أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الجمعة، 2 يناير 2026

الاحتفالية حياة واحدة في مسار وجودي واحد ـ 122/ د.عبد الكريم برشيد

مجلة الفنون المسرحية
الصورة لعرض مسرحية "ثلاثة من جوج" 


الاحتفالية حياة واحدة في مسار وجودي واحد ـ 122

                     فاتحة الكلام 

خمسون سنة مرت من عمر هذه الاحتفالية، ومازال الكاتب الاحتفالي يكتب، ومازال المفكر الاحتفالي يفكر، ومازال المبدع الاحتفالي يبدع، و مازالت الاحتفالية على نفس الطريق، وفية لفكرها، ووفية لعلمها، ووفية لفنونها، ووفية لتاريخها، ووفية لاختياراتها الفكرية والجمالية و الاخلاقية، ووفية لصناعاتها المسرحية التي تتكامل فيما بينها لتشكل في مجموعها لغة مسرحية نحن في هذه الاحتفالية نتنفس الاحتفالية، ونحن نكتبها في كتاب الاحتفالية بخط احتفالي،  ونحن نعيشها و نحياها يوميا قبل ان نكتبها، ونحن نعرف بانه لا احد يمكن ان يحيا حياتين، او ان يسر في في نفس الوقت في طريقين اثنين، هو احتفالي واحد اذن، يمشي في طريق احتفالي واحد 

وهذه الكتابة التي أكتبها ا تعليوم، ليست تعريفا بالاحتفالية، وهي بالتاكيد تحتاج لمن يعرفها معرفة صادقة، وليس لمن يعرف بها،   وهي موجهة لمن يعرفون بان الكتابة هي حياة اخرى، او هي اعمار اخرى، وهي متاكدة بان اضافة مسرح اخر، معناه اضافة رؤية أخرى للعالم، واعتقد ان وجود عالم واحد، بعين واحدة، هو عالم اعور، وبذلك فقد اضفنا في الاحتفالية لهذا العالم المأساوي عالمنا الاحتفالي والعيدي المختلف، وهذا حقنا الذي لا يمكن ان ينازعنا فيه عاقل، وبهذا فقد امكن ان نقول بان المسرح الاحتفالي هو اكبر وأخطر من ان يكون مجرد مدرسة مسرحية، او أن يكون مجرد اتجاه مسرحي، وهو في البدء والختان رؤية عيدية للعالم، وذلك من خلال مسرح يستحضر كل الأوان، ويستحضر كل اللغات، ويستحضر كل العلوم، ويستحضر كل الأبجديات في كتابته المسرحية، وفي كلمة واحدة، يمكن ان نقول ما يلي:
إن هذه الاحتفالية هي نظام حياة قبل ان تكون منظومة مسرحية خاصة  
وفي هذه المنظومة نوجد نحن، وفي هذه النحن يوجد اصدق كل الحقوق واشرف كل الحقوق، والذي هو الحق في الوجود، وفي مسرحنا توجد نحن، وفي هذه النحن يوجد مسرحنا، وفي مسرحنا يوجد كل العالم، وتوجد كل كل فنون وكل علوم العالم 

                             الاحتفالية: اسىئلة ومسائل 

ولكل الذين يمارسون  الفعل المسرحي، و يهمهم حاضر ومستقبل هذا المشروع النهضوي المغربي والعربي، فإننا نتساءل أمامهم ونقول ما يلي: 
ــ وما المسرح الاحتفالي باختصار شديد، وهل هو مجرد فرجة مسرحية ظرفية عابرة في لحظات عابرة؟ وما علاقته بفلسفة التعييد الاحتفالي؟ 
ــ وما هي طبعية هذا المسرح المتفلسف، وما هي مقاصده، الإمتاع الجمالي ام الإقناع العقلي، ام هما معا؟ 
ــ وما طبيعة هذه الفلسفة الاحتفالية، وهي في جلد المسرح، او هي ازياء المسرح، او هي في درجات المسرح؟
ــ وما هي لغات هذا المسرح، الظاهرة والخفية؟ هل هي فقط ما نراه وما نسمعه، او هي تلك اللغات السحرية الأخرى، والتي لا تتضمنها الكلمات ولا العبارات ولا الإشارات 
ــ ولأن هذا المسرح الاحتفالي قد بناه العقل، و بناه الوجدان، وبنته الخيال، و.بناه الذوق، فقد كان ضروريا ان نتساءل، وما هي بنيات هذا المسرح الفكرية والجمالية؟ 
ــ وفي كثير من الكتابات تساءل كثير من المتسائلبن التساؤل التالي التالي، وما هي حدود هذا المسرح؟ ولقد فاتهم ان يعرفوا ان المسرح الحقيقي الذي يبحث عنه الاحتفاليون هو مسرح بلا حدود، وانه بحر بلا ضفاف
ــ وما هي الأعمار الإفتراضية لهذا المسرح الاحتفالي، ومتى يمكن ان تنتهي صلاحيته بشكل نهائى وكلي؟
ــ وبخصوص منهجيات هذا المسرح الاحتفالي نقول ما يلي،  هو حلم فقط، وهو هذيان عاقل، وهو حمى شعرية خلاقة، وهل في الحلم وفي الهذيان وفي الحمى منهج وضوابط منهجية؟
ــ وللذين يسالون، وما هي آليات هذا المسرح الاحتفالي نقول، خصوصية هذا المسرح هو انه مسرح أني و تلقائي و عفوي و حيوي، وهو بهذا بعيد جدا عن الآليات وعن التقنيات، والكلمة الأولى والأخيرة فيه الممثل ولعبقرية الممثل

ــ وكيف يمكن ان يستقيم وجود مسرح حي, يقوم على العفوية وعلى الحيوية مع الآليات التقنية والميكانيكية؟
ــ ولأن هذا المسرح ينطق لغة التاريخ والجغرافيا، فقد كان ضروريا ان نتساءل عن معجمه وعن مصطلحاته وعن مفاهيمه، والتي ادوات اشتغاله
ــ ولأن هذا المسرح الاحتفالي هو عالم اخر سحري، عالم له وجود اخر، خلف هذا العالم الواقعي، او ماوراء هذا العالم الطبيعي ، او ما فوق هذا العالم المعروف والمالوف، فقد كان ضروريا ان نتساءل عن مناخ هذا العالم الاحتفالي و العيدي، وعن جاذبيه، وعن منطقه وعن مناخه وعن طقسه 
ــ وكيف يمكن أن نميز بين هذا المسرح الاحتفالي وبين المسارح العالمية الأخرى، مع انها مسارح تتبع كلها من منبع إنساني واحد ؟ 
ــ وهل هذا المسرح الاحتفالي هو صيغة مسرحية فقط، وذلك في عالم تتعدد فيه الصيغ المسرحية، وتنوع فيه التيارات و التجارب المسرحية والمدارس المسرحية المختلفة؟

                     الاحتفالية: اختيارات واضافات

ولكل الذين يسألون عن إضافات هذا المسرح الاحتفالي، والذي ملأ الدنيا وشغل الناس لعقود طويلة جدا، أقول ما يلي:
الاحتفالية مسرح أولا، و الرهان الأكبر في هذا المسرح هو الحق والحقيقة، وليس سهلا أبدا أن تبدع المسرح الحق، وان تؤسس المسرح الحقيقي، وأن تراهن فيه على الكلمة الحق، وذلك في عالم اختلط فيه كل شيء بأي شيء، وتشابه فيه المسرح باللامسرح
وهو مسرح أوجد نفسه بنفسه ثانيا، و أسسس ذاته بذاته، و رسم مساره الخاص بين كل مسارات كل مسارح العالم ، ولقد قال كلمته التي أملاها التاريخ، و أملتها الجغرافيا، وأملاها المناخ الوجودي والاجتماعي والسياسي العام، وهو بهذا مسرح قديم جدا، قديم قدم الإنسان، وقدم التاريخ، وقدم الحياة، وقدم المدن، وقدم الاحتفال و التعييد الاحتفالي في هذه المدن المغربية الاحتفالية، والتي تحيا الحياة بصدق، والتي تحكيها بعفوية وتلقائية، والتي تحاكي الناس فيها، وتحاكي ما يفعله كل الناس فيها، وهو بالتأكيد مسرح قديم، لأن الأساس في المسرح هو أنه فن قديم، وأنه علم قديم، وأنه فكر قديم، وهو فكر ارتبط أساسا بالأسطورة، وبظلالها وبمناخها، و ارتبط بالحكاية والمحاكاة، وارتبط بطقوسهما وبأجوائهما الاحتفالية المدهشة، ولقد اقتنع الاحتفاليون دائما بأن المسرح الحق لا يمكن أن يكون إلا احتفاليا، وماذا يمكن أن يكون الاحتفال ـ في معناه الحقيقي ـ سوى أنه استعادة للزمن، أو أنه القبض على الزمن الهارب، أو أنه التجديد والتجدد في الزمن المتجدد؟
هذا المسرح بدأ احتفاليا، تلك هي حقيقته الأساسية والجوهرية، سواء في الحقيقة أو في التاريخ او في الواقع الذي يتنفس المسرح، وسيبقى هذا المسرح  احتفاليا إلى ما لا نهاية، ولأنه احتفال شعبي صادق، يتجدد مع الأيام والأعوام، فقد كان جديدا دائما، واستطاع أن يعيش آلاف السنين، وأن يؤرخ لوجدان الإنسان عبر التاريخ، وأن يجدد له إحساسه بالحياة، وأن يعينه على طرح أسئلة الوجود، وعلى مواجهة أسئلة الهوية لديه، وعلى مقاربة المسائل الفكرية والاجتماعية والسياسية عبر مختلف الأزمان ومختلف الحقب التاريخية المتعاقبة 
هذا الاحتفال إذن، هو أقدم وأحدث وأصدق ما أبدعته العبقرية الإنسانية، وهو استجابة للروح الاحتفالية لدى الإنسان، وبهذا فهو أساسا حاجة فطرية داخلية، هو حاجة نفسية ووجدانية وروحية واجتماعية قبل أن يكون فرجة، أو يكون أي شيء آخر، وبهذا فقد كان المسرح الاحتفالي، في بنيته الأساسية الأولى، هو أقدم كل المسارح في التاريخ، وكان أقربها إلى الفطرة، وكان أكثرها تعبيرا للإنسان الحر في الزمن الحر وفي الفضاء المدني الحر، وهو مسرح بلا ضفاف وبلا حدود، لأنه الوجه الصادق للحياة، ومتى كانت للحياة حدود تحدها؟ ومتى كانت لها ضفاف تنتهي عندها؟

                    الاحتفالية: مسرح قديم يجدد ويتجدد

وللذين يسألون، وما الجديد في هذا المسرح الاحتفالي القديم تقول الاحتفالية ما يلي: 
إنه لا جديد في  هذا المسرح، وكل ما فيه قديم يتجدد، فهو أساسا مسرح الحياة، وهل هناك حياة قديمة وحياة أخرى جديدة؟ 
هي حياة إنسانية واحدة ممتدة ومتواصلة ومتجددة على امتداد التاريخ، وهو مسرح هذا الإنسان، وهل هناك إنسان قديم و إنسان جديد؟ 
بالتأكيد لا، هي نفس الحياة المتجددة دائما وأبدا، وهو نفس الإنسان الذي كان، والذي يكون الآن، والذي سوف يكون في الآتي من الأزمان، وهو وعي يتغير ويتحول ويتطور ويتجدد عبر التاريخ، فالإنسان هو الإنسان، وتاريخه هو نفس التاريخ، وروحه نفس الروح، ولكن التعبير عن هذه الروح المختلفة والمخالفة يختلف بكل تأكيد، يختلف بحسب المكان و الزمان وبحسب المعطيات الثقافية، وبحسب السياقات الاجتماعية والفكرية، ويختلف بحسب السياقات الوجدانية والروحية، ولهذا فقد كان الاحتفال واحدا لدى كل البشرية، ولكن التعبير عن اللحظة العيدية والاحتفالية فيه لا يتم بنفس اللغات ولا بنفس المفردات ولا بنفس الأبجديات ولا بنفس الحالات، ولا بنفس الإشارات ولا بنفس العلامات، وتؤكد الاحتفالية على أن الأساس في فعل الاحتفال هو أنه حرية و تحرر، وعلى أنه لا أحد يحتفل إلا بما شاء، وكما يشاء، و بالأدوات وبالتقنيات التعبيرية التي يشاء، وأنه لا إكراه إطلاقا في فعل الاحتفال، وأنه لا يجوز أن نقول للمحتفل الحر لا تكن حرا، ولا تكن في احتفاليتك مجنونا، وهل هناك فن من الفنون يمكن ان يخلو من الجنون ؟ 
ونقول له ايضا، لا تستسلم لحال الوجد الصوفي، ولا تنصت للأصوات القادمة من اعماق روحك، وكن متصنعا في احتفاليتك، واعمل على ان تحتفل مسرحيا بهذا الشكل التجريبي الجديد فقط، وإياك أن تحتفل بذلك الشكل التقليدي القديم، واياك والتراث، فإنه تخلف و رجعية و رجس عظيم..
إن من حق الإنسان أن يبدع احتفاله الخاص، وذلك من داخل منظومة احتفالية عامة، وان ينطلق من لغة احتفالية لها وجود في الواقع وفي التاريخ، وألا ينطلق من الفراغ، وأن يستفتي قلبه ويبدع، وأن يستنطق روحه ويكتب، وأن يكون صادقا مع نفسه أولا، وأن يكون صادقا مع مناخه الثقافي ثانيا، وأن يكون احتفاله ابن تربته وابن سياقه وابن لحظته وابن أرضه وسمائه ومناخه الحضاري، وألا يكون مستوردا من الأراضي الأخرى ومن الثقافات الأخرى، ومن الأزمان الأخرى ومن اللغات الأخرى. ومن العوالم الأخرى ومن الكواكب الأخرى.

                           الاحتفال: طقس يذهب ويعود

إن هذه الاحتفالية لا تبحث عن الجديد، هكذا قال ويقول الاحتفالي دائما، والجديد فيها هو نفسه ذلك القديم الذي كان، وهي مؤمنة بتلك المقولة القديمة ـ الجديدة التي تقول ( لا جديد تحت الشمس) وبهذا فهي لا تؤكد على ذلك (الجديد) الذي ليس جديدا، والذي يمكن أن يصبح قديما في أي وقت من الأوقات، لأنه يحمل قديمه فيه، وبدلا عن هذا، فهي تؤكد على فعل التجديد المتجدد، أي تجديد ذلك ( القديم) الذي كان جديدا في يوم من الأيام، و تسعى، فكريا وجماليا إلى منعه من ان يصبح قديما، ومن أن يفقد رونقه و بريقه و صلاحيته في الحياة اليومية،
 و بفعل هذا التجديد المتصل والتواصل و المتجدد يوميا أصبح عطيل المغربي حاضرا في كل زمان ومكان، وفي كل مسارح العالم 
 وأصبح ابن الرومي حيا في كل الأمكنة والأزمنة، وأصبح حاضرا في بغداد القديمة وفي بغداد الجديدة معا، وفي نفس اللحظة المسرحية الاحتفالية

 وأصبحت المعلقات والمقامات جديدة ومتجددة دائما و أبدا،  وأصبح لامرئ القيس ( القديم) وجود حقيقي في باريس الجديدة .
و في ذلك المسرح التي يزعم انه تجريبي يصبح الجديد مطلوبا لذاته، ويصبح في حد ذاته قيمة، في حين أن فعل التجريب هو فعل إجرائي فقط، هو فعل للبحث عن القيم الفكرية والجمالية الأخرى، والتي قد نجدها أو لا نجدها، والتي قد تجد لها في الواقع صدى، وقد لا تجد، أما في التجريب الاحتفالي، والذي هو أساسا تجريب ميداني ـ حيوي ـ إنساني ـ شعبي مفتوح، فإن المطلوب منه هو أن يكون تأكيدا على إنسانية الإنسان وعلى حيوية الحياة، وأن يتم في الفضاء العام، وليس في المختبرات المغلقة، وأن يكون بحضور الناس وبمشاركتهم، وليس في غيابهم، وأن يكون فعلا لتجديد اللحظة العيدية الحية، وذلك حتى تحيا بنا، وحتى نحيا فيها وبها ومعها، وأن نحرص على فعل الاحتفال بالحالات الجميلة والنبيلة، وذلك حتى لا تختنق داخل الصدور الضيقة وتموت بداخلها، لأنه لا شيء أحسن وأجمل وأكمل، لتجديد هذه الأيام العادية، من تلك الأيام الاحتفالية الأخرى الممكنة الوجود، ولا شيء أروع ولا أبدع، لتجديد الإحساس بالذات وبالوجود وبالحياة وبالعالم، أحسن من العيد، والذي يختزل كل الأيام والأعوام في لحظة حقيقية، صادقة وناطقة
العيد الصادق اذن هو مختبر الحياة، و بالاحتفال في العيد نؤسس اليوم الجديد، ونصنع الإحساس الجديد،  ونوجد العلاقات الإنسانية الجديدة، و نحيا داخل المناخ الثقافي الجديد، ونستتعيد الوعي الجديد بالعالم 
المسرح  واحد في كل العالم، ولكن تعبيراته وتمظهراته لا يعدها العد، وهي بعدد الناس المحتفلين والمعيدين بكل تأكيد، وهي بعدد اللحظات الاحتفالية العيدية في حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات، وهي بعدد الحالات التي تتجدد في النفوس مع الدورة الدموية، وهي بعدد الشعوب والثقافات والحضارات المختلفة، ولهذا فقد حاولت الاحتفالية أن تبحث دائما عن القاسم المشترك بين الأعياد والاحتفالات في كل العالم، وأن تبحث عن عناصر الائتلاف بينها، وليس عن عناصر الاختلاف، وهذا هو ما يفسر انحيازها للفن ولجماليات الفن، لأن من طبيعة الفن أن يجمعنا، وأن يوحدنا، وذلك بخلاف المذهبية الأيديولوجية، أو للمذهبية الحزبية، أو المذهبية الفئوية، والتي قد تخرج عن سياقها الجميل والنبيل، وتنشر (ثقافة) الحقد والكراهية وثقافة تجريم وتكفير وتسفيه الآخر المختلف والمخالف

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption