افتتاح مهرجان علي بن عياد للمسرح... مسرحية كعب الغزال: نزاع الذات مع ذاتها ؟
مدونة مجلة الفنون المسرحية

افتتحت مساء الجمعة 27 فيفري الدورة الثامنة والعشرين لمهرجان علي بن عياد للمسرح واحتضنت دار الثقافة ابو القاسم الشابي ببن عروس حفل الافتتاح بسبب عدم جاهزية دار الثقافة حمام الأنف
وأشرفت وزيرة الثقافة لطيفة الاخضر صحبة والي بن عروس والمندوب الجهوي للثقافة على فعاليات حفل الافتتاح وألقوا كلمات كلها تصب في خانة الدعوة الى تدعيم المشهد الثقافي خدمة للمواطن.
الافتتاح كان عبر عرض مسرحية «كعب الغزال» انتاج مركز الفنون الركحية والدرامية بمدنين، نص واخراج علي اليحياوي وكوريغرافيا حافظ زليط وموسيقى ربيع الزموري وسينوغرافيا مفتاح بوكريع وتمثيل لطيفة القفصي وعبد الباسط الشاوش وفرحات دبش والكيلاني زقروبة ونادية تليس ولطفي الناجح ورحمة بن فرج ونصر الدين المناعي وجهاد الفورتي وعبد العزيز التواتي، كلهم اجتمعوا ليقدم عملا يغوص في صراع الانسانية والتوحش.
الوطن انا وأنت، وليس انا او انت
«الصحراء كنز لمن اراد الحياة...الصحراء كنز لمن اراد النجاة»
هكذا صاح الشيخ الجلولي في وجه جشع البشر..
كيف نواجه توحش الإنسان؟ كيف نواجه قحط الروح الخاوية؟كيف نواجه غول العنف الساكن فينا؟ كيف نواجه جشعنا الى الدم والقتل؟ ما تأثير الجريمة الاولى (قتل قابيل لهابيل) على الإنسانية ألا يمكننا العيش دون اغتيال لقيم الجمال ومعاني الأمل... كلها اسئلة طرحها المخرج علي اليحياوي في مسرحية كعب الغزال انتاج مركز الفنون الركحية والدرامية بمدنين.
كعب الغزال ساعة ونصف هي عنوان الابحار او الجولان في عالم نزاع الذات مع ذاتها ونزاع الانا مع الاخر نزاع الاصفر والأسود مع الخضرة والبياض هي صراع الجبل والصحراء وصراع المتصوف والقتلة.
«كعب الغزال» طرحت السؤال التالي «من انت لتحكم بإيماني او كفري؟ من انت لتقتلني باسم الإله من اعطاك حرية التحكم في مصيري؟ هكذا كان العمل الذي انطلق من مثيولوجيا الواقع ليرسو بنا عند ميثيولوجيا الواقع وبينهما كانت الحيرة والتردد.
«كعب الغزال» غوص في خبايا الانسان هي قصة صراع الشيخ عبد الجليل المتصوف و اسوف راعي الاغنام المحب للغزال ضدّ قابيل بن ادم وجو «الكابتان» في الجيش الفرنسي صراع حول الحياة فالطرف الاول يعشق الجمال ويريد المحافظة على حيوان الغزال من الموت والثاني يشتهي شرب دم الغزال وقتله وبين صراع الحياة والموت تكون الحكاية.
ينطلق العمل بلوحة تحية العساكر لرئيسهم تحية صباحية وفجأة يخرج «بوسعدية» يرقص فيحاول العسكريان طرده ولكنه يتشبث بقوله «بوسعدية حر يشطح في الزاوية في الثكنة...» وأثناء تلاسنهما يدخل «الكابتان جو» فيعجب بأداء بوسعدية ويطلب منه الرقص ينطلق بوسعدية في الرقص ويرقص معه «الكابتان» لحين دخول قابيل بن ادم ويقول «اكا اش مازال كان الشطيح» كلمة تبدو بسيطة ولكنها تكشف عن علاقة العرب بالجسد فهو «عيب» وكيف لرجل ان يرقص، كلمة تُفتحُ معها ابواب الصراع.
صراع على المكان والزمن صراع مع من سيحكم وكيف صراع يمكن حله بمقولة «الارض لي ولك» وليست لي او لك».
من خلقني «الله» ام انت؟
ومن رقصة «جو» الى رقصة الشيخ جلّولي رجل متصوف يعشق الصحراء يراها فضاء لتطهير الروح والغوص في خبايا الجمال يلبس ما ستر ويأكل ما حضر ولكنه يتهم بالكفر والزندقة من قبل «الشيخ» المؤمن المسلم الغيور على الاسلام ويرسل الشيخ المسلم رجاله ليهدد الشيخ جلول بالقتل فيقول لهم «لماذا لا تعرفون غير القتل والذبح؟ لماذا لا تتحدثون إلاّ عن النحر والدم،؟ وكأننا هنا امام دواعش اليوم الذين يرون في انفسهم حماة الدين الاسلامي يقتلون وينهبون يذبحون يحرقون ويصلبون باسم الله هم يرون في انفسهم المؤمنين وغيرهم كفرة ، وبين التناقضين يكون الصراع فكما لا يمكن للشيخ جلولي ان يلتقي بشيخ القبيلة لان قيم الجمال تختلف عندهما لا يمكن لنا الالتقاء بالدواعش فلا تجوز المقارنة بين عاشق الحياة وعاشق الموت، وبين الدماء والورود فراسخ لا حدود لها.
صراع اخر يقوده أسوف الراعي الذي يخير معاشرة الحيوانات لانها لا تتكبر او تتجبر كما الإنسان اسوف راع هو رمز للانسان المسالم يجد نفسه امام دموية «جو» و»قابيل» الراغبان في شرب دماء الغزال، يحاول اسوف حماية الغزلان لانها ترمز الى الجمال والانعتاق في حين يراها الاخرون مجرد حيوانات وجب قتلها، صراع اسوف وقابيل و»دجو» فيه رمزية على علاقة القوي بالضعيف وتدخل الاخر في يوميات «الانا» عبر رفع علم فرنسا على الركح وكاننا تحولنا من ركح دار الثقافة بن عروس الى ارض العراق وسوريا وكل الاراضي التي يتصارع فيها ابناء البلد مع عدوان خارجي يحاربهم باسم الله، هنا يطرح اسوف سؤالا على لسان الشيخ جلولي من خالقي، الله ام الانسان، ان كان خالقي الله فلم يحاسبني الانسان ولم يقتلني، حيرة تتحول الى تراجيديا حين يصبح «اسوف» كانه حيوان «الودان» الرامز الى الجمال ويقتل بأبشع الطرق بما في ذلك من رمزية القداسة في الاسطورة.
بحرفية وجرأة نقد علي اليحياوي صراع التوحش ووجيعة الانسان المسكون بحب الحياة معاناته من الماشين في طريق الموت.
الموسيقى وتماهيها مع لغة الجسد
ساعة ونصف من الفرجة ، من الرقص والموسيقى التي صاغها ربيع الزموري المستوحاة من مناخات الصحراء الكبرى التي خصص لها ابراهيم الكوني كل أعماله الروائية وقد انطلق اليحياوي من نصوص للكوني ليكتب هذه المسرحية التي تعري وحشية الانسان وانتشار ثقافة الاغتيال والقتل التي تعيشها الكثير من الشعوب وخاصة في افريقيا والعالمين العربي والإسلامي. .
وحشية نُقلت بطريقة جميلة، وساحرة وظف فيها الكوريغراف حافظ زليط الجسد لينطق بما يعجز اللسان عن قوله ، فهناك في شبر ما من الارض ما يزال للجسد معنى وحركاته قدرة على التاثير في المتقبل، هناك وعلى الركح تحديدا يمكنك أن تحلّق وترقص وتتمايل وتعبر عن الفرح والترح دون كلام فقط تترك المساحة للجسد ليتحرر من القيود.
أحداث المسرحية تدور في الصحراء اين تعج الذاكرة بالروح ، هي الصحراء الفردوس الضائع كما يقول ابراهيم الكوني.من الصحراء خرج الانبياء والمهاجرين وخاضوا تجربة الروح تجربة البحث عن الاصل في الانسان.
في كعب الغزال اولوية للجسد ولغته على الكلام المنطوق اكثر من لوحات مميزةو لكل منها حكاية، ولعل اروعها لوحة الغزال ان صحّت تسميتها لوحة يرقص فيها الغزال صحبة اسوف الراعي دون خوف منه او وجل لوحة تجسد «الانسان» في ارقى درجات انسانيته متصالح مع ذاته ومع قيم الجمال التي تسكنه فيحاول الذود عنها، رقصة عنوان التماهي بين الانا والاخر لان الغزال في العمل لا يرمز الى الحيوان بقدر رمزيته الى قيم الجمال ومعاني السلم والحياة، رقصة هي شيفرة حياة وتصالح مع الذات استمتع بها جمهور مهرجان علي بن عياد وصفقوا لها طويلا وطبقوا مقولة الشيخ جلولي «ما ثمة غول كان الضياع وما دواء الوجيعة كان السفر... سافر بنفسك تصيبها».
ومن لوحة الحياة الى لوحة الموت ان صح التعبير هي لوحة الختام حين قتل قابيل «اسوف» الراعي الانسان وقتل الغزلان قبله، جريمة جعلت الضابط «جو» يصرخ «امي اعترف باني مجرم، امي اعترف اني بريّ ساعديني كي احب الله» جمل قد تدل على صحوة ضمير امام الدماء السائلة فهل ستصحو ضمائر ذابحي البشر؟ وهل يستيقظون من غيّهم أم أن سباتهم طويل المدى وضمائرهم نائمة نومة أهل الكهف؟.
بين الاسطورة والواقع ترتبك الذاكرة فيكون الابداع رقصا وشعرا وتشخيصا وفرجة ومسرحا بعنوان «كعب الغزال» في الصحراء تتوه الروح طلبا للانعتاق من ادران الواقع وعلى وقع حركات والجسد تكون الثورة الذاتية على القبح والدم في انتظار صحوة انسانية ضد البشاعة هكذا صرخ ابنا مركز مدنين باعلى صوت ضد التوحش راجين ان يكون «اسوف» «اسوفات» والغزال غزلانا فقط من اجل الحياة والانسانية.
مفيدة خليل
المغرب







0 التعليقات:
إرسال تعليق