أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الخميس، 17 ديسمبر 2015

فرقة مسرح المستحيل فك ارتباط البانتومايم بالمسرح

مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني


استطاعت فرقة المستحيل شق طريقها في مجال  التجريب في المسرح العراقي وان تقطع اشواطا كبيرة من خلال الورش الكثيرة التي اقامها مدير الفرقة  الفنان انس عبد الصمد  الذي يسعى من خلال التجريب المسرحي ان يصل الى حركة جسد معبرة في المسرح  اطلق عليها (ميتا مسرح) وقد ذكر في  بيان مسرحي :
في الوقت الذي تستمر فرقة مسرح المستحيل في تعميم اسلوب" الميتا مسرح" ونقله الاكبر عدد من المهتميين بالمسرح من نخب وشباب مسرحي واعي في ضل التطور الحاصل بالمسرح العالمي لخلق جيل مسرحي عراقي له القدرة على التواصل مع العالم في كل المدن التي زارتها الفرقة بجهود ذاتية من طوكيو وكوريا وتركيا والمغرب وتونس وبغداد وكركوك مرورا بالديوانية واستمرارا الى السماوة و 20 مدينة اخرى محلية وعالمية ..
نعلن
(فك ارتباط اعمال الفرقة بالبانتومايم بشكل نهائي) واعتماد على الاسلوب الاكثر تطورا وبحثا وهو "الميتا مسرح" لتكون مدينة الديوانية هي مكان الأعلان الرسمي للبيان ولايسعنا الا ان نقدم الشكر والأحترام لكل من رفد الفرقة دعما لها بكل المجالات ليصل عدد المتدربين الى 855 متدرب من كل العالم موزعيين بين شرق اسيا وافريقيا واوربا والعراق 
" الميتا مسرح" هو المسرح القادم بابتكار عراقي الاسلوب مسرحي متفرد من خلال نقله وتسجيله بالمؤسسات الفنية المحلية والعالمية

"المطهر"مسرحية للشاعر الأيرلندي: وليم بتلر ييتس

مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني

"المطهر"مسرحية للشاعر الأيرلندي: وليم بتلر ييتس

وليم بتلر ييتس

"المطهر"


مسرحية شعرية في مشهد واحد للشاعر الأيرلندي: وليم بتلر ييتس

ترجمة وتعليق: علي كامل
الشخصيات
ـ الصبي
ـ العجوز
(خشبة المسرح عارية.. ثمة منزل خرب وشجرة جرداء في الخلفية)
الصبي: جبنا المدن والقرى،
قطعنا الأزقة والطرقات،
صعدنا الروابي وهبطنا الوديان،
سرنا في كل الاتجاهات،
وأنا أحمل هذه الحقيبة على ظهري، مصغياً لما تقول.
العجوز: تأمّل ذلك المنزل، أيها الصبي.
آه، أتذكرّ الآن دعاباته وحكاياته..
أريد أن أتذكّر ماقاله الساقي لحارس الطرائد الثمل في منتصف أكتوبر، لكنني
لا أستطيع.
ليس هناك أحداً غيري بأستطاعته أن يتذكر ذلك.
آه، ماذا سأفعل إذا لم يكن بمقدوري أن أتذكرّ؟
أين مضت دعابات ذلك المنزل وحكاياته..
وأين ذهبت عتبته، تلك التي كانت تمتد حتى زريبة الخنازير؟
الصبي: وهل جسّت قدماك هذه الطريق من قبل؟
العجوز: أنظر.. ضوء القمر يهبط على قارعة الطريق،
ظل الغيمة يغفو على سطح المنزل.
كلهّا رموز.
تأمّل تلك الشجرة.
ماذا تشبه؟
الصبي: تشبه عجوزاً أخرق.
العجوز: إنها... إنها تشبه.. ليس مهماً ماذا تشبه.
رأيتها في العام الماضي، عارية جرداء، كما هي الآن،
تماماً مثلما إخترتُ لنفسي أفضل مهنة.
رأيتها منذ خمسين عاماً مضت، قبل أن تمزقها الصاعقة،
أوراق خضراء، أوراق يانعة، أوراق زيتية كثيفة كالزبدة،
شجرة بدينة تنبض بالحياة.
قف هناك وأنظر،
لأن ثمة أحد ما في ذلك المنزل.
(يضع الصبي حقيبته على الأرض ويقف عند المدخل)
الصبي: لايوجد أحد هنا.
العجوز: ثمة أحد هناك.
الصبي: أرضيته تلاشت ونوافذه تحطمت، وهناك في موضع السقف حّطت السماء.
هنا، كِسرٍ من قشور بيض تناثرت بعيداً عن عش غراب.
العجوز: ومع ذلك، هناك من لم يبالي بما ذهبَ أو بقى،
إنها الأرواح القابعة في المطهر تعود ثانية إلى مساكنها وأماكنها المألوفة.
الصبي: أنت تفقد حواسك ثانية.
العجوز: إنها خطاياهم وهي تبعث من جديد، ليس لمرة واحدة، بل لمرات عديدة.
لقد أدركوا أخيرا عواقب تلك الخطايا التي ارتكبوها بحق أنفسهم أو بحق الآخرين.
ربما سيمنحهم الآخرون بعض العون لتهدأ أرواحهم، لكن بعد فوات الأوان، حين تدنو العواقب من نهاياتها، وحيث ينبغي على الحلم أن ينتهي.
أما تلك التي ارتكبوها بحق أنفسهم، فليس ثمة عون إلا في أنفسهم، وفي رحمة الرب.
الصبي: لم أعد أحتمل، لقد مللتُ هذا! تحّدث إلى الغربان إن شئت.
العجوز: كفى!.. إجلس هناك، فوق تلك الصخرة.
إن ذلك المنزل، هو المكان الذي ولدتُ فيه.
الصبي: المنزل الكبير العتيق الذي إحترق؟
العجوز: نعم. كان ملكاً لأمي، جّدتك.
هذا المشهد الفاتن، هذا الريف الجذاب،
وجار الكلب وزريبة الحصان، الحصان والكلب.
كان لديها حصان تربطه هناك، قرب مخزن الجلود.
هناك التقت أبي، سائس الخيل. تطلعّت إليه، ثم تزوجته.
لم تكلمّها جدتي بعد ذلك أبداً، وقد كانت جدتي على صواب.
الصبي: أين هو الصواب، وأين هو الخطأ؟
لقد أخذ جدي الفتاة والمال.
العجوز: تطلعّت إليه، ثم تزوجته، وبددّ، في ما بعد، كل ممتلكاتها.
لم ترى أسوأ مارأت، لأنها ماتت لحظة وهبتني الحياة.
لكنها تعرف الآن كل شي وهي في قبرها.
عاش كبار القوم وماتوا في هذا المنزل.
قضاة وكولونيلات، أعضاء برلمان، قادة عسكريون وحكاّم،
وقبلهم قديماً، رجال حاربوا في أوغريم و بوين*.
بعضهم تابع عمله الحكومي في لندن، وبعضهم سافر ليعمل في الهند، ثم عاد ليموت في وطنه.
أما البعض الآخر فقد كانوا يأتون من لندن كل ربيع، لرؤية الأشجار وهي تزهر في مايو في المنتزه العام.
لقد أحبّوا تلك الأشجار التي هوى عليها أبي بفأسه، ليسّدد بثمنها ماخسره في القمار، أو تلك التي أنفقها على سباق الخيل والشراب والنساء.
لقد أحّب المنزل، أحّب كل ممراته المتعرجة، لكنه أحاله في الآخر إلى أنقاض.
المنزل الذي شبّ وتزوّج ومات فيه كل أولئك الرجال العظام.
لذا أعلن هنا، من هذا المكان، عن ذلك الاثم الكبير.
الصبي: لكنك كنت سعيد الحظ!
ثياب فاخرة، وربما، كان لديك حصان رائع لتمتطيه.
العجوز: ولكي يبقيني أدنى معرفة منه، لم يبعثني أبداً إلى مدرسة.
لكن البعض ممن أحب فيّ أمي، منحني قسطاً من الحب:
زوجة حارس الطرائد علمتني القراءة،
راعي الكنيسة علمّني اللاتينية،
كانت هناك كتب قديمة بأغلفة فرنسية،
كتب من طراز القرن التاسع عشر،
كتب جديدة، كتب قديمة، كتب، كتب،
كتب بالأطنان.
الصبي: وأنت، أنت، أيّ تعليم منحتني؟
العجوز: لقد منحتك تعليماً يليق بإبن زنا ولدته ابنة سمكري في إحدى القنوات.
حين بلغتُ السادسة عشرة من عمري، حرق أبي المنزل، حين كان ثملاً.
الصبي: وها أنا الآن أبلغ السادسة عشرة من العمر.
العجوز: وأحترق كل شيء، الكتب، رفوف الكتب، كل شيء كان قد أحترق.
الصبي: وهل صحيح مايقوله عنك المارّة...
(صمت)
أنك قتلته في المنزل المحترق.
العجوز: هل ثمة أحد هنا سوانا؟
الصبي: كلا، لاأحد.
العجوز: لقد طعنته بهذه السكين التي أقطع بها الخبز الآن، و تركته وسط النار.
سحبوه إلى الخارج،
كان أحدهم قد رأى أثر الجرح، لكنه لم يكن متيقناً من ذلك، لأن جسده كان متفحّماً
وثقيلاً.
أقسمَ البعض من أصدقائه الثملين أخذي إلى المحكمة،
تحدثوا عن مشاجراتي معه وتهديداتي له.
أخيراً، أعطاني حارس الطرائد ثياباً عتيقة وهربت.
مارست مهناً عديدة، عملت هنا وهناك، قبل أن أصبح بائعاً متجولاً في الطرقات.
انها ليست مهنة جيدة، لكنها تناسب شخصاً مثلي، بسبب أنني إبن أبي، وأيضاً بسبب مافعلت وما سأفعله.
اصغ لضربات حوافر الحصان.. اصغ.. اصغ جيداً.
الصبي: لا أسمع أيّ صوت.
العجوز: ضربة! ضربة!
هذه الليلة، هي الذكرى السنوية لزفاف أمي، أو الذكرى السنوية لميلادي.
جاء أبي ممتطياً حصانه، قادماً من الحانة، يتأبط تحت ذراعه قنينة شراب.
(تضاء فجأة إحدى نوافذ المنزل المهجور، وتظهر من خلالها فتاة يافعة)
انظر إلى تلك النافذة. كانت تقف هناك وتصغي.
كان جميع الخدم نائمين، أما هي فقد كانت تنتظر وحيدة.
لقد تأخر كثيراً،
كان يتسامر في الحانة، يشرب، يتبجح ويفاخر.
الصبي: لكنني لا أرى هناك سوى فجوة فارغة في الجدار.
أنت تلفقّ كلّ هذه القصص. كّلا، إنك مجنون!
لقد بدأت تفقد حواسك يوماً بعد يوم.
العجوز: كل شيء صاخب الآن، لأن حصانه يخترق الزقاق المفروش بالحصى، هذا الزقاق الذي يكسوه العشب هذه الأيام.
اصغ، لقد توقفت ضربات حوافره.
انه يتجه الآن نحو الجانب الآخر من المنزل، بأتجاه الزريبة، ليربط حصانه.
هاهي تهبط السلالم، لتفتح له الباب.
لم تكن هي بحال أفضل منه هذا المساء،
ولم تبال لأنه نصف مخمور.
لقد كانت مجنونة به.
هاهما يصعدان السلالم،
إنها تدخله إلى غرفتها.
هذه الغرفة التي هي الآن غرفة الزواج.
آه، لقد تلاشى ضوء النافذة ثانية.
لا،لا تدعيه يلمسك!
ليس صحيحاً مايقال عن المخمورين، أنهم لاينجبون.
لاتدعيه يلمسك، لأنك سوف تنجبين، وبعدها عليك أن تتحملي وزر جريمته.
ياإلهي، انها صّماء، لاتسمع! هو أيضاً لايسمع! ياإلهي، لقد أصيبا بالصمم!
لو رميتُ عصا، أو حجراً، فلن يسمع أحد منهما، وهذا هو سر فقداني لحواسي.
لكن ثمة معضلة أكبر،
عليها أن تحيا الندم كل لحظة، في أدق تفاصيلها،
بإمكانها أن تستأنف المشهد الشهواني، لكن، من دون احساس باللذة.
واذا كان ينبغي للندم واللذة أن يكونا معاً هناك، فأيهما هو الأعظم؟
أنا رجل تعوزه المعرفة.
(يشير للصبي دون أن يلتفت نحوه)
اذهب وأحضر تيرتوليان **
وسنعالج أنا واياه كل هذه المعضلة،
فيما هما يضطجعان على السرير لكي ينجباني.
(يلتفت فجأة نحو الصبي)
قف، ارجع! ارجع!
آه، أنت تفكر أن تفـرّ بكيس نقودي، إذاً!
أظننتني أعمى أو أصّم!
لقد رأيتك وأنت تدسّ أصابعك في الحقيبة.
(يتلاشى الضوء تماماً من النافذة)
الصبي: إنك لم تعطني أبداً حصتي من النقود.
العجوز: لو أعطيتها لفتىً مثلك، فستبدّدها في الشراب.
الصبي: انها حصتي، وأنا حرّ فيها، أنفقها كما أشاء.
العجوز: ناولني الكيس وأخرس.
الصبي: كّلا، لن أعطيه لك.
العجوز: سأكسر لك أصابعك.
(يتنازعان على كيس النقود، فيسقط وتتناثر النقود على الأرض. يترنح العجوز دون أن يسقط. ينهضان، يحدقّ أحدهما بوجه الآخر، فتضاء النافذة من جديد ويظهر من خلف الستارة رجل يسكب الشراب في قدحه.)
الصبي: ماذا لو قتلتك الآن؟
لقد قتلتَ جدّي لأنك كنت شاباً وكان هو عجوزاً.. والآن أنا الشاب وأنت العجوز.
العجوز: (يحدّق في النافذة) ستة عشر عاماً، تلك، كانت أجمل السنوات..
الصبي: بماذا تدمدم؟
العجوز: كانت أصغر سناً منه،
ومع ذلك، كان ينبغي عليها أن تعرف أنه ليس من نوعها.
الصبي: ماذا تقول؟ إذهب، ليأخذك الشيطان!
(يشير العجوز إلى النافذة)
ياإلهي! لقد أضيئت النافذة،
ثمة شخص ما يقف هناك،
لكن المنزل بدون أرضية، أرضيته إحترقت وتلاشت تماماً!
العجوز: النافذة أُضيئت لأن أبي جاء يبحث عن قدح لشرابه.
هاهو يتكىء على النافذة مثل بهيمة.
الصبي: أنت، أنت، أنت ميت حي. أنت قاتل.
العجوز: ( وبعدها غفت العروس فوق جسد آدم ( ***
أين قرأتُ هذه العبارة؟
مع ذلك، ليس هناك من أحد يتكىء على النافذة،
سوى طيفه المرسوم في مخيلتها.
إنها ميتة الآن، وحيدة في ندمها.
الصبي: آه، الجسد الذي كان حزمة من عظام بائدة قبل أن أولد. شيء بشع، شيء مفزع.
(يغطي عينيه)
العجوز: ذلك الوحش قابع هناك، لا يريد أن يعرف شيئاً أو يكن شيئاً.
لو قتلتُ انساناً تحت تلك النافذة، فلن يرف له جفن.
(يلتفت نحو الصبي، يتطلع فيه ثم يطعنه فجأة بالسكين)
أبي وولدي بذات السكين!
إنتهى كل شيء، كل شيء..
(يطعنه مرة أخرى وأخرى.. تتضاعف عتمة النافذة شيئاً فشيئاً.
تمر لحظة صمت، ثم يبدأ يدندن بترنيمة أطفال)
اش.. اش.. اش.. وداعاً ياصغيري..
وداعاً يافارس أبيك،
ياإبن أمك،
تلك المرأة الجميلة الألقة.
كلا، كلا.
هذه العبارة أيضاً قرأتها في كتاب.
إذا أردت أن أنشدتها، فينبغي أن يكون ذلك من أجل أمي.
لكنني بحاجة إلى شعر.
(تغمر العتمة المكان، عدا دائرة ضوء تنير الشجرة)
تأمّل تلك الشجرة.
إنها تقف هناك مثل روح نقية طاهرة، وسط ضوء بارد، عذب، متلألأ.
أمي العزيزة:
النافذة أظلمت ثانية، لكنك تضيئين، لأنني وضعت حداً لكل تلك العواقب.
قتلت الفتى لأنه شبّ وأغرم بالمرأة وأراد أن يّدنسها.
أنا عجوز تعيس وقذر، ومع ذلك، أنا بريء.
حين غرزت هذه السكين العتيقة في المرج وانتزعتها ثانية،
أشرق كل شيء من جديد، والتقطت كل النقود التي نثرها على الأرض.
سأمضي إلى مكان بعيد،
هناك، حيث بمقدوري أن أروي دعاباتي القديمة لرجال جُدد.
(يزيل الدم عن السكين ويبدأ في التقاط النقود)
ياإلهي.. ضربات حوافر الحصان ثانية!
كيف عادت بهذه السرعة..
ضربة! ضربة!
إن مخيلتها لاتستطيع أن توقف ذلك الحلم.
قاتل مّرتين،
وكل ذلك من أجل لاشيء.
أما هي فعليها أن تبعث الحياة في تلك الليلة الميتة، ليس لمرة واحدة، بل لمرات عديدة..
ياإلهي، أعتق روح أمي من حلمها!
وسّيكف الرجال عن خطاياهم.
خففّ البؤس عن الأحياء، والندم عن الموتى..


هوامش النص:
* أوغريم و بوين:
معركة بوين جولاي 1690، المعركة التي إنتصر فيها الجيش البروتستانتي بقيادة الملك وليم أوف أورانج على الجيش الكاثوليكي الذي كان يقوده الملك جيمس الثاني.
معركة أوغريم 1691، المعركة التي قمعت فيها قوات الملك وليم أوف أورانج بقيادة الجنرال جينكل، الجيش الأيرلندي الذي كان يحارب تحت القيادة الفرنسية.
** تيرتوليان: كاتب لاهوتي، عاش في نهاية القرن الثاني. كتب بحثاً بعنوان De Anima
تناول فيه موضوعتي اللذة والندم، مستنتجاً أن لهما وجوداً متماثلاً في الروح، و الموت، ومابعد الموت، على حد سواء.
*** إشارة لمقطع من قصيدة ( تعريشة الجنة ) للشاعر والرسام دانتي غابريل روزييتي 1868.
تعليق المترجم:
كتب الشاعر ييتس مسرحية (المطهر( عام 1939، قبل وفاته بأشهر، وقد كانت هي و(موت كاتشولين( آخر ثمرتين سقطتا من شجرته الخريفية الجرداء. (المطهر( دراما معتمة، من فصل واحد، تضمنت ثيمة مختزلة، محكمة المبنى، يتساوى الحدث فيها مع زمن إدائها على خشبة المسرح، رغم أن الفكرة تغطي فترة نصف قرن من حياة الشخصية.
إحدى السمات المميزة والمشوشة للشخصية الرئيسية فيها، قدرتها على العيش، كما يبدو، خارج الزمن الكرونولجي. فالزمن الماضي يكاد يمتلك وجوداً حسياًً في وعيها الراهن، أما موضوعات مثل الذاكرة، والفانتازيا، والحدث الآني، فإنها جميعاً تكتسب ملمساً واقعياً لدى هذه الشخصية. يقودنا ييتس في مطهره إلى رحلة نحو مديات أعمق للوعي الذاتي، لغرض الكشف عن الكيفية التي يتكون فيها الأدراك الحسي لدى هذه الذات. أما الشيء المثير للدهشة، فهو قدرة هذا الشاعر أن يعطي لذاتية حادة ومكثفة كهذه، شكلاً درامياً قابلاً للتماهي مع الحياة.
كان الشاعر قد إطلع على تقاليد مسرح (نو( الياباني القديم، وإستلهم الكثير منه في نتاجاته الشعرية والدرامية، وخصوصاً ذلك الجانب المتعلق بدلالات الأشباح ووظيفتها في الدراما. فلقد وظف شخصية الشبح في العديد من نتاجاته الدرامية أمثال ( أحلام العظام (، ( الجمجمة (، و ( كلمات فوق زجاج النافذة (، وأخيراً في مسرحيته ( المطهر (. إن ثيمات مسرحيات ( نو ( كانت تتطلب عادة وجود (شبح) يُستدعى من قبل الممثل الثانوي waki والذي كان يقوم بأداء دوره الممثل الرئيسي في المسرحية والذي يدعى shite.
إن وظيفة الشبح shite، هو بعث الحياة ثانية في الأحداث الماضية، لأجل إنجاز عملية تطهير من دنس إثم سابق، ينجزه ذلك الشبح إلتماساً للغفران من الأله بوذا، كي يخفف عنه آلامه و معاناته. waki هو العنصرالوسيط بين الشبح وبوذا، والذي هو، مع ذلك، ينضم إلى جانب الشبح بدافع من المشاركة الوجدانية. فحين يشهد عذابات الشبح، تتحرك فيه مشاعر الرأفة والشفقة، فيتجه صوب الأله بوذا مقدماً صلواته، بغية إثارة ذات المشاعر في نفسه، لتخفيف تلك العذابات، فيستجيب بوذا لندائه، وتهدأ عندذاك روح الشبح.
إن شخصية العجوز في ( المطهر ) تكاد تتماهى و شخصية waki، فهو الآخر، تراه يحوم حول بقايا ذلك المنزل القديم المنهار، والذي يشكل بالنسبة إليه دلالة خاصة.
فهو يستدعي شبحا أمه وأبيه عبر حاجز الصوت، عن طريق سماعه ضربات حوافر الحصان الوهمي، تلك التي تعطي إشارة للوعي، بين الحين والآخر، بقدوم الشبحين إلى المكان. حين تتوحد صورة الشبحان بصورة المنزل، تنشط ذاكرة الشخصية، لتبدأ فعلها في إستحضار مشهد الماضي.
ييتس لايلتزم بالطبع بحذافير طقس النو الياباني، فنراه يوزع أدوار شخصياته كما يريد. فأشباحه مثلاً لايقوم بأدائها ممثلون، ولاتجري بينهم أية مونولوجات أو حوارات، كما هو الحال في النو، بل هو يوكل دوري 
waki و shite إلى العجوز ليؤديهما معاً. بمعنى أنه سيستحوذ على دوره ودور الشبحين، في آن.
إن المهمة التي أناطها فنان مسرح النو لممثليه للعب دور الأشباح، يحيلها ييتس إلينا،، نحن المتفرجين، مرغماً أيانا على توظيف إدراكاتنا الحسية ومخيلتنا، لرسم ملامح وصور تلك الأشباح، ومن ثم لعب أدوارها في داخل وعينا. وهذا يتطلب منا عقد مقارنة بين مانتخيله نحن وبين مايتخيله العجوز وهو يروي قصة هذين الشبحين.
والآن هل بمقدورنا معرفة أن مايسرده العجوز من أحداث، هو نتاج لموقف محايد أم منحاز؟
هنا يتوجب علينا الأحتراس من نوايا العجوز، لأن من الممكن جداً أن تخضع مخيلته لنواياه!
وبما أنه الراوي، فهذا يعني أن مخيلته هي التي ستصور لنا ملامح أشباحه، عندئذ يمكنه، عبر روايته لقصصهم، أن يقوم بتأويل سلوكهم ودوافعهم، طبقاً لنواياه الخاصة.
بمعنى أننا سنتعرف على معاناتهم وخيباتهم وآمالهم من خلاله موشوره هو. إذاً، هذا سيقودنا إلى السؤال الأهم: هل نحن واثقون من موضوعية تلك مخيلة أم لا؟
العجوز يروي لنا، هنا، حكاية مريعة تتوزع على المشاهد التالية:
ـ زيجة غير متكافئة أو هي غير ملائمة إجتماعياً.
ـ موت الزوجة أثناء ولادتها، وميلاد الطفل.
ـ إفلاس الأب، بسبب إنفاقه المتهور لثروة زوجته، على الخيول والشراب واالنساء.
ـ جريمة الأبن في قتله لأبيه ورمي جثته وسط النيران التي أشعلها في منزل الأسلاف.
ـ الأعتقاد الراسخ لدى الأبن، أن روح أمه وجب أن تقاسي عذاباً أبدياً، عقاباً على عواقب شغفها بسائس خيل فظ، جاهل وقاسي، ينجب طفلاً، كتب عليه أن يصبح في ما بعد قاتلاً لأبيه. (كم يذكرنا ذلك بأوديب الملك وقدره!).
ـ توق ورغبة ذلك الطفل في أن يجد طريقة لوضع حد لآلام أمه، وتحرير روحها من الآثام كي تستريح.
القصة إذاً، ليست سوى سيرة حياة هذا العجوز، يرويها هو بنفسه، وما الشبحان إلا طيفا أمه وأبيه، وما المنزل المقوّض إلا منزلهم القديم، وإن كل ماسعى إليه هذا الشيخ هو ليس أكثر من أن يضع حداً لعواقب ماجرى له في حياته، من أجل أن يضع حداً لعذابات أمه.
إن سلوكه يحكمه دائماً إيمان راسخ، بأن ثمة ( لعنة ( تتعلق بحقائق تستند إلى طبيعة مولده، تلك التي ستصبح السبب الجوهري لكل معاناته.
نحن نراه يهتاج ويستشيط غضباً إزاء الماضي، لأنه لايستطيع أن يشكله من جديد، بطريقة أخرى مختلفة، طالما أنه لم يرتضي قبول ماقدمّه له ذلك الماضي من تأريخ هو بمثابة إرثه.
إنه يرى ثمة إثم قد أرتكب في زيجة أمه، تلك التي حدثت تحت وطأة رغبتها الجنسية الهوجاء من سائس خيل (... تطلعت إليه وتزوجته (.. من رجل فظ متوحش بدّد ثروتها وأملاكها، إثر موتها بعد ولادته (.. على سباق الخيل، والشراب والنساء (، هو ما دفعه، وهو الصبي في السادسة عشر من العمر، أن يقتل أبيه، ويحرق منزل الأجداد، ليمحو هويته تماماً، قبل أن يصبح مشرداً.
إن القسم الكبير الذي يشغل حيزاً في هذه الدراما الشعرية هو قصة ماضي هذا العجوز، تلك القصة التي لم تمت في وعيه، بل تحيا في ذاكرته بشكل لايرحم. أما طريقة سرده لتلك القصة، فتوحي لنا كما لو أن الراوي يتحدث بلسان من لديه قوة عليا ونفوذ العالم في كل الأمور، ومن بيده مصائر الآخرين. فمنذ اللحظة التي تتكشف لنا الجريمة، جريمة قتلته البشعة لأبيه، نجده يتخذ لنفسه صورة شبيهة بصورة الرّب، كمقرر لتلك المصائر، رغم أن التطور الدرامي يبدأ، في ما بعد وبشكل متزايد، في تقويض تلك السلطة الزائفة.
من الصعب، حقاً، أن نقرأ في طريقة تصويره لبورتريهات الأب والأم، ذلك التأريخ المعتم، الذي يصّر عليه بأستمرار على أنه حقيقة لتأريخهما! منطقه العنيد، ذلك الذي يرفض الصفح، هو أحد مظاهر العقل الذي يسعى للعب دور الرب، ومنطق كهذا هو منطق شرير ومستبد تماماً.
أما الطريقة التشخيصية الصامتة للأشباح، فهي تعبّر بجلاء عن إنطفاء هذه العائلة ودمار ذلك المنزل، فصورة الأم المتوفاة وهي تظهر وسط إطار نافذة متفحمة، تليها صورة الأب بهيئة سكير أحمق أشبه ببهيمة، هما صورتان أقرب إلى أيقونات قديمة خلت من مهابة وجلال الأبوة، وهذا ما يفاقم من غيظ العجوز وبغضه. ومع ذلك، فثمة صورة أخرى أكثر أشراقة لتلك الشخصيات التخييلية، والتي تتناقض مع الصورة السابقة. فشبح الفتاة الشابة والسعيدة، كما يبدو، وهي في حالة إنتظار مثقل بالشوق واللهفة، وشبح الشاب المبتهج، وهو يحتسي شرابه بلذة ومزاج من الرضا، هي صور مليئة بالعواطف الأنسانية والآمال، وهي تكشف عن حقد وتحامل كبيرين يضمرهما العجوز في أعماقه،
تعلن عن موقف أناني منحاز ومستبد، تجعل من كلماته تبدو خالية من المروءة والسماحة بشكل شكس. لكن، لو مازجنا الصورتين معاً صورة الحلم هذه وصورتما وهما مؤطرتان بنافذة متفحمة من بقايا منزل مقوّض، فإنها ستوحي حتماً بإحساس من عذاب مبهم ذات صفة سايكولوجية. كذلك تفعل إستجابات الصبي للحكاية بشكل مماثل، فهو ليس لديه إدراك بمغزى الفقدان والأثم، و نبرات كلامه لاتتضمن رأياً ذا فطنة، فهو يخلو تماماً من أي إحساس بالمشاركة الشخصية بذلك الماضي. حين يستدير ويرى شبح جّده، يعبّر عن خوف خالص من الغرابة السوريالية لهذه الكارثة، التي تجد تعبيرها في كلماته التي يختصر فيها شخصية أبيه مخاطباً أياه:
( أنت ميت حي. إنك قاتل ).
براءة الصبي من ثقل الخطيئة الأولى، تضعه في تناقض تام مع أبيه، ذلك الذي لايتردد في الآخر من ذبحه بإحساس قدري، كما لو أنه قربان! ولكن قربان لمن؟ وهكذا، ومن جديد، نرى العجوز وهو يتقمص دور القدر، بهدف وضع حدّ لـ (... كل تلك العواقب. ) التي كان سببها زواج أمه.
إن إضفاء الصفة الشعائرية على الحدث، نعثر على تجلياته في طريقة العجوز وهو يسعى إلى تجريد نفسه من الصفات الأنسانية.
إن قتله الصبي، هو بمثابة قربان إسترضاء، لتحرير روح الجّدة من جحيمها، والعبور بها إلى الفردوس، أو هكذا يريدنا منطق العجوز أن نعتقد، وأن يعتقد هو نفسه أيضاً.
لكن، على الرغم من البهجة التي يستشعرها العجوز وهي في أوجها، إلا أن وعيه يستبدلها بعجالة، ليحل بدلها الرهبة: (... قاتل مرتين، وكل ذلك من أجل لاشيء ).
وهكذا تكشف المواقف، تدريجياً، أن الدافع الحقيقي لكل أفعاله، إنما هو التوق الملحّ للثأر مما أنتجه ذلك الماضي من كراهية ذاتية متزايدة. لعنته للحظة ميلاده، هي لعنة لذاته ولأسلافه في نفس الوقت، ومع ذلك فإن تجريد الذات من صفاتها الأنسانية لايمكنه بأي حال أن يخمد صدى الحكاية التي يرن صداها في وعيه.
إن كل مساعي تفكيره، وهو يقوم بذلك، الغرض منها، فقط، دفعه عميقاً في متاهة اليأس. إنه المعماري الذي شيّد مصيره بنفسه، وهذه هي بصيرته التي أعمته عن أن يجد أسساً للغفران.
المسرحية لافتة للنظر، بسبب من شفافيتها، صفائها، وكثافتها، وأيضاً بسبب الطريقة التي وظفّ فيها الشاعر هذا النمط من السرد الأستغراقي، المكثف درامياً، لأستخدامه وسيلة لنقل الرحلة عميقاً في زوايا وخفايا روح العجوز وعقله، كراوي للحدث، وإيصالنا فيما بعد إلى النقطة التي ندرك فيها السبب الذي دفعه إلى سرد حكايته، ولماذا كان يجب عليه أن يصوغ نتائجها بطريقة شخصية تستجيب لندائاته الذاتية.
ييتس يضع أقوال العجوز بجوار التكوينات البصرية للحكاية، هدفه في ذلك تخفيف وثلم توكيداته وأحقيته، منبهاً إيانا، في نفس الوقت، على إحتمال أن من الممكن جداً أن تكون مدركاته الحسية مشوهة.
فمن الأمثلة على تلك الصور المسرحية، الأشباح العديمة الحس، الطبيعة بصورتها الودية، الواقعية السلسة، الحركات النشطة والمتعافية للصبي، لمعان النقود المبعثرة على الأرض , و لمعان المدية المنزوعة من غمدها تحت ضوء القمر، كذلك مشهد الذروة، حيث العجوز يهدهد ولده المقتول مرّدداً، بشكل غير متناغم، ترنيمة طفل، وهي الوضعية التي تعبر، كاريكتورياً، عن الصورة التقليدية ليسوع وهو ميت إلى جانب العذراء، موحية بمعكوس تام، إلى جنون العجوز وتدنيسه للمقدسات. كذلك صورة العتمة، تلك التي تظهر من خلال شعاع الضوء الذي يعزل الشجرة التي صعقتها ومضة البرق، والتي كانت تبدو في البدء، مجرد ديكور طبيعي خاص بالمشهد، لكنها أصبحت الآن رمزاً إلى الظلمة السحيقة لروح العجوز. ومع ذلك، فإن مايبدو لنا من تلك العتمة، مجاز للكآبة التامة، هي بالنسبة له، صورة للسمو والفضيلة، رغم أن تلك الكآبة وذلك النكد، يكشفان له، في الآخر، جوهر حقيقته المرة، ولو بعد فوات الأوان.
إن أي قصة يمكنها أن تأسر المتلقي، إذا رويت بطريقة خلاقة، وهذه القصة هي من النوع الذي يحرك المخيلة، لأن أحداثها تتكشف لنا وتنمو أمامنا من خلال سرد تفصيلي محكم ومنطق يتطور بشكل راسخ، رغم الرعب الذي يهيمن على مناخ الفكرة.
ييتس لايتبّع أعراف القصة في مونولوجه السردي، فهو لايبقيه حبيساً ضمن التأمل العاطفي عبر مناجاة النفس، بل يمنحه صفة الديالوج، مجسداً في تلك الحوارات التي تجري بين العجوز والصبي أو تلك التي تدور بين الشخصيات التخييلية، عبر مخيلة العجوز.
لقد أستلهم ييتس الكثير من سوفوكليس في كتاباته الدرامية، فالمنطق القدري الذي لايمكن تغييره في (المطهر( يكاد يتماهى تماماً وقدر أوديب سوفوكليس، وهي حجة أخرى تؤكد الطبيعة التسلطية لنمط تفكير العجوز، تلك التي أجاز لنفسه أن يماثلها، ضمن مخيلته المعتمة، بسلطة الرب أو بقوته المطلقة.
إن حجم وسعة خيانة العقل لذاته، جعلت من مسرحية ( المطهر ( واحدة من أكثر التراجيديات عمقاً ودلالة.
مصادر ذات صلة:
(1) W.B.Yeats.Selected Plays. Edited by: Richard Allen Cave. Penguin Books
Japanes NO Dramas.Edited & Translated by Royall Tyler.
(2)
1992. 
Penguin Books
(3 W.B.Yeats. Collected Plays. Published by:

الأربعاء، 16 ديسمبر 2015

القتل السياسي في مسرح شكسبير / فاضل الجاف

مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني
يوليوس قيصر على مسرح شكسبير الملكي نموذجا
ماذا يقول المؤرخون عن روما اليوم؟


هل يقولون إن ساحاتها الشاسعة لا تتسع إلا لرجل واحد؟

شغل موضوع القتل السياسي إهتمام شكسبير في معظم مآسيه. وكان يعود اليه في تراجيدياته ومسرحياته التاريخية، حتى انه خصص لموضوع الإغتيال السياسي مسرحيته الشهيرة (يوليوس قيصر) برمتها. وكان السؤال الذي يشغل ذهنه هو:هل القتل السياسي مبرر؟ وماهي النتائج المترتبة عليه؟ في عالم يحكمه الطغاة يظهر ان ليس ثمة حل لمواجهة الطغيان إلا العنف. لكن العنف يوّلد العنف،هذا منطق يؤكد عليه شكسبير في معظم مآسيه. وفي نظره أن:
)ليس هناك ملوك أشرار وملوك أخيار، إنما هناك ملوك على درجات مختلفة من السلم). عبارة لخص بها (يان كوت) في كتابه الثمين (شكسبير معاصرنا) جوهر الصراع السياسي الدموي في مسرحية يوليوس قيصر.
ففي عرض المسرحية على مسرح باربيكان من قبل مسرح شكسبير الملكي قبل عدة سنوات، أبرز المخرج(إدوارد هال) سياقات الصراع التاريخي التي تحتل المكانة القصوى في فهم شكسبير للتاريخ. وهي سياقات تظل أبدية تلازم الانسان في سعيه الحثيث للمسك بزمام السلطة السياسية. صراع يتجلى اليوم على المسرح السياسي في عالمنا المعاصر اكثر من أي وقت آخر. وكما هو الحال في معظم تراجيديات شكسبير فإن الشخصيات المتصارعة تتخاصم وتتعارك ضمن تاريخ معين يظل بمجراه الدموي هو البطل الرئيس والآلة الكبرى، لوالبها وعجلاتها كما يقول يان كوت، سادة كبار وقتلة مأجورون، آلة تجبر الناس على العنف والقسوة والخيانه وتطالب دوما بضحايا جدد.
استقى شكسبير مادة المسرحية من سير) حياة المشاهير) لبلوتارخوس اليوناني ومن الفصل الخاص بحياة يوليوس قيصر. وكان اغتيال قيصر يشكَل للإلزابثيين أكبر جريمة على مر العصور، فقد كان ينظر إليه بشيء من القدسية والألوهية. وبعد موته عنّفه معاصره وخصمه الشهير المؤلف المسرحي (بن جونس) متهما إياه بضآلة معلوماته في اللاتين واللغة اليونانية. لكن شكسبير لم يكن بحاجة الى معرفة اللغة اليونانية كي يقرأ كتاب بلوتارخوس، الذي كان قد ترجم الى اللغة الانكليزية في السبعينات من أعوام 1500. ومهما يكن من امر المصادر التاريخية للمسرحية فإن شكسبير لم يكن معنيا بالتاريخ كمؤرخ، بل كفنان مبدع، حتى ان صورة يوليوس قيصر نفسها مبتكرة لا تتطابق كثيرا مع شخصية يوليوس الحقيقية من الناحية التاريخية. وأكثر من ذلك أن المتآمرين أنفسهم يحملون عنه أفكارا متضاربة وصورا تختلف من شخص إلى آخر.
ويرى النقاد في هذه المسرحية نمطا خاصا ليس من بين مسرحيات شكسبير فحسب بل وبشكل عام من بين جميع المسرحيات التاريخية، ببنائها المحكم وحبكتها المتينة وقدرة مؤلفها على شد المتفرج طوال العرض. على اننا ملزمون هنا بتوضيح مقتضب حول مفهوم المسرحيات التاريخية في اعمال شكسبير والذي ينطبق حصرا على اعمال المؤلف الخاصة بتاريخ انكلترا وليس على المسرحيات التي تستمد موضوعاتها ومادتها وأبطالها من التاريخ، كمسرحية يوليوس قيصر على سبيل المثال، أما المسرحيات التاريخية فتضم مسرحيات من مجموعة ريتشارد الثاني وريتشارد الثالث، وكذلك مسرحيات هنري الثالث والثامن وهكذا دواليك، وهي مسرحيات تتناول تاريخ إنكلترا.
تشير الدلائل الى ان شكسبير كتب مسرحية يوليوس قيصر عام 1599 وليس قبل ذلك التاريخ على أي حال. فهي تنتمي من الناحية التاريخية الى مجموعة (هنري الخامس) و(كما تهواه) و(الليلة الثانية عشرة). وفي حينه اعتبرت (يوليوس قيصر) واحدة من أكثر مسرحيات شكسبير شعبية.
ملاحظة: النصوص المقتبسة، من ترجمة الدكتورمحمد العناني لمسرحية يوليوس قيصر.
كثّف المخرج إدوارد هال نص المسرحية في وحدة فنية ذات بناء محكم وإيقاع دقيق بعد دمج مشاهدها وإلغاء الفواصل بينها بما في ذلك إلغاء فترة الاستراحة المألوفة في عروض مسرحيات شكسبير. ان المخرج إدوارد هال، الضليع بإخراج مسرحيات شكسبير والذي شهد له الجمهور اللندني عروضا متميزة مثل (الليلة الثانية عشرة) و(كوميديا الأخطاء) و(ريتشارد الثالث) و(حكاية شتائية) وعلى مسرح شكسبير الملكي (الملك لير) و(سيدان من فيرونا) و(هنري الخامس) ينقل أحداث المسرحية الى الزمن الحاضر المشحون بالأحداث المفاجئة والتحولات السريعة. فالمشهد الاول يسبقه مشهد إستهلالي ذو طبيعة إحتفالية وإستعراضية. إحتفالات مهيبة وطقوس منظمة تمهيدا لظهور قيصر، كما يحدث في دول تسودها الفاشية ويحكمها الطغاة .
يستهل شكسبير مسرحيته باحتفال الرومان بعيد الخصب (لوبيركال) في شكل كرنفال مهيب يقدم فيه القائد العسكري(مارك انطونيو) التاج الى يوليوس قيصر الذي يتردد في قبوله، معبرا عن مخاوفه الناشئة من تمركز السلطة في يد شخص واحد، وإن ذلك سيقود من دون شك الى التآمر عليه، وتدعم هذا الزعم نبوءة الامبراطورة كالبورينا التي تتراءى لها في صورة حلم مزعج، مفاده ان القيصر سيتعرض الى عملية اغتيال في الخامس عشر من آذار وستكون نهايته على يد زمرة من المتآمرين. ويفصح المتآمرون متمثلا في شخص بروتس عن نواياهم وعن مناقب قيصر وبالمثل يدافع انطونيو عن قيصر في خطبة منمّقة، تعد أكثر الخطب إتقانا في تاريخ الإلقاء وفن الإقناع، يسمح له بروتس بإلقائها امام الرومان ومن خلالها ينقلب الرومان على المتآمرين فلا يبقى امامهم إلا الفرار من روما لتبدأ الحروب الطاحنة بين المعسكرين تنتهي بانتصار انطونيو.
. كتب أحد النقاد )وأنت تشاهد العرض في باربيكان تحس وكأن شكسبير يعيش بين ظهرانينا، وهو يتابع سياسة بلير المحمومة عن كثب) وأكثر من ذلك انه كتب مسرحية (يوليوس قيصر) بعد أحداث 11 سبتمبر، اذ تفاجئك لافتة كبيرة على المسرح كتب عليها (السلام - الحرية- التحرير) والتي تذكرنا ببعض خطابات الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش التي يردد فيها (التحرير- العدالة).
بروتس : انحنوا أيها الرومان ! انحنوا ولنغسل أيدينا في دم قيصر
حتى المرافق! ولنخضّب سيوفنا بالدم ثم نخرج إلى السوق
فنلوّح بأسلحتنا الحمراء فوق رؤوسنا جميعاَ ولنصح: ) السلام والحرية والخلاص)
كاشياس : انحنوا إذن واغتسلوا! ترى كم من الزمن سيمضي
قبل ان يعاد تمثيل هذا المشهد الجليل في دول لم تولد بعد، وبلغات لا نعرفها!
بروتس : بل كم مرة سيقدم فيها قيصر على المسرح وهو ينزف دمه. .... تمثيلا لا واقعا ..
بينما يتمدد الآن هنا على قاعدة تمثال بومبي جثةَ لا تزيد عن التراب!
كاشياس : وكل مرة يمثل فيها هذا المشهد سيقال إن عصبتنا هي التي حررت بلادها
)المشهد الأول ـ الفصل الثالث(
إن طريقة الأداء في هذا العرض تنطوي على فهم الممثل لدوره وقدرة تفسيره تفسيرا قائما على فهم العلاقة الحية بين الماضي والحاضر، بما يتناسب والمهمة ) ما فوق العليا للمسرحية ) على حد تعبير ستانيسلافسكي) والعرض معاَ. فبدون فهم المهمة مافوق العليا التي تشكل قوام منهج ستانيسلافسكي في الواقعية.
إن ممثلي مسرح الملكي يقدمون مثل هذا الطراز من التشخيص في يوليوس قيصر بوسائل فنية ومهارات تمثيلية خالصة وخالية من التعقيد. يوليوس قيصر في أداء الممثل إيان هوكس، امبراطور فخور يتحرك في جلال وعظمة، إنه باختصار مزيج من القوة والوهن، الجبروت والضعف، العافية والمرض، يقابله الممثل كريغ هيكس في دور بروتس كنمط مألوف للسياسي الذي يتبنى القيمَ المثالية، ويتظاهر باللاعنف، حتى عندما يشارك في الدسيسة والمؤامرة لقتل القيصر. فهو سياسي عقلاني يتبنى المؤامرة بمبررات إنسانية دون أن يظهر حقده على الامبراطورية وعلى القيصر، وعليه فهو ينتمي إلى أخطر السياسيين فتكا بخصومه وتأثيرا في الآخرين . أما الممثل تيم بيكوت سميث فيقدم لنا شخصية كاشيوس كنقيض لشخصية بروتوس تماما، فهو نموذج للسياسي المتزمت المتحمس المتعصب المؤمن لا يخفي إيمانه بالعنف. أما من جهة أنصار قيصر فيقدم الممثل توم مانيون صورة واضحة ودقيقة للرجل السياسي المعاصر والخطيب اللبق والمراوغ والذي بإمكانه تأليب الشعب متى ما شاء بتصوير الحقائق تصويراَ مغايرا للواقع تماماَ.
الحلول السينوغرافية في هذا العرض قائمة على مبدأ المعاصرة وتحطيم الأطر التي تحبس فضاءاتها داخل الأزمنة الغابرة، فتحس منذ الوهلة الأولى وكأنك مقبل على الخوض في لجة أحداث عاصفة. هذا المدخل يذّكرنا بعرض شكسبيري آخر، تحديدا بالمشهد الإفتتاحي لمسرحية شكسبير (حكاية شتائية) من إخراج المخرج السويدي إنغمار بيرغمان في منتصف التسعينات من القرن المنصرم على خشبة المسرح الملكي في استوكهولم، حيث شكّل هو الآخر فضاء ذهنياَ وحسياَ في صالة المتفرجين مماثلاَ لأجواء المسرحية. تؤكد عناصر السينوغرافيا المنتقاة بدقة دورها الحاسم في سبر أغوار النص وإضفاء الحميمية والمعاصرة على العرض. بدوره تمكن المصمم ميكائيل بافولكا، مصمم مناظر عدد من العروض الشكسبيرية الناجحة لمسرح شكسبير الملكي من أمثال(سيدان من فيرونا) و(هنري الخامس) من تحويل باطن النص الشكسبيري الى مفردات بصرية ذات دلالات عميقة ووظيفة نفعية في الوقت نفسه. وفي ما يتعلق بفضاء اللعب فقد بات مفتوحاَ في مشاهد الالتقاء بعامة الناس ومغلقا في مشاهد الدسائس والمؤامرات.
ان تتابع المشاهد المنفتحة والمنغلقة يجري في هذا العرض بإيقاع منظّم متزامن مع المشاهد القريبة والمشاهد البعيدة وكأنها مرآيا تعكس احداث المسرحية بجلاء، وهي من التقنيات الإخراجية الناجحة في خلق الإيهام الضروري بالأبعاد الزمكانية. تقنية طالما أستخدمها بيرغمان في إخراجه مسرحيات شكسبير على المسرح الملكي ) الملك لير، هاملت، حكاية شتائية)مركزاَ على الجوهر بالتعبير عنه مجازياَ مع إهمال التفاصيل غير الضرورية.
ارتكز عمل المخرج والمصصم على الغاء الحد الفاصل بين المسرح والصالة لخلق مشاركة فعلية بين الممثلين والنظارة، ما يسّر تجسيد مشاهد عامة الشعب الروماني بحيوية وتلقائية، اذ يجري معظمها في صالة المتفرجين بطريقة فعلية وليست شكلية. فمن خلال توزيع الممثلين في الصالة وظهورهم المفاجئ بين النظارة ساد إحساس وكأن صالة المتفرجين هي المسرح الحقيقي للأحداث أو الساحة الكبرى في روما، خصوصاَ عندما يقف المتآمرون ورجال الحكم على المسرح وهم يراقبون الشعب والمعارضين في الجهة المقابلة. ان المخرج حوّل روما القيصرية إلى عاصمة دولة فاشية، بذلك بدت المسرحية أكثر معاصرة من أي وقت مضى. أليس كذلك؟


المصدر ايلاف

تجارب نسائية في التابو: أسئلة المسرح نفسها

مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني
من مسرحية "ديالي" (تصوير: أليس دوفور فيرانس)

لم تتَح الفرصة لظهور المرأة على المسرح المغربي إلا بعد خمسين عاماً من تأسيسه؛ أي بعد استقلال المغرب في خمسينيات القرن الماضي. أخّرت مشاركتها على الخشبة عوامل تاريخية وسوسيوثقافية تعلّقت بطبيعة المجتمع المغربي، الذي وضع خطّاً بين ممارسة المرأة للعمل الفني، وما يعرّفه بـ "الاستقامة الأخلاقية".
"القول عن حداثة وجود المرأة في المشهد المسرحي هو مسألة طبيعية لأي مجتمع في طور النمو" كما أوضح المخرج ومدير مسرح "ابّا حنيني" محمد الحر لـ "العربي الجديد"، متابعاً "مغرب القرن الماضي، هو مغرب تقليدي لم يسمح إلا لثلة نادرة من النساء بالتعلم والمشاركة في الحياة السياسية والثقافية والفنية. بالتالي، كان صعباً على المرأة المغربية أن تكون ممثّلة، بل كان ضرباً من الجرأة والتمرّد على الأعراف السائدة. ولكنها أحرزت أول انتصاراتها في مجال التمثيل مع ظهور فرقة مسرح "المعمورة"، إضافة إلى دفعة طالبات المسرح الأولى اللواتي تخرّجن من "المعهد العالي للفن المسرحي" والتي اعتُبرت طفرة تاريخية".
تجلّت مشاركة المرأة المسرحية مع بروز المؤلِّفات والمخرجات والمتخصّصات في السينوغرافيا والملابس والإدارة المسرحية، بل وظهرت فرق مسرحية نسوية مثل "طاكون" و"أكوار". هنا، يلفت الحر إلى الغموض الذي يحيط بالنوع المسرحي الذي تقدّمه المرأة؛ هل هو مسرح نسوي، بمعنى أن مَن يقدّمه هنّ النساء أم أنه مسرح مخلص للقضية النسوية؟
يراوح حضور المرأة، اليوم، على خشبة المسرح العربي والمغربي، وفقاً لمدير "مركز دراسات الفرجة" خالد أمين، "بين تكريس الصورة النمطية التي بنى بها النسق الذكوري الأنثى في متخيّلنا الجمعي، واستفزاز تلك الصورة من خلال تشكيل صورة أخرى مغايرة".
 ويشير إلى أن استفزاز الأنماط الجمالية السائدة واعتماد لغات صادمة للحواس وتحويل العري الجسدي إلى عري وجودي ونفسي واجتماعي؛ "كلها رهانات إبداعية وأسئلة وُجدت على خشبة المسرح المغربي، منذ الستينيات، مع نبيل لحلو ومحمد الكغاط وعبد الحق الزروالي".
أمّا الجيل الجديد، مثل بوسلهام الضعيف وجواد سنني، إضافة إلى الفرق الشابة مثل "دابا تياتر" و"نحن نلعب" و"داها واسا"، فيرى أمين أنه "يراهن على استشكال علاقتنا بالتابو بواسطة "سميأة" الجسد التي تُخلخل النظام الرمزي على الرغم من تعايشها الحتمي معه"، معتبراً أن ما يسمى بـ "المسرح التنموي" أو "الشعبي" هو الأكثر تأثيراً لو استعملَته المنظمات النسوية في تمكين المرأة.
ويفسّر ذلك أن هذا النوع يستمدّ قوته من التفاعل الآتي من المشاركة العامة واستخدام اللغات المحلية؛ لذلك هو أكثر ارتباطاً بالمجال العمومي. وعلاقته بالمجال، هي علاقة الداخل والخارج، بدينامية تفرض نقاشاً اجتماعياً وسياساً أوسع خارج بناية المسرح.
وتعدّ مسرحية "ديالي" للمخرجة المغربية نعيمة زيطان نموذجاً لهذا النوع؛ حيث بدأ التفاعل قبل العرض "على شاكلة استنطاق الجنسانية الأنثوية من خلال ملء الاستمارات وجلسات نقاش مع نساء مغربيات من مختلف الأعمار. وبعد العرض الأول مباشرة، استمر هذا التفاعل من خلال فتح نقاش بين الخشبة والقاعة، وتم تحويل المسرح إلى منتدى حقيقي لتبادل الآراء حول قضايا حساسة تهم المجتمع المغربي بأسره" وفق أمين.
الكاتبة والمخرجة نعيمة زيطان، رئيسة فرقة "أكواريوم" المسرحية، اعتبرت أن وجود "المرأة كممثلة ليس له صعوبات أو تحديات، بل هناك ممثّلات متمكّنات عبّرن عن مستوى عال جداً في أدائهنّ، ويجب تطوير هذه الطاقات بعيداً عن النمطية".
لكن حضور المرأة يبهت في تخصّصات أخرى، من قبيل الكتابة المسرحية والإخراج والسينوغرافيا؛ حيث أغلب النساء المتخرّجات من معاهد الفنون المسرحية ممن يتخصّصن في السينوغرافيا، يتّجهن في النهاية إلى تصميم الملابس التي هي جزء فقط من السينوغرافيا. ويبقى "الوفاء" للمسرح هو التحدّي القيمي الأكبر الذي تواجهه معظم الممثلات اللواتي يتوجّهن في النهاية إلى التمثيل في السينما، حسب زيطان.
حتى حضورها في مشهد الكتابة الدرامية، أتى بعد أن "سيطر الرجل على الإمكانات اللغوية وممكنات الكتابة الركحية، فواجهتها أسئلة صعبة والإجابة عنها اختزلت في الكتابة ضمن ثنائيات متقاطبة من قبيل كتابة نسائية، في مقابل كتابة رجالية".
هنا، يتفق المسرحي، خالد أمين مع زيطان، ويقول إن "من اصطنع آليات اشتغال اللغات المسرحية في عالمنا العربي هو الرجل"، ويكمل "لقد كانت المرأة العربية لعدة عقود مجرد طيف لخيال الرجل الكاتب والمخرج، وهي بالكاد، الممثلة التي يكتب نصها رجل".
مع ذلك، يرى مدير "مركز دراسات الفرجة" أن الكتابة "أصبحت تلك البؤرة التي تمارس فيها المرأة حقها في استعادة اللفظ، ومعه ذاتها اللغوية السليبة، بل أكثر من ذلك، تمارس المرأة من خلال الكتابة حقّها في الوجود والاختلاف، كما تمارس حقها لدحض الثقافة الاستهلاكية التي تروم تسليع النساء". مع ذلك، يؤكّد "ثمّة حراك حقيقي الآن في عالمنا العربي والمغربي أصبحت فيه مقاربة النوع تحظى بمكانة مرموقة".
من جهتها، ترى الممثلة، رشيدة نايت بلعيد، أن هناك فرقاً في علاقة المرأة قبل "الربيع العربي" وبعده. توضّح "قبل 2011، دخلت المرأة عالم الكتابة والإخراج كالكاتبتين المغربيتين، نعيمة زيطان وأسماء الهوري. بينما، أخذت علاقتها بالخشبة منحىً جديداً بعد 2011؛ إذ اتسمت باختفاء الرقابة عن المسرح نوعاً ما، واتساع حرية التعبير حول ما تعانيه المرأة، خصوصاً في ما يتعلق بالجسد".
وتضرب مثالاً على ذلك: "كانت مسرحية "كفرناعوم" للمخرجة المغربية لطيفة أحرار نموذجاً على هذا الصعيد". وتكمل "يظلّ التحدي الذي تواجهه هؤلاء الفاعلات المسرحيات متعلّقاً بمضمون الأعمال المسرحية التي تتطرّق إلى قضايا المرأة، مثل المساواة والحريات الفردية".
على الرغم من العراقيل، تميّز النص النسوي المسرحي المغربي بـ "استعادة اللفظ وتأنيث الفرجة المسرحية، بحيث تكون وجهة نظر المرأة في ما يتعلق بمقاربات النوع حاضرة بقوة"، وفق حديث أمين الذي بدا متفائلاً بأن "العودة إلى عصر كانت الدولة تسيطر فيه على كل بيانات التفكير والمجال العمومي انتهت. فالحراك الذي يعيشه المجتمع العربي، على الرغم من التعثرات، يرتبط أساساً بمواجهة تراكم الرقابات التي تسيّج المتخيل الجمعي، وما الرقابة على عوالم الأنثى الحميمية التي حوّلتها إلى بؤر الخجل والخوف، إلا جانباً من هذه المواجهة".

الرباط ــ وصال الشيخ
العربي الجديد 

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2015

ألمانيا - جنّة أوروبا لفن المسرح

مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني

توصف ألمانيا بأنّها "جنّة أوروبا للمسرح" ليس لتعدّد دور المسارح وتنوّعها فيها فحسب وإنّما أيضا لتاريخها العريق في الفن الرّابع. كما تعدّ ألمانيا مهد كبار الفنّانين والكتاب المسرحيين مثل يوهان فولفغانغ غوته وبرتهولت بريشت
مشهد من مسرحية "فويتسيك" للكاتب المسرحي الألماني غيورغ بوشنر


حول المسرح وأهميّته الفنية قال المخرج المسرحي الألماني الشّهير ماكس راينهارت ذات مرّة "أؤمن بأزلية المسرح"، مضيفا "أن المسرح يُشكّل ذلك المنفذ الرّوحي لأولائك، الذين أخفوا طفولتهم في حقائب وفرّوا بها ليتمكّنوا من التمثيل على خشبة المسرح، حتّى نهاية العمر." وليس من محض الصّدفة أن يكون للمسرح في ألمانيا تلك المكانة الخاصّة، ذلك أنّها توصف بأنّها "جنّة أوروبا للمسرح".
تنوّع وثراء مسرحي متميّز
ففي ألمانيا تمتلك الدولة وتموّل نحو 150 دار للمسرح، ثلثها دور تأوي تحت سقف واحد ثلاثة أنواع من المسارح: مسرح للتّمثيل وآخر الرّقص وآخر للعروض الموسيقية والغنائية. كما يوجد بالإضافة إلى ذلك نحو 280 مسرحا خاصّا بمختلف الاتجاهات والتقاليد الفنّية والحجم والانتماء الجهوي والثقافي. ويتردّد نحو 35 مليون شخص من مختلف الأعمار سنويا على نحو 110 ألف عرض مسرحي وسبعة آلاف حفل موسيقي.
تعد دار الأوبرا التابعة لولاية بفاريا في مدينة ميونخ من ضمن كبرى دور المسارح في ألمانيا
ويُعدّ مسرح "تيدر" (Teader) في بلدة فرانسهايم في ولاية راينلاند بفالس أصغر مسرح على الإطلاق في ألمانيا، حيث تكاد خشبة المسرح تسع أربعة ممثلّين، أمّا قاعة المتفرّجين فتحتوي على عشرين مقعدا. في حين تعدّ دار المسرح الألماني في برلين، إلى جانب دار الأوبرا التّابعة لولاية بفاريا، من ضمن دور المسارح الكبيرة في ألمانيا، حيث تسع 1600 متفرّجا وتقدّم أكثر من 300 عرض مسرحي في السّنة. إلى ذلك، يوجد في ألمانيا نحو أربعين مهرجانا مسرحيا، بالإضافة إلى 150 دار للمسرح ودور عرض دون فرق مسرحية ثابتة وكذلك نحو مائة عرض مسرحي غير مرتبط بدور مسرحية معيّنة وعدد لا يُحصى من الفرق المسرحية الحرّة.
تاريخ عريق في فنّ المسرح

ويعود هذا التنوّع والثراء المسرحي في ألمانيا إلى تاريخها العريق في هذا المجال، ذلك أن الأمراء وكبار النبلاء كانوا يحرصون قديما على استضافة عروض مسرحية في قصورهم دلالة وإبرازا لمكانتهم المرموقة. ثم أصبحت الطّبقة البورجوازية المثقّفة ترى في المسرح أداة للتعريف بالذّات. وتمكّنت قطع مسرحية على غرار "فاوست" للكاتب المسرحي الألماني يوهان فولفغان غوته من تحويل "أبو الفنون" الذي يطلق عليه أيضا الفنّ الرّابع إلى محطّ اهتمامات الحياة الثقافية للشّعب الألماني. وعلى الرّغم من أن عدد دور المسرح البلدية لم تتجاو 16 في بداية القرن العشرين، إلاّ أن عدد دور المسارح الخاصّة بلغ 360.
ترك الأديب والشاعر والكاتب المسرحي الألماني غوته بصماته على فن المسرح الألماني والأوروبي

بيد أ، فنّ المسرح شهد خلال فترة الحكم النازي نكسة كبيرة، ذلك أن العديد من الممثلين والمخرجين والكتّاب المسرحيين، ومن ضمنهم ماكس راينهاردت وبرتهولت بريشت، قد اضطروا للهرب من بطش النّظام النازي. كما مثّلت إعادة توحيد ألمانيا فترة صعبة لعدد من دور المسرح وخاصّة منها في برلين، ذلك أن العديد من دور المسرح في الجزء الشرقي في برلين قد واجهت، بعيد سقوط الجدار وتوحيد الألمانيتين، مشاكل مالية كبيرة إلى درجة أنّه تمّ إغلاق البعض منها. ومنذ عام 2007 أصبح لعالم المسرح في ألمانيا جائزة خاصّة تضاهي جائزة الأوسكار في هوليود، وهي جائزة فاوست. وتمنح هذه الجائزة في تسع فئات، من بينها فئة أفضل ممثّل وأفضل إخراج. كما يُعدّ لقب "مسرح السّنة" من أهمّ مقاييس النشاط المسرحي في ألمانيا، ويتمّ منح هذا اللّقب سنويا من قبل مجلّة "المسرح اليوم". يذكر في هذا السّياق أنّ مسرح "تاليا" في مدينة هامبورغ قد فاز بلقب "مسرح السّنة" لعام 2007.

الكاتبة: آناستاسيا بوتسكو/ شمس العياري
مراجعة: هيثم عبد العظيم
DW
تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption