مسرحية " بعد ما سمّيْتها " : حياة لمّا تحِنْ بَعْد
مجلة الفنون المسرحية
الحسام محيي الدين
تعيد مسرحية " بعد ما سمّيْتها " إنتاج السيرة الذاتية لكل من " مجد " ( حمزة كركي ) و " يحيى " ( موسى شمس الدين ) عصارةَ سنواتٍ طويلة من أيامٍ وليال عاشاها معاً منذ سن المراهقة ، وخَبِرا فيها حلو الحياة ومرها ، من على مسرح المدينة ، وبتوقيع ونص عماد حمود ، على الكوميديا الاجتماعية التي امتزجت بالدراما الرومانسية ، فحطمت قاعدة الوحدات الثلاث باستثناء الحفاظ على وحدة الحدث المتماسك من بداية العرض ، وذلك حتى لا يتلاشى تفكير المتفرج وتركيزه على رسالة فنية من مفهوم جمالي خاص يبسط شكلاً فنياً مُغايراً يربط ثالوث الفعل ، والأزمة ، والصراع بين الانسان والقوى المتنوعة من حوله ، إما على المستوى الاجتماعي ، أو على مستوى القوى المجردة الكبرى كالوجود والموت والزمن . إذن ، لم يركن الاخراج إلى ربط حكايته وحبكته بنوعٍ مسرحي ما محدد مما اعتادت عليه المسارح تقليديا ، إنما اشتغل على دراماتورجيا خاصة تنطلق من خامة المضمون الذي يعود لمرجعيته ، في اشتغال نصي / درامي فتح على إيجاد خط متصل بين وقائع وأفكار متباعدة زمنياً ومكانيا ، نجح بتوضيح علاقة الشخصيتَين ببعضهما منذ أول العرض ، وفي إظهار إحساس كل منهما سواء بالذات أو بالعالم من حولهما ، حجمه وحقيقته ، خلال مجهود أدائي واضح وازى ما أراد الحوار قوله مع التركيز على حركية كل منهما ، بمصاحبة الموسيقى أحيانا أو بدونها ، من دون إفقاد العمل طابعه الذي يحدد المتعة للجمهور ، لكل الجمهور ، لا لنوعية خاصة ، وما يراه من امتداد لحياته على الخشبة . حرض الاخراج خيال النظارة من أجل بناء الصورة الحقيقية للعرض من منظورهم المجرد الدلالي ، ومن مقام التفاعل ووعي الجزئيات حالّةً مكان الكليات أو العكس : مثول الشخصيتَين أمام لجنة امتحان الدخول إلى الجامعة ، ذكرياتهما مع أصدقاء قدامى فُقِدوا ، حب وطيش وطموحات المراهقة ، ذكريات " الفوتبول " وجمهور البنات المعجبات ، قصة والد " مجد " المهاجر الذي عاد في الوقت الخطأ أثناء الحرب فكاد يُقتل ، توازيها قصة والد " يحيى " صاحب المأكولات الشهيرة الذي قُصف مطعمه ، صوت طائرة الـــ " MK " المشؤومة الرامز إلى موت محتمل يواجهها ابن الجنوب بالسخرية واللامبالاة وهي تتجول بصوتها الشهير فوق رأسه على مساحة السماء القريبة ، اتهام أحدهما الآخر بالغباء ثم تراجعهما بعدما تنبها أنهما شركاء في كلّ ما فعلاه خلال حياتهما ، فلا يمكن أن يتذاكى أحدهما على الآخر، حكايات الزواج والأطفال والأعمال والأصدقاء والقرارات الصعبة ، كلها ذكريات كثيرة لا نلبث في خاتمة العرض أن ندرك أنها مرويات ، قليلها جدّي وصحيح ، وكثيرها الآخر الذي هو مصيري لم يكن إلا أحلاما ؛ ذلك أن " مجد " لم يحقق طموحه في إنشاء الشركة التي كان يحلم بها ، ولا وجد رفيقه الذي هو أفضل الرفاق بل ما زال ينتظره ، ولا رُزق بزوجة ولا أولاد ، وليس هناك من قرارات اتخذها ، بل لم يكن هناك قرارات أصلا . إنها محاولة يائسة لإعادة تشكيل ذواتنا سواء بالعاطفة أو بالعقل إلا أنها محكومة بالقدر ، بالحياة التي تمضي ولمّا نجد لها اسمها الحقيقي ، بل لربما لمّا تحِنْ بَعْد .








0 التعليقات:
إرسال تعليق