل نصوص الطيب الصديقي ويستعين به في القراءة السياسية لمضامين بعض النصوص، فإنه كان لا ينسى أن استخلاص خصوصيات الكتابة عند الصديقي لا يمكن أن تتحقق إلا بالقراءات المتعددة التي تمتلك أدوات التحليل للوقوف على تداخل دلالات الخطابات المسرحية في النص المسرحي المكتوب بالمواقف المتناقضة، والسائرة نحو الغاية الأساس من الكتابة المسرحية والإخراج المسرحي، وهي تأصيل المسرح فرجة وموضوعا وسخرية وإبهارا، وهو ما حققه الصديقي في المسرحية التي أثارت جدلا قويا بين المسرحيين العرب وهي مسرحية «مقامات بديع الزمان الهمذاني» القائمة على المونتاج الأدبي التراثي، والقائمة ـ أيضا ـ على تأثيث فنون الفرجة الشعبية بالحلقة والبساط، فجعلته يُخرج المسرحية إخراجا مُبهرا احتفاليا، فصيحا تداخلت فيه جمالية التمثيل، بجمالية الغناء الشعبي، أثناء توظيف التقنيات السينمائية في تحريك الكتل، وتوظيف الخط العربي لإنجاز الديكور الذي هو زمن الكتابة المكانية للعرض.
وفي مسرحية «ديوان سيدي عبد الرحمن المجدوب» يصف الباحث هذه التجربة بعد معاينة خصوصية كتابتها بـ:»التركيب الأدبي التراثي» لأنه عاين كيفية صياغتها الأدبية، ورصد كيف وظف الصديقي الحلقة لبعث الحيوية في حركية الفرجة، ومن هذا الوصف ركّز رشيد بناني قراءته على شكل الفرجة موظفا في ذلك كل أدوات التحليل، ويستعين بمناهج أخرى لفتح مجالات القراءة على ما هو موجود في كلامها.
وهكذا، يتبين من خلال كتاب «مغامرة التأصيل في مسرح الطيب الصديقي» ـ كما يسجل عبد الرحمن بن زيدان ـ أن رشيد بناني، بكل ما قدمه من تناول عميق وهادئ ومتأمل للتجربة المسرحية للصديقي، يبرهن من جديد على كونه باحثا متمكنا من أدواته النقدية، وعارفا بموضوعه، وأنه قام بجهد كبير في تجميع المراجع، وترجمة العديد منها وجلها ينتمي إلى موضوع النقد الجديد، وأنّه استحضر المتون الصديقية المترجمة منها والمقتبسة والمؤلفة، وكلّ سعيه هو الوصول بقراءته إلى تحقيق قراءة عاشقة لمسرح مغربي، كان فيه الطيب الصديقي أحد الرواد الحقيقيين الذين رسخوا الفعل المسرحي في المغرب.

------------------------------------------
المصدر : القدس العربي 

في مهرجان الهيئة العربية للمسرح: مشاركة عراقية متميزة

مجلة الفنون المسرحية

في مهرجان الهيئة العربية للمسرح: مشاركة عراقية متميزة

د. اياد كاظم طه السلامي:

ان للمتتبع لأنشطة وفعاليات وعروض مهرجان الهيئة العربية للمسرح النسخة التاسعة التي اقيمت بالجزائر (دورة عز الدين مجوبي ) للفترة من 10-19 / كانون الثاني / 2017 يجدها متخمه بالأنشطة والفعاليات والورش والعروض المسرحية من شتى البلدان العربية ، وقد نال العراق حصه كبيره من خلال مبدعيه وأكاديمية ونالوا تمييز كبير في هذه الأنشطة، وحسب التسلسل الزمني بدءا من لجان التحكيم والتي سبقت المهرجان بأشهر، فنجد في اللجنة الرئيسة لاختيار العروض كان فيها الفنان (عزيز خيون) ، اما لجنة اختيار العروض الفرعية في العراق فكانت من الفنانين (الاكاديمي الدكتور هيثم عبد الرزاق التدريسي بكلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد والفنان والمخرج حاتم عوده والفنانة الممثلة اسيا كمال)، اما في لجنة تحكيم النص المسرحي الموجهة للطفل فئة ( 6-12) سنه فقد كان (الاكاديمي الدكتور اياد كاظم السلامي التدريسي بكلية الفنون الجميلة جامعة بابل) عضوا في هذه اللجنة .
ومع إعلان افتتاح الدورة في مدينة وهران قدم الفنان (عزيز خيون) كلمة يوم المسرح العربي بدلا من الاردني حاتم السيد الذي تأخر حضوره بسب الاجواء ورداءة الطقس، فكان اداءه مفعما بالروح والاحساس وكأنه اداء تمثيلي كما عهدنا فناننا العراقي وليس القاء كلمة فقط .

وتوالت المشاركات العراقية فكانت ورشا مسرحية اقيمت في مدينة مستغانم ولمدة (7) ايام فقد اقام ا الفنان (عزيز خيون) ورشة تحت عنوان :المسرح والتراث و(الدكتور اياد السلامي) تحت عنوان: كتابة النص المسرحي الموجهة للطفل.
اما العروض المتنافسة على جائزة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، قدم منتدى المسرح التجريبي في العراق وعلى قاعة عبد القادر علوله مسرحية (يارب) والتي نافست ورشحت على افضل عرض، تأليف المبدع علي عبد النبي الزيدي واخراج الشاب مصطفى الركابي وتمثيل الفنانة سهى سالم والفنان فلاح ابراهيم والفنانة زمن ، وقد اثارت اشكاليات لدى المتلقي بسب طرحها الجريء ومعالجتها للهم العراقي بطريقة متفردة .
وثم اقيمت الندوة المحكمة الاولى بالمهرجان والموسومة (المسابقة العربية للبحث العلمي المسرحي )، فقد كان احد المحكمين للعراق الاكاديمي العراقي (الدكتور عبد الكريم عبود من كلية الفنون الجميلة – جامعة البصرة ).
واقيمت الندوة المحكمة الثانية التي شارك العراق فيها بصورة فاعلة ايضا والموسومة (مناظرة الريادة في النص المسرحي المنشور بين ابراهيم دانينوس ومارون النقاش ) ، فقد كان احد المحكمين للعراق الاكاديمي العراقي (الدكتور عقيل مهدي يوسف من كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد )
اما الندوة المحكمة الثالثة فهي تحديد تراتبية (أفضل ثلاثة نصوص في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للصغار )، فقد كان احد المحكمين الاكاديمي العراقي الدكتور اياد كاظم السلامي من كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل )
وفي محور العروض المشاركة فقط، قدم منتدى المسرح التجريبي في العراق وعلى قاعة المكتبة عرضه الموسوم (خريف ) اعداد واخراج الدكتور صميم حسب الله ، وايضا اثار اشكاليات كثيرة لما طرحه من قسوة حقيقية عاشها وتعايش معها ممثلي العرض للواقع العراقي المعاش .
فضلا عما قدمه الاعلاميون المشاركون بالمهرجان (طه رشيد و عبد العليم البناء ومحسن النصار والفنان ماجد العابد)، من تغطيات اخباريه يوميه وفي مجلة المهرجان اليومية.

---------------------------------------------
المصدر : الصباح الجديد 

الخميس، 9 فبراير 2017

"نارسيس" في المسرح

مجلة الفنون المسرحية

"نارسيس" في المسرح

صدور كتاب " فن الكوريوغراف – المبادئ والأسس الجمالية " تأليف رامي سامح

حكايات "ألف ليلة وليلة " والآلهام المسرحي المتميز

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption