أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

السبت، 13 يونيو 2015

«حمامة» زوسكيند تحطّ على المسرح السوري

مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني
كانت للمسرح الراقص في سورية صورة ثابتة قبل 2011، تحتلّ نصفها الأول الفرق الشعبية كـ «إنانا» و «أورنينا»، بينما تقبع على الجانب الآخر عروض ينتجها قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية. يضاف إلى ذلك استثناءات قليلة تحتل مساحات لا تكاد تُرى. مزقت رياح التغيير الصورة. فشلت عروض المجموعات التي كانت تعتمدها الفرق الراقصة الشعبية حتى سقطت هذه الأخيرة وتوارت عن المشهد نهائياً. أما عروض الرقص التعبيري التي ينتجها المعهد فبدأت تدور على ذاتها، من دون أن تقدم جديداً على صعيد الحركة والبناء. وفي هذا السياق يأتي عرض «زيارة ذاتية» (أداء وإخراج حسين خضور، دراماتورجيا هبة محرز) ليقدم نفسه كشكل جديد للمسرح الحركي في سورية 2015.
في القاعة المتعددة الجهات في دار الأوبرا، قدّم خضور عرضه المأخوذ عن رواية «الحمامة» للألماني باتريك زوسكيند، تصوِّر حياة رجل في الخامسة والخمسين قضى أكثر من نصف حياته في العمل كحارس لأحد البنوك، متصالحاً مع حياته الروتينية القاتلة إلى أن تزوره «الحمامة». تضعه الحمامة وجهاً لوجه مع الزمن المفقود من حياته في العمل. يتأمل ذاته، يتحسس جراح الروتين فيها. ينفجر ويثور على سلطة العمل هذه بعدما فاته العمر. ولا تتعدى زيارة الحمامة عن كونها زيارة للذات المقهورة في المجتمعات الحديثة. تمكن العمل الدراماتورجي لهبة محرز من تحقيق الخطوة الأولى القائمة على ضبط هذه الحكاية وتقديمها في أربعين دقيقة، لا يلتبس على المتلقي فيها خط الحكاية المتصاعد.
ذيّل حسين خضور عنوان عرضه بعبارة «مسرح جسدي»، مما يثير تساؤلات عند المتلقي السوري في الفارق بين المسرح الجسدي والمسرح الحركي. لا مجال هنا للبحث في صحة المصطلح، إلا أن الواضح من عبارة مسرح جسدي أن اللغة التي يخاطب فيها العرض جمهوره هي الجسد. من هنا، كان لزاماً أن تكون هذه اللغة الجسدية مضبوطة واضحة لتكمل ما فعلته الدراماتورجيا في تشذيب أطراف الحكاية ووضوح الرؤية المراد تقديمها في العمل. بيد أن هذه اللغة شابها الكثير من اللبس. فبعدما تمكن المؤدي في الربع الأول من العرض من عكس الحالة الشعورية التي تمر بها الشخصية من روتين قاتل أحالها آلة للعمل وحسب، عجز في ما تبقى من العرض عن تقديم المستوى ذاته الذي ظهر عليه في البداية. حيث تناقصت طاقة المؤدي على رغم من تصاعد الحالة الدرامية. حتى بدا مشهد انفجار الشخصية وثورتها، وهو مشهد الذروة في المسرحية، ضعيفاً واهناً لا يرقى إلى مستوى فكرة «الحرية» المراد تقديمها. وساهم ذلك في تشويش وسيلة الاتصال الأساسية بين العرض والجمهور (الجسد).
ولكونه تجاوز الرقص نحو الأداء، توجب على خضور ألا يكتفي بالحركة وحسب. فالأداء يتسع ليشمل الرقص والتمثيل معاً. لا سيما أن إحدى نقاط الجدة في العرض هي أن الشخصية الراقصة استحالت لحماً ودماً وتاريخاً بعدما كانت مقيدة بميكانيكية الرقص التعبيري الذي ينتجه المعهد. بيد أن المؤدي أغفل تفاصيل الوجه. فبدا على محياه الحياد على امتداد المسرحية، على الرغم من الحالات الشعورية المختلفة التي تمر بها الشخصية عبر العمل. أضف إلى ذلك الإطالة التي وقع فيها بعض المشاهد، مثل ذلك أحد المشاهد التي تصور الحارس وهو يأكل وجبته الجاهزة بعيد الانتهاء من العمل. امتد مشهد الأكل هذا قرابة 6 دقائق، صمتت فيها الموسيقى وثبتت الإضاءة. غدا الإيقاع فيها ثقيلاً على المتلقي لاسيما وضعف أداء خضور في اختبار التمثيل هذا. ناهيك عن استخدام علامة (k.f.c) على الوجبة التي يتناولها الحارس مع العلم أن هذه الماركة أغلقت محالها في سورية منذ أربع سنين. وهذا يشير إلى خطأ دراماتورجي فادح في عملية التبييء.
تم استغلال الصالة المتعددة الاستعمالات على أفضل وجه عبر تقسيم الخشبة إلى فضاءين. الأول داخلي في عمق الخشبة يصور مكان إقامة حارس البنك، والثاني في المقدمة يدلل على الفضاء الرحب الذي يحلم الحارس بالوصول إليه. تضاف إلى ذلك شاشة في المنتصف يُعرض عليها مشهد يصور حركة السير والبشر في أحد نهارات العاصمة. المادة الفيلمية هنا تنطلق من عين الحارس مصورة حالة التكرار التي تراها العين من مرور سيارات وناس وما إلى ذلك. لكن الإطالة في عرض المادة الفيلمية أثّرت سلباً على إيقاع العرض، خاصة أن ما يُعرض على الشاشة لا يحمل في ثناياه أي مادة فنية أو جمالية، فكانت الكاميرا تصور الواقع كما هو. كذلك الحال مع المباشرة الفجة التي تعامل فيها العرض مع فكرة (الحمامة)، حيث اختزل المخرج الحمامة الحامل الأساسي لثورة الحارس بفيديو لحمامة تطير في فضاء مفتوح، وهذا ما يتناقض مع بنية العرض التي تسعى إلى الكناية والتورية بدلاً من الطرح المباشر الواضح.
وضع خضور نفسه في رهان كبير حينما اختار أن يكون وحيداً على الخشبة. ما استلزم عليه وظائف مضاعفة في الأداء. منها المحافظة على إيقاع العرض في الأوقات التي تغيب فيها الموسيقى وتثبُت الإضاءة ويبقى الجسد وحده المعبر عن العرض. فبالرغم من بساطة المادة الموسيقية التي ألفها حسين عطفة. إلا أنها كانت عاملاً أساسياً في شد إيقاع الحركة. ففي المشاهد التي توقفت فيها الموسيقى، كان يتراخى إيقاع العرض، وطاقة المؤدي الذي فشل في ملء الفراغ الذي يُحدثه غياب الموسيقى. كذلك الحال مع المشاهد التي ثبتت فيها الإضاءة.
لا يغفر البحث في أماكن جديدة من المسرح الراقص المشاكل التي وقع فيها «زيارة ذاتية». فبعد اختبار نجاح الجدية والجدة يبقى نجاح التنفيذ الخطوة التي تجعل من هذا العرض أو ذاك، عرضاً «جميلاً، ممتعاً، جيداً...» ينطق بروح الآن- هنا.
دمشق - علاء الدين العالم - الحياة

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption