أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الخميس، 18 يونيو 2015

مسرحية" شجر مرّ" على مسرح طنجة المغربي: دراماتورجيا خلاقة عن سنوات الرصاص

مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني

تتحدث مسرحية "شجر مرّ"، عن حياة مرة التي عاشها سجناء من النساء والرجال في اماكن سرية مجهولة، في فترة الستينات والثمانينات من القرن العشرين في المغرب. عمل يجري وسط رعب سنوات الرصاص التي تعرض فيها معارضو النظام الملكي إلى اعتقال قسري ومن دون محاكمة، وأحيانا إلى اختفاء كلي؛ ويتحدث عما يحدث داخل السجن. هناك الحقائق الضخمة جدا التي يأخذ منها الكلام ضخامته، لكي يتحول الى نوع من الجنوح المتموج، تمر من خلاله موضوعات متعددة مليئة بالصور، والأماكن، والمشاعر، والأفكار، والفوارق الدقيقة للعلاقات بين الشخصيات التي تتأرجح في كل مرة بين الكراهية والحب. وإذا كنا لا نعثر على حكاية المسرحية كاملة، ففي إمكاننا القول انها تكمن في كلية العرض. إذ يتم سرد الوقائع على هيئة شذرات تتناثر بشكل مضطرب، لكنها تصبح تدريجيا اكثر اشراقا ووضوحا، على الأقل في ما يتعلق ببعض اجزاء القصة، بحيث تعيش الشخصيات حالاتها الحياتية من خلال محاولة استخراج آخر رشفة من بقايا ما كانت عليه الذاكرة ذات يوم، في اوقات مختلفة. وهي ذاكرة بعيدة أو قريبة من اللحظة النهائية التي لا يحتمل فيها الابطال الرئيسيون التعذيب الجسدي والنفسي الشديدين.
يعتمد العمل على مونولوغات تحمل في طياتها حوارات وتداعيات داخلية، احيانا صامتة وأخرى ناطقة، مثل مونولوغات السجين الصامتة التي كانت تتكلم من خلال الحركات الكوريغرافية للفنان عثمان السلامي. هناك مونولوغات الزوجة لزوجها، والأبنة لأبيها. كلها تتضمن نوعا من الحوار الموجه إلى الشخص المعني، او الجمهور، وخصوصاً في المشاهد المتكررة التي تقف فيها الممثلة فاطمة الزهراء لهويتر امام الميكرفون وتبدأ في مناجاة تشبه الى حد كبير عمل الجوقة الاغريقية المعاصرة، تصاحبها الممثلة ايمان صامط، مرددة ما تقول من خلال الغناء الحزين المليء بالشكوى والعتب والسأم. تعلنان ما يعتمل به قلباهما من الم الانتظار وضياع العمر، والملل، شأن السجين الذي يعاني من لعنة الزمن حينما "الثواني لا تتقدم، الثواني نفسها تمر وتعاود المرور، ثم تبدأ من جديد".
نحن في حضرة عرض بصري قوي بشعريته، تأليف عبد المجيد الهواس وإخراجه؛ شاعر من شعراء الخشبة بامتياز، يرسم فضاء بمفردات سينوغرافية تنتشلنا من المباشرة السياسية العقيمة، وتقدم عذاب السجناء السياسيين بطريقة جمالية مختلفة وغير مألوفة، يصور من خلالها بذاءة الظلم وبشاعة الظالم، ليس فقط من خلال معاناة السجين او السجينة وإنما أيضا من خلال معاناة أم السجين، وزوجته، واخته وابنته الممثلة رباب الخشيبي التي تحاور اباها الممثلة في مونولوغ مؤثر.
وحدة الخطاب المسرحي في هذه الحال المعروضة التي تبدأ مع الابنة حول غياب الاب، وغياب الأجوبة عن تساؤلاتها، تجعلنا نفكر في أن الغياب عبارة عن وصف للألم الناجم عن الموت البطيء والعنف، الذي يعززهما المخرج المؤلف في تلك اللحظات الاخيرة من حياة السجين، من خلال ما يمكن تسميته بدراماتورجيا اللغز أو اللعب المربك: في وسط رعب الموت الذي يقترب من السجين، ويحاصره من كل الجهات، يخلق الهواس نوعا من الهذيان من خلال الكلام والصور والحركات الراقصة التعبيرية التي يقدمها السجين نفسه من خلف البارافانات الشفافة والسميكة، كأنها حيطان من مادة الإسمنت، ومن خلال حركات النسوة اللواتي يقودهن حارسا السجن علاء قداري وسعيد الهراسي من شعرهن المنثور المباح. هذيانات تجعل الشخصيات تقفز بنا من فكرة وصورة إلى أخرى، وتجعلنا نرى ما يحدث داخل السجن وخارجه وما هو موجود في رأس السجين من أفكار، بحيث تتجول هذه الهذيانات، وسط شعر الخطاب المسرحي لوصف البشاعة، ولتجعل الكلمات تبدو كما لو انها كرنفال من الرعب. يتلذذ الحارسان بالتعذيب ونراهما يتحاوران ويعيشان حياتهما بطولها وعرضها كأن ما يحيط بهما أو ما يساهمان في عمله من قسوة وعذاب واستلاب لا يهمهما في شيء سوى أنه يجعلهما اكثر قربا من مرؤوسهما الذي لا نراه إلا من خلال خوفهما منه وتوددهما إليه. ليس من باب المصادفة ان يجعل المخرج المؤلف عبد المجيد الهواس هاتين الشخصيتين من بين جميع شخصيات الموجودة في العرض، تتكلم بلهجة مغربية ساخرة، تساهم في صناعة فكاهة سوداء، واستخدام انارة قوية في مشاهدهما لكي يفصل بين عالمين، عالم الواقع والخيال، وعالم الظالم والمظلوم.
اصرار المخرج على الحركة التي لا يمكن السيطرة عليها، كما في مشهد الحارسين وهما يقلبان بأيديهما جسد السجين الغائب عن الوعي من شدة التعذيب، كأنه خرقة بالية أو حاجة لا نفع فيها، وتأكيد الحركات العصبية التي تجعل صمت الشخصيات ممتلئا، يجعلان العرض بمثابة دوّامة. فالجرد الذي يقوم به السجين ليومياته في السجن، والتفاصيل الموجودة في المونولوغات، والمشاهد التي يؤديها السجانان، على اختلاف مواضيعها واشكالها، هي محاولات لإعادة بناء حياة السجناء التي تتدمر في السجن وخارجه. فمن خلال حساب السجين للحظات التي يعيشها، يكمل عبد المجيد الهواس شيئا فشيئا قصته. وهذا يشبه إلى حد كبير لعبة اللغز (puzzle)، حيث نرى الخطوط التي تحد كل جزء من اجزائها، من دون التمكن من لصق القطع من غير رؤية الشقوق التي تفصل بينها. هذا ينطبق على هيكلة العمل نفسه، المكتوب على شكل لوحات او شذرات، لا نعرف عددها إلا بعد كل ظلام في نهاية كل مشهد. من خلال هذه الميكانيكية المستعملة في تقطيع الفعل والكلام وجعلهما يأخذان شكل الدوامة، يبني المخرج المؤلف شخصياته في دراماتورجيا حالية، الهدف منها الادلاء بشهادات السجناء من خلال وصف الممثلين لها ومعايشتهم لآلامهم الماضية وعرضها في الحاضر. لتفادي الوقوع في هوة الميلودراما البكائية، والمباشرة السياسية العقيمة، يملأ الهواس العرض بأنواع من الاعراض التي تدخل في حيز السريرية، بسبب صدمات الماضي التي يكتفي بإبرازها من خلال بنية الخطاب والأفعال الدراماتيكية والصور البلاستيكية الشعرية، والتلاعب في الإضاءة التي تهيمن عليها الألوان القاتمة شبه المحبوسة، لتكون شخصيات المسرحية شاهدة على عالم من الواقع موجود خارج المسرح، وقد استدعيت إلى المسرح لكي تدلي بشهاداتها، ولكن داخل عالم خيالي، هو المسرح.

محمد سيف - النهار

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption