أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الثلاثاء، 7 فبراير 2017

مسرحيون تونسيون يردون على اتهامات نواب كويتيين

مجلة الفنون المسرحية


مسرحيون تونسيون يردون على اتهامات نواب كويتيين

مسرحية برج الوصيف تتعرض لاتهامات أخلاقية من قبل سياسيين كويتيين رغم نجاحها الفني والجماهيري ما أثار حفيظة عدد من الفنانين والمثقفين التونسيين.

 من جديد تعود الاتهامات المبنية على أسس أخلاقية لتوجه حمولاتها إلى الإبداع، فقد نعت نائب كويتي أعمالا مسرحية تونسية عرضت في الكويت خلال مهرجان الهيئة العربية للمسرح، العام الماضي، بـ”القذارات” وتساهم في “تدمير المجتمع الكويتي”، ما أثار حفيظة عدد من الفنانين والمثقفين التونسيين.

النائب وليد الطبطبائي اتهم وزير الإعلام ووزير الدولة لشؤون الشباب في الكويت الشيخ سلمان الحمود الصباح (المستقيل)، بمحاولة “تدمير المجتمع الكويتي”، وذلك بعد سماحه بعرض مسرحيات من قبيل “برج الوصيف” و”ليس إلا” دون رقابة، والتي اعتبرها خادشة للمجتمع والتقاليد بالكويت، مطالبا بسحب الثقة من الوزير في الجلسة المقرر عقدها في الثامن من فبراير الجاري.

من جهته أكد الفنان المسرحي التونسي الشاذلي العرفاوي مخرج مسرحية “برج الوصيف” أن تصريحات النائب “مبالغة وعدم فهم لمضمون المسرحية”، قائلا “نرحب بالنقد البناء لكن نرفض أن تكون المسرحية مطية لتصفية بعض الحسابات أيا كان نوعها”.

وأصدر المخرج المسرحي فاضل الجعايبي مدير مؤسسة المسرح الوطني التونسي، الاثنين، بيانا حول حملة التشويه التي قام بها بعض البرلمانيين الكويتيين.

يقول الجعايبي “في يناير 2016 كنت في الكويت كمدير عام للمسرح الوطني التونسي وكمخرج لمسرحية ‘العنف‘ وحللنا ضيوفا على دولة الكويت بدعوة من الهيئة العربية للمسرح لتقديم ثلاثة أعمال أنتجها المسرح الوطني التونسي ‘الضربة القاضية ‘ (في المسابقة) و‘برج الوصيف‘ و‘العنف‘ (خارجها)”.

يضيف الجعايبي “لم أتفاجأ حين أتاني ممثّل عن الهيئة العربية للمسرح وطلب منّي حذف مشهدين من مسرحيّتَي ‘الضربة القاضية‘ و ‘برج الوصيف‘، لكنني رفضت طبعا حذف أيّ كلمة أو حركة أو صورة من هاتين المسرحيتين، واقترحت إذا كانت المسرحيّتان مخلّتين بالحياء والأخلاق العامّة فنسحبهما من المشاركة. ووقع تقديم المسرحيّتين كاملتين”. لكن الطّريف، كما يقول الجعايبي، أنّ مسرحيّة “العنف” الّتي لم تكن معنيّة “باقتراح” الحذف الجزئي وقع حجب صورة منها في نشريّة المهرجان للممثلة فاطمة بن سعيدان، وتم تلويث صدرها بالحبر الأسود.

ويلفت مدير المسرح الوطني إلى أنهم كانوا سعداء كفنّانين وإدارة عامة بتقديم المسرحيات الثّلاث كما قدّمت في تونس وفي كافة أنحاء العالم، أمام جمهور كويتي ومثقّفين وإعلاميّين وسياسيّين كانوا مشدودين إلى ما حققته الحريات في تونس وعيا وفنا. كما لم يخف الجعايبي سعادة الوفد التونسي بالتقائه سواء في المسرح أو الفندق أو الشارع مع عدد كبير من الكويتيين والعرب والأجانب الّذين نوّهوا بتقدم المسرح التّونسي وجرأته. إضافة إلى سعادتهم بصفة خاصّة بردود فعل الشّباب الكويتي الّذين لم يسمعوا على لسان أحد منهم حرجا أو لوما أو مؤاخذة أو استنكارا أخلاقيّا لما شاهدوه، أو سمعوه في هذه الأعمال الثّلاثة، بل بالعكس.

يتساءل الجعايبي “أين المشكلة؟ وبعد عام من تقديم هذه العروض؟”. ليجيب “المشكلة سياسيّة لا ريب في ذلك. حيث يتعلّل السّياسيّون كالعادة بالعادات والتّقاليد والدّين والحياء والأخلاق لرمي الطّلاسم على النّاس، وإخفاء المشكلات الحقيقيّة، وهي توق المواطنين إلى حرّيّات أكثر وإلى الجرأة وتجاوز الضّيق والقمع والإحباط التي يعيشون فيها”.

يضيف “المسرح التّونسي ككلّ القوى الحيّة المستقلّة المتحرّرة من الرّواسب والتّبعيّات والتّحالفات والتّجاذبات (التّونسيّة منها والعربيّة ولا سيما الغربيّة) ماض للمساهمة بقسطه في تكريس دولة القانون والمؤسّسات في تونس، متحدّيا التّقاليد البالية والقوى المحافظة وحتى الظلاميّة، مدافعا عن حقّه وإن لم نقل عن واجبه في تطوير الفكر والفنّ المتحرّرين التقدميّين المعاصرين أشكالا ومضامين” .

ويؤكد الجعايبي رفضه القاطع لأن تدفع المرأة التونسية المستهدفة ثمن هذه الحملة التشويهية، لأنّها ركيزة أساسيّة في تحرّر المجتمع التونسيّ، ولربّما المجتمع العربي، تربويّا وثقافيّا بيتا ومدرسة وجامعة ومجتمعا مدنيّا ودستورا. كما يشدد على رفضه أن تُتَّهَم فنّانات وفنّانو تونس بالزّندقة والمجون في مواجهاتهم كمواطنين، يدفعون يوميّا إلى كسر حواجز التّخلّف وتهديدات الظّلمات باسم لا ندري أيّ قيم أخلاقيّة ملفّقة لا تواكب عصرها وهي في الواقع مطيّة وتعلّة لكل المتطفّلين السّياسويّين.

---------------------------------------
المصدر : جريدة العرب

الاثنين، 6 فبراير 2017

كوميديا لبنانية سوداء عن حياة المرأة الحامل

مجلة الفنون المسرحية

كوميديا لبنانية سوداء عن حياة المرأة الحامل

نص المسرحية مقتبس من واقع نساء كثيرات وما شعرن به وعانينه أثناء الحمل أو في الحياة اليومية.

في إطار كوميدي لا يخلو من المبالغة الطريفة، خدمة للعبة الفنية، انطلقت في العاصمة اللبنانية بيروت جولة من عروض مسرحية “حبلى”، التي تصور هموم المرأة في مختلف مراحل حياتها، وصولا إلى مرحلة الحمل والأسئلة الوجودية المنبثقة عن هذه الفترة الحساسة في حياة كل امرأة.

المسرحية نص وإخراج غبريال يمين، وبطولة الممثلة اللبنانية ندى أبوفرحات، التي تطل على جمهورها من خشبة فسحة “مترو المدينة” الفنية في شارع الحمراء التاريخي، وهي حامل في شهرها الخامس.

توضح نشرة هذا العمل المسرحي التي يتم توزيعها أثناء العرض على المتفرجين أنهم بصدد مسرحية تمثل “كوميديا سوداء، تلقي الضوء على حياة كل فتاة ولدت ونشأت ودرست وعملت وتزوجت وحملت، دون أن تدري إن كانت عاشت حياتها أم لا”.

وعن شخصية كلير المحورية في العمل، تقول النشرة إنها “امرأة في أواخر عقدها الثالث عاشت حياة بسيطة عادية في كنف عائلة تقليدية ومتعلمة، تزوجت متأخرة قبل أن يفوتها القطار، وهي الآن حامل للمرة الأولى بشهرها الخامس”.

إنها امرأة قلقة على نفسها وعلى طفلتها في رحمها. تريدها أن تبصر النور وتكمل حياة مليئة بالمغامرة والحرية والجمال دون تعقيدات المجتمع التي مرت بها هي نفسها، عبر سنين طويلة جعلت منها امرأة متقوقعة منعزلة بالرغم من انفتاحها الفكري واستعدادها لتغيير ما فرض عليها من قبل عائلتها وأصدقائها.

يقول مخرج العمل غبريال يمين إن فكرة المسرحية المبتكرة تعود إلى الممثلة ندى أبوفرحات، التي عبرت له قبل فترة قصيرة عن رغبتها في اعتلاء خشبة المسرح وهي حامل.

ولكن الممثلة أرادت أن تطل على الجمهور من خلال قصصها الشخصية، وأن تعالج أمامه تلك الانفعالات التي تتفجر خلال فترة الحمل، لكن المرأة الحامل تخفي أغلبها.

ويضيف يمين “عارضت شخصيا هذه الفكرة وأكدت لها أن اعتلاء الخشبة من خلال قصصها الخاصة سيضع زوجها وعائلتها الكبيرة والأصدقاء في حياتها تحت المجهر، كما أنها ستعرض حميمية يومياتهم أمام الآخرين، وربما أزعجهم هذا”.t

ولهذا السبب خلق يمين شخصية كلير التي مرت بعلاقات غريبة تفوق التصور بعض الأحيان، حتى كادت تصبح مهزلة كوميدية في حياة امرأة تجد نفسها في قلب أحداث مفروضة عليها.

من جانبها تقول الممثلة ندى أبوفرحات “تمكن غبريال من أن يقنعني بوجهة نظره، لا سيما أنني في الحياة العادية امرأة مرتاحة جدا مع ذاتي ومنفتحة إلى أقصى الحدود، وربما كانت نوادري الصغيرة مملة وباهتة بعض الشيء، بينما الجمهور يتفاعل حتما بشكل أقوى مع حياة أكثر تعقيدا”.

ونص المسرحية مقتبس من الواقع أيضا، واقع نساء كثيرات وما شعرن به وعانينه أثناء الحمل أو في الحياة اليومية.

وقبل أن يستهل يمين كتابة النص جلس لساعات طويلة مع أبوفرحات ليفهم مرحلة الحمل من وجهة نظر امرأة، ما ساهم في تقديم نص ثري ومتنوع للمشاهدين في قالب هزلي سهّل عملية نقل القضايا الوجودية المطروحة وغيرها إلى المتفرجين بسلاسة.

ويشاطر أبوفرحات الخشبة كل من أسامة العلي وزينب عساف وجويس أبو جودة. وعن هذه الشخصيات التي تشاهدها كلير وحدها، حيث تعيش داخل رأسها ولا وجود واقعيا لها، تقول أبو فرحات “كلير ترى كل شخصية بطريقة مبالغ فيها، وأقصد بذلك بأسلوب كاريكاتوري”.

----------------------------------------
المصدر : جريدة العرب

'الزمن والغرفة' عمل مسرحي ألماني فرنسي يخلط الماضي بالحاضر

مجلة الفنون المسرحية

'الزمن والغرفة' عمل مسرحي ألماني فرنسي يخلط الماضي بالحاضر

أبو بكر العيادي

كيف يمكن تنظيم عالم في عمل مسرحي يخلط الماضي بالحاضر، ويتقاطع أبطاله دون أن يلتقوا فعلا، ويبدو الوجود مثل كشكول فُكّت خيوطه عمدا؟ في المسرح الوطني للهضبة بباريس، ينجح ألان فرنسون في الربط بين الفضاء الزمني الهارب لدراما متشظية من تأليف الألماني بوتو شتراوس بعنوان “الزمن والغرفة”، ويضفي عليها نوعا من الإشراق.


الألماني بوتو شترواس (المولود بناومبورغ عام 1944) من أكثر المؤلفين المسرحيين الألمان حضورا على خشبات المسارح الأوروبية، وهو إلى ذلك ناقد مسرحي، مارس النقد منذ صغره في مجلة “المسرح اليوم” قبل أن ينتدبه مدير شوهبونه ببرلين المخرج العالمي بيتر شتاين.

بدأ شتراوس مسيرته بترجمة واقتباس نصوص لإبسن ولابيش وغروكي، ثم انتقل إلى التأليف، فكتب “ثلاثية الوداع”، و”كبير وصغير”، و”الأبواب السبعة”، تعكس كتاباته الحياة في مجتمعاتنا المعاصرة، وتحوم حول ثيمات الوحدة والانغلاق وعدم التواصل، وهي نفسها الحاضرة، تلميحا أو تصريحا، في مسرحية “الزمن والغرفة” التي يعرضها حاليا المسرح الوطني للهضبة بباريس.

ليس من السهل تلخيص هذه المسرحية، لأنها تبعثر قواعد السرد المتعارف عليها، ولا تستثير في الغالب أي انفعال، وكذلك لأن شخصياتها يمكن اعتبارها كائنات من لحم ودم تتحرك وتفكر، مثلما يمكن النظر إليها كمشخّصات جامدة لا توحي إلاّ بما نضفيه عليها.

تنفتح الستارة الوهمية على رجلين هما يوليوس وأولاف، وهما في وضع نقاش حول ما يشاهدانه عند أسفل الغرفة التي يوجدان بها، والتي لا نعرف بالضبط ما إذا كانت غرفة كما يوحي بذلك العنوان أم ردهة فندق.

“ألم تنظر بعد عبر النافذة؟”، يقول يوليوس وكأننا نسمع صوت بيكيت، فالرجلان هنا يذكران بفلاديمير وإستراغون وهما ينتظران غودو، وإن كانا يكتفيان بالنظر من النافذة، ويعلقان بالتناوب على ما يشاهدانه.

يتحدث يوليوس مثلا عن الثلج والقاذورات والحمام والمطرقة الثاقبة، معلقا إنه “يوم يمر في تخوم اللاشيء”، ثم يركز نظره على امرأة ذات جوارب سوداء مسرولة وصدار أخضر مذهّب، وما كاد يصف لصديقه ما رأى حتى رن الجرس وإذا المرأة ذات الجوارب السوداء المسرولة والصدار الأخضر المذهّب تطل وتسأل “تحدثت عني؟ ماذا قلت؟ وماذا تعرف عني؟”.

هذه المرأة التي لا نعرف عنها إلا أن اسمها ماري ستويبر، ستظل على مدى العرض تظهر (وتختفي) كصورة خيالية ممكنة عن المرأة العشيقة، والمومس، والحريفة، والمسافرة، وامرأة الأعمال، وحتى مجرمة في طور التكوين.

المسرحية تتحدث في نبرة جادة تتخللها السخرية المرحة عن الجنون وضياع علائم الاستدلال في عالمنا اليوم
من هنا تنطلق المسرحية في نسق محموم لا يكاد المتفرج يمسك بأطرافه، وكأنه أمام شاشة سمارتفون تتعدد فيها المشاهد في وقت قياسي، وينفتح الباب عدة مرات كي تدخل شخصيات مختلفة: الرجل الذي ذهب لاستقبال ماري ستويبر في المطار فأخطأها، والرجل الذي يؤكد أنه أضاع ساعته في هذه الغرفة بعد سهرة خمرية لم تقع، والمرأة التي تودّ أن ترى الرجل بلا ساعة الذي غازلها البارحة، وهكذا دواليك.

وفي الجزء الثاني تحتل ماري ستويبر مكان يوليوس وأولاف في صالون الغرفة، وتجلس عارية لتروي بدورها حكايات لم ترها من النافذة، بل ابتدعتها أو قرأتها في صحيفة، كحكاية الرجل الذي انتشل امرأة نائمة من فندق يحترق، وإذا بالباب يفتح فجأة فتظهر المرأة النائمة والرجل الذي أنقذها…

كذلك تدور الأحداث وكأن كل تلك “الشخصيات” تلتقي أو تتنافر، وتتقارب أو تتصادم، وتتجاذب أو تتدافع دون سابق تخطيط مثل هباءات متموجة داخل حقل مغناطيسي.

وسط تلك اللقاءات المتشظية، الهاربة دوما دون منطق ظاهر، تتحدث المسرحية في نبرة جادة تتخللها السخرية والنزوة المرحة عن الجنون وضياع علائم الاستدلال في عالمنا اليوم. وقد اختار بوتو شتراوس أن يحطم أسس البنية الكلاسيكية (تصعيد، ذروة، حدث مفاجئ، انفراج، مع الحفاظ على وحدة الزمن والفعل) ليتبع مسارا طريفا مسليا لا يخضع لخطية متواصلة، ويفتح على عدة احتمالات كالتأويلات والأحلام والسير الذاتية مع تشكيلات تفرضها الصدفة وحدها.

هذا الجهاز النظري، الذي نجده في الموسيقى والفنون التشكيلية وقلّ نظيره في المسرح، يهدف إلى تكثيف الزمن الحاضر، وجعل المشاهد مشحونة في بدايتها على أن تنتهي وفق تقنية القطع في السينما.

المسرحية غريبة، معقدة، وإن كنا نلمس فيها صورة عمّا صار عليه المجتمع الغربي اليوم، مجتمع دائم الحركة، كثير الاضطراب، عاجز عن فهم ذاته، تولّد لديه الإخفاقات والنقائص نوعا من العبثية الهاذية، التي تثير السخرية، وقد نهض لها باقتدار المخرج ألان فرنسون الذي اعتاد التعامل مع كبار المؤلفين المعاصرين أمثال صامويل بيكيت وميشيل فينافر وإدوارد بوند وبيتر هندكه، مثلما أدار بامتياز طوال أعوام المسرح القومي للهضبة قبل أن يؤسس فرقته الخاصة “مسرح سحب الثلج”.

لقد حاول أن يسهّل مقروئية نص لا زمنية له، نص فصل فيه كاتبه الحيز الزمني والحيز الجغرافي، والحال أنهما منذ أرسطو لا ينفصلان، هدفه الحديث عن فوضى العالم وفقدانه إنسانيته.

نص تبدو وجوهه الذكورية والأنثوية قد استلت بغتة من العدم، ثم أعيدت إليه بنفس السرعة المباغتة، بعد مواجهات ودية أو عدائية أو لا مبالية، كل ذلك في مكان محصور (غرفة) وغير محدد بزمن ولا هوية.

----------------------------------------------
المصدر : جريدة العرب

كتاب " فلاسفة ومسرحيون " تأليف د. عقيل مهدي بوسف

عرض لصباح الأنباري لكتاب "سيميولوجيا الممثل " تأليف أحمد شرجي

مشروع التوطين لمسرح المدينة الصغيرة بشفشاون

مجلة الفنون المسرحية

مشروع التوطين لمسرح المدينة الصغيرة بشفشاون

عزيز ريان

قدمت فرقة المدينة الصغيرة بشفشاون عرضها الجديد : الرحيق الأخير بمسرح الهواء الطلق بالقصبة. في إطار برنامج التوطين الذي أطلقته وزارة الثقافة بالمغرب .والتوطين يدخل في إطار الدعم المسرحي التابع لوازرة الثقافة الذي يهدف إلى تنشيط مواقع مسرحية تابعة للوزارة خلال ثلاث سنوات مع تنويع في الأنشطة،فقامت جمعية المدينة الصغيرة بوضع أربع خطوط عريضة لبرنامجها التوطيني الذي سيعتمد على:الأعمال المسرحية،الدورات المسرحية،الندوات المسرحية،ونشر كتب مسرحية.

العنوان أو ثنائية التذوق:

التسمية: الرحيق الأخير وسمٌ يجمع بين الشاعرية والإشارة الضمنية لحلاوة عسل الاستقلال والتحرر من الاستعمار الغاشم. وبين الأخير كعلامة دالة عن نهاية وتوقف لهيب ذل الاستعمار.

 لا توحي التسمية بمضمون العرض وتجعل المتلقي يطرح أسئلة عميقة حول ماهيتها وبعدها الفلسفي. ويساعد على التتبع بدون أي معرفة مسبقة لمحتواه.

 السبياع مؤلف شاب من مدينة شفشاون  شق طريقه بثبات داخل مشهد الكتابة المسرحية التي تعرف شحا عموما. ليس عمله الأول،إلا أن أحمد لأول مرة يخترق عوالم الكتابة التاريخية التي تثير لغطا غالبا بين مؤيد للعودة للماضي أو معارض للاسترجاع الغير المُجدي. وبين من يطالب بقراءة جديدة للتاريخ بشكل عام وضرورة اختراق للفنون الأدبية لهذا المجال كي يتخلخل ميزان الحقيقة والتدليس بالكرونولوجيات التي وصلت لنا.

ولقد اعترف الكاتب بصعوبة اختراقه لمجال الكتابة التاريخية والتي فرضت عليه(… أن تفكر في الإضافة الفنية والفكرية التي يمكن أن تقدمها لهذا التاريخ،وعليك ألا تبدو وطنيا ساذجا،أو عدوانيا متعصبا،بل عليك أن تكتب تاريخك وكأن تكتب تاريخ قبيلة غريبة عنك. وبالنهاية عليك أن تكون إنسانيا وكونيا…)

تسرد المسرحية قصة  فنان نحات فرنسي عصر الاستعمار الفرنسي بمدينة طنجة المغربية،والذي ضغطت عليه الحماية الفرنسية ليقوم بنحت تمثال لعقيد فرنسي قتله المغاربة وهو في نزهة رفقة زوجته الشابة.

رفض النحات إلا أن جبروت السلطة الاستعمارية أرغمته على الفعل،دون أن تترك له حرية الفعل والإبداع،فلا فن ولا خلق بحد السيف..نتعرف خلال العرض على ظروف فترة الإستعمار التي نقلها لنا التاريخ برغم إمكانيات التشكيك التي قد تلازم العصر.

لغة العرض بالفصحى،والتي حاول الكاتب تبسيطها بشكل ملحوظ لكي تكون في متناول المتلقي،هو الذي نتلمس اعتماده على تقنية الكتابة العبثية التي تعتمد على (الأحورة) القصيرة والمقطعة والمترابطة واللاعبة بالمعاني والمفردات.

المعروف أن المخرج ياسين أحجام ممثل ووجه فني معروف داخل المشهد البصري المغربي،حيث له صيت وحضور ملحوظ على الشاشة الصغيرة كممثل له آلياته.

بالرحيق الأخير نكتشف أحجام كمخرج اعتمد على تكسير مفاتيح النص المكتوب واعتماد تقنيات ميزونسية فكك بها النص وحاول ايصاله للمتلقي بكل مستوياته.

اعتمد ياسين على تقنية الكورال أو الجوقة التي عرفها المسرح الإغريقي،وساعد ذلك العدد الكبير للممثلين والطاقم( 11 شخص). وظف كذلك تقنية كسر الجدار الرابع بمسرح العبث والتي تعتمد إشراك الجمهور. وقد تعمد تكرارها لكي يخرج بالحضور مما يعرف على التاريخ من جفاف وروتين.

أضاف المخرج (مؤدي أو مؤدية) لكي يضيف جوا موسيقيا مساعدا على رمي ثقل الملل من الأجواء التاريخية.  وخفف صوتهما وحضور آلة القيثارة من تشابك الأحداث واشتباك الماضي بالحاضر. ناسبت خامة صوت دلال البرنوصي وحرفيته الفضاء المفتوح ،وأضفت على العرض أجواء احتفالية وفنية رفقة الصوت الشاب ليوسف الزباخ الذي رافقها في العزف والغناء.

عموما صعوبات العرض تعود لنوع فضاء الركح والغير المساعد،فمسرح القصبة هو مسرح وحيد متواجد بشفشاون مقاعده 600 مقعد وخشبته إجمال مساحتها 14 متر مربع(مرجع بحث :المشاكل المطروحة في المسارح وقاعات المراكز الثقافية في المغرب،وهو بحث تخرج الطالب أحمد بن ميمون من المعهد العالي للمسرح بالرباط،ص:79) إلا أن الواقع أن مقاعده لا تزيد عن 300 مقعد.

خشبة لا تناسب العروض المسرحية التي تعرض فوقها فقد صممت عن جدار الخلفية (Mur de lointaine) بحوالي متر مما ترك هوة سحيقة ودون أي إجراء وقائي وهذا يمثل الخطورة القصوى على الممثلين والتقنيين الذين قد يتعرضون لحادثة مميتة إن هم تحركوا بحرية أو تراجعوا إلى الخلف أثناء العرض وفي إنارة خافتة.(ص  82 من نفس بحث أحمد بن ميمون)

 نلمس إشكالية الإخراج المسرحي بالمغرب منذ عقود وذلك لتواجد جهة واحدة رسمية تعكف على تدريسه: المعهد العالي للمسرح بالرباط،وقد طالب المخرج ياسين في حوراه أن يتم خلق معاهد جهوية متخصصة في كل الأغراض المسرحية. وعن سؤالنا له عن تصوره الميزونسيني الذي اعتمده في العرض أكد ياسين 🙁 استقر المشروع المسرحي ” الرحيق الاخير” على هويته النوعية و هي “كوميديا تاريخية غنائية “،و قد انبنى تصوري لإخراج هذا العرض على تحدي كبير جدا و هو منافسة كل المنتوجات البصرية لعصر “سمارت- فون ” أي خلق مشاهد قصيرة طريفة خفيفة فيها مزيج من التمثيل و الغناء و الرقص التعبيري في كل مشهد لا تتجاوز مدته أكثر من دقيقتين  أو ثلاث على الأكثر بحيث يعتبر المشهد كوحدة جمالية مستقلة و مختلفة عن باقي مكونات العرض و يحمل جزءاً من حكاية العرض في تناغم شديد مع الايقاع و التسارع في منح المتلقي المزيد من التشويق و التحفيز لمتابعة العرض إلى نهايته ، نعتبر هذا العرض جديدا على مستوى الشكل و نقل المضمون .)

 الإخراج تأليف بصري سمعي جديد بحسب رؤية وتصور كل مخرج على حدة.ومن يتابع أعمال ونصوص السبياع يعرف جيدا أسلوبه التعبيري والحبكي ويتعرف بيسر على تعابيره ومعانيه. إلا أننا بالعرض نجد حضورا للمسة المخرج بشكل أو بآخر. وعن سؤال للمؤلف عن:” كيف ترى لعبة جر الحبل في تنفيذ النص بين الكاتب والمخرج بشكل عام؟ فلقد أجاب مؤلفنا بصراحة وهو يرمي بالنص كجمرة حارقة للمخرج:(قلت دائما في حصص مناقشة العروض، إن نص العرض المسرحي لا يمثلني إلا في تفاعلي مع طاقم العمل ومنه المخرج. أما نصي الذي يمثلني مائة بالمائة فهو الذي أنشره. أما لعبة جر الحبل، فأنا عادة أنصاع للمخرجين، ليس لأني منهزم، أو لأني ضعيف، بل لأني أعتبر أن الإخراج حالة طارئة تحدث على النص المسرحي وتنتهي، وما يبقى هو نص المؤلف الذي ينشر في كتاب، قد يأتي بعدها مخرج آخر طارئ دائما فيحقنه بجنونه، وأنا أنصاع عادة لهذا الجنون).

 الممثلون عرف أدائهم تنوعا على مستويات،بحسب المقاطع وتفاعل الحضور،وبحسب مدة حضورها فوق الركح.أبانوا عن قدرات مختلفة بحسب كل شخصية. مع تسجيل عودة مخلص بوشادر الذي غاب طويلا عن الخشبة. طبعا تبقى أهم ما يمكن تسجيله هو تذبذب مستويات الممثلين وخصوصا في طريقة النطق والأخطاء النحوية،مع ضعف الصوت عن البعض بسبب عدم تمرسه مع القاعات المفتوحة.

ويمكن اعتبار  دور النحات جورج الذي شخصه خريج المعهد العالي للمسرح بالرباط الشاب الشفشاوني منصف القبري،دورا محوريا باعتبار دوران كل الأحداث عليه. دون إغفال حضور كل ممثل أو ممثلة. ولقد بين منصف كيف اشتغل على الدور:”عند القراءة الاولى لنص “الرحيق الاخير” للكاتب المغربي أحمد السبياع،اثارتني شخصية “جورج النحات”,،في هذه الأثناء لم أكن أعرف بعد أي شخصية سأقوم بتجسيدها، وبعد القراءة الجماعية مع مخرج العرض الفنان ياسين أحجام تم بالفعل اختياري لتجسيد هذا الدور.”جورج النحات” لم يكن بالدور الهين، فقد تطلب مني مجهودا كبيرا خلال اعداده بطبيعة الحال تحت إدارة المخرج ياسين أحجام،الذي ساعدني ووجهني كثيرا حتى أستطيع تركيب هذه الشخصية على رؤيته الإخراجية، خاصة وأن “جورج” شخصية تختلف عن باقي شخصيات هذا النص بسبب حساسيته الفنية على غير الشخصيات الأخرى التي غالبيتها مُحاربة أو مخزنية، وأيضا تجسيد هذا الدور تطلب مني مجهودا جسديا كبيرا بحيث اعتمدت خلال اشتغالي على الشخصية، إضافة إلى تقنيات التمثيل،على الرقص والتعبير الجسدي”.

الدور برغم هذا لازال لبعض التفصيلات التي يتطلبها بالخصوص مع الحقبة الزمنية التي عاشها النحات وما صاحبها من عقائد فنية تتعلق بالفن والأزياء والإكسسوارات وطريقة التصرف.

السينوغرافيا اعتمدت على ديكور يوحي للظروف التاريخية بشكل مختصر ورمزي،يوفر الأجواء المناسبة للأداء.الإنارة لا يمكن التطرق إليها كي لا نظلمها لأننا في فضاء مفتوح ويقترب من طريق عمومي مضاء. أما الملابس التزمت بالظرفية التاريخية المعروفة وقتها،ببساطة جنت على بعض الشخوص.

الموسيقى توزعت بين عزف ومصاحبة أدائية حية للثنائي دلال البرنوصي وعزف منفرد للقيثارة،وبين مؤثرات موسيقية وسمعية ذكرت بالفترة التاريخية والحمولة الكبرى للاستعمار بالعالم العربي خصوصا. ولقد غنت دلال مقاطع إسبانية بدت مقحمة لمن يتقن اللغة بسبب معانيها وأبعادها البنوية.

إذن،الموسيقى المزدوجة لمحت من بعيد إلى ازدواجية أهداف الاستعمار: حيث السبب المعلن وهو التحرير ومساعدة الشعوب والسبب الخفي وهو استغلال المواد الأولية وخيرات البلاد.

الرحيق الأخير: تأليف أحمد السبياع ,إخراج: ياسين أحجام ,إنتاج: مسرح المدينة الصغيرة بشفشاون 2016

شفشاون المغرب

الأحد، 5 فبراير 2017

اشكاليات مسرحنا العراقي المعاصر

مجلة الفنون المسرحية

اشكاليات مسرحنا العراقي المعاصر

وليد خالد احمد 

مجموعة اشكاليات يعاني منها مسرحنا العربي اليوم، تتركز في: مسؤوليته كرسالة سياسية/ اجتماعية، وثوريته في استلهام التراث، وبالتالي فان هاتين الاشكاليتين تتركز اساساً في وجود النص المسرحي المبدع (المفقود) والقادر على ايصال الرسالة المسرحية الى الجمهور المنتمي الى كل الطبقات الاجتماعية.
فاشكاليات مسرحنا العراقي تتمثل في كونه لم يصل بعد الى ان يكون عليه المسرح الاحترافي، حيث مازال غير منظم ولا تحكمه أية قوانين او اسس او تخطيط، كما ان ثمة هم يواجه ويحد من دوره يتمثل في الخوف من الكلمة الصادقة التي تكشف وتعري ولا تجامل ولا تداهن.
ان المسرح في عراقنا يحتاج الى مناخ من الحرية والى الاجواء التي يستطيع ان يتنفس فيها حتى يكون مسرحاً ايجابياً. وأنا هنا لا اتحدث عن المسرح الغوغائي والفوضوي والتهريجي الذي يلوح بالشعارات السياسية الجوفاء، ويحرض لمجرد التحريض، وانما عن المسرح الملتزم الهادف، المسرح الذي يعرف جيداً رسالته وينطلق من واقع مدرك لحقيقة الدور الذي ينبغي ان يقوم به. والمتمثل في توعية الجماهير وتوصيل الافكار الثورية الملتزمة عن طريق مخاطبة عقل المتلقي بكل طبقاته، وفضح الانظمة المضطهدة للانسان وقيمه التاريخية والتي تعمل على استلابه وضياع حريته بطرق تعسفية لا انسانية، وبالتالي حث هذه العقول المتلقية للتفكير من اجل اتخاذ موقف من المطروح والعمل على تغييره نحو الافضل.
من هنا يستوجب على مسرحنا اليوم ان يواكب كل التطورات والتغيرات التي تطرأ على الواقعين السياسي والاجتماعي في عراقنا ليكون واجهة من واجهات نضاله الوطني اليومي.. وانه يستوجب على المسرحيين العراقيين العمل الدؤوب والنضال المستمر للحصول على المزيد ولو جزئياً من حرية التعبير المفقودة التي اصبحت اكثر بكثير من المعوقات التي حدث من انطلاقته في عرض جوانب حياتنا السياسية/ الاجتماعية، ايجابية كانت ام سلبية، ليتمكنوا من بناء مسرح تتسع افاقه للنقد وان لا يضيق صدرنا به، لأن مهمة المسرح يجب ان تتمثل في النقد، والمسرح الذي يكون المجتمع/ الشعب اهم مجالاته ولا يؤدي هذه الرسالة، مسرح عديم الفائدة. هو الامر الذي اعتبر فيه المسرح اكبر الواجهات المهيأة لذلك.
*اشكالية الكتابة للمسرح
ان هذه الاشكالية تتفرع الى مجموعة من الفروع المتقاربة والمتباعدة. فالكتابة للمسرح يفترض فيها حد ادنى من السيطرة على تقنية الكتابة المسرحية، كما تفترض معرفة بتاريخ المسرح ومدارسه واتجاهاته.
فالكاتب المسرحي العراقي يسير على نهج المسرح الغربي ويتأثر بطرائقه وفنونه ومذاهبه وتياراته، فمنهم من تأثر بالرومانسية او الواقعية او الرمزية او اللامعقول، ولا نستبعد ان نجد منهم من تأثر بشعراء اليونان او شكسبير او تشيخوف او آبسن.. وقد تجتمع في كاتب واحد عدة تأثيرات لعدة كتّاب وتيارات، فمثلاً بعضهم اخذه التصنيف مثل المسرح السياسي الوثائقي البريختي العبثي.
وخطورة الامر تكمن، ان هذا التراث العالمي صب دفعة واحدة دون ان يستند الكاتب العراقي الى تراث مسرحي عربي يعينه على التمييز والتقييم، لذا يسهل على النقاد المسرحيين ان يتبنوا في الكاتب المسرحي تأثيره بتلك المسرحية او بذاك المذهب. ولا ينتبه الكاتب العراقي الذي يعتمد على عدد من البنى الفنية والاشكال المسرحية، لا ينتبه انه يضيع خصوصيته، عدا ان تلك الاشكال الغريبة تنتمي الى مراحل زمنية وظروف حضارية متعددة ومتغايرة.. لذا، قد نلاحظ في بعض المسرحيات ان التأثر بالشكل الغربي، وان حمل مضموناً عربياً، قد ادى الى انفصام العلاقة بين الشكل والمضمون، مما جعلنا نرى او نلحظ خلطاً كبيراً على مسارحنا.
فمن ابرز عيوب التقليد للشكل الغربي، انه جعل بين مسرحياتنا الدرامية وشخصياتنا المسرحية لا تسير في مسار خاص بها رغم انها من واقعنا المحلي، وتحمل اسماء عراقية / عربية، فهناك بطبيعة الحال اختلاف في الرؤية بين الكاتب المسرحي العراقي وقرينه الغربي، نظراً لاختلاف ظروف الواقع الاقتصادي والاجتماعي في كل بلد، ونظراً لتنوع مصادر التأثير الغربي، مما يدفع الادب العراقي / العربي للانتقال من تغيير الى تغيير بشكل مستمر.
لكن ذلك لم يمنع وجود تيارات جديدة للكتابة المسرحية في عراقنا تحاول باخلاص البحث عن اشكالنا التراثية، كمحاولة جادة لتأصيل مسرح عراقي.
* اشكالية النص المسرحي
اما بخصوص النص المسرحي المبدع، فأن المسرح العراقي عاش لفترة طويلة على الترجمة والاقتباس منذ ان ترجمت اول مسرحية لموليير، وفيما بعد اتجه الى التراث.
يجب ان نعترف اننا ترجمنا واقتبسنا الكثير، ومازلنا للاسف، وقد آن لنا ان نعطي، واعتقد انه بأمكان المسرحي العراقي الآن ان يقدم اعمالاً جيدة. صحيح نحن في حاجة الى نصوص مسرحية جيدة، لكن ينبغي الا ننسى ان المسرح العالمي يعاني من ازمة نصوص في بلدان غربية لها تقاليد في المسرح. واني اعتقد ان ازمتنا المسرحية ليست بالدرجة الاولى ازمة نصوص وانما الكلمة الحرة التي لا يمكن لمسرحنا التطور الا في مناخها الحر.
ان الحل الانسب لمعالجة هذه الازمة وللنهوض بالحركة المسرحية، هو ان يتم اولاً رد الاعتبار للعمل المسرحي واعتباره رسمياً من اهم المجالات التي تكوّن الشعب. وان يعلم الجميع ان مسيرة التنمية الاقتصادية لا يمكن ان تتم الا بمؤازرة التنمية الفكرية والفنية، وهو الامر الذي يعتبر المسرح اكبر الواجهات المهيأة لذلك. ثم لابد من التفكير بحرية واتزان في وضعية المبدع المسرحي اانطلاقاً من المؤلف ثم المخرج ثم الممثل ثم التقنيين.
فلا يمكن بأي حال من الاحوال ان نطالب هذا المبدع بنهضة مسرحية دون ان نؤمن له مستوى الحياة اللازمة وكل الضمانات الضرورية للاطمئنان على مستقبله، وكل هذا يتطلب العديد من العزائم القوية والنيات الحسنة حتى يمكن للمسرح ان يؤدي وظيفته الاجتماعية والتربوية والتكوينية التي خلق لها اصلاً.
* الرقابة الذاتية على النص المسرحي.
الكاتب المسرحي في هذه الاشكالية محاصر بمجموعة من المقاييس الاخلاقية والفنية التي تقيد حريته. وتتفرغ الرقابة الذاتية لتصبح رقابة اخلاقية من جانب آخر، فهذه الرقابة تسلط على الكاتب المسرحي من خارج العملية الابداعية باعتبار
ان النص موجه الى مجموعة من المتفرجين لهم قيم ومستويات اخلاقية وحضارية تشمل الدين والجنس والسياسة وهذه تختلف عن الرقابة الرسمية التي تحمل صفة الزجر، تعتمد على اجراء وقائي. اما الرقابة الفنية، فهي تنبع من الفن ذاته، ومعروف لدينا ان لكل منا حدوده وقوانينه التي تبرر المعاناة وتضبط مقاييس الجودة وتحدد ثقافة الكاتب ومستوى هذه الرقابة.
* اشكالية اللغة
وهي من اخطر الاشكاليات في المسرح العراقي. واللغة الفصحى هي المظهر الوطني القومي الاول، فالمسرح له نحوه وقواعده وله لغة فيها رموز واصطلاحات، وهذا ما يجعله مختلفاً عن مجال الادب، بل تتميز عنه، الا ان تأرجح اداء بعض الممثلين العراقيين بين الفصحى والعامية، ابرز عقبة اللهجة العامية المحلية المسيطرة على لغتهم الفصحى، فانه على الرغم من استعمال الكاتب المسرحي لغة عربية حاول تبسيطها في المسرحية العصرية الى اقصى حدود التبسيط، الا ان الممثل فوق خشبة المسرح لا يمكن ان يندمج تماماً في شخصية عصرية عادية باستعمال الاعراب واسماء الاشارة والاسماء الموصولة التي نراعيها عند الكتابة، وكذلك فأن النص المسرحي عملية اختزال للواقع نستقي منه مواضيعه بشكل مكثف، اي اعادة خلق الواقع لا وصفه وصولاً لنفهم قوانين الواقع بغية تغييره بحرية ومسؤولية. فللنص سيادة تفرض نفسها، وهي تثبت كتابة وتتحدى بذلك المكان والزمان، اما بقية عناصر العرض فانها تتهاوى مع العرض وتغوص في الذاكرة ولا يبقى من مساهمة الممثل والمخرج وبقية الفنيين في ايجاد مادة العرض الا بعض الذكر الذي يمحى بسرعة.
ان المادة المسرحية شيء مركب متعدد العناصر متنوع التركيب متحول الاشكال، وكلها مرتبطة ببعضها ويصعب تحديد العنصر المسير او الغالب الا داخل الشكل المسرحي نفسه، والفكرة في المسرحية ليست منفصلة عن الشكل، فهي تذوب في العمل نفسه ككائن موضوعي، وهنا يكتسب العمل الفني شخصيته المميزة له ويصبح عالماً قائماً بذاته، والنص الجيد المدروس ينقذ عرضاً مسرحياً لمخرج وممثلين ذوي امكانيات متوسطة، بينما لا يستطيع مخرج عبقري وممثلون موهوبون ان يقدموا عرضاً متميزاً من نص رديء يستطيعون ان يقدموا امكانياتهم دون وظيفة شأنها شأن مشاهد استعراض الجمال الجسماني، بينما الكتابة للمسرح متحركة لأن المسرح لغة حركة، ويجب ان يكون عنصر الكتابة فيه وظيفياً وجدلياً، مع بقية العناصر من ناحية ومع ثنائي البصر والدهشة من ناحية اخرى.
ان معظم المسرحيين العراقيين راغبون في القفز عن مسألة النص، بالتركيز على العرض المسرحي ومستلزماته وآفاقه وايجاد الحلول له، وهذا ما ادى الى تراكم العروض الرديئة التي قتلها غياب النص المسرحي، فالمادة المسرحية ليست من عمل خالق واحد فقط بل انسجام بين عناصر العرض المسرحي.
* جمهور المسرح
من الواضح ان الدراسات المتعلقة بجمهور المسرح في عراقنا ما زالت قليلة الى حد الندرة، وان الاهتمام بالجمهور قد بدأ متأخراً بعدما لوحظ من انصراف هذا الجمهور عن كثير مما يقدم على مسارحنا، وكان رد الفعل المباشر لانصراف الجمهور هو ارتفاع اصوات هنا وهناك ملقية باللوم على الجمهور لارتياده المسرحيات الهابطة وعزوفه عن المسرحيات الجادة ــــــ على ندرتها ــــــــ التي تحمل مضموناً ورسالة، في الوقت الذي لم يتوقف احد ليسأل عدداً من الاسئلة ذات مغزى: هل وضع كتّاب المسرح عندنا الجمهور في اهتمامهم وهم يكتبون؟ وهل حدد كل كاتب نوعية الجمهور الذي يرتاد مسرحه؟
وهل حاول الكاتب ان يدفع جمهوره الى الاهتمام بالقضية المطروحة بنفس مستوى اهتمامه؟ وهل وازن الكاتب بين متطلبات الدراما والعرض المسرحي وبين الافكار التي تزخر بها مسرحيته؟ وهل بذل احد جهداً ليعرف علة انصراف الجمهور عن ما هو جاد واقباله على الهابط؟
ان مثل هذه الاسئلة هي التي تحدد نوعية العلاقة بين كتاب المسرح وجمهورهم. ولكن من الواضح انها اسئلة لا تلقى الاهتمام الكافي من كتابنا، وربما كان هؤلاء الكتّاب مهتمين بالجمهور لاسباب متعددة ولكن يبدو ان الاعتبارات السابقة لا تحتل لديهم المقام الاول.
ان الجمهور هو الذي يحس بصورة تقديم لون مسرحي جديد، وعلى الكتّاب ان يبادروا الى استشعار هذه الرغبة الملحة والاستجابة لها. فعلى الكاتب المسرحي عندما يكتب نصه، عليه ان يدرك في قرارة نفسه ان الجمهور بحاجة الى نوع جديد من المسرح يتفق وتطلعاته. لذلك مثل هكذا مسرحيات تنجح نجاحاً كبيراً ويقابلها الجمهور بحماس بالغ ويضع كاتبها في مكان الصدارة. وهذا دليل على ان الكاتب كان يفكر في جمهوره ويعرف ميوله ورغباته دون ان يعني هذا بطبيعة الامر الخضوع لنزواته او تملق غرائزه على حساب الفن المسرحي.
ان ما نسميه بجمهور المسرح ينقسم الى ثلاثة انواع: النساء، ورجال الفكر، والعامة. النساء تميل في المقام الاول الى العاطفة، يبحث رجال الفكر عن تصوير الطبيعة البشرية، بينما تستهوي الحركة المسرحية عامة الشعب قبل اي امر آخر.. وكل هذه الفئات تبغي المتعة. فالنساء يرغبن في المتعة العاطفية، ورجال الفكر ينشدون المتعة الذهنية، والعامة يبحثون عن المتعة المحسوسة. لهذا فان المادة المسرحية تنقسم الى ثلاثة انواع، عام واقل مستوى وعمقاً من النوعين الآخرين- فالميلودراما للعامة والمأساة العاطفية للنساء والملهاة التي تصور الطبيعة البشرية لرجال الفكر.
مشكلة جمهور المسرح ليست وليدة الفترة الراهنة فحسب، كما انها مشكلة ذات جوانب وابعاد عديدة، ولسوف احاول ان اتعرض لهذه الاشكالية من خلال جانبين فقط، لسبب بسيط وهو ان الجوانب الاخرى تتطلب من هو اكفأ مني واكثر مقدرة، فليس بوسعي على سبيل المثال ان اقوم بدراسة ميدانية عن جمهور المسرح او ان اعتمد على استبيانات عن هذا الجمهور –ولوكان لمثل هذه وجود- اذ اعتقد ان هذا من اختصاص البيوت المسرحية او الفرق المسرحية بالتعاون مع علماء النفس وعلماء الاجتماع وغيرهم من المهتمين بقياس الرأي العام واتجاهاته: سأتعرض اذن للمشكلة من جانبين هما –كتّاب المسرح اولاً، والحركة النقدية ثانياً.
فاذا ما تناولنا الجانب الاول الذي يتعلق بالكاتب المسرحي فاننا قد نصاب بالدهشة حينما نعلم انه باستثناء عدد محدود جداً من كتّاب مسرحنا العراقي حاولوا التعرف على ميول الجمهور العربي، وادركوا ان هناك ما يميزه عن غيره من جماهير المسرح الاوروبي، وعملوا مع تفاوت في النجاح على وضع ذلك في اعتبارهم عند التأليف.
اقول، باستثناء هذا العدد المحدود لا نعثر على من يهتم بذلك او من يحاول فيما لو اهتم. ومن اكثر الامور التي تبعث على الحيرة ان بعض الكتّاب يتصوران جمهوره يتكون من كافة سكان العراق، في الوقت الذي لم يشغل نفسه بفهم ما يدور ابعد من حدود وطنه.
ان قدرة الفنان على استخدام ادواته وصياغة افكاره داخل الشكل الفني تأتي نتيجة للاحتكاك، ومن تعلم الفن المسرحي السابق عليه استيعابه وهضمه.
ومن الانصاف ان نذكر هنا، ان المسرح العراقي في بداياته كان مهتماً بما يكفل توفر هذا الاحتكاك، وانه وضع نصب عينه ان يقدم الكثير من التجارب المسرحية العالمية الراسخة جنباً الى جنب مع القليل من الاعمال العراقية و العربية الرائدة. ولقد تمخضت هذه السياسة عن ظهور كتّاب ممتازين دون جدال، لكن هذه السياسة الحكيمة قد تغيرت واصبح معظم ما يقدم على مسارحنا الآن من الاعمال المحلية، وبات لزاماً على الفرق في العراق ان تظل في نوع من السبات الى ان تجود عليها قريحة احد كتّاب المسرح المحليين بنص مسرحي جديد دون ان تفكر طوال العام في تقديم عمل من روائع المسرح العالمي، على الاقل ليتدرب ممثلوها على انماط مختلفة من الاداء، وليتعلم مخرجوها كيف يطبقون اساليب متنوعة في الاخراج او من اجل اتاحة الفرصة امام مختلف الفنانين لاستنباط طرق جديدة في مجال الديكور والازياء المسرحية والاضاءة.
انني لا اعتقد ان الفن المسرحي لدينا سيتطور لو ظل هذا الحال كما هو دون تفكير في تغييره. فاذا انتقلنا الى الجانب الآخر وهو الحركة النقدية فعلينا ان نوضح بادئ ذي بدء ان الحركة النقدية مرتبطة دائماً بالانتاج الادبي او الفني لأن الادب والفن هما المادة الخام التي يقوم الناقد بدراستها بغية تقنيتها او بغرض تفسيرها وتقييمها والخروج من هذا بمنظور يساعد على فهم القوانين المنظمة للابداع، ومن الضروري ان تواكب الحركة النقدية حركة الابداع او تأتي على الاقل كمحصلة لها، ولكن ما حدث في عراقنا هو ان حركة النقد قد تأخرت عن هذه المواكبة، ويرجع هذا الى عدة عوامل من اهمها- تأخر انشاء الكليات التي تعد الناقد المتخصص وتؤهله للاضطلاع بهذه المسؤولية حيث ان النقد علم ودراسة قبل ان يكون خبرة مكتسبة ورغم وجود عدد غير قليلمن الدراسات النقدية الجيدة وظهور عدد من النقاد البارزين، الا ان الكم النقدي المتراكم عبر سنوات الثلاثين الاخيرة لم يتحول لدينا حتى الآن الى كيف. بمعنى انه لم يسفر عن نظرية نقدية متميزة يتم من خلالها تفسير الانتاج الادبي والفني المتزايد بصورة مطردة. ولكي لا نظلم الحركة النقدية في وطننا العربي ينبغي القول بأنه في المقابل لم تتبلور داخل ابداعنا الفني والادبي حتى الآن اتجاهات او ظواهر واضحة او تيارات فنية لها صفة الاستمرار والتأثير، بحيث تتيح للناقد ان يصوغ منها قوانين للابداع او ان يبلور على اساسها نظرية نقدية مبتكرة، وحينما يصبح الابداع الادبي والفني عندنا ابداعاً متميزاً بمعنى ان يتخذ لنفسه اتجاهاً لا يعتبر محاكاة لما هو سائد في الاداب الاخرى التي ينقل عنها، فلا شك ان الحركة النقدية عندنا ستجد امامها مجالات خصبة تؤدي بها الى التطور الخلاق، ومنذ اقدم العصور لم يقم انتاج ادبي بمعزل عن النقد او في غيبته، فكلاهما جناحان لطائر واحد.
* اشكاليات استلهام التراث
على الرغم من التجارب العديدة التي حاولت ان تستلهم التراث في مسرحنا، يواجهنا السؤال التالي: كيف يجب ان نفهم استلهام التراث دون ان يجرنا احياناً الى مزالق خطرة؟
ان الحديث عن استلهام التراث يذكرني بقول للمخرج المسرحي الطلائعي الفرنسي جان ماري سيرو، حين شاهد عرض لمسرحية عربية استلهمت مادتها من التراث الشعبي العربي قائلاً: ان العالم استنفد كل المنابع التي يمكن ان تغني المسرح، وامام مزاحمات عناصر الرؤيا الاخرى، لم يبق امام المسرح سوى نبع واحد هو التراث العربي.. نعم، انه حقاً لكلام جميل ولكن كيف نتعامل مع هذا التراث؟
التراث في رأيي هو كل ماضٍ له انعكاس على الحاضر، لأن الحياة هي استمرار وتجديد، فاذا استلهمنا الحكاية والاقصوصة والاسطورة الشعبية او ما تركه لنا الاجداد من فكر.. سواء تلك التي حملتها لنا المخطوطات العربية او الكتب الصفراء او تلك التي وصلتنا شفوياً وجعلناها ماضياً ينعكس على الحاضر نكون قد عرفنا كيف نستغل تراثنا.
اما ان نأخذ التراث بكل ما فيه وكما هو ونقدمه في المسرح، وهذا ما نرفضه ونرفض حتى الامثال التي تحد من جماح الفرد وتدعوه الى الكسل والتواكل. نحن نعرف ان المثل حكمة ولكن هناك امثلة لا فائدة فيها.
لابد اذن من ان نتعامل بوعي مع التراث، لابد من ترصد الحكمة عند الاقدمين، لأن هؤلاء لم يكونوا بلداء. القصص الشفوية التي وصلتنا عميقة ولو لم تكن كذلك لما بقيت في ذاكرة الشعوب، يجب ان نستفيد من هذه القصص، وذلك بمسرحتها او اعادة كتابتها. ينبغي الا نأخذ التراث بشكله المسطح بل بعمقه الواعي الذي يتصل اساساً بالانسان عاطفة وفكراً. بهذا الاسلوب وضمن هذا الفهم يجب ان نتعامل مع التراث.
انني اعتقد ان المسرح الذي يتعامل مع التراث ضمن فهم عميق للواقع، لا يمكن ان يرتكب الهفوات التي يجرنا اليها استلهام التراث، وان الخطر يتمثل في رأيي في الاهتمام المتزايد بعناصر الاثارة والابهار. وفي هذا النوع من الشعوذة سائدة للاسف في المسرح العراقي او العربي. هناك تهويل وتهريج ومباشرة وسطحية في اعمال كل المسرحيين عراقيين وعرب .
وانا اقول هذا حتى اكون صريحاً مع نفسي ووفياً لرسالتي كمثقف ملتزم بقضايا مجتمعي ووطني وامتي ، ولكلمة الحق التي ارى نفسي ملزماً بقولها. نعم، كل المسرحيين العراقيين والعرب سقطوا في هذا التهريج بشكل او بآخر حتى ان بعضهم اساء الى اعماله المسرحية الكبرى. والامثلة عديدة كأن نتحدث عن زعيم من الماضي ونسقط ظروفه على زعيم معاصر. وكثيراً ما يقع هذا بطرق ميكانيكية وفجة لا تليق بمسرحي فنان.
هناك مباشرة تدغدغ عواطف الجمهور بدلاً من ان تعالج مواضيع اساسية في حياتنا اليومية معالجة عميقة، تمتع وتربى في آن.
المسرح فن واخلاق ومتعة ايضاً يجب على المسرحي ان يقدم لجمهوره نماذج بشرية معينة في حالاتها المتعددة، نماذج تخاطب عقل هذا الجمهور ووجدانه. هذا هو المسرح الذي نتوق اليه.

-------------------------------------
المصدر : كتابات 

الحصان الرابح في سباقنا المسرحي

مجلة الفنون المسرحية

الحصان الرابح في سباقنا المسرحي 

عبد الجبار خُمران

“أيها الغد لن ننتظر قدومك نحن ذاهبون اليك. سنمضي اليك مكحلة عيوننا بالأمل ومطرفة سواعدنا بالعمل” هكذا لخص الامين العام للهيئة العربية للمسرح ذ.اسماعيل عبد الله – في واحدة من كلماته الرصينة دوما والمعبرة دائما بكلمتين عميقتين – هما الأمل والعمل – فلسفة المهرجان وتوجهه العام.

كثيرة ربما هي المهرجانات المسرحية على امتداد رقعة وطننا الكبير من الماء إلى الماء.. لكن ناذرا ما تجد في مشهدنا المسرحي المعاصر مهرجانا حاملا لمشروع يبني تصوراته الفكرية وتوجهاته الجمالية بلبنات حاملة قيم الفن الخالصة و مبادئ المعرفة النبيلة.

لقد جعلت الهيئة العربية للمسرح من أنشطتها بيتا لكل المسرحيين العرب.. بيت حاضن لإبداعاتهم وأفكارهم وتجاربهم النظرية والعملية.. ومهرجان المسرح العربي هو النشاط الاكثر إشعاعا ضمن الفعاليات العديدة التي تنظمها وتؤطرها “الهيئة” طيلة السنة.

تسير فعاليات المهرجان بخطى حثيثة لأجل تكريس ممارسة مسرحية عربية تخول الخروج باتجاه الانخراط مع المهرجانات العالمية في المساهمة بتطوير تقنيات ورؤى الفعل المسرحي في بعده الجمالي والانساني.. لا ينقص فعاليات مهرجان المسرح العربي – الذي “يسكب المبدعون من كل أرجاء الوطن العربي في جراره رحيق إبداعاتهم” – في ان يكون واحدا من الحدائق المعرفية والمسرحية والجمالية العالمية، إلا أن يستمر في مسيرته التصاعدية رابطا تجارب الرواد المؤسسين برؤى شبابية متجددة وأن يشد أطناب الفكر بأوتاد الابداع.

وإننا لننظر بعين الامل إلى التراكم الفكري والجمالي الذي يحققه مهرجان المسرح العربي والذي تدعمه مناشط “الهيئة” ووُرشها الفكرية ومشاتلها العملية والعلمية. هذا التراكم الذي يجعل من دورات المهرجان المتتالية أحصنة رهان حقيقية في “سباقنا” المسرحي والمجتمعي. سباق أعطت إنطلاقته كل تك التجارب الجادة المتعددة في رصيدنا المسرحي والثقافي الذي خلفه رواد عملوا في ظروف صعبة وقاسية أما نقطة وصوله فهي هذا المسير الحثيث الذي لا نهاية له.

مسير باتجاه التحاور مع ما يغلي به الشارع العربي من أفكار وأحداث وذلك من خلال أفق جديد في صياغة الندوات وتحيين مواضيعها ومحاورها الفكرية بما يستجيب ومساءلة التحولات المتعاقبة والجوهرية داخل منظومتنا الاجتماعية والسوسيوثقافية. فعلى سبيل المثال ذلك السؤال العام والضمني المطروح في كل ندوات هذه الدورة عن دور المسرح والتجارب الرائدة والناشئة على حد سواء : “العبور إلى المستقبل بين الريادة والقطيعة المعرفية” .

وما حضور اسمي شهيدي المسرح الجزائري في ندوات المحور الفكري للنسخة التاسعة من عمر المهرجان (عز الدين مجوبي الذي اطلق اسمه على هذه الدورة والمبدع المتفرد عبد القادر علولة) إلا تكريس لفهم عميق ومتجذر للدور الطلائعي للعب المسرحي المحفوف بالمخاطر لجديته وفعّاليته وفاعليته. ذلك ان للمسرحيين منصّتهم التي لا مناص منها بغية بلورة فكر متنور ودورهم الذي لا غنى عنه لأجل بناء مجتمع حداثي. دور يلعبونه على الخشبة حد الجنون وفي الحياة حد الاغتيال.

وواسطة عقد تكريس مسرح حقيقي و الإشادة بدوره “النضالي” الطبيعي داخل مجتمع في امس الحاجة إلى تعميق معرفته بالرواد الحقيقيين في هذه النسخة من عمر المهرجان هو التكريم – الذي لم يأت جزافا – للفرقة المسرحية التي ساهمت في دعم استقلال الجزائر من خلال جبهة التحرير الجزائرية.. تلك الفرقة التي كان لها التأثير الكبير والمساهمة الفاعلة في اسقلال الجزائر.. الفرقة التي أسسها مصطفى كاتب 1958 وجالت العالم مبشرة بثورة الجزائر والمطالبة باستقلالها.

ثم أليس المسرح حصان رابح لا محالة في سباق حداثتنا وبناء مجتمعاتنا المتطلعة إلى ربيع جمالي، ديمقراطي، حقيقي و زاهر؟


--------------------------------------
المصدر :  الفوانيس

المسرح العراقي بعيداً عن الالتزام قريباً من الارتزاق

مجلة الفنون المسرحية

المسرح العراقي بعيداً عن الالتزام قريباً من الارتزاق

وليد خالد احمد  

هناك عدد من العروض المسرحية تجعلنا نتساءل: هل يعطي هذا الكم من الاعمال بالنسبة للعناصر البعيدة عن فهم حرفيات وأصوليات هذه الحرفة مؤشرات على نشاط مسرحي؟ وأين دور المؤسسات التربوية والاعلامية ذات العلاقة في التصدي لمثل هذا التوجه من الاعمال والارتزاق الفني المشوه؟
لنكن اكثر ايجابية في تقويم اوضاع حركتنا المسرحية ولنكن اكثر قسوة في ايجاد ضوابط تحفظ للمسرح وللمسرحيين وجههم المشرق. فلا يمكن ان يوجد فن في انفصال عن الحياة او حياة انسانية دون فن. ان منبع الفن وأساسه هو نزعة الانسان الى تمثل تجربته الحياتية واستنباط مفهومها ودلالتها القيمية وتثبيت هذا الاستنباط وتوصيله الى آخرين عن طريق استعادة التجربة استعادة حركية. وتتم استعادة التجربة وصياغتها حركياً على بعد زمني كافٍ يكفل قدراً من الموضوعية الشعورية والعقلانية بحيث يصبح الفرد في آن واحد عنصراً من عناصر التجربة ومشاهداً لنفسه عن بعد.
ان المسرح في حياتنا، مرآة نتلذذ في النظر اليها لرؤية انفسنا، ندقق النظر، ونمعن في التطلع.. التطلع الى اعماقنا داخل ادوار الممثلين، وفي تعابير وجوههم، وعبر حركاتهم وضحكاتهم ولحظات البؤس القنوط التي تكتنفهم. لهذا، فان المسرح سيبقى يعبر عن الحياة، يراقبها ويصوغها ويطرحها من جديد، ينظر الى الماضي ليتحدث عن الحاضر ويحرك صورة الحاضر ليطرح خيال المستقبل، وسيظل الخير والشر يتخاصمان فيه بهدف (التطهر) والانتقال بالحياة الانسانية الى حالة من الحالات الاسمى والوصول بالبشرية الى ما تشعر وتفكر بأنه الافضل.
وتأسيسا على هذا الفهم .. فالمسرح مدرسة المجتمع الثقافية ، فعلى خشبته تشرح القضايا الفكرية والاجتماعية والتربوية ، مهما تعددت طبيعة المعالجات التي تقدمها المدارس المسرحية ، يبقى الانسان جوهر الخطاب المسرحي الذي يتأثر ويؤثر بما حوله، ويتفاعل مع الظروف والاجواء السائدة في مجتمع ما. فان رسالة المسرح لا تقل في اهميتها عن دور اي تربوي مرشد، فهي الطابع الفعال في المجتمع. واذا كانت هناك انماط من المسرحيات الهزلية يعلقها اصحاب الفكر (الخرب) على شماعة الجمهور راغب بذلك!! فقد فاتهم ان للمسرح دور قيادي ورئيس في الارشاد والتوجيه وبث القيم الفاضلة في نفوس جمهوره واتحافه باعمال مسرحية تحثه على التفكير والفعل، تعالج مشاكله الحياتية باشكال يتوخى منها امكان اسعاد هذا الجمهور واستنهاضه وشحنه بطاقات الوعي السياسي المرتكز على فهم عميق للانسان ودوره الفاعل والخالق في الممارسة الثورية والانقلابية الاجتماعية.
الا اننا نجد ان عامة الجمهور مازالت تعتبر المسرح في وقتنا الحاضر، مكاناً يجتمع فيه الناس للهو والاستمتاع لكثرة المعروض من المسرحيات البائسة. غير انه قد غاب عنهم ان المسرح
شيء يختلف كثيراً بما يقدم من اعمال فنية وادبية هادفة، وانه مرآة للمجتمع وعاملاً مؤثراً من عوامل التطوير والتوجيه والنمو، لذا يجب ان يكون عاكساً صادقاً له لما يشهده من تطورات اجتماعية واقتصادية وسياسية باعتبار انه كان وما يزال مقياساً لحضارات الامم.
فمنذ بداية المسرح وهاجس مؤسسيه والمشرفين عليه معرفة ما يريده الجمهور وما يقبل عليه اكثر من غيره، واضعين في الاعتبار، ان للجمهور المسرحي دوراً كبيراً في المسرح. فالى جانب كونه المتلقي فهو شريك في العملية المسرحية، ويختلف عن المتلقى في باقي الالوان الادبية والفنية، في ان ردود فعله تكون فورية لحظة تقديم العرض المسرحي، ولتجاوبه وفعاليته دور كبير في نجاح العرض المسرحي.
ان المسرح في حياتنا مرآة نتلذذ في النظر اليها لرؤية انفسنا، ندقق النظر ونمعن في التطلع الى اعماقنا داخل ادوار الممثلين، وفي تعابير وجوههم وعبر حركاتهم وضحكاتهم ولحظات البؤس والقنوط التي تكتنفهم. لهذا فان المسرح سيبقى يعبر عن الحياة، يراقبها ويصوغها ويطرحها من جديد، ينظر الى الماضي ليتحدث عن الحاضر، ويحرك صورة الحاضر ليطرح حيال المستقبل. وسيظل الخير والشر يتخاصمان فيه بهدف التطهر والانتقال بالحياة الانسانية الى حالة اسمى والوصول بالبشرية الى ما تشعر وتفكر بأنه الافضل.
لكن المسرح عند فناني القطاع الخاص أصبح هدفاً ووظيفة محددة يسعى الى تحقيقها الا وهي اضحاك متفرجيه دونما اللجوء الى مناقشة قضايا المجتمع الميحيط بهم. فالمتفرج عقد اتفاقاً ضمنياً بينه وبين مسرحيات القطاع الخاص، على انه يدفع ثمن تذاكرها الباهضة في مقابل ان يحصل على تلك المتعة التي تجعله لا يفكر وهو جالس في مقعده في اية مشكلة تعكر صفو ليلته ومن ثم فلا بد من تحقيق شروط تلك الاتفاقية من خلال عرض نص مسرحي بسيط يكون سبباً لوقوف شخصيات المسرحية جنباً الى جنب لاضحاك هذا الجمهور.
ويستمر الحال هكذا الى ان تنتهي المسرحية وقد بلغ الانهاك كلاً من الممثل الذي قدر له ان ينتزع الضحكات من الجمهور وذلك الأخير المستمتع الذي انغمس بالضحك ولكن لم يرسخ في ذهنه سوى بعض الالفاظ والنكات التي يتفوه بها الممثل، وعند الوصول الى تلك النهاية يكون قد تم الايفاء بالعقد المتفق عليه بين مهمة مسرح القطاع الخاص ومتفرجيه.
هناك عدة تساؤلات نوجهها الى منتجي ومخرجي وفناني تلك الاعمال: هل انتهت قضايانا الاجتماعية فأصبحنا نلهث وراء مسرح فارغ لا يحمل في طياته اي مضامين عصرية تمس قضايانا والصراعات المؤلمة التي تحيط بنا من كل جانب والتي تحتاج الى جهود فكرية عنيدة تقهرها بالكلمة الصادقة التي تهذب اخلاقنا وترقى بطباعنا ومشاعرنا لكي نرتفع الى مستوى الاحداث؟
اننا اليوم في أشد الحاجة الى مستويات صادقة تخاطب وجداننا، مسرحيات تلقي الضوء على هموم الناس ومعاناتهم واحتياجاتهم لكي تفتح امامهم آفاقاً جديدة وخدمة ثقافية حقيقية. اننا نريد نهضة
فكرية تنهض بعقلية الناس وتنير لهم الطريق، نريد مسرحاً يدرك مهمته المزدوجة المتمثلة في ان يعلم ويحفز متفرجيه، مسرحاً لا يريح المتفرج او ينفس عليه كربته بل على العكس يقلق، يزيد المتفرج احتقاناً ، وفي المدى البعيد يهيئه لمباشرة تغيير القدر.
اننا نطالب المعنيين بشؤون المسرح- كّتاب ومنتجين ومخرجين وممثلين..- ان يساهموا في تربية اجيال قادمة تنشأ على القيم والمبادىء والولاء للارض والوطن. نطالبهم بصحوة الضمير الفكري والفني والبعد عن الزيف، آخذين بنظر الاعتبار ان التيارات الفكرية التي يصدرها او يأتي لنا بها البعض، هي اخطار تهدد قيمنا الاجتماعية وتراثنا الأصيل.
فعلينا ان نتكاتف ونرتفع الى مستوى الأمانة الادبية لكي نتصدى لكل ما هو مناف لقيمنا واخلاقنا.. اما ما عدا ذلك فهو مسألة تدخل في الحسابات والارقام والبعد عن الضمير الفني سعياً وراء المكاسب المادية ليس باضحاك الجمور بل بالضحك عليه وليس باسعاده بل بتزييف براءته.
ففي غمرة الدعوة الى النهوض بمستوى المسرح، نسي المتحمسون لها ان يفكروا في ابعادها الخقيقية، فراحوا يفسرونها طبقاً لمفهومهم الخاص حتى انها انطبعت في اذهان البعض على انها قد تعني الفوضى واللامبالاة والاستهانة بما رسخ في ضمير الانسان.
فاذا ما نظرنا الى المسرح الجاد نجده قاصراً عن ان يلبي حاجات جمهور متطلع بدأ يتربى منذ سنوات على المسرح المادي/ الربحي والدراما التلفزيونية البائسة، وهما ينافسان هذا المسرح بما يقدمانه من عروض جذابة في الوقت الذي لا يلتفت الى هذه الحقيقة المسرح الجاد ويلقي جزءاً من تقصيره على اكتاف غيره ويتغاضى عن مخزون الكوميديا الشعبية.
ان المسرح الجاد الآن على ندرة عروضه هو مسرح للمثقفين نوعاً ما، وهذا تقصير خطير اذ ينبغي ان ينتبه المشرفون عليه وكُتابه الى حقيقة انهم لا يستطيعون تقديم مسرحيات فئوية ترضي بعض الناس وليس كل الناس وانما مسرحيات عامة.
ان الحل الانسب لمعالجة هذه الازمة والنهوض بمسرحنا هو ان يتم اولاً رد الاعتبار للعمل المسرحي واعتباره من اهم المجالات التي تكون العقل الجماهيري وتكييف اتجاهاته الادبية والسياسية، وان يعلم الجميع ان مسيرة التنمية الاقتصادية لا يمكن ان تتم الا بمؤازرة التنمية الفكرية والفنية وهو الامر الذي يعتبر المسرح اكبر الواجهات المهيأة لذلك، ثم لابد من التفكير بحرية واتزان في وضعية المبدع المسرحي انطلاقاً من المؤلف ثم المخرج ثم الممثل ثم التقنيين.
تبقى هناك نقطة جوهرية هي اساس الموضوع/ الازمة، تتمثل في ان المسرح العراقي لم يصل بعد الى ما يجب ان يكون عليه المسرح الاحترافي، حيث مازال غير منظم ولا تحكمه أية قوانين او أسس او تخطيط. كما ان ثمة هم يواجهه ويحد من دوره يتمثل في الخوف من الكلمة الصادقة التي تكشف وتعري ولا تجامل ولا تداهن.
ان المسرح العراقي اليوم بحاجة الى اجواء صحية يستطيع ان يتنفس فيها حتى يكون مسرحاً خلاقاً. وانا هنا لا ادعو الى مسرح مثل ذلك المسرح الفوضوي التهريجي الذي يلوح بالشعارات ويحرض لمجرد التحريض وانما الى المسرح الملتزم الهادف، المسرح الذي يعرف جيداً رسالته وينطلق من واقع مدرك لحقيقة الدور الذي ينبغي ان يقوم به والمتمثل في توصيل الافكار الخلاقة الملتزمة عن طريق مخاطبة عقل المتلقي بكل طبقاته وفضح الوسائل المضطهدة للانسان وقيمه التاريخية والاجتماعية التي تعمل على استلابه وضياع حريته بطرق تعسفية لا انسانية، وحث العقول المتلقية من اجل اتخاذ موقف من المطروح السائد والعمل على تغيره نحو الافضل.
ان على مسرحنا اليوم ان يواكب كل التطورات والمتغيرات التي تطرأ على الواقعين السياسي والاجتماعي وان يعمل بدأب صادق في عرض بعض من مفاصل حياتنا اليومية ايجابية كانت ام سلبية، لأن المسرح الذي يكون الشعب اهم مجالاته ولا يؤدي هذه الرسالة، مسرح عديم الفائدة، وكل هذا يتطلب الكثير من العزائم القوية والنيات الحسنة حتى يمكن للمسرح ان يؤدي وظيفته الاجتماعية والتربوية والتكوينية التي خلق لها اصلاً.

------------------------------------------------
المصدر : كتابات 

السبت، 4 فبراير 2017

دائرة السينما والمسرح مالها وما عليها منذ 2003 ولحد الآن ..

مجلة الفنون المسرحية

دائرة السينما والمسرح  مالها وما عليها منذ 2003 ولحد الآن ..
( وجهة نظر شخصية .. مكاشفات من الداخل )( ح 1- 2 - 3 )

د . جبار جودي

بعد التغيير الكبير الذي حدث في العراق ( 2003 ) بتنا جميعاً تحت وقع الصدمة وتأثيرها إذ أصبحنا بين يوم وليلة لانعرف أين نضع أقدامنا وفي أي إتجاه نذهب فآثر الكثيرون التزام الصمت لحين انجلاء الغبرة التي أحاطت أيامنا ، وبالفعل أعقبت الشهور الثلاثة الأولى عمليات التغيير في وزارة الثقافة وتم تجميد عمل السيد لؤي حقي المدير العام السابق لهذه الدائرة علماً انه كان السبب الرئيسي لتكون دائرة السينما والمسرح الأولى بين دوائر الدولة في استلام مكافآتها ورواتبها ، ومن ثم تم تنسيب الفنان الرائد سعدون العبيدي مديراً عاماً لهذه الدائرة وبإشراف مباشر من قبل السيد صادق الصائغ وبمباركة وزير الثقافة حينها السيد مفيد الجزائري ، وكانت تلك فترة سوداء لم تشهد لها الدائرة ولا موظفيها مثيلاً لها سوى هذه الأيام التي نمر بها حالياً والتي سآتي على ذكرها بالتفصيل ، لعدة أسباب منها عدم كفاءة السيد العبيدي في الإدارة العامة ، الذي نكن له كل الاحترام والتقدير كفنان رائد ، لكن لاعلاقة له بفن الإدارة وآليات عملها فأصبح سبباً في انشاء الكثير من التقاطعات مع الفنانين ، وأيضاً تنصيبه في ادارة مفاصل هذه الدائرة الحيوية لأناس لاقدرة لهم على القيادة الادارية والفنية ومناوراتها والابداع فيها خصوصاً في تلك الفترة الحرجة جداً من عمر العراق وعمر الدائرة لأنها تعلقت بوضع السياسات الستراتيجية على المدى الطويل والتي ارى انهم اخفقوا اخفاقاً كبيراً فيها ، ندفع جزء من ثمنه حالياً ، إذ تصدى للعمل الاداري في حينها السادة المخرج فتحي زين العابدين ، والفنان حافظ عارف ، والفنان ربيع الشمري ، والفنان طارق شاكر ( كبير احترامي ووافر تقديري لذواتهم وفنهم وابداعهم ) وشخص مجهول الهوية لعمر هذه الدائرة جاء من الخارج مع صادق الصائغ اسمه عامر السلطان وكان سيء الصيت بكل معنى الكلمة ، وتمخضت هذه الفترة على مستوى الانتاج الفني والرؤية الستراتيجية لهذه الادارة اعادة تقديم مسرحية البستوگة !! لأن السيد الصائغ كان معجباً بها !!! ( هذا الصائغ الذي لايصلح للحكم بين تلميذين فما بالك بالإشراف على هكذا دائرة والتحكم بها ) .. وكذلك وفي ظل انطلاق المبالغ المالية المحترمة في الدولة وبدء اعادة الاعمار للمنشآت الحكومية انبرت هذه الادارة وبتوجيه من السيد الصائغ وبمباركة الوزير لإقامة مهرجان المسرح الفقير !!! ومهرجان المونودراما !!!! ( لاحول ولاقوة الا بالله ) ارتضت هذه الادارة بالفتات من الاموال لهذه الدائرة وبشكل لايستسيغه عقل ولامنطق سليم ولم تسعى اطلاقاً لتنشيط الانتاج المسرحي ولا السينمائي ولا إعمار أي شيء من منشآت هذه الدائرة المتضررة وكانت الفرصة طبعاً وفي ظل وجود الامريكان والمستشار الايطالي گولدوني الذي كان يشرف على وزارة الثقافة مفتوحة من أوسع الأبواب لولا ضياع التخطيط والتخصص الستراتيجي لهذه الادارة المتخبطة في ظلماء ايامها التي استمرت اكثر من ثلاث سنوات عجاف ضاعت فيها علينا فرصة تأهيل مسرحنا العراقي بشكل حقيقي .. ( وأشهد للفنانين المذكورين أعلاه بنظافة اليد في المال العام ) لكن شكل الفساد في هذه الإدارة غياب التخصص المطلوب في التخطيط الستراتيجي وعمل الأولويات ، وإعتماد الكفاءات المعروفة والمشهود لها ، إذ تم إقصاء وتهميش كل ذي فهم وعلم في مفاصل عمل الإدارة والتخطيط الفني ، فذهب الكثيرين من موظفي هذه الدائرة للبحث عن فرصة عمل في القطاع الخاص المتمثل بالفضائيات العراقية والعربية التي راج سوقها في حينه ومحدثكم واحد من هؤلاء .. 

اتجه أغلب فنانو وموظفو الدائرة الى البحث عن فرص عمل يرممون بها وضعهم المالي خصوصاً وان من بركات الإدارة السابقة إنضواء دائرتنا تحت مرتبات المائة ألف والمئتي ألف والثلاثمائة ألف وليس ضمن سلّم رواتب باقي خلق الله من الموظفين في الدوائر الأخرى كوننا تمويل ذاتي ! ولم يسعى أحد بشكل جدي لإزاحة هذه الظليمة التي رزحنا تحت نيرها مايقارب الخمس الى ست سنوات ! ، حقيقة الأمر اتجهت الى العمل في قناة السومرية الفضائية وكنت من المؤسسين الأوائل فيها وابتعدت عن دائرتي التي أحب مرغماً لسوء الأحوال المعيشية التي كانت تعصف بالجميع ، وكان هذا حال أغلب موظفي الدائرة ممن يمتلكون كفاءة العمل الفني والتخصص الذي يؤهلهم للعمل في كنف الفضائيات المستغِلة !! لكن ذلك لم يمنع من متابعة الأخبار وأن نكون على تماس مع بعضنا البعض كفنانين كذلك تجمعنا في أغلب الأحيان رأس كل شهر لنستلم مرتباتنا الضئيلة [ ( 200.000 ) ألف دينار كان مرتبي الشهري ] بعد سنتين انتهت علاقتي بالسومرية أي في نهاية 2005 وفي نفس السنة صممت السينوغرافيا لمسرحية نزهة مع المخرج أحمد حسن موسى بعدها العرس الوحشي في 2006 لنفس المخرج لإعتذار الفنان فلاح ابراهيم الذي كان هو السينوغراف الأساسي لهذا العرض الذي اشترك في مهرجان عمّان المسرحي بدءاً قبل أن يتم عرضه في بغداد ، وأيضاً صممت الإضاءة لمسرحية نساء في الحرب للمخرج كاظم النصار التي اشتركت في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في نفس العام ، استلم السيد رياض المرسومي مهام عمله مديراً عاماً للدائرة ،وكنت لا أعرفه أبداً سوى أن المعلومات التي توافرت لدي أنه كان مديراً في قسم المهرجانات في الوزارة ومن ثم مديراً لمكتب نوري الراوي وزير الثقافة حينها الذي أسهم بترقيته الى درجة مدير عام عند انتهاء أيام توزيره ، إذ كانت هذه الدرجة من صلاحية الوزير في ذلك الوقت ، وفي اليوم الثاني لإستلامه مهام عمله وُجّهَ لي كتاب تنبيه بضرورة الالتزام بالدوام الرسمي ( نحن الذين نعمل ليل نهار اذا تم تكليفنا بعمل ما ) ، آثرت الإبتعاد عن الدائرة لإكمال دراسة الماجستير في 2006 ، والغم والهم كان ملازماً لنا نحن أبناء الجيل الوسط الذي مازل الكثيرين يصفوننا بالفنانين الشباب وقد أضعنا المشيتين ! لا نحن من الرواد ولا نحن من جيل الشباب حقاً ! 
انهمكت تماماً لمدة عشرة أشهر في السنة التحضيرية الأولى التي كانت صعبة جداً ، وكنت لا أستطيع الحركة الى أي مكان سوى انني اذهب الى الكلية واعود منها الى البيت فقط طيلة عشرة أشهر فكنت لا أعلم شيئاً عن الدائرة سوى بعض الأخبار المتناقلة هنا وهناك ، وبعضٌ مما يخبرني به الفنان قاسم الملاك قبل احالته على التقاعد لبلوغه السن القانونية ، كنا نتبادل الحديث احياناً بين فترات متباعدة عن الدائرة ومتغيراتها ، وسئلني ذات مرة عن أحمد حسن موسى وماهو رأيي فيه ؟ وهل يصلح لمنصب معاون المدير العام ؟ كان يريد مني إجابةً مباشرة لهذا السؤال الذي بدا مُلِحاً فيه جداً .. 

سألني الفنان قاسم الملاك عن أحمد حسن موسى ومدى صلاحيته ليكون بمنصب معاون المدير العام ، وحين استفسرت منه عن الأمر تبين لي ان رياض المرسومي صديق مقرب جداً من الملاك وطلب استشارته حول هذا الموضوع ، فما كان مني الا أن بذلت كل مالدي من عبارات المديح والثناء بحق أحمد الذي التحق بمعهد الفنون الجميلة بعدي بدورة واحدة وتخرجنا مع بعض وينطبق على لسان حالي وقتها المثل الشعبي ( محزمة والعرس چنه لإبنهه ) ، كنت سعيداً جداً لهذا الخيار أن يكون صديقي ورفيق رحلتي أحمد بهكذا منصب ، دار هذا الموضوع بمنتهى السرية ولم يعلم به أحد وقتها وبالفعل في قادم الأيام أصبح صديقي معاوناً للمدير العام .
أكملت السنة التحضيرية الأولى للماجستير وبدأت رحلة الكتابة التي تأخذ وقتاً كثيراً ، مما حدا بي الى الرجوع الى الدائرة لأمارس نشاطاتي الفنية ومنها إخراجي لمسرحية حصان الدم ( سأكتب عن ميزانيتها وظروف انتاجها لاحقاً ) التي ترافقت مع الدراسة النظرية وكان زمن تقديمها في الثانية عشر ظهراً للأيام 12 و 13 / 3 / 2007 لما لتلك الفترة المظلمة من ظروف مررنا بها جميعاً ، وبدأ حراكي بإتجاه الإدارة إذ قدمت دراسة تفصيلة للسيد المدير العام من أجل تحويل شعبة الإنتاج المسرحي ، التي ينتمي لها سبعة وستون موظفاً فنياً وبتخصصات متعددة ، الى قسم إسمه قسم التقنيات الفنية ، تم عرض دراستي على مجلس المديرين وبمباركة المدير العام تمت الموافقة ورُفع الموضوع الى وزير الثقافة أسعد الهاشمي في حينها إذ وافق على المقترح ، وجئنا لمنطقة أخرى هي إختيار مدير لهذا القسم والمنطق يحتم أن يكون صاحب المقترح أو الدراسة هو أولى ، بدأ الشد والجذب بهذا الموضوع وأنا غير مبالي وليست لدي فكرة إطلاقاً عما يدور في الأروقة الجانبية للإدارة من اتفاقات وتفاهمات لاعلاقة لي بها إطلاقاً ، اقترح السيد المرسومي ان تكون هناك انتخابات وترشيحات في اجتماع مجلس المديرين لما لمسه من معارضة من البعض ( أخبرني بكل شيء لاحقاً ) ( مجلس المديرين متكون من مدراء جميع الأقسام الأحد عشر إذ لم يكن هناك حينها مجلس إدارة وإنما تم تشكيله لاحقاً ) كان البعض يهمس لي أن هناك من لايريدك مديراً لهذا القسم وكنت غير مهتم بهذه الأحاديث الجانبية لأنني أؤمن بالمقولة ( لا يصح الا الصحيح ) ، في اجتماع مجلس المديرين تمت الترشيحات وكان المعاون داعماً ومرشحاً للسيد معتز عبد الكريم فني الصوت الألمعي الذي حصل على ثمانية أصوات !!! مقابل ثلاثة أصوات لي !!!!! ( أعرف من صوت لي ومن صوت ضدي ) وصلني الخبر وكنت متذمراً والتجأت الى صديقي أحمد الذي بدا غير مكترث للأمر بل لقد كان مؤيداً لهذه النتيجة التي أدار دفتها داخل مجلس المديرين بحذاقة ، فدار الحوار التالي :
أنا : معقول هذا الأمر ؟ كيف لكم سلبي مقترحي ودراستي واعطاءها لغيري 
المعاون : هكذا سارت الأمور بالضد منك في الإجتماع .. ماذا نفعل ! 
أنا : لكن السيد معتز لايمتلك مؤهلاً دراسياً عالياً فهو خريج متوسطة ؟ كيف يتم قانوناً أمر تنصيبه مديراً لقسم ؟؟؟
السيدة بشرى جعفر : ( مديرة الإدارة ) يجوز أن يكون رئيس قسم بالوكالة !! 
أنا : وهل تتركون الرأس لتمسكوا بالذيل ؟ انا الدارس للماجستير في صلب التقنيات والتخصص ..
كل هذا وأنا لا أدري ولا أعرف ( يشهد ربي ) ماهو السبب ومن المسبب ، لم أكن أعرف العديد من الأشياء التي تتعلق بالممرات الخلفية للإدارة بشكل عام .. المهم .. أرسل المرسومي بطلبي ، دخلت عليه ، جابهني بضحكة جميلة ومريحة وقال لي بالحرف الواحد ( أبو هاشم جماعتك المدراء شگد يحبووووووووك ) ههههههههههههههه .. 
قلت له مستغرباً ، والله لا زعل لدي مع أحد ولا ضغينة ولا أي شيء سيء وأنا وكما تعرف مرافقٌ لهم في هذه الدائرة منذ عام 1991 .. قال لي : خيراً سيكون إنشالله .. بعد عدة أيام أخبرني هادي البدري ( مدير المكتب ) أن السيد المدير العام يطلبني فذهبت اليه وكان الوقت ظهراً في نهاية الدوام الرسمي تقريباً ، طلب مني المرسومي شيئاً بصيغة التكليف فقلت له ماعلاقتي أنا بالأمر ؟ فقال لي أنت مدير قسم التقنيات ! قلت له لا لم يحصل شيء من هذا ! فقال لي أو لم يصدر أمرك الإداري مديراً لقسم التقنيات الفنية ؟؟؟ قلت لا .. فإستشاط غضباً بهدوء وأرسل في طلب مدير مكتبه وقال له ألم يصدر أمر مدير التقنيات ؟ أرسل لي بطلب مديرة الإدارة قال له مديرة الإدارة مجازة هذا اليوم ، قال لقد كلفتها يوم أمس بإصدار أمر إداري لمدير التقنيات !!! إطبعو الأمر الآن ، لن أخرج إلا بعد توقيعه .. وللحديث صلة ..

مسرحية عراقية جديدة "اثنان في العتمه ..واحد في.." فكرة واخراج سنان العزاوي

عرض مسرحى.. "مدينة الضحك" على العرب

مقارنة بين مسرحيتي الأشباح والبجعة لأبسن وستنبيرغ

مجلة الفنون المسرحية

مقارنة بين مسرحيتي الأشباح والبجعة لأبسن وستنبيرغ  

صباح هرمز 

اذا كانت مسرحية البجعة، قد كتبت عام 1907، فان مسرحية الأشباح، كتبها أبسن عام 1881، أي قبل البجعة بستة وعشرين عاما. وكلتا المسرحيتين يدور موضوعها حول السقوط في أحضان الرذيلة. ففي الأشباح الأب مع الخادمة، وانتقال هذه اللوثة الى الابن، وفي البجعة الأم مع صهرها.

وعلى الرغم من أن الرذيلة في البجعة، أقوى من الأشباح، أو هكذا تبدو للوهلة الأولى، لممارستها من قبل شخصين، تحرم عليهما هذه العلاقة،  وقوتها تظهر في هذا الجانب فقط الذي لا يخلو من المراوغة والتلاعب بالمشاعر ودغدغة العواطف، فان هذه القوة في الأشباح، تتسم بمصداقية أكثر، لنأيها عن غلو سترندبرج في ربط العلاقات. وتصويرها من قبل أبسن، اتساقا والنهج الذي يتبعه  في مسرحياته الأخرى، ألا وهو الأسلوب الاسترجاعي، هذا الأسلوب الذي يعيد الأم والقس الى ماضي الأب، عبر الرذيلة التي يمارسها الابن ( الآن)، أي ظهور صورة  الأب في ابنه.  
يقول عبدالله عبدالحافظ بهذا الخصوص: وقد وضع أبسن هذا الصراع في اطار فني رائع اعتمد فيه سواء في تسلسل الأحداث أو المناظر على الطريقة الاسترجاعية (6).  
رجينا:أوزفولد! أجننت! اتركني!
مسز الفنج:( تجفل في فزع) آه!
ماندرز: (غاضبا) ما الذي يحدث يا مسز؟  ما هذا؟
مسز الفنج: (بصوت أجش) الأشباح. الاثنان في المشتل- يعودان! 
هذه الواقعة هي ذاتها  التي حدثت عندما كان الكابتن الفنج يغازل خادمته (والدة رجينا). كما أن الأب في الأشباح، يأتي ذكره،( بالرغم من عدم ظهوره)، على لسان  الشخصيات على امتداد المسرحية، محتلا مساحة لابأس بها، وموقعا مؤثرا لا، وبل فاعلا وجوهريا في نمو وتطور أحداث المسرحية، بعكس الأب في البجعة، فقد ترك سترندبرغ هذين الدورين، ( احتلال المساحة، والموقع المؤثر للأم).
كما يبدو لي ثمة تناص بين الأشباح والبجعة، وأن تأثيرات الأولى واضحة في الثانية، وتأتي أولى هذه التأثيرات في حصر شخصيات البجعة بخمس مثل الأشباح. واذا كان قد أجرى سترندبرغ من تغيير في مسرحيته، مقارنة بالأشباح، فان هذا التغيير لم يتعد حدود الشخصيات، وذلك بالاستعانة بشخصيتي الصهر والابنة، بدلا عن شخصيتي القس ماندرز والنجار أنجستراند. ليلعب شخصية الصهر الدور الذي لعبه الأب  في الأشباح مع الخادمة جوانا، وهو مع أم زوجته. واضافة الابنة في البجعة، لم يأت بجديد، وجاء بسبب ايجاد المسوغ لاقامة الصهر في منزل الأم، وبالتالي ربط علاقة معها. وأقول لم يأت بشيء جديد، ذلك أن دورها لم يقتصر أكثر من شكواها على تصرفات والدتها، واكتشاف خيانة والدتها لها مع زوجها، وهذان الأمران، أداهما الابن كذلك، ولكن ليس كشقيقته  متأخرا، وأنما رغم المرض الذي يعاني منه، منذ صغره، من بداية المسرحية. وهذا يعني أن اضافة هذه الشخصية، لم تأت الا تابعا لزوجها.
أما الاختلاف الجوهري الذي أجراه سترندبرغ  على شخصية الخادمة في مسرحيته عن مسرحية أبسن، في ظهورها بمظهر المربية العجوز، وليس اللاهثة وراء نزواتها، جعلها أقرب الى شخصية القس ماندرز في الأشباح، وهي تبدي حرصها واهتمامها بصحة وسلامة الابن والابنة، وتفضح تقصير الأم تجاههما وتجاه زوجها، مذكرة الأم بين حين وآخر بماضيها الكالح معهم. ولكنها، بعكس القس تغادر المنزل قبل نهاية المشهد الأول، وغادره القس قبل نهاية المسرحية بقليل. ولكن رغم قصر دورها، فقد استطاع المؤلف، أن يمنحها التأثير الذي لعبه القس في الأشباح.
وبقدر ما استطاع الصهر أن يلعب الدور الذي لعبه الأب في الأشباح، بنفس القدر لم يستطع أن يلعب دور الابن في نفس المسرحية، ذلك أنه مثل الأب، كان غرضه خسيسا، بينما غرض الابن نبيل. والأغراض النبيلة، كما يقول غوتيه، لا تؤخذ بالوسائل الخسيسة. لذا فقد أناط سترندبرغ دور الأب بالأشباح للصهر، ودور الابن في نفس المسرحية للابن (فريدريك). ولعل قول الأم لصهرها:( لكم تشبه الآن زوجي، وأنت تجلس على كرسيه الهزاز)، أدل نموذج على ذلك، بينما تأتي هذه الجملة، أو ما يقاربها على لسان القس ماندرز وهو يخاطب مسز الفنج، ردا على قول أوزفولد، عثوره على غليون والده:( عندما ظهر أوزفولد في المدخل والغليون في فمه بدا لي وكأن والده عاد الى الحياة من جديد). وكلتا الجملتين، جملة الأم في البجعة، وجملة القس في الأشباح، يستحضران ماضي الأب في صورة الابن والصهر، أي أن كليهما يسيران على خطاه الآن، في هذه اللحظة.  
ومثلما أحدث ستريندبرغ، تغيرا جذريا في شخصية الخادمة، كذلك فقد أحدث نفس التغير في شخصية الأم، من رزينة وهادئة وحكيمة في الأشباح، الى ماكرة ومتهورة وخائنة في البجعة. وجعلها أقرب في نرجسيتها، واستبدادها برأيها، الى شخصية (هيدا) في مسرحية (هيدا جابلر) لأبسن. وهي بعد أن تبلغ درجة اليأس، تطلب من ابنتها أن  تعيش معها ومع شقيقها كخادمة، ويعد هذا الانحدار السريع والمباغت من برجها العالي،  بمثابة انتحار هيدا، أن لم يكن أسوأ منه، بعد انسداد كل الأبواب بوجهها.
وليس من باب الصدفة، أن تبدأ كلتا المسرحيتين بجو عاصف وومطر. وتوحيان من خلال جوهما العاصف والممطر الى نفس المعنى. فاذا كان في الأشباح، توحي جملة رجينا: ( أنه مطر شيطاني لعين)، الى موقفها السلبي من زوج أمها ( أنجستراند)، ولا تطيق رؤيته، لما يرافقه من شر. فان جملة:( أغلقي الباب رجاء، من الذي يعزف الموسيقى؟) التي تلفظها الأم في البجعة، توحي هي الأخرى الى موقفها السلبي من ابنها، ولا تطيق رؤيته. ليعمد المؤلفان هنا الى التعبير عن نزعة  الشخصيات من المعنى الكامن وراء الكلمات. فهدف رجينا من ايقاف أنجستراند، حيث هو، ليس لتساقط المطر منه على أرضية الغرفة، وانما لعدم ازعاج أوزفولد، لايقاظه من نومه، وهو يحدث صوتا نشازا بقدمه العرجاء، وهذا الصوت النشاز يوازي صوت الموسيقى الذي تسمعه الأم في البجعة، الصادرة من عزف الابن، والمنبعثة من رائحة الكربونيك والأغصان المحروقة التي تكرهها، لا لأنها قد حرمتها على ابنها وابنتها فحسب، وانما أيضا في نهاية المسرحية، تختنق برائحة الكربونيك والأغصان المحروقة. 
وتمتد هذه المقاربة الى اصابة كلا الابنين، في الأشباح والبجعة بلوثة الأب، وليس من باب المصادفة أيضا، مثل بداية المسرحيتين بجو عاصف وممطر، أن يعاني كلاهما من هذا المرض، بعد عودتهما من الخارج. فردريك نادبا حظه العاثر الذي بفعل الخلافات العميقة بين أبيه وأمه، ساقه هذا الحظ الى مربية، يرافقها الى منزل أختها التي كانت تتعاطى الدعارة، ليشاهد هناك كل شيء بأم عينيه. وأوزفولد مثل فردريك، بعد عودته من باريس، يشكو من نوبة صداع في رأسه. 
فردريك: أنا لم أرضع أبدا من حليب الأم، كنت بعهدة احدى المربيات، وكان علي أن أرضع من قنينة. وحينما كبرت قليلا، صرت أرافقها الى منزل أختها التي كانت تتعاطى فيه الدعارة، حيث رأيت مشاهد حافلة بالأسرار يستبيحها للصغار مربو الكلاب فقط. . .
أوزفولد: بعد زيارتي الأخيرة هنا وعودتي ثانية الى باريس بفترة قليلة – عندئذ بدأت أشعر بآلام غاية في العنف في رأسي – غالبا في مؤخرة رأسي، على ما يبدو، كما لو أن حلقة حديدية محكمة قد ثبتت بمسمار حول عنقي وفوقه تماما.
ونتيجة الخوف الذي يقع فيه أوزفولد، جراء تحذيره الطبيب من مواجهته للنوبة مرة ثانية، لأنها ستؤدي الى نهايته، يفضي به هذا الخوف الى الجنون. وفردريك لا يقل جنونا عن جنون أوزفولد، ولكن لافساح أبسن مساحة أوسع لحركة أوزفولد، قياسا بحركة فردريك المحدودة، حدا لأن تبرز هذه العاهة لدى الأول أكثر من الثاني. وعلى الرغم من ذلك، فانها تظهر من بداية المسرحية لدى  فردريك، ويتأخر ظهورها لدى أوزفولد.

وعملية التناص بينهما هذه، تتضح أكثـر، في اقتباس البجعة جملة من الأشباح،  تعبر عن لب المسرحية، ان لم تكن هذه الجملة كل المسرحية، وهذه الجملة تأتي في الأشباح على لسان مسز الفنج، وفي البجعة على لسان الأم. ومع أن الجملة الأولى طويلة، والثانية قصيرة، غير أن كلتيهما تعبر عن نفس المعنى، وما يضاعف ذلك هو بالاضافة الى ذلك ورود كلمة الأشباح على لسان الأم في مسرحية سترندبرغ، مع أن هذه الكلمة هي عنوان مسرحية أبسن.

مسز الفنج: أنني خائفة لأنه في أعماق نفسي شيء أشبه بالشبح لا أستطيع الفكاك منه أبدا.عندما سمعت رجينا وأوزفولد هناك بدا لي وكأنني أرى أشباحا. أنني أكاد أظن أننا جميعا أشباح. . .
الأم: احذري (بعد برهة) أثمة شخص يمشي هناك؟
مارجريت(الخادمة): لا ليس هناك أحد.
الأم: أترينني كمن يخاف الأشباح؟
والأشباح هنا، وفي كلتا المسرحيتين، رمز للماضي الذي  تخشى منه مسز الفنج، وكذلك تخشاه الأم، لأنه امتداد للحاضر، فما كان يحدث بالأمس، يحدث اليوم. وكلتاهما تشاهدان صورة ابنيهما في شبح أبويهما، وقد عادا الى الحياة من جديد. ويهدف أبسن من الماضي، كل تراكمات العادات والتقاليد البالية والسائدة في المجتمع النرويجي. 
ويعلق عبدالله عبدالحافظ على حوار مسز الفنج قائلا: (هذه صرخة عقل يحتج على كل أشكال الاعتقاد التي لا تقوم على المنطق، وعلى الأشباح التي تعيش في الظلام وتبطش بالضحايا الأبرياء)(7). 
ويستطرد:( ولعل هذا التزمت في هذا المجتمع النرويجي الصغير هو الذي دفع كثيرا من النرويجيين الى الهجرة لباريس والى أمريكا حيث جو الحرية وحيث ينعم الأنسان ببهجة الحياة).  
في كلتا المسرحيتين أيحاءات كثيرة، تأتي  في البداية، وتتحقق في النهاية، وأبرزها ما يحل بفردريك وأوزفولد، لاصابتهما بمرض الزهري الذي ينتقل بالوراثة الى الأبناء عن طريق الأب. ولكن كليهما لم يلقيا حتفهما، أو بقيا على قيد الحياة،  فسيان كلا الأمرين، عن طريق هذا المرض، وأنما كان هذا المرض سببا لجنونهما، وهذا الجنون هو الذي آل ما آل اليهما . فردريك  بإحراق المنزل، وأوزفولد سعيه في شرب السم. اذن أن هذا المرض، وأن يبدو وراثيا، غير أنه لايخص فردا واحدا، وأنما كل المجتمع. بدليل أن كل الناس من وجهة نظر مسز الفنج والأم، تتحول الى أشباح، لذا فإن هذا المرض، ما هو الا وسيلة لبلوغ الغاية الأسمى، وهي رفض كل الأفكار والعادات والتقاليد البالية للمجتمع النرويجي جملة وتفصيلا. هذا بالنسبة لمسرحية الأشباح. أما بالنسبة لمسرحية البجعة، فان الغاية الأسمى، هي التصدي لخيانة المرأة لزوجها وابنتها، وظلمها لأسرتها ككل، وابراز هاتين الحالتين، عبر حرمان ابنها وابنتها وقبلهما والدهما من الأكل والملبس الجيدين، ودفء الحطب في برودة الشتاء الجليدية، وتوظيفهما في احراق المنزل.
وبالتعويل على وصف الفصل الأول لمسرحية الأشباح، والمشهد  الأول لمسرحية البجعة، وبتفكيك رموز هذين الفصلين، وجدنا بدلا من أن يسود التقارب بينهما، يشطرهما التباعد الى خطين متوازيين، يبدو من الصعب، أن يلتقيا في نقطة معينة، الأول بانفتاحه على المستقبل، يشوبه بقسط وافر من التفاؤل، والثاني بالولوج في دهاليز الأغصان المحروقة ورائحة الكربونيك الطافحتين بالتشاؤم. فغرفة حديقة فسيحة لها باب في الحائط من جهة اليسار، وبابان في الحائط من جهة اليمين، بالاضافة الى انفتاح الغرفة على مشتل للزهور، وله حيطان زجاجية كبيرة، وفي الحائط الأيمن للمشتل باب يفضي الى الحديقة، فمثل هذا المنظر المنفتح بأبوابه ونوافذه على العالم الخارجي، لا بد أن يحتوي، أو يريد أن يحتوي على شخصيات، تتسم ولو بجزء ضئيل من الأمل في الحياة. وشخصية أوزفولد هو هذا النموذج.  بدليل أن الكلمة الأخيرة التي أطلقها في نهاية المسرحية، كانت : الشمس. 
بينما المنظر الذي يتكون من باب واحد للشرفة، وصالة جلوس تفضي الى صالة أخرى للطعام، وأريكة مغطاة بغطاء أحمر، وكرسي هزاز... فكل مفردة من هذه المفردات، تشكل بحد ذاتها علامة من علامات التشاؤم التي تنتظر مستقبل شخصيات المسرحية. ولعل احتراق الثلاثة في نهاية المسرحية، الأم وابنها وابنتها في آن، يؤكد ذلك. لنفهم أن أبسن يتبع في الفصول الأولى في مسرحياته طريقة العرض، مع تقنية اقتران البداية بالنهاية. وسترندبرغ يتبع التقنية الثانية أيضا، ولكن ليس  بتجزئة العناصر الدرامية الثلاثة كلا على حدى، كما يفعل أبسن، وانما بخلطها في تركيبة متماسكة معا.
وفي المنظر الثاني للأشباح، تجري الأحداث في نفس الغرفة. الا أن تعزيزه بجملة ( لا يزال الضباب يخيم على المنظر العام)، جعل المؤلف ينحو هذا الفصل، منحى (العقدة)، وأغلب الظن، أن هذه الجملة جاءت، امتدادا للفصل الأول، حيث كان المطر يهطل.
بينما يخلو  المشهد الثاني للبجعة من أي وصف أو شروحات. وهذا يعني أنه كالمشهد الأول، أن عناصره الدرامية تسير على نفس الوتيرة. ولكنه في المشهد الثالث، ومع صوت ارتجاج الباب، وطرقات متسارعة عليه من قبل الصهر، هذه الطرقات التي تذكرنا بمسرحية ماكبث لشكسبير، نفهم من خلالها، أن عقدة مسرحية البجعة قد بدأت. وفي المشهد الرابع أن هذه العقدة تتطور، عبر هبوب رياح عاتية، يسمع صفيرها من النوافذ والمدفأة، والباب الخلفي ينصفق، ليذكرنا هو الآخر بمسرحية الملك لير لشكسبير أيضا. وفي المشهد الخامس والسادس، عزف موسيقى في الخارج، وفي السابع، يدخل الصهر وفي يده عصا غليظة، أشارة واضحة الى أنه سيتعامل مع أم زوجته بشكل فظ. وفي المشهد الثامن، توقف الأم الكرسي الهزاز، ويدخل الابن ثملا، لتوحي المفردة الأولى على القلق، والثانية على جرأة التطرق للمواضيع الحساسة، وتوجه الأم نحو النافذة في المشهد التاسع، وتفتحها تنظر بعيدا، تتراجع بعد وهلة الى الغرفة حيث تأخذ مسافة استعدادا للقفز، لكنها تعدل عن قرارها حين تسمع ثلاث طرقات على الباب، وأذا كانت النافذة تشكل عالمها الخارجي الذي تتوق من خلاله أن تعيش بحرية، فأن الغرفة التي هي في داخلها ، تشكل عالمها المحاصر بقيود محكمة.
وهي بين الاثنين، بين ضميرها الذي يؤنبها، ويدفعها الى الانتحار، وبين توقها للحرية، المتمثلة بطرقات على الباب، لتنقذ هذه الطرقات حياتها، تختار الأخيرة.
وهنا يلجأ سترندبرغ الى استخدام تقنية الاسترجاع كأبسن، من خلال استحضار  صورة الابن على هيئة والده، وهي تقول: من هناك؟ ما الذي يجري؟ ( تغلق النافذة) أدخل ! هل هناك أحد . أنه نفسه وهو يعدو في حقل التبغ، ألم يكن ميتا؟
. . . . 
وفي منظر الفصل الثالث للأشباح، يعود المؤلف، مانحا أياه مواصفات الفصل الأول نفسها تقريبا، أقول تقريبا لأن شابته بعض روح التشاؤم، ولكن ليس بغلبة هذه الصفة على التفاؤل، بل بالعكس، بغلبة الأخيرة على الأولى. وجاء هذا الفصل كذلك، اتساقا مع تطورات أحداث المسرحية التي قادت أوزفولد المحب للحياة، التفكير في الانتحار. مثله مثل الأم في البجعة، واقعا تحت وطأة الشعوربتأنيب الضمير في أصابته بهذا المرض، ظنا منه أنه المسؤول الوحيد عنه والذي ألحق الأذى، ليس برجينا فقط، وأنما بالمجتمع ككل. 
وتكمن روح التشاؤم في هذا الفصل فقط في جملة ( في الخارج ظلام)، وتعقبها جملة، تحتوي على قدر ضئيل من الأمل: (باستثناء وميض خافت من النار ينبعث من خلفية المسرح).
أما التفاؤل فيمكن ملاحظته في هاتين الجملتين: ( كل الأبواب مفتوحة) و( لا يزال المصباح مضيئا على المنضدة.)

---------------------------------------------------
المصدر : جريدة المدى 
تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption