مونودراما ( خطايا مدفوعة) تأليف بلعربي خالد
مجلة الفنون المسرحية
انا رجل متحضّر؟
كنتُ أظنّ أنني إنسانٌ …
رجلٌ يريد أن يعيش فقط.
لكنني كلّما حاولتُ النجاة، كنتُ أترك خلفي جثة.
قتلتُ الأرنب أول مرة لأن البرد كان قاسيًا، ثم أقنعتُ نفسي أن الفراء أجمل فوق كتفي من بقائه على جسده. بعدها صار الأمر أسهل.
قتلتُ الغزال لأصنع حذاءً، والدب لأضع جلده بساطًا تحت قدمي، والفيل… نعم، الفيل المسكين، لم أتركه يعيش لأن زوجتي كانت تريد إطارًا فاخرًا لصورتها، فصنعتُه من نابيه، وعلّقتُ الصورة فوق جدار بيتي كأن الحب يُبنى على العظام.
كنتُ أعود إلى المنزل مزهوًا بما صنعت يداي، بينما كانت رائحة الدم تسبقني دون أن أشعر.
كنتُ أقول لنفسي:
“هذه ليست وحشية… هذه حضارة.”
ثم جعتُ أكثر فأكثر .
لم يعد يكفيني حيوان أو غابة.
أردتُ البحر كله. صنعتُ سفينة ضخمة، وكنتُ أجرّ الأسماك بالشباك كما يجرّ الموت أرواح الغرقى. وما لا أحتاجه، كنتُ أرميه في الماء مع النفط والسموم، ثم أضحك وأقول:
“البحر واسع… لن يموت.”
لكنه مات.
وأنا قتلته.
قطعتُ الأشجار لأن الأثاث الفاخر يليق ببيتي أكثر من الطيور.
ملأتُ السماء بالدخان لأن المصانع كانت تمنحني المال.
كدّستُ الأجهزة، الملابس، الأسلحة، وكل ما لا أحتاجه حقًا، حتى تحولت حياتي إلى مقبرة أشياء.
وفي يومٍ ما… نظرتُ إلى نفسي.
لم أرَ إنسانًا.
رأيتُ معطفًا من جلود، وحذاءً من كائنات هاربة، وساعةً تلمع فوق يدٍ متسخة بالخراب.
حتى بيتي لم يكن بيتًا… كان متحفًا لضحاياي.
أدركتُ متأخرًا أنني لم أكن أرتدي الملابس فقط…
كنتُ أرتدي خطاياي.
وحين اخترعتُ القنبلة الجرثومية، ظننتُ أنني أصبحت إلهًا يملك حق إنهاء الحياة. قلتُ:
“الآن أستطيع السيطرة على العالم كله.”
لكن العالم لم يمت وحده.
أنا أيضًا بدأتُ أختنق.
الهواء الذي لوّثته دخل صدري، والسموم التي سكبتها عادت إلى دمي، والوحش الذي أطعمته داخلي سنوات طويلة، التفت أخيرًا نحوي… وافترسني أنا.
الآن أجلس وحدي فوق جبل من النفايات، أُحدّق في صورة زوجتي المعلقة بين نابين عاجيين، وأسأل نفسي:
كم روحًا كان يجب أن تموت…
حتى أشعر أنني رجل متحضّر؟
ستار








0 التعليقات:
إرسال تعليق