أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأحد، 21 يونيو 2015

المسرح وظف التراث الديني للإسقاط على الراهن

مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني
غلاف كتاب توظيف التراث الديني
كتاب توظيف التراث الديني في المسرح المصري المعاصر 
كثيرا ما يلجأ مؤلفو المسرح إلى التراث بأشكاله المختلفة، وهو ما يتطلب مهارة خاصة، فيما يتطلب التعامل مع التراث الديني شيئا من الحذر إلى جانب المهارة الفنية العالية، لأن الدين من المقدسات التي لا يستباح تغييرها بحجة أن ذلك من الفن، وتتعدد أسباب اللجوء للتراث في الكتابات الأدبية لدواع سياسية أو ثقافية أو فنية أو قومية، وثمة علاقة بين الاهتمام بالتراث والهزائم المستمرة التي مني بها العرب منذ حملة نابليون على مصر، ولعل هزيمة يونيو 1967 كانت أعنف الصدمات التي زلزلت كيان الإنسان العربي، فالمؤلف حين يلجأ للتراث كأنه يحتمي بقوة أكبر منه قادرة على الوقوف أمام أعدائه، ففي هذا التراث أصله الذي يحتوي خبرات وثقافة أمة كاملة، وستارا يقي شرور السلطة الحاكمة من بطش ومصادَرَة.
قضية " توظيف التراث الديني في المسرح المصري المعاصر" استغرقت مادة كتاب الدكتورة عزة عبد اللطيف عامر، الصادر عن مكتبة "الآداب" في 300 صفحة من القطع الكبير، ذلك أن توظيف التراث خاصة بالنسبة للمسرحيات السياسية يتخذ قالبا لإبراز فكرة يرمز إليها المؤلف، فشخصية "الحسين" على سبيل المثال تحذر من كل سكوت عن الحق، فيما تقول شخصية "سليمان الحكيم" إن القوة الخارقة تعجز أمام الإرادة الإنسانية، وهي معان من صنع المؤلف المسرحي، وإجمالا يرى توفيق الحكيم "أنه ما من شيء أقوى من الميراث، وإذا كان للخلود يد فإن الميراث يده التي ينقل بها الكائنات من زمان إلى زمان" وهو يلجأ للتراث بشكل عام في مسرحياته، معتمدا على التراث الشعبي، أو مصدر ديني، أو أسطوري، أو يخلط بين أكثر من مصدر مثلما فعل في "سليمان الحكيم"، فهو يرى أن هذه العناصر جميعا "تراث" وأنه حين يستحضرها في الأذهان يُكسب رؤيته بعدا عميقا كما يضفي الحركة على التراث، ويختلف ذلك عن استخدام عبد الرحمن الشرقاوي وفهمه للتراث، ففي ثنائية "ثأر الله" نجده يستعرض قصة الحسين ومأساته ليخرج منها بعبرة تنفع الحاضر، لاسيما أنه كتبها في أعقاب هزيمة 1967، لذا فقد يكون سبب لجوئه للتراث قوميا، حيث تعد الهزائم والخطر الخارجي مما يدفع الأدباء للجوء للتراث.
قضايا عديدة فرعية تثار ضمن القضية الأساسية وهي توظيف التراث الديني، من ذلك إلى أي مدى يلتزم الفنان بالتاريخ؟ وللإجابة عن السؤال انقسم النقاد والمؤلفون إلى اتجاهين: الأول يرى أن الفنان حر في تعامله مع التراث، وأنه ليس مؤرخا ليلتزم بصحة المعلومات التاريخية ويتتبع تفصيلاتها، لأنه فنان والأحداث التاريخية لا تعنيه في المقام الأول، والثاني يرفض الإسقاط المعاصر إذا كان من شأن الإسقاط أن يغير في التاريخ، فالتاريخ أحداث وقعت بالفعل وليس للأديب أن يغير منها، وتدلل مؤلفة الكتاب على ذلك الانقسام بأنه يمكننا أن نرى ممثلين لكل اتجاه ولكلٍ حججه، ومثال ذلك النقاش الفكري الذي وقع بين الأستاذ أمين الخولي والدكتور محمد مندور، وكان الخلاف حول شخصية العز بن عبد السلام في "السلطان الحائر" ورغم أن توفيق الحكيم لم يذكر أن قاضي القضاة هو العز بن عبد السلام إلا أن أمين الخولي يرى أنه كان لزاما على المؤلف أن يلتزم بالصورة البيضاء للعز بن عبد السلام ما دام قد استدعى سيرته واستوحى ماضيه، وهو يقابل بين الصورة التاريخية الناصعة لهذا القاضي الإسلامي الجليل وبين الصورة التي رسمها له توفيق الحكيم في مسرحيته، حيث ظهر أن القاضي لم يتمسك بمبادئه حتى النهاية، بل وقلق وبات ساهرا وحرض المؤذن على أن يؤذن للفجر في نصف الليل، فرأْي الخولي يؤيد الالتزام بالتاريخ الموضوعي للشخصية حتى لو لم يذكر المؤلف الاسم، وعلى النقيض يرى مندور أنه مادام المؤلف لم يورد اسم العز بن عبد السلام بالذات، فإنه بعمله هذا خرج عن نطاق التاريخ وأصبحت له حرية مطلقة في التصرف في تلك الشخصيات الرمزية وفي الصورة التي يرسمها لكل منها، وفقا للهدف الذهني الذي قصد إليه، والأمر كذلك هناك من يرى أن الإسقاط تزييف وتزوير للتاريخ، تلوى فيه أذرع المواقف تحت رداء المعاصرة، وتلوى أذرع الأحداث التاريخية والشخصيات بقصد إخضاعها لما يجري في أروقة العصر الحديث، وظاهرة الإسقاط تنشأ عن عدم القدرة على مواجهة السلطة أو التعبير عن الرأي بصراحة، والحال كذلك فمن النقاد من يرى أن الإسقاط السياسي أرقى أنواع المسارح، بما ينطوي عليه من مراجعة لدرس التاريخ، ووسيلة للتهرب من الرقابة ومن الضغط السياسي، وغاية فنية للرغبة في التعبير غير المباشر، وعلى هذا نجد أن هناك من المؤلفين من استفاد من بعض التفصيلات التاريخية، كما هو الحال في مسرحيات: امرأة العزيز لسمير سرحان، وسليمان الحكيم وأهل الكهف للحكيم، ومأساة الحلاج لصلاح عبد الصبور، وغيلان الدمشقي لمهدي بندق، وهاروت وماروت لعلي أحمد باكثير، وثأر الله والحسين شهيدا للشرقاوي، والوزير العاشق لفاروق جويدة، ولا غرو أن تحتل ثنائية الدين والسياسة مكانة سامقة في عشرات المسرحيات التي استلهمت التراث بشكل عام لانتظام الحياة من خلال الدين، ولكون السياسة من مكونات الجسد الإسلامي الكبير.

القاهرة – مدحت عبد الدايم - الشرق 

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption