أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

السبت، 3 أكتوبر 2020

المسرح الفرنسي في القرن العشرين... مواجهات صادمة مع الوجود الإنساني

مجلة الفنون المسرحية
 

المسرح الفرنسي في القرن العشرين... مواجهات صادمة مع الوجود الإنساني

رضاب نهار

ثار المسرح الفرنسي على النمط الواقعي الكلاسيكي الذي سار عليه المسرح العالمي طيلة قرون

يقول الأديب الفرنسي يوجين يونسكو (1909 ـ 1994): "إن رغبة المؤلف في مسايرة عصره دليلٌ على أنه تخلّف عنه".

تلخّص عبارة يونسكو منهج مسرحيي القرن العشرين الفرنسيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة تغيرات مخيفة طالت كافة نواحي الحياة لدى الإنسان الحديث. وما كان منهم إلا أن أنصتوا بصدق إلى قواهم العقلية والروحانية، فأبدعوا أشكالاً مسرحية جديدة، لم تساير العصر، إنما قرأته بوعيٍ ثقافي وفكري وقدّمت نقدها الموضوعي لتحولاته ضمن منظومة متكاملة من العناصر الفنية غير التقليدية على الإطلاق.

ويعتبر مسرح القرن العشرين في فرنسا، منذ بدايته وحتى نهايته، مختبراً للتجارب الجديدة التي التفتت بحقّ نحو المعاناة الإنسانية بعيداً عن التراجيديات الكلاسيكية والقواعد الصارمة المحددة للمؤلفين. وفي حين نجد أن هناك ثمة اختلافات واضحة بين مناهج هذا المسرح، نؤكّد أنها جميعها ناقشت مفاهيم الذات، الهوية، التشظّي الإنساني الحاصل بغض النظر عن الأسلوب والطريقة.

وإذا ما تتبعنا أصول التيار الفكري الجارف الذي غزا المسرح الفرنسي والحياة الثقافية والفنية الفرنسية طيلة القرن الماضي، نصل إلى الثورة الفرنسية التي عزّزت حرية التعبير وحرّضت على الإبداع، إذ أطلقت العنان للفكر بالتمرّد على الكثير من القواعد والأطر الكلاسيكية المقيّدة لحياة الإنسان في ذلك الوقت. ولقد أدى التطور الاجتماعي والسياسي الناتج عن الثورة إلى إعادة النظر في النظريات الفلسفية المعنية بالوجود الإنساني والتي تمظهرت في عدد من التيارات الدينية والفلسفية منها المذهب الأرواحي الذي ثار على الرؤية الكونية الخرافية بقيادة الفرنسي آلان كارديك (1804 ـ 1869).

صيغ وقوالب جديدة تناسب المحتوى الجديد

لكن، وبالعودة إلى المسرح، فإن الجهد الثوري في الكتابة المسرحية الفرنسية قد بدأ عندما وجد الكاتب المسرحي نفسه أمام تحديات زعزعت أسس ومفاهيم القيم بالنسبة إليه. وصار مطالباً بخلق صيغ وقوالب جديدة تناسب المحتوى المتغير للأفكار التي أصبح عليها شكل العالم الجديد. وعلى الرغم من أن هذه التجارب الطليعية انتشرت في كل أوروبا، وفي مناطق أخرى من العالم، إلا أن البصمة الخاصة كانت للأيدي الفرنسية التي بدأت بالتغيير وبتكسير القوالب الجامدة وبخرق القواعد الأرسطية متجسّدةً في عدة تيارات فنية وفكرية ما زال تأثير روّادها من المسرحيين الفرنسيين حاضراً على مسرح اليوم في جميع أنحاء العالم، من بينهم صموئيل بيكيت، يوجين يونسكو، جان جينيه، جان بول سارتر، أنطونان آرتو وجان كوكتو الذي تلا في العام 1962 الرسالة الأولى لليوم العالمي للمسرح.

وكان من الملاحظ أن تلك التجارب التي ظهرت مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، قد تميّزت بالفكر العدمي، كالدادائية ومن بعدها السريالية التي أسسها الشاعر الفرنسي أندريه بريتون (1896 ـ 1966) كمذهب يستند على اللاوعي الإنساني أو على العقل الباطن. وهو ما جعل المسرحيات السريالية شبيهة بالأحلام التي يفقد فيها العقل الواعي سيطرته على الأحداث.

ولا نستطيع أن نذكر المسرح السريالي دون أن نذكر المسرحي الفرنسي ألفريد جاري (1873 ـ 1907) الذي فتح الباب أمام السريالية في مسرحيته الشهيرة "أوبو ملكاً" المكتوبة وفق المعايير الكلاسيكية المسرحية المعهودة، والحاملة في مضامينها ثورة ضد عبدة السلطة ومجانينها ومنهجاً فكرياً جديداً بين السطور. وبهذا قدّمت تهكّماً قوياً لراهن ذلك الزمن الراسخ تحت الأنظمة البرجوازية المتعفنة، معتمدةً على إبراز الأحلام والغرائز الإنسانية المكبوتة.

مواجهة أخرى للواقع نجدها في "مسرح القسوة" الذي أوجده الكاتب والمخرج الفرنسي أنطونان آرتو (1896 ـ 1948) ساعياً من خلاله إلى صدام مباشر وشديد مع الجمهور. وهنا لا نتحدث عن نصوص بقدر ما نتحدث عن عروض بصرية تلجأ إلى عناصر وأغراض وأفعال تُمارس على خشبة المسرح، وتسيطر عليها ثيمة العنف من أجل الوصول إلى ما أطلق عليه آرتو اسم "التطهير النفسي" عند المتلقي.

وآرتو الذي قضى أواخر حياته في المصحات العقلية، تأثّر بالسريالية بعد أن وجد الواقع المعيش بحاجة إلى تغيير في الأسلوب المسرحي. فلجأ إلى تطوير عناصر المسرح لتعبّر عن واقعٍ استثنائي خارجٍ عن المألوف، لا يعكس الحياة اليومية العادية لكنه مستوحى من معنى الحياة بحد ذاتها.

الجهد الثوري في الكتابة المسرحية الفرنسية بدأ عندما وجد الكاتب المسرحي نفسه أمام تحديات زعزعت أسس ومفاهيم القيم بالنسبة إليه

لماذا تمّ التخلّي عن الواقعية في المسرح؟

ثار المسرح الفرنسي على النمط الواقعي الكلاسيكي الذي سار عليه المسرح العالمي طيلة قرون. ولم يعد للوحدات الثلاث سطوتها على نتاجات المسرحيين الجدد. تغيّر مفهوم الشخصيات المسرحية وتبدّلت حواراتها بما يعكس التشظّي الكبير الذي بدأ إنسان القرن العشرين بتلمّسه في شتى نواحي الحياة وأصبحنا أمام تيار جديد يسمّى بـ "العبث" صاغه الناقد مارتن إسلين من مقالة كتبها الفرنسي ألبير كامو عام 1942 حول عبثية الموقف الإنساني.

جاء "العبث" نتيجة حتمية لما عاشه المجتمع الفرنسي والعالمي بعد خوض أفظع وأشنع المصائب التي تسبّبت بها الحرب العالمية الأولى ومن بعدها الحرب العالمية الثانية، حيث لم يعد هناك قدرة للتعبير بواقعية عن واقع مجنون يفتقر إلى أدنى معايير الإنسانية. وأصبح "الخرس" سيّد الموقف وأبلغ تعبير عن الخوف، الضياع، وغيرها من المشاعر السلبية التي جعلت الإنسان يتقوقع على نفسه وسط عزلة فردية منعته من التواصل السليم مع ذاته ومع الآخرين حوله.

ازدادت هذه العزلة مع الثورات الصناعية التي عملت على تعزيز الطبقات والفروقات الاجتماعية، فضلاً عن كونها حوّلت الجوهر الحقيقي للحياة الإنسانية إلى ماديات وبالتالي فقد الإنسان هويته وكينونته متحولاً إلى مجرد شيء لا يسيطر على مجرى الأمور. فبعد أن كان هو المحور الرئيسي للأحداث أصبح مفعولاً به لا أكثر ولا أقل.

ويؤكّد محمد عبد المنعم في كتابه "المسرح السياسي" أنه "حينما قامت الحرب العالمية الثانية، تركت آثارها المدمّرة في النفس البشرية، إذ تعتبر امتداداً للحرب العالمية الأولى فيما خلّفته بويلاتها من خراب وفوضى، فتراكمت الآثار السلبية للحربين العالميتين، وحدثت أزمة في الضمير العالمي تمثّلت في موجة من الغضب شملت الأنساق الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة. خاصةً وقد أنهت أمريكا الحرب بإطلاق القنبلة الذرية، فصارت الحياة الإنسانية كلها مهدّدة بخطر الإبادة الشامل، فضلاً عن استخدام السلاح النووي في عملية ابتزاز دولي متبادل بين الأطراف، فخيّم على العالم في ظل الحرب الباردة رعب نووي كامن، مما أصاب إنسان هذا القرن بالحيرة وتناقض الأفكار والعواطف، والتأرجح بين واقعه الجديد ومعطيات عالمه الداخلي، الأمر الذي شعر معه بالضياع وفقدان الثقة واليقين في كل شيء، فتمخّضت عن ذلك مذاهب فكرية وفلسفية عديدة، كانت لها انعكاسات واضحة في الأدب المسرحي كالوجودية مثلاً".. وأشهر روّادها الفرنسي جان بول سارتر (1905 ـ 1980) الذي وجّه نقده لأخلاقيات المجتمع مؤكّداً على الأدب الملتزم الموجّه نحو قضايا الحرية والتبعية وغيرها من المواضيع السياسية والفلسفية.

إذاً  وكما يرى عبد المنعم أنه وفي غمرة هذه الحيرة التي سيطرت على العالم بأسره، تصاعد شعور الإنسان في ذلك القرن بعبثية الكون والوجود، وعدم جدوى الحياة أو النشاط الإنساني، فالعدم يهدده ويتربّص له..

الشخوص المسرحية في مسرح "العبث" واقعية، بشرية من لحمٍ ودم لكنها تعيش وسط محيط غير معقول، يصعب تصديقه. تتصرف بعبثية وسريالية، لكل كلمة تنطق بها تأويلات فلسفية وجودية يمكن إسقاطها على ذلك الواقع المزدحم بعلاقات غير منطقية ولا يمكن حلّها. وغالباً نراها تعيش في دوامات لا منتهية،  وتواجه مواقف وأحداثاً غامضة ولا يمكن حلها، ومن الصعب التوصّل إلى تحليلات منطقية حولها، ما يعني أن العبث هو الثيمة والمنهج والأسلوب. فمن هو "غودو" في مسرحية "في انتظار غودو" للإيرلندي الفرنسي صموئيل بيكيت (1906 ـ 1989) ؟ هل هو شخص من لحمٍ ودم؟ أم مجرد رمزٍ له معنى وجودي أكبر من حرفية الكلمة؟ بالطبع نعم..

تمادت ثورة مسرحيي العبث على الواقع السائد بأفكاره التي لم يعودوا يؤمنون بها حتى طالت اللغة نفسها. فنصوص تيارات مسرح  العبث واللامعقول تعكس في عباراتها فقدان التواصل والتفاهم بين البشر، وتحيل إلى سخرية سوداء تحاكي التشاؤم الشديد في حقيقة الأمر. بالإضافة إلى أنها وصلت حد الفصام بدءاً منعناوين المسرحيات نفسها.. فلا وجود لمغنية صلعاء أبداً في مسرحية "المغنية الصلعاء" التي كتبها يوجين يونسكو  لتعبّر عن اغتراب وفصام الإنسان في الواقع.

التغييرات التي طالت الكتابة المسرحية، امتدت آثارها إلى خشبة المسرح حتى احتضنت كل العملية الإخراجية التي استحوذت مع ستينيات القرن الماضي على اهتمام أكبر تنحّت أمامه أهمية النص كأدب مقروء. لكن هذا لا يعني أن الأدب المسرحي اضمحلّ نهائياً وتراجع حتى مات المؤلف. فثمة نصوص كثيرة ما زالت تقرأ الواقع برؤية معاصرة، وتعكس في صفحاتها المفاهيم الحداثية الجديدة التي فرضتها العولمة وثورة الاتصالات والتكنولوجيا في فرنسا وكل العالم، وهي موجودة بقوة وبكثرة على الساحة الأدبية في فرنسا. لكن وتحديداً، فيما يخصّ القارئ العربي، فالمشكلة تكمن في ندرة الترجمة التي تحوّل النصوص الفرنسية الحديثة إلى اللغة العربية.

وقد التفتت الدكتورة ماري الياس الحاصلة على دكتوراة المسرح من فرنسا، إلى هذه الأزمة في كتابها "أنتولوجيا المسرح الفرنسي الحديث" الذي ترجمت في جزئيه مجموعة من النصوص المسرحية كتب معظمها في الثلث الأخير من القرن العشرين، مبينةً أن بعض ما تمّ ترجمته في الكتاب هو نماذج لما يمكن أن نسمّيه الكتابة الجديدة في القرن العشرين.

والياس الحاملة للسعفة الأكاديمية فرنسا عن مهماتها الثقافية، كانت قد أشارت في مقدمتها أنه من الصعب تأطير هذه النصوص في تيار، حيث أن الكتابة اليوم بشكل عام تحمل سمةً أساسية: هي التحرر من أية قواعد أو أعراف مهما كانت، ومنها قواعد العرض الأولي التي تفترض وجود الشخصيات المكتملة والحوار إلخ...

وأكّدت أن الكتابة المسرحية الفرنسية الغزيرة في هذه المرحلة لا تحمل صفات النسبية وعدم الاكتراث التي توسم بها كتابة ما بعد الحداثة. فهذه النصوص، وخلافاً للمرحلة السابقة لها، ويقصد هنا مرحلة مسرح العبث أو حتى مسرحيات بيكيت المتأخرة، لا تنفي وجود المعنى خاصة على مستوى التفصيل ولا تتجاهل متلقيها، على العكس تماماً إنها تطرح إشكالية التلقي على كافة المستويات. وهي من ناحية أخرى لا تدّعي أنها تملك منظوراً متكاملاً للعالم. بمعنى أن النص لا يختزل العالم أو المجتمع ولا يطمح لذلك.

إذاً فإن نصوص المسرح الفرنسي في نهايات القرن العشرين غير محكومة بمدرسة فنية كما حصل مع التجارب الطليعية في بداياته وفي منتصفه. إنها موجودة كنتيجة لرؤى شخصية، تعرض قصصاً وحكايات من الواقع المعيش فعلاً، وتتمحور حول مفهوم "الأنا" دون الإنقاص من أهمية إلقاء نظرة تفحصية لكامل المحيط من حولها، خاصةً وأن هذه "الأنا" تعيش ضياعاً كبيراً في عزلتها الفردانية المتناقضة مع مجتمع مزدحم.

وبدورها تحدّثت الكاتبة والباحثة ماري كلود هبرت في كتابها "المسرح" عن أن الحد الفاصل بين المسرح والرواية يكاد يختفي حالياً في الكتابة المسرحية الفرنسية. فالكتابة الدرامية المعاصرة تقترب من السرد الخالص، حيث يميل الحوار في بعض الأحيان إلى التلاشي. ونجد أنفسنا أمام مونولوجات كثيرة ما زالت تقترب من العبثية.

إلى أين؟

يستحضر المسرح الفرنسي في الوقت الراهن موضوعات وأفكار مختلفة من كل زمان ومكان. لكنّ كتابه غالباً يفضّلون التعبير من خلاله عن الأزمات النفسية للفرد التي تعكس أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية تخصّ العالم كله.

وعلى الرغم من عدم قدرتنا للتنبؤ بمصير النصّ المسرحي، من ناحية الشكل والمضمون، نستطيع التأكيد على استمراريته بوصف أدباً حياً وفناً لا يتلاشى أبداً..

قالت الممثلة الفرنسية إيزابيل هيوبرت في كلمة يوم المسرح العالمي للعام 2017: "المسرح لديه حياة مزدهرة يتحدى بها الوقت والفضاء، أغلب المنمنمات المسرحية المعاصرة يتم تغذيتها من خلال إنجازات القرون الماضية، جل الكلاسيكيات السابقة في المسرح تصبح حديثة وتبث فيها الحياة من جديد بمجرد إعادة عرضها مرة أخرى، المسرح يبعث من جديد من خلال رماده، يظل المسرح مُحيا من خلال إعادة تدوير أشكاله القديمة وتشكيلها من جديد".
--------------------------------------------
المصدر : INDEPENDENT عربية 

الأربعاء، 30 سبتمبر 2020

اضواء على تجربة المسرح العمالي العراقي / جوزيف الفارس

مجلة الفنون المسرحية


 اضواء على تجربة المسرح العمالي العراقي / جوزيف الفارس 

ان ما يحز في القلب , تهميش الحقائق وغمر ماخلفته التجارب المسرحية العمالية من حضورا اسعدت اجيالا وادخلت البهجة الى نفوس الجماهير العمالية التي سرها ان تشاهد مايطرح من خلال هذه العروض معاناتها ومشاكلها , هذه الطبقة الكادحة والتي استغلت من قبل الطبقات البرجوازية والراسمالية , وجدت متنفسا للترويح عما عانته من خلال قرون عاشت فيه الظلم وعدم الاعتراف بحقوقها وانجازاتها الانتاجية , وعن طريق المسرح العمالي .
ان ظهور المسرح العمالي في العراق , كان للحاجة الماسة لتوصيل المفاهيم الجديدة والمقاييس الانسانية والقوانين والانظمة التي سنت لصالح الطبقة العاملة , من حقوق العمال التقاعدية وسبل ايجاد الوسائل والتي من شانها المحافظة على السلامة الصناعية العامة , وتحسين سبل الانتاج نوعا وكما , ولهذا كان من الواجب على الاعلام العام والاعلام الخاص للطبقة العامله ان ياخذ مكانته في عملية التفاعل مع المستجدات الحديثة في التقنيات المتطوره لوسائل الانتاج وتحسينه , وترسيخ عالم جديد في حياة الطبقة العمالية , من حياة انفتاح اقتصادي والمتاثر من خلال المكتسبات والمنجزات والحقوق التي اصبح في مقدور الطبقة العاملة المطالبة بها , لانها كانت جزء من تطلعات هذه الطبقة الكادحة باتجاه الانفتاح الاقتصادي والعيش الكريم . 
ومن هنا باشرت وسائل الاعلام بتسليط الاضواء على مسيرة الحركة العمالية  ومن خلال وسائلها السمعية والبصرية , والتي لم تكن تخلو من الحركات الابداعية في عالم الانتاج والتصنيع , والتطور الذي طرأ على وسائل الانتاج وتحسينه , مما ساعد على حماس الاعلاميين والمنتمين الى هذه الطبقة ولاسيما الشريحة من الاعلاميين واللذين كانوا يملكون افكارا تقدمية ووطنية هدفها وغايتها خدمة طبقتنا العاملة والمحافظة على حقوقها ومكتسباتها . 
فظهرت بعض الانشطة الفنية في الاحتفالات الجماهيرية لننقابات , وفي حدائق البعض منها , والاندية التي كانت تنتمي اليها , كنقابة الميكانيك , ونقابة الخدمات الصحية , ونقابة الخجمات الاجتماعية , اضافة الى هذا ظهرت بعض الابداعات الفنية العمالية في المسيرات الكرنفالية وابداعات تصاميمهم للديكورات الجميلة و وتماثيل لحركات العمال الانتاجية والمحمولة على مركبات طويلة , وكل منها تمثل حرفية نقابتها , اضافة الى المشاهد التمثيلية والتي كانت تعرض من على المركبات الطويلة , واصوات قرعات الطبول والايقاعات الراقصة ونفخات الابواق والمصاحبة مع حركات كاريكاتيرية يؤديها بعض العمال المبدعين والموهوبين , ومشاهد ساخرة تثير الضحك وتبعث الفرحة والبهجة والانشراح للجماهير المحتشدة على طرفي شوارع بغداد , لتحيي هذه المواكب الاحتفالية الجميلة هاتفة باسم الطبقة العمالية والتي  كانت تنقل من على شاشات التلفزيون ليطلع عليها شعبنا في مقاهيهم ومنازلهم , الا وهي احتفالات طبقتنا العاملة في ذكرى الواحد من ايار المجيد  .
هذه البداية بالحقيقة هي ليست بداية حركة مسرحية عمالية , وانما هي ظاهرة بشرت بانبعاث وولادة ابداعات فنيه و باساليب زادت من تالقهم ونجاحاتهم . 
اخذت هذه الفكرة تختمر بشكل انضج في تفكير المعنيين من الفنانين العمال , وكيفية معالجة تجسيدها بتجربة ينتج عنها فنا مسرحيا وتجربة رائدة في مسيرة مسرح ليس لديه الامكانيات كما عند المسارح التي سبقته بالخبرة والتجربة , انما كانت هذه الامنية ستاخذ مسارها في التطبيق وعن طريق فنانين عمال الو على انفسهم نكران ذاتهم وخدمة طبقتهم من خلال هذا المسرح الفتي , وهم امام معضلات اجتماعية ومادية ونوعية , ولا سيما ان هذا المجتمع يحمل فكرة غير حسنة عن الفنان العراقي , والممثل بالذات الذي كانوا يطلقون عليه اسم ( شعار , او دنبكجي ) او قد يجد العامل  الصعوبة من الوقوف على خشبة المسرح , وهو ينتمي الى طبقة عمالية فقيرة التجربة والاطلاع الجدي على تجارب الفنون المسرحية , اضافة الى هذا كانت هناك معوقات تعترض للبدء بتجربة المسرح العمالي , عندما تكتشف بان القسم الاكبر من الطبقة العاملة لا تجيد القراءة والكتابة بالشكل الصحيح , ولا يجيدون ايضا تمثيل حضورهم في المحافل الفنية والثقافية , وفي اوساط تستوجب حضوره , الا وعلامات الهزل والغير الجدية تطغي على ملامح ومسحة وجهه . 
انها امانة صعبة الانجاز وبداية لا تشجع لخوض تجربتها , باستثناء اللذين يؤمنون بان المسيرة الفنية وتجربتها صعبة التحقيق والانجاز مالم تكن لديهم طموحات نحو تحقيق المستحيل والايمان بان هذه التجربة لبداية هذا المسرح هي امانة ملقاة على عاتقهم من اجل ترسيخ تجربتها بشكل صحيح وناضج . 
وهكذا كانت البداية من خلال معهد بغداد التجريبي , عندما حاول الاستاذ الرائد المرحوم جلال ابراهيم وبمعية الاستاذ الفنان الرائد جاسم العبودي بالتعاون على انشاء معهد فني تجريبي للفنون المسرحية باسم ( معهد بغداد التجريبي للفنون المسرحية ) ومقره مسرح بغداد في البتاوين وصاحبه انذاك العسكري المتقاعد الاستاذ طارق الغزالي , فقد جمع الاستاذ المرحوم ابراهيم جلال جميع طلبته المتميزين من خريجي معهد الفنون الجميلة واكاديمية الفنون الجميلة في هذا المعهد , والذي قدم عملين مسرحيين الاول لمسرح الاطفال في مسرحية علاء الدين والمصباح السحري من اخراج الاستاذ جاسم العبودي وكانت من بطولة الفنانه مريم الفارس عضوة الفرقة القومية للتمثيل وكذالك الفنانة امل خضير , وقد شاركت انا في هذا العمل المسرحي بتجسيد شخصية السلطان والد بدر البدور ( مريم الفارس ) والجدير بالذكر لا يسعني الا ان اذكر للتاريخ المسرحي بان الفنانه شذى سالم كانت احدى جمهور هذه المسرحية وهي مازالت طفلة جاءت بمعية والدها الفنان طه سالم لحضور مشاهدة عرض هذه المسرحية , حيث لاقت نجاحا واقبالا قل نظيره في تاريخ  عروض مسرح الطفل , وقد قدم د. عوني كرومي مسرحية ( المسيح يصلب من جديد ) للمؤلف نيكوس كازادنزاكي , وبطولة الفنانه مريم الفارس والمرحوم عبد الجبار كاظم والفنان عزيزخيون وذالك في سنة 1969 م , انها بالحق والحقيقة ارست اسلوب جديد لمسرح متطور , منحت للدكتور عوني كرومي جواز سفر الى المانيا للالتحاق بزمالة دراسية ونيل شهادة الدكتوراه .
من هذا المعهد انطلقت فكرة تاسيس المسرح العمالي , فقد اجريت ريبورتاجا صحفيا مع الاستاذ المرحوم ابراهيم جلال لمجلة وعي العمال  , اكد لي من خلاله اهمية تشكيل وتاسيس مسرح للعمال , بعد استدراجه بالحديث عن هذا المسرح والذي لم يكن له وجودا في العراق , وكذالك كان اللقاء الصحفي الثاني مع الاستاذ المرحوم جاسم العبودي ,والذي اكد لي ومن خلال اجوبته على ضرورة ان يكون للعمال مسرحا يساهم في توعية وتنشيط انشطة العمال , وابراز مواهبهم وطاقاتهم , وبعد ان صدر العددين لمجلة وعي العمال ومواقف الاساتذة ذات الدعم المعنوي لتاسيس حركة مسرحية عمالية , هرعت مباشرة الى نقابة البريد والبرق والمطابع للتعاون معهم لتاسيس فرقة مسرحية عمالية للنقابة , وهكذا ومن هنا بدات حركة المسرح العمالي تجربته الرائدة , وباول عمل مسرحي من تاليف الكاتب العراقي المرحوم ادمون صبري واخراجي من على المسرح القومي في كرادة مريم بمسرحية ( ايام العطالة ) تمثيل مريم الفارس , سناء سليم , صبحي العزاوي , عماد بدن , واخرون من عمال البريد والبرق والمطابع .
هذه المقدمة اعزائي القراء ساقتني من اجل تهيئة اجواء ذكر الحقائق عن بداية تاسيس الحركة المسرحية العمالية , حيث الكثير من المعنيين بشؤون المسرح العراقي , من نقاد وصحفيين , ومن المعنيين بشؤون المسرح ومؤرخي هذه التجربة الرائدة للمسرح العمالي , اخذوا يمزجون مابين مرحلتين وتجربتين لهذا المسرح , كل منها لها خصوصيتها ,  فالمرحلة الاولى هي التي كانت الاساس لبناء مسيرة وتجربة رائدة لحركة هذا المسرح وتطوره وديمومته , هذه المرحلة التي تمخضت عن اعمال مسرحية خاض تجربتها عمال فنانون كانوا مؤمنين بالخشبة المقدسة , مضحين بالغالي من اجل ترسيخ دعائم هذا الصرح الجديد لرافد من ارفدة المسرح العراقي والذي اثبتت تجربته وضمن مسيرته الناجحه  انها تجربة جاءت عن معانات عمال فنانون امنوا بان القاعدة العريضة من العمال الاشاوس لا تتبلور افكارهم وعقيدتهم  مالم تنطلق من شريحة مؤمنة بعدالة قضيتهم , تمثلهم وتمثل معاناتهم بصدق وحقيقة ليس فيها تزليف وتزويق , فكانت بداية مرحلة التاسيس لهذا المسرح من نقابة البريد والبرق والمطابع في مسرحية ايام العطالة للكاتب العراقي المرحوم ادمون صبري , هذه الانطلاقة العملاقة التي بنى على ثراها غازي مجدي تجربته المرحلية , مع التعتيم الاعلامي  على مرحلة مهمة قبل مرحلته من حياة وتجربة المسرح العمالي , حيث بدات الاوساط الاعلامية والابواق المأجورة والتي كانت تتحرك انذاك باصابع من يحركهم لصالحه , ان تسلط الاضواء على تجربة غازي مجدي المسرحية  مدعية على انها البداية الاولى للمسرح العمالي , ومن دون ذكر التجربة الاساسية والرائدة  والتي من خلالها كانت الانطلاقة الحقيقية لهذا المسرح , وهذا اجحاف بحق الرواد واللذين حاولوا جهدهم ترسيخ هذه التجربة منذ بدايتها , لتكوين لبنة وجذور اصيلة لهذا المسرح , والذي لم يكن لها حساب في جدولة وبرمجة الامانة العامة للثقافة والاعلام في الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق ومن خلال امينها العام السيد غازي مجدي , الا بعد ظهور البذرة المثمرة لهذه التجربة العريقة للمسرح العمالي منطلقة من نقابة البريد والبرق والمطابع والاعلام , وبالذات من خلال مسرحية ايام العطالة للكاتب الروائي العراقي المرحوم ادمون صبري واخراج جوزيف الفارس والتي لاقت نجاحا قل نظيره في حياة المسرح العراقي وبشهادة النقاد والمعنيين بالثقافة المسرحية , وقد شارك بتجسيد ادوارها كل من الفنانة المسرحية مريم الفارس , سناء سليم , صبحي العزاوي , وعماد بدن , وجاسم محمد رشيد , وعبد الرزاق الشريفي وعمال اخرون من منتسبي نقابة البريد والبرق والمطابع والاعلام , وقد قام الفنان الموسيقار جعفر حسن بتاليف الموسيقى التصويرية  وعن طريق الفرقة الموسيقية والتابعة لفرقة الفنون الشعبية في بغداد حينما عرضت من على المسرح القومي في كرادة مريم في بغداد , حيث شرفني بمشاهدة عرض هذه المسرحية عميد المسرح العراقي الفنان المرحوم حقي الشبلي مشيدا بدوره لهذه التجربة الرائدة من حياة المسرح العمالي في العراق , واثنى على الجهود المبذولة لترسيخ هذه التجربة الناجحة ودعمها معنويا من اجل مواصلة مسيرتها وتطويرها الى مستوى الطموح المنشود , وقد سجلت لتلفزيون بغداد من قبل المخرج التلفزيوني الفنان كارلو هارتيون  , وهنا لا يسعني ان اذكر حقيقة لا تنسى كان لها الفضل في ازاحة تبعية حمل ثقيل انزاح من امام العروض المسرحية ودور السينما حينما قامت امانة بغداد بفرض ضريبة على بيع التذاكر لهذا العرض المسرحي والذي كان ثمنه قيمة رمزية وقدره 50 فلسا انذاك , وباحتجاج نقابة البريد والبرق والمطابع والاعلام على هذه الضريبة بتقديمها شكوة لدي رئيس الجمهورية انذاك المرحوم احمد حسن البكر , والذي اكرمنا برفع هذه الضريبة عن جميع العروض المسرحية , وعن دور صالات العروض السينمائية .
بعد هذه التجربة الناجحة , بدات اطالب بتفرغ العمال الفنانين  من مصانعهم وشركاتهم ومقرات اعمالهم , وقد استجابة النقابة العامة لطلبي  وحققت لي هذا الطلب , ومن خلال دعم رئيسها السيد علاء المولى واعضاء مكتب النقابة العامة , واصبح العرض المسرحي مثار جدل ونقاش بين الاوساط الفنية والنقابات العامة في بغداد , بعد ان تناولته اقلام النقاد المسرحيين واثنت على ولادة هذا المسرح العمالي  مستبشرين خيرا باول عرض مسرحي للطبقة العاملة في العراق .
في ايام عرض مسرحية ايام العطالة , جائني احد المعجبين بهذا العرض ليهنئني , كان حليق الراس , ضعيف البنية , مقدما نفسه على انه احد الكتاب المسرحيين من محافظة البصره , ومتفرغا حاليا بانتدابه من العسكرية الى الفرقة القومية للتمثيل , انه الكاتب التلفزيوني والمسرحي صباح الزيدي و والذي اصبح فيما بعد  صباح عطوان , مقدما لي نصا مسرحيا لتقديمه من خلال فرقتنا العمالية , وهكذا كان بعد اجراء التعديلات على النص وابداء بعض الملاحظات , عرض من على المسرح القومي للتمثيل من تقديم نقابة البريد والبرق والمطابع والاعلام , واخراج خالد خضوري , والذي اخفق في اخراجه لضعف امكانيات المخرج وتجربته الاخراجية  .
بعد هذه التجربتين من عروض المسرح العمالي , ظهرت للوجود فرقة عمالية جديدة لنقابة النفط , وقدمت عرضها المسرحي ( القاعدة والاستثناء ) ل برشت , حيث عرضت من على قاعة المعهد الثقافي النفطي في الحارثية , وكذالك استبشرنا خيرا بظهور فرقة ثالثة للمسرح العمالي, تابعة لنقابة الزراعيين , وقد عرضت مسرحيتها العمالية ( السدره ) من تاليف حمزه الزبيدي واخراج راجي عبدالله , ومن على مسرح بغداد في البتاوين , وقد كانت المسرحية الثالثة في مسيرة حركة المسرح العمالي , بدأنا في التمارين على مسرحية مكرود للكاتب العزيز اياد البلداوي الا انها لم يكتب لها الظهور , لتجميد جميع العروض المسرحية العمالية بقرار من الاتحاد العام لنقابات العمال في بغداد وبتوجيه من قبل السيد غازي مجدي , والذي استفاق من سباته على تجربة عمالية رائدة , و جمهور مسرحي , وطاقات ابداعية ومواهب فنية عمالية جاهزة , فقرر الاتحاد العام بتجميد جميع الفرق المسرحية العمالية وتعليق اعمالها المسرحية , ووزع قراره بكتاب معنون الى جميع النقابات واصدار تعليمات بالتحاق جميع الفرق المسرحية العمالية وارتباطها بسكرتارية الثقافة والاعلام بالاتحاد وباشراف امينه العام غازي مجدي , وهكذا كان مااراد , بتجميد هذه المسيرة الطليعية للمسرح العمالي , بعد ان صدر قرارا يقضي بدمج جميع الفرق المسرحية العمالية بفرقة مسرحية مركزية وباشراف غازي مجدي  . 
ان ستراتيجية غازي مجدي وخطة عمله لقيادة هذه الحركة المسرحية العمالية كانت تقضي باقصاء جميع الكوادر الاكاديمية من المخرجين والممثلين ذوي شهادات اختصاص من معهد الفنون الجميلة , والذين كانوا معظمهم من منتسبس الفرقة المسرحية العمالية لنقابة البريد , فقد كان اجتماعنا الاول في مقر الاتحاد العام والكائن في شارع ابي نواس , وبهذا الاجتماع قطع علاقتي بهذا المسرح , لانني لم احمل صفة عمالية , كونني مستخدم كنت ولست عاملا , وثانيا كنت احد اعضاء فرقة 14 تموز للتمثيل وكان معي ايضا الفنان عبد الرزاق الشريفي , وهكذا قطع علاقتنا بوليدنا المسرح العمالي بحجة لا يمكننا الجمع مابين فرقتين مسرحيتين للتمثيل , ومن دون ترك لنا حرية الاختيار , الا ان ضغط نقابة البريد والبرق على غازي مجدي باعادتي الى الفرقة المركزية مستجيبا لطلبهم واعادني محاضرا للفرقة المركزية في موقعها الجديد مقر فرقة نقابة الميكانيك , قرب دائرة الامن العامه في القصر الابيض  .
في هذه الفترة بالذات استعان غازي مجدي بخبرة الاستاذ المرحوم ابراهيم جلال وعرض عليه اخراج مسرحية( المستر اكس ) الا انها لم تظهر للوجود لعدم مواصلة الاستاذ ابراهيم مع المسرح العمالي , وانا اعتقد واجزم كل الجزم  بان فنان مثل الاستاذ ابراهيم جلال لا يجامل غازي مجدي وعلى حساب شخصيته الفذة , لان الاستاذ ابراهيم جلال فنان بمعنى الكلمة لا يتعامل مع الاخرين و يتعايش معهم على حساب فنه , والشيىء الاخر ,  لم يروق له غازي مجدي بقراراته الانفرادية والمبنية على ضعف الخبرة والتجربة والثقافة المسرحية , فبعد تسجيل البرنامج التلفزيوني والذي كان يعده الاتحاد العام لنقابات العمال , والذي كنت في وقتها اشرف على زاوية تمثيلية فيه بعنوان ( استفسار افندي ) وبعد مجيئي الى بيت المسرح العمالي , ولم اكد ان اجلس لاخذ مكاني في القاعة وامام الاستاذ ابراهيم جلال  اشار عليا غازي مجدي بترك المسرح العمالي ومعي مال الله فرج , والذي لحقني بنفس المصير من بعدي الكاتب حمزة الزبيدي والفنان التلفزيوني محمد رضا , وبقي غازي مجدي  منفردا مع هذه الفرقة المركزية والتي دعمنا اعضائها بمحاضراتنا الثقافية عن المسرح , واصبحت لديهم خبرة ثقافية وتجربة اغرت غازي مجدي بالانفراد بهم , وقيادة الفرقة المركزية بنفسه , بعد ان ترك الاستاذ ابراهيم جلال الفرقة المركزية متعللا بوسائله الادبية , عندها استعان غازي مجدي بالاستاذ محسن العزاوي , لتبدا مرحلة وتجربة غازي مجدي مع المسرح العمالي والتي لم تضيف هذه المرحلة من حياة المسرح العمالي  شيئا الى هذه المسيرة الطليعية الا المحاكات والمنافسة مع الفرقة القومية للتمثيل في انتاجاته المسرحية , والتي ادت الى  فشل هذه المرحلة العصيبة من تاريخ المسرح العمالي , لم تدوم طويلا , وهذا ماكان متوقعا لهذه المرحلة   والتي انهت علاقة غازي مجدي به بقرار فوقي , جمدت انشطة غازي مجدي وابعدته عن مسيرة المسرح العمالي .
بعد قطع علاقة غازي مجدي بالمسرح العمالي , اسندت مسؤولية الاشراف العام الى اللاستاذ المرحوم وجيه عبد الغني , وصدر قرارا جديدا من الاتحاد العام لنقابات العمال باعادة تشكيل الفرق المسرحية و وتكون مرتبطة ارتباطا مركزيا بمكاتب نقاباتها , والاشراف الفني بالبيت الثقافي العمالي , وهكذا بدأ تكليفي مجددا باعادة تشكيل الفرقة المسرحية لنقابة البريد والبرق والمطابع , وبدات بالتمارين على مسرحية من تاليفي كانت بعنوان ( خان جغان ) وانتقلنا مجددا الى البيت الثقافي العمالي , كمركز تجمع لكل الفرق المسرحية العمالية , وقد كلفني في وقتها الاستاذ وجيه عبد الغني , باقامة محاضرات فنية مسرحية لجميع الفرق المسرحية اضافة الى انشغالهم بالتمارين المسرحية والتي كانوا يعدونها لتقديمها انتاجات عمالية و شارك من خلالها اساتذة المعهد للفنون الجميلة , منهم عبد الله جواد , وبهنام ميخائيل والذي اقتصر تعاونه على محاضارت قدمها للفنانين العمال , شاركه في ذالك الاستاذ المرحوم جعفر السعدي , والاستاذ سامي عبد الحميد  .
بعد عودتي الى البيت الثقافي العمالي كان قد تم تقديم عرض مسرحية جوهر القضية لناظم حكمت ومن تعريق صباح عطوان واخراج وجيه عبد الغني و تقديم الفرقة المسرحية لنقابة البناء والمشاريع الانشائية وعلى قاعة التربية في بغداد و كذالك مسرحية الطوب , من تاليف المرحوم علي حسن البياتي واخراج باسل علي عمران من على قاعة المسرح القومي , ومسرحية شجرة العائلة من تاليف المرحوم عبد الباري العبودي واخراج حميد السوداني , ومسرحية الحكاية تبدأ من هنا تاليف فاضل صبار واخراج جوزيف الفارس ومسرحية اللعبة تاليف واخراج جوزيف الفارس , جميع هذه الاعمال كانت من انتاج فرقة نقابة البناء والمشاريع الانشائية , اما نقابة الميكانيك فكانت تجري تمارينها على مسرحية رصيف الغضب من تاليف صباح عطوان واخراج وجيه عبد الغني , كانت هذه المرحلة الذهبية من مسيرة المسرح العمالي والتي شهدت انتاجات عمالية مسرحية نافست من خلالها انتاجات الفرقة القومية للتمثيل , ويعود هذا الفضل الى سياسة الاستاذ وجيه عبد الغني في ادارة الفرق المسرحية العمالية والاشراف عليها , والتعاون مع جميع الفنانين والذين ابدوا استعدادهم للتعاون مع هذه المسيرة الناجحة من حياة المسرح العمالي , ففي هذه المرحلة بالذات قدم البيت الثقافي العمالي انتاجات مسرحية لعدة فرق مسرحية عمالية لعدة نقابات منها : 
اولا ---- مسرحية رصيف الغضب , تاليف صباح عطوان , واخراج وجيه عبد الغني وتقديم نقابة عمال                 الميكانيك و وقد عرضت من على المسرح القومي في كرادة مريم .
ثانيا ---- مسرحية الدغش تاليف حمزة الزبيدي واخراج قاسم صبحي , وتقديم نقابة عمال الخدمات .
ثالثا ---- مسرحية الاهثون تاليف صباح عطوان واخراج عبد الله جواد , وتقديم عمال نقابة الكهرباء .
رابعا ----مسرحية خان جغان  تاليف واخراج جوزيف الفارس و وتقديم عمال نقابة البريد والبرق والمطابع ,           وقد عرضت من على المسرح القومي في كرادة مريم .
خامسا ---- مسرحية جوكر طايف , تاليف عبد المنعم الجابر واخراج وجيه عبد الغني , وقد عرضت من على               المسرح القومي  .
بعد هذا الكم من العروض المسرحية العمالية و وبتوجيه من سكرتارية الامانة العامة للثقافة والاعلام والمتمثل بامينها العام موفق عسكر , جائت تعليمات جديدة تقضي بتوحيد الفرق العمالية بفرقة مركزية مشرفها العام الاستاذ وجيه عبد الغني , يساعده بادارة البيت الثقافي المرحوم الفنان مطشر السوداني وانا مسؤولا عن المحاضرات الثقافية العملية والنظرية للفنون المسرحية , وباشرنا التمارين المسرحية على العمل الجديد من تاليف مال لله فرج واخراج وجيه عبد الغني , ولخلافات مابين الاستاذ وجيه عبد الغني وسكرتارية الثقافة والاعلام , اضطر الاستاذ وجيه عبد الغني لتقديم استقالته من مسؤولية الاشراف على البيت الثقافي العمالي , وترك العمل فيه والتي لم تثنيه على العدول من هذا القرار توسطاتنا , , وهكذا ترك الاستاذ وجيه عبد الغني البيت الثقافي العمالي , لاتولى من بعده مسؤولية الاشراف الفني عليه .
استلمت مسؤولية الاخراج المسرحي لمسرحية الغريب وقد كانت العروض المسرحية لهذه المرحلة من مراحل مسيرة المسرح العمالي كالاتي : 
اولا ----مسرحية الغريب , سنة 1977 من تاليف مال الله فرج واخراج جوزيف الفارس , وقد عرضت من            على المسرح الجوال .
ثانيا ---- مسرحية محاورات عمالية , سنة 1978من تاليف واخراج جوزيف الفارس , وقد عرضت من على            مسرح قاعة المعهد النفطي في الحارثية .
ثالثا ---- مسرحية درس اضافي , سنة 1979 من تاليف واخراج طالب الربيعي .
رابعا ----- مسرحية لا تنظر من ثقب الباب سنة 1979 من تاليف فرحان بلبل واخراج د. عوني كرومي .
خامسا ----- مسرحية رصيف الغضب سنة 1979 بعد اعادة صياغتها  وجعلها في ثلاثة فصول بدلا من                      الفصل الواحد , وتنفيذا لبرنامج العمل المشترك بين الاتحاد العام لنقابات العمال في القطر                       العراقي ,  والاتحاد العام لنقابات العمال في القطر العربي السوري اشتركت في المهرجان                       المسرح العمالي السوري وحازت على الجائزة الاولى في الاخراج  .
والجدير بالذكر اننا اول من اقام المهرجان للمسرح العمالي , والذي شاركت من خلاله جميع المحافظات في القطر العراقي , اضافة الى استضافتنا الى فرقة المسرح العمالي السوري , حيث اعطينا اهمية خاصة لمسالة الارتقاء بالواقع الفني الابداعي للطبقة العاملة عبر الاشكال الفنية التي تستقطب اهتمامات العمال وفي مقدمة ذالك العمل المسرحي  , ورغم ان الفترة هذه شهدت اعمالا مسرحية عمالية مختلفة من بعض مسرحيات لعمال نقابات المحافظات في القطر العراقي ,  يحمل بعضها بذور النماء والتطور والتفاعل مع طبيعة المرحلة , ويبلور الدور الطليعي والرائد لطبقتنا العامله , بينما كان البعض الاخر يشكو الخبرة الفنية في بعض جوانبه  الا اننا لم نالوا جهدا كمهتمين بالحركة المسرحية العمالية , في تقديم الدعم اللازم لكل الفرق المسرحية , من محاضرات فنية واقامة دورات تثقيفية في مجال الثقافة المسرحية , وتقديم الدعم اللازم لكل الاعمال المسرحية دون استثناء , من منطلق ايماننا الكبير بالدور التربوي والتثقيفي الذي ينهض به المسرح , وبالرسالة النضالية التي يمثلها المسرح السياسي الملتزم و في التعبير عن الذات والقضايا النضالية الانسانية , وعكس موقف الطبقة العاملة ناصعا دقيقا واضحا ازاءها . 
وبهذا شهدت مرحلة مسؤوليتي مشرفا عاما على المسارح العمالية في القطر تجربة فنية رائدة و تلك هي اقامة المهرجان المسرحي العمالي الاول , والذي شارك من خلاله جميع الفرق المسرحية لنقابات العمال في المحافظات , وكالاتي : 
فرقة اتحاد نقابات عمال بابل ------ يوم السبت  5\ 5 \1979 في مسرحية الجمجمه ---تاليف واخراج اسعد مبالرك .
فرقة اتحاد نقابات عمال ديالى ----يوم الاحد 6\5\1979 في مسرحية هدية مناضل ----تاليف واخراج احمد خليل .
فرقة اتحاد نقابات عمال النجف -----يوم الاثنين 7\5\1979 في مسرحية نقطة تحول ----اعداد واخراج سلام الخاقاني . 
فرقة اتحاد نقابات عمال كربلاء -----يوم الثلاثاء 8\5\1979 في مسرحية عرس في السماء ----تاليف واخراج عادل ثابت .
فرقة اتحاد نقابات عمال التاميم ----- يوم الاربعاء 9\5\1979 في مسرحسة النهوض تاليف واخراج علي عبد .
فرقة اتحاد نقابات عمال القادسية ----- يوم الخميس 10\5\1979 في مسرحية اغنية الشهيد تاليف واخراج حمزه عزيز .
فرقة اتحاد عمال نقابات المثنى -----يوم الجمعه 11\5\1979 في مسرحية اهتمامات عربيه تاليف واخراج ماجد فاضل .
فرقة اتحاد نقابات عمال الانبار ----يوم السبت 12\5\1979 في مسرحية الرفض تاليف واخراج خالد محمد خليل .
فرقة اتحاد نقابات عمال اربيل ----- يوم الاحد 13\5\1979 في مسرحية كفاح الشعب الفلسطيني تاليف واخراج احمد جميل .
فرقة اتحاد نقابات عمال نينوى ---- يوم الاثنين 14\5\1979 في مسرحية لممثلون يتراشقون الحجاره تاليف فرحان بلبل واخراج عزالدين ذنون  .
فرقة اتحاد نقابات عمال البصرى ----- يوم الثلاثاء 15\5\1979 في مسرحية لوحة شرف تاليف محمد القطراني اخراج كامل الازرقي .
فرقة الاتحاد العام لنقابات العمال ---بغداد--- يوم الاربعاء 16\5\1979 في مسرحية لا تنظر من ثقب الباب تاليف فرحان بلبل واخراج د . عوني كرومي .
فرقة المسرح العمالي السوري --- يوم الخميس 17\5\1979 وحتى 22\5\1979 في مسرحية المفتش


                                     الانتاجات التي قدمها البيت الثقافي العمالي 
                                                      من
                                       1975-------1979
مسرحية رصيف الغضب  سنة 1975 . تاليف صباح عطوان ---اخراج وجيه عبد الغني  .
مسرحية الدغش سنة 1976 تاليف حمزه الزبيدي ---اخراج قاسم صبحي  .
مسرحية خان جغان سنة 1976 تاليف واخراج جوزيف الفارس .
مسرحية اللاهثون سنة 1976 تاليف صباح عطوان ---اخراج عبدالله جواد .
مسرحية جوكر طايف سنة 1976 تاليف عبدالمنعم جابر ---اخراج وجيه عبد الغني  .
مسرحية الغريب سنة 1977 تاليف مال الله فرج ----اخراج جوزيف الفارس .
مسرحية محاورات عمالية سنة 1978 تاليف واخراج جوزيف الفارس .
مسرحية درس اضافي سنة 1979 تاليف واخراج طالب الربيعي .
مسرحية رصيف غضب سنة 1979 اعداد جديد ب ثلاث فصول , حيث قدمت من على مسرح عمال سوريا وحازت على الجائزة الاولى في الاخراج , تاليف صباح عطوان ---اخراج جوزيف الفارس .
مسرحية لا تنظر من ثقب الباب سنة 1979 تاليف فرحان بلبل ---اخراد د. عوني كرومي .

                              المسرح العمالي ابان الحرب العراقية الايرانية 
                                           1981 ------1984 

كانت مراحل مسيرة المسرح العمالي تمضي بصعوبة وهي تشق طريقا وعرا مليئا بالمعانات والمشاكل الادارية واتي كانت تعترضه وهو بسير باتجاه تحقيق طموحاته , من خلال اصرار اعضائه المؤمنين به , لقد الت هذه الشريحة من الفنانين العمال على انفسها خدمة الجماهير العمالية والمتطلعة الى اشراقة صفحة هذا المسرح المقدس والمنبثق من خلال واقعهم المرير و بانه المراة التي تعكس وعبر مسيرته واقعهم المرير وصراعهم مع الحياة القاسية من اجل العيش الكريم والحياة السعيدة و في عالم يسوده قانون الغاب , والتصريحات الكاذبة عبر وسائل الاعلام المنحاز الى جانبهم , خاصة بعد بروز طبقة متشددة ومتطرفة بافكار شعارية ومن دون تنفيذ , هذه الطبقة متعالية على شريحتها من الطبقة العاملة والتي انتهزت فرص الصعود وعلى اكتاف اخوانها من العمال , انتهزت هذه الفرص لسد عقدة النقص والذي كانوا يشعرون به ليتعالوا على اخوانهم ويتكلمون بلغة الابراج العالية , ويقفون سدا منيعا لتنفيذ مطاليبهم العادلة , وتحقيق ماكانوا قد وعدوا به قبل هذا التدرج الوظيفي , من خلال مصالح خاصة لعبت دورا في اسباب هذا التغيير والذي كاد ان يقضي على مسيرة هذا الوليد والذي ترك اثرا حميدا في نفوس الجماهير المستبشرة بولادة هذا المسرح , الا اننا كنا لهم بالتصدي ندافع عن مسرحنا , من خلال النقاشات والاجتماعات والتي كانت لا تخلو من التهديد والوعيد من اجل الاقفال على تاريخ هذا المسرح , وغلق جميع منافذه التي من خلالها كانت الجماهير العمالية تتنفس من خلال عروضه المسرحية , انما وقوف بعض الخيرين من المسؤولين الى جانبنا , من اللذين كانوا على علم م لثقل المسرح من وسيلة اعلامية وثقافية وتوعية جماهيرية , تساهم في نشر معالم التطور الاجتماعي , وعكس معاناة عمالنا الاشاوس ماكان مخفي على بعض المسؤولين انذاك , وابرازها الى حيز الوجود , وايجاد البدائل للمعالجة الصحيحة من اجل تخفيف وطاة العيش في الحياة القاسية من الحياة اليومية لعوائل واطفال عمالنا الاشاوس , وكنا دائما نحن الفنانين من فناني المسرح العمالي لا نطرح في اعمالنا الا ما يخدم طبقتنا العاملة في معالجة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والابتعاد عن النفخ في الابواق الاعلامية والمنحازة الى اية جهة كانت , كان مسرحنا , مسرحا عماليا و يحمل بين جوانبه هموم ومعاناة عمالنا المعدمين الكادحين , من اجل لقمة العيش , ولهذا كان لمسرحنا المواصلة والديمومة في مسيرته الناجحة , وقد ساهم مساهمة فعالة مع المناسبات الوطنية بموازنة غير منحازة , مناسبات كانت متعلقة بحياة عمالنا الاجتماعية والاقتصادية والترفيهية , والى ان جاءت مرحلة الحرب العراقية الايرانية , فاصاب مسرحنا شيئا من الاحباط نتيجة انشغال معظم اعضائه بالواجبات والمهمات الحزبية و استدعاء المعظم الاكبر من اعضائه الى واجبات الجيش الشعبي , والالتحاق بالجيش العراقي بعد استدعاء مواليدهم للمشاركة في الحرب العراقية الايرانية والدفاع عن تربة الوطن , لهذه الاسباب بدات مسيرته بالتلكؤ والسير البطيىء باتجاه تقديم عروضه المسرحية و الى ان جاءنا قرار من الاتحاد العام لنقابات العمال في بغداد باقامة المهرجان الثقافي العمالي القطري الثاني للفترة من 2-7 \ايار \1981 وعلى حدائق الزوراء وعلى قاعة جمعية الاقتصاديين العراقيين الكائنة في المنصور , وكالاتي :
اليوم الاول ---اتحاد نقابات عمال محافظة البصره -----مسرحية السواعد---اعداد علي رحيمه ---اخراج محمد وهيب  .
اليوم الثاني ---- اتحاد نقابات عمال محافظة الانبار ----مسرحية حكاية من مجالس الايات ---تاليف واخراج حامد خلف الخاطر  .
اليو الثالث ----- اتحاد نقابات عمال محافظة بغداد ----مسرحية اللعبة ---- تاليف واخراج جوزيف الفارس ,والتي حازت على الجائزة  الاولى في الاخراج , مناصفة مع اخراج مسرحية الغارقون , والجائزة الثانية في التاليف .
اليوم الرابع ----اتحاد نقابات عمال محافظة صلاح الدين --- مسرحية الكرسي المتحرك ----تاليف واخراج جواد مطشر .
اليوم الخامس ----اتحاد نقابات عمال محافظة السليمانية ---مسرحية ايار الدامي ---تاليف طاهر مجيد عبدالله اليوم السادس ----الاتحاد العام لنقابات العمال ----مسرحية الغارقون ----تاليف صباح عطوان واخراج جوزيف الفارس , والتي حازت على الجائزة الاولى , في الاخراج والتاليف .

وجاءت مرحلة الركود والسبات واسبابها , الحرب العراقية الايرانية , وبدا تناقص اعداد اعضاء البيت الثقافي العمالي , واستشهاد القسم منهم في الواجبات العسكرية , والى ان تمخضت هذه المرحلة من مسيرة المسرح العمالي , بختام اخر اعماله المسرحية , الا وهي مسرحية ( رحلة نعمان مع طب الخرسان ) من اعداد العامل مهدي جبار حسن واخراج جوزيف الفارس , وكانت بالحقيقة مسرحية جديرة بالاهتمام لانها تمخضت عن تجربة اولى من نوعها و حاول معدها ان يقتبسها من ملفات حكايات الف ليلة وليلة و والذي اثبت من خلال عمله هذا تاثير الثقافة العربية ولاسيما العراقية على الادب العالمي  ولا سيما الادب المسرحي الفرنسي والمتاثر به مسرح  موليير ومن خلال مسرحيته ( طبيبا رغما عنه ) حيث اثبت مهدي جبار حسن في اعداده لهذا النص ( رحلة نعمان مع طب الخرسان ) ان مسرحية مولير ( طبيبا رغما عنه ) جاءت من المصدر المشتق منه مسرحية ( رحلة نعمان مع طب الخرسان ) وبهذا العمل المسرحي , يسدل البيت الثقافي العمالي ستارته على اخر انتاج مسرحي له للاسباب المذكورة انفا   . 


الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020

سامي عبد الحميد.. خمسون عاماً من الصداقة والفن الجميل / لطفية الدليمي

مجلة الفنون المسرحية


سامي عبد الحميد.. خمسون عاماً من الصداقة والفن الجميل  / لطفية الدليمي


علّمني الأستاذ كيف يكون المسرح وكيف تكتب الحياة فيه

مسرحيتي ( الليالي السومرية ) وذكريات أُخَر

تجسيد الطغيان بعلامات بصرية عصرية

قبل أن أتحدث عن صداقة عمر مديد بين تجليات الفن ومنعرجات الحياة جمعتنا كعائلة بالأستاذ الكبير سامي عبدالحميد أود الإشارة إلى موقف مشهود له يضاف إلى مآثره الفكرية في الفن وسعة أفقه الثقافي ومواقفه ، وأتحدث عن المشهد الافتتاحي الصادم الذي صممه إخراجاً وسينوغرافيا مشهدية وسمعية لمسرحيتي ( الليالي السومرية ) في عرضها الثاني على مسرح قاعة الشعب ربيع 1995، تخطى الأستاذ سامي شأنه شأن العباقرة الكبار رؤيته للعرض الأول الذي قدمته الفرقة القومية للتمثيل على مسرح الرشيد ضمن العروض المسرحية المرافقة لمهرجان بابل ؛ فهو الفنان المُجدد الذي لم يكن يركن إلى صيغ ثابتة في إخراجه الملهم لأي عمل مسرحي بل كان دائماً يعيد قراءة الحياة واستنطاق النص ويطلق الطاقة الإيحائية والعلامات الدرامية و الفكرية التي تصلح لكل عصر .

كان النص مكتوباً من وجهة نظر جندرية لملحمة كلكامش : الأنوثة في مواجهة غطرسة السلطة ودور المرأة في صنع الحضارة والبحث عن لغز الموت والحياة والوجود . إرتأى الأستاذ سامي أن تقدم المسرحية بملابس شعبية معاصرة لاعلاقة لها بسومرالقديمة ، واستخدم موسيقى شعبية عراقية وجعل الصراع بين أنكيدو وكلكامش شبيهاً برقصة السيوف العراقية ( رقصة الساس ) ، وكان هذا أول التحديات التي لم ترُق للبعض ، وجعل سيدات العمل يحتفظن بمظهرن البابلي من ثياب وحلي وزينات ، وعند الإعداد للعرض الثاني في مهرجان المسرح العراقي على مسرح قاعة الشعب أسرّني الأستاذ سامي بأن لديه فكرة لديكور وإخراج المشهد الافتتاحي أشد وضوحاً وهي تنطوي على مجازفة ، وأردف قائلاً : قد لانسلم من عواقب تأويلاتها لكني سأنفذها منطلقاً من تحليلي لشخصية كلكامش ولن أفصح عنها بل ستفاجؤون بها لدى رفع الستارة . غاب الممثل الرئيس لدور كلكامش الفنان ميمون الخالدي فأدى الفنان العظيم سامي عبد الحميد الدور بقدرات تقنية جسدية وصوتية ونفسية مدهشة ومنح حضوره القوي والمؤثر زخماً هائلاً للعرض .

حين رُفع الستار رأينا أجساداً إتخذت هيأة قبور سوداء ، وقطع ملابس بيضاء ممزقة مضرجة بالدماء تتدلى بمستويات متباينة من سقف المسرح وتهبط ببطء حتى تلامس القبور ؛ فتنتفض القبور وتنهض الجوقة التي تتضرع للآلهة أن تخلق ندّاً ليقارع كلكامش المتجبر ويهزمه ، ومعها تنطلق موسيقى عراقية تراثية مع قرع الطبول واستغاثات النساء وصراخهن ، ثم تنفرد النساء بمونولوغات من إفتتاحية النص تكشف مايفعله كلكامش بمدينة أوروك وأهلها ونسائها إستناداً إلى الملحمة : 

- لماذا يفعل كلكامش مايفعله بأهل أوروك .. ( إستغاثات ) 

- لماذا هذا الذي ثلثاه من الآلهة وثلثه من البشر ،القوي الشجاع الذي أسلحته لاتضاهى ، لماذا يتفجر عنفه ليل نهار ؟ 

- ألا تسمع الآلهة تشكيات أهل أوروك ؟ ألا تسمع ضراعاتهم ؟

- كلكامش الذي لم تنقطع مظالمه عن أهل أوروك ، 

- كلكامش الذي لم يترك عذراء طليقة لأمها ولاولداً لأبيه ، راعينا القوي إبن الآلهة ، الذي لم يترك إبنة المقاتل ولا خطيبة البطل ، فاعتصم أبطال أوروك في بيوتهم . أيتها الآلهة أخلقي نداً يصارع كلكامش ويصرفه عن فتكه بأهل أوروك ... إلخ

إنتهى العرض الثاني للمسرحية ، وكانت الفرقة تستعد للعروض التالية لكن أمراً صدر بمنع عروض المسرحية وانتهى الأمر باغتيال المسرحية ؛ لكننا نفدنا بسلام وأتت مجازفة أستاذنا سامي عبدالحميد أُكُلَها . علمنا فيما بعد أن اتصالاً جرى مع الشاعر يوسف الصائغ لإيقاف عرض المسرحية .

 

سامي عبد الحميد صديقاً وفناناً ومثقفاً ملهماً 

ندر أن ظهر لدينا فنان شامل يتمتع بقدرات فريدة بين فناني المسرح العراقي الكبار ، يجمع بين الشخصية المرحة المحبوبة والثقافة الرصينة والقدرة القيادية والخبرة المعمقة التي اكتسبها من تدريبه في مسرح شكسبير ودراسته في جامعة أوريغون الأميركية وبراعته في تدريس فن الإلقاء والإخراج وحنوه على طلبته وزملائه فضلاً عن كتاباته الثرية وترجماته المميزة . كنت دوماً أغبط نفسي إذا أتاح لي الحظ والظرف أن يقوم فناننا الكبير بإخراج وتمثيل أول مسرحية لي ، وكان من دواعي الفرح أن ألقاهما هو وزوجته الفنانة الكبيرة فوزية عارف في المناسبات الثقافية والعروض المسرحية وفي تبادل الزيارات العائلية بيننا .

ترقى معرفتي الشخصية بالأستاذ سامي عبد الحميد إلى مطلع الستينيّات من القرن الماضي ؛ فقد كان صديقاً لزوجي الراحل كامل العزاوي المخرج وأحد أعضاء هيئة مصلحة السينما والمسرح التي كان يرأسها الفنان الراحل يوسف العاني وتضم في عضويتها فنانين ومثقفين بارزين من بينهم - على ما أذكر - الأساتذة فؤاد التكرلي وجعفر علي وغائب طعمة فرمان وعبد الهادي المبارك وغيرهم .

ربطت بين زوجي المخرج كامل العزاوي والفنان الكبير سامي عبدالحميد صداقة ممتدة وعلاقات عمل ، وعندما تصدّى لإخراج فيلمه التأريخي الملوّن ( نبوخذنُصّر ) وقع اختياره على الأستاذ سامي عبد الحميد - وكانا في عنفوان شبابهما - لبطولة الفيلم الذي أنجزاه في نهاية الخمسينيّات من القرن الماضي ولم يُعرَض إلا في 1962 في ظروف اضطرابات سياسية عنيفة ، وبعد عرض الفيلم تواصلت لقاءاتنا ، وذات يوم زارنا مع شابة جميلة مشرقة قدّمها لنا : خطيبتي فوزية عارف ، وتناقشنا في تفاصيل ثوب زفافها .

تواترت لقاءاتنا خلال عروض فرقة المسرح الفني الحديث ومهرجانات الأفلام العالمية التي كانت تقام في بغداد ؛ غير أن قطعاً مروعاً حصل بعد انقلاب 1963 الدموي حين اعتقِل زوجي ويوسف العاني وعلى الشوك وعدد كبير من أبرز فناني ومثقفي العراق في معسكر الرشيد ولم نعرف شيئاً عنهم إلا بعد شهور ستة حتى حسبناهم في عداد المفقودين ؛ لكن الصداقات الجميلة تواصلت بعد انقشاع الغمة لتمتد عبر العقود التاليات . 

ذُهلت أيما ذهول في سنة 1977 عندما شاهدت إخراج فناننا الكبير سامي عبد الحميد لملحمة كلكامش على مسرح أكاديمية الفنون وكان إخراجاً مبهراً جمع بين الجماليات البصرية ورفعة الفن الأدائي والموسيقى وروعة الأداء ، وقد منحت قراءته الخاصة للنص فهماً متفرداً لمضمون الملحمة مما أضفى عليها دلالات فكرية مضيئة تليق بعظمة النص البابلي وصلاحيته لكل زمان ومكان ، ولم أشهد تأثيراً مماثلاً كالذي تركته مسرحية كلكامش لديّ في الأعمال المسرحية الأخرى التي استلهمت الموروث الرافديني كمسرحية الطوفان ورثاء أور وغيرها .

كان من عادتي كل عام أن أقرأ ما استجدّ من ترجمات للموروث الرافديني وأعيد قراءة ملحمة كلكامش سنوياً بعد أن أغرمت بها وجمعت نحو ثماني طبعات وترجمات مختلفة لها ، وانعكس ولعي بالتراث الرافديني بوضوح على قصصي ورواياتي ونصوصي المسرحية الخمس : الليالي السومرية ، قمر أور ، شبح كلكامش ، الكرة الحمراء ، ومسرحية الشبيه الأخير. 

كتبت نص ( الليالي السومرية ) ونشرته مجلة الأقلام في عدد حزيران المزدوج لسنة 1992 ، والتقيت في أواخر سنة 1993 بالاستاذ سامي عبد الحميد في عرض مسرحي وكان برفقة الشاعر يوسف الصائغ مدير عام دائرة السينما والمسرح ، فالتفت الصائغ إلى فناننا الكبير قائلاً : هاهي كاتبة النص ، إلتقيا وتفاهما ، وفوجئت أنهما كانا يتحدثان عن نصي المنشور . قال الأستاذ سامي : لدي أفكار عديدة للعمل على نص الليالي السومرية بخاصة وأن هناك مقترحاً لتقدّمه الفرقة القومية ضمن فعاليات مهرجان بابل المسرحية ، ولابد من قراءة مستفيضة .

كنت قد قسّمت العمل إلى سبع ليال ليقدم في أماسٍ متتابعة مع توزيع الأحداث المفصلية على تلك الليالي ؛ غير أن الأستاذ سامي - بخبرته المديدة ورؤيته الفنية المتمرسة ووضوح أفكاره - إرتأى أن نقصرها على ليلة واحدة لصعوبة تفرغ الفنانين للعمل من جانب وتعذر وجود مسرح شاغر طوال سبعة أيام من جانب آخر . عملنا معاً خلال جلسات طويلة في بيتنا بالعامرية وبيته في الحارثية على اختيار المشاهد والشخصيات الأساسية وتكثيف الحوارات وحصر الفكرة في عناصرها الأساسية : دور المرأة في الحضارة ، البحث عن لغز الموت والخلود والوجود ، الكشف عن هشاشة الطاغية كلكامش . عملت بعدها على إعادة صياغة النص حسب توجيهات الأستاذ سامي وإضافاته المهمة ، وكسبت خبرة كبيرة في الرؤية المسرحية ، وكنا في نقاش مستمر خلال الإعداد للعمل ، نحذف ونضيف حتى استقر النص على صيغته النهائية ، وقد إجتهد المعلم سامي عبد الحميد في المزج بين قراءته الخاصة للملحمة وبين قراءتي لها وانتهينا إلى ضرورة إثراء أدوار النساء الملهمة وعدم الإكتفاء بشخصيتيْ سيدوري وشمخت ؛ فظهرت شخصية نيسابا وأورورو الخالقة إلى جانب شمخت الغانية الجميلة الشامخة ، وسيدوري صاحبة حانة الآلهة الواقعة على البحر .

قُدّمَ العمل للمرة الأولى صباح يوم الأربعاء 5 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1994 على مسرح الرشيد ، وجسّد الشخصيات الفنانون : فوزية عارف بدور نيسابا ، وآزادوهي صموئيل بدور أورورو ، وأحلام عرب بدور سيدوري ، وأميرة جواد بدور شمخت ، وميمون الخالدي بدور كلكامش ، ونزار السامرائي بدور أنكيدو، وقد استخدم الأستاذ سامي في مقاربته الإخراجية الألوان والأعداد لتأكيد علاماته الدلالية ؛ ففي أعلى المسرح وضع ثلاث نوافذ ، وقسّم المسرح إلى ثلاثة مستويات : موقع أعلى حيث تُتِم ألهة الولادة أورورو عملية استيلاد أنكيدو ، وأوجد موقعاً وسطاً يرمز إلى ميدان أوروك الرئيس الذي تجري فيه منازلة كلكامش مع خصمه وصديقه لاحقاً أنكيدو، وثمة مستوى ثالث تتجلى فيه سلطة كلكامش وجبروته من جانب وحيرته وعزلته عن الجميع من جانب آخر. حصلت المسرحية على جائزة الإخراج وجائزة أفضل نص يستلهم التراث الرافديني . 

بعدها باعدت بيننا محنة الحصار والفقدانات الشخصية وتفكك المجتمع العراقي في عزلته بعد كارثة غزو الكويت وحرب تحريرها ، ولم ألتق الأستاذ سامي إلا بعد سنوات عجاف في عمان نحو 2011 حين كان راقداً في مستشفى دار السلام وحييته وحييت صداقة عمر بباقة ورد وزرتهما هو والسيدة فوزية بعد شفائه في سكنهما بعمان رفقة الصديق الناقد المسرحي والروائي عواد علي . مازالت قهقهاته المفعمة بالأمل والمرح وحكاياته المدهشة وسخريته مما آل إليه مسرحنا ووضعنا العراقي الموئس تتردد أصداؤها وتؤكد حيوية وجوده بيننا وتحوله من كينونة مادية إلى تجلٍ روحي كبير الأثر . 

-------------------------------------
المصدر : المدى

جدلية الانتماء والخيانة في مسرحيات يوسف الصائغ

منتسبو مؤسسات "ربع قرن" يستكشفون الشارقة افتراضياً في يوم السياحة العالمي

مجلة الفنون المسرحية

الاثنين، 28 سبتمبر 2020

إصدار جديد للهيئة العربية للمسرح : كتاب "رحلة إلى عالم المسرح" تأليف د.محمد أبو الخير

مجلة الفنون المسرحية


إصدار جديد للهيئة العربية للمسرح كتاب "المسرح العراقي.. أعلام وبيبليوغرافيا" تأليف د.علي محمد هادي الربيعي و د.عامر صباح المرزوك

مجلة الفنون المسرحية


الأحد، 27 سبتمبر 2020

" عدوّ الشعب" مسرحية تعالج قضايا بيئية راهنة

مجلة الفنون المسرحية

هزاع البراري كاتب مسرحي يعالج الحرب بالحب

مجلة الفنون المسرحية


هزاع البراري كاتب مسرحي يعالج الحرب بالحب

عواد علي - العرب

الباحثة العراقية خلود يوسف تكشف عن قدرة الروائي هزاع البراري الإبداعية في كتابة مسرحيات ثريّة مفعمة بالتنوّع والتحرر من الأنماط التقليدية مواكبة مذاهب المسرح وتياراته.

الصراع ليس مجرد ثيمة في النصوص الأدبية سواء منها السردي أو الشعري أو المسرحي، فالصراع هو المحرك الأساسي للشخصيات وللأحداث والمحور الذي ينبني عليه أي عمل إبداعي، شأنه شأن الحياة التي تمثل في أحد وجوهها صراعا مستمرا. من هذه الزاوية كانت لدراسة الحرب في النصوص الأدبية أهمية كبرى بما تمثله من صراع، لا يخفت إلا بالحب.

تستنتج الباحثة العراقية خلود يوسف أن ثنائية الحب والحرب في نصوص الكاتب المسرحي والروائي الأردني هزاع البراري لم تقف على ثيمة واحدة، أو تقوم على شخصيات محددة، ولم تتقيد ببناء درامي واحد، وأسلوب مكرر، بل تنوعت وتعددت توجهاتها وأشكالها لتشمل حب الوطن والزوجة والحبيبة والآباء والأبناء، وحب الذات والآخر.

وتكشف يوسف في بحثها عن قدرة البراري الإبداعية في كتابة مسرحيات ثريّة مفعمة بالتنوّع، والتحرر من الأنماط التقليدية، مواكبة مذاهب المسرح وتياراته.

ثنائية هامة
درست خلود يوسف في أطروحة دكتوراه ناقشتها في جامعة تكريت بالعراق تحمل عنوان “ثنائية الحب والحرب في نصوص هزاع البراري المسرحية”، عددا من مسرحيات الكاتب؛ متبعة المنهج التحليلي والوصفي والنفسي، لتخلص إلى مجموعة من الاستنتاجات العامة حول ثيمتي الحب والحرب على نحو خاص.

وانطلقت الباحثة من أنّ ثنائية الحبّ والحرب شغلت بال العديد من الأدباء والكتاب لما تحمله من أهمية للمتلقي، انطلاقا من أن الأديب هو الواجهة الثقافية للمجتمعات الإنسانية، وهو المرآة الحقيقيّة للحب والحرب وتأثيرهما على مجريات الأحداث، والعلاقات الإنسانية، لنكون أمام صراع الأديب في الحرب وما تحمله من دمار وموت وتشريد، والحبّ أيضا وما يحمله من حياة وأمل وتكوين أسرة، أمام حالة تفكيك الحرب للأُسر، ليتأكّد ما للحبّ والحرب من ثنائية ثابتة في تكوين الشخصية الأدبية للشاعر أو للكاتب المسرحي.

شخصيات تاريخية وخيالية
في نصوص هزاع البراري الصراع لا يخفت إلا بالحب
في قراءتها للشخصيّات التاريخيّة في مسرحية “هانيبال” توقفت الباحثة على شخصية القائد القرطاجي هانيبال، الذي عُرف بشجاعته وحنكته العسكرية، وحللت الثنائية المتضادة المتجسدة في شخصيته، فقد أظهر حبه الشديد للوطن في الحروب التي دارت بين الإمبراطوريتين القرطاجية والرومانية، من خلال التخطيط الذي قام به أبوه هملكار من أجل بسط نفوذه على أرض الرومان، حيث أحدث انشقاقات في صفوف الجيش الروماني ساعدته في تحقيق الانتصارات عليه.

وتناولت الباحثة شخصيات تاريخية أخرى في هذا النص، منها شخصية الملك المؤابي ميشع، صاحب المسلة الشهيرة “حجر مؤاب”، الموجودة في متحف اللوفر، الذي هزم الغزاة العبرانيين في القرن التاسع قبل الميلاد، وخلّد حبّه للوطن. ورأت يوسف أنّ البراري استطاع أن يوظف شخصيتي “الأسود” و”العجوز” في هذه المسرحية للدلالة على التمييز العنصري، وكشف عن معاناتهما.

أما في مسرحية “مرثية الذئب الأخيرة” فقد جسد الكاتب، حسب الباحثة، ثيمة التمييز العنصري وتهميش الفرد وسط أجواء أسطورية، من خلال شخصية “الأسود” (عنترة)، الذي يتعرض للاستعباد لأنه ابن امرأة سوداء، رغم أن أباه هو السلطان “شنخور”، وينكره أخوه “شاجار” ويحكم عليه وعلى أمه “جرداء” بالتيه والضياع في الصحراء، طمعا في الاستئثار بالسلطة.

وفي المقابل ثمة شخصية الكاهن وابنته فتنة “ابنة النار”، فهما يؤازران الأقوى ويداهنان السلطة، ويغدوان تابعَين منقادَين، ينهشان لحم “الأسود” كي تعلو منزلتهما عند “شاجار”. وقد صور البراري شخصيتي عنترة وأمه العجوز وهما في أشد معانتهما، وتوقهما إلى  الخلاص من الظلم الذي يحيق بهما.

 وفي المنفى الصحراوي يلتقيهما “سيّد الأسفار”، ويتعرّف إلى قصتهما، فيبرم مع “الأسود” عهدا بأن يزوجه ابنته “شمس”، ثم يموت. حين يتزوجان تلاحقهما “ابنة النار” ويقادان مكبَّلين إلى “شاجار” الذي يحاول أخذ “شمس” بالقوة، لكنها تهزمه وتنتحر مفضّلة الموت على الخضوع.

الذاكرة البعيدة
ناقشت يوسف كذلك الأشكال المختلفة للصراع في نصوص البراري وفقا للأحداث التي تمر بها، كصراع “هانيبال” مع الإمبراطورية الرومانية وجيوشها، وصراع “شاجار” مع أخيه الأسود، وصراع المؤابيين مع العبرانيين، إضافة إلى حروب المدن التي أسقطها على الحروب التي شهدتها أغلب البلدان العربية.

وأكّدت الباحثة أنّ الأثر النفسي على المبدع ينبع دائما من الذاكرة البعيدة والواقع المحيط، فلا تزال في الذاكرة آثار نكبة 48 ونكسة 67 في فلسطين؛ مبيّنة أنّ الأردني المرتبط جغرافيا ووجدانيا بالأرض المحتلة هو الأكثر تأثرا بنتائجهما، فقد حفرتا عميقا في بنيته النفسية والحياتية، وكانت لهما ارتدادات لم تقف عند حدود السياسي المبدئي، بل تجاوزته إلى كل تفاصيله الأخرى.

الباحثة تحلل عددا من مسرحيات هزاع البراري متبعة المنهج التحليلي والوصفي والنفسي، لتخلص إلى مجموعة من الاستنتاجات

كما أوضحت أن نصوص البراري المسرحية كشفت عن تأثيرات الحرب على أصعدة مختلفة، وكيف تسببت في الكثير من العلل أو الأمراض النفسية للمجتمعات من خلال العلامات والرموز التي ملأ بها نصوصه “الموت، أنفاق العمر والأهل، رائحة الدم، التعب، الحصان الهرم، الرأس المحمول في عنق الحصان، سقوط اللحم، تهشّم العظام، الدم، البكاء، الصراخ، الرمال، الألم، الدهشة، المرض، الجنون، التهميش… إلخ)، وكلّ هذه صور واضحة للأحداث التي تجري في ساحات الحرب، وقد تفاعل معها البراري، وعبّر عن مرارته من الكوارث التي خلفتها الحروب الأهلية في عالمنا العربي.

يُذكر أن هزاع البراري يتولى حاليا منصب أمين عام وزارة الثقافة الأردنية، وهو روائي وقاص أيضا، كتب أكثر من عشرة نصوص مسرحية منها (العرض المجهول، حلم أخير، العُصاة، مرثية الذئب الأخيرة، الناي والنهر، زمن اليباب، قلادة الدم، هانيبال وميشع يبقى حيا).  كما أصدر خمس روايات هي (الجبل الخالد، حواء مرة أخرى، الغربان، تراب الغريب وأعالي الخوف)، ومجموعة قصصية بعنوان “الممسوس”. وفاز بجوائز عديدة منها جائزة “محمد تيمور للإبداع المسرحي” في مصر عن مسرحيته “هانيبال” 2004، وجائزة “أبو القاسم الشابي” في تونس لأفضل نص مسرحي عن “قلادة الدم” 2009.

السبت، 26 سبتمبر 2020

مسرحية "طرق " تفوز بجائزة أفضل عمل مسرحي متكامل

مجلة الفنون المسرحية


ارموند غاتي ..ضرورة المسرح / علاوة وهبي

مجلة الفنون المسرحية 
ارموند غاتي ..ضرورة المسرح  / علاوة وهبي

ارموند غاتي  شاعر وكاتب مسرح ومخرج وسنيماى فرنسي .من جيل  التمرد ومسرح  التحريض  ولد سنة 1924 في مدينة موناكو وتوفي سنة2017.
شارك غاتي في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي والقي عليه تلقبض سنة1943 لكنه بطريقة ما تمكن من الهروب من المحتشد الالماني لينضم الي القوات الجوية الفرنسية سنة1944 وشارك بذلك في تحرير فرنسا من الاحتلال الالماني النازي.لعد انتهاء الحرب العالمية الثانيةعملةفي مجال الاعلام محققا وفي محال السنيما  وكتب وصور مجموعة من الافلام وحاز باحداها سنة1961جائزة في مهرجان كان. واهتم اكثر بالكتابة للمسرح وكان عليه مواجهة  الرقابة التي منعت الكثير من نصوصه ايام النظام الديغولي  ووزارة مالرو الثقافية وذلك بحجة طابععا السياسي التحريضي. اعمال غاتي المسرحية وحتي الشعربة لا بمكن فصلها عن حياته . ارموند غاتي الذي كان يؤمن بان المسرح ضرورة ويقول بان المسرح وجد ليجيب علي ما يجري في العالم ومن هنا عليه ان يجد اللغة التي تناسبه انه بشكل من الاشكال ولادة.
جاب غاتي في اطار عمله الاعلام اصقاع العالم وزار اكثر الاماكن اشتعالا بالثورات ومنها استمد اغلب موضوعات اعماله المسرحية. في خلال زيارة له الي غواتيمالا التقي باحد الشباب الثوار الذي قال له جملة اثرت فيه ودفعته الي تغيير اسلوب حياته وعمله وكتاباته .هذا الشاب الثائر الذي تم اعدامه بصورة وحشية ساعاتوبعد لقائه غاتي . قال لغاتي لائما(انتم  الغرينقو  واليانكي .كلماتكم تحكي ولكنها لا تقول. لا شيئ تقوله ابدا. انتم تلقون بكلماتكم هكذا  ولكنكم لا تجعلونها 
تحيا.)من هنا بدا غاتي يفكر. كما اكد ذلك في بعض احاديثه  بدا يفكر ويتساءل خاصة بعد مقتل هذا  الشاب الهندي الثائر تساءل غاتي  لماذا اكتب   وماذا اكتب واختار في النهاية  اختار ان يكتب بشكلوغير الذي اعتادةان يكتب به غيره من الكتاب في المسرح الاروبي. اختار ان يكتب عن الثورات والثوار  فتخلي عن شخصيات الدراما الكلاسيكية وتخلت شخصياتها عن مكانها لشخصيات دورها   الاساسي حمل النص  الثوري الي فضاء الجمهور.كل شيئ عنده اعيد فيه النظر. النص ..الفضاء.. الجمهور...الاصوات. لماذا(لان المسرح ضرورة فهو وجد ليجيب عن الاسئلة)
لم يكن غاتي يكتب ويمارس المسرح بهدف العرض لانه كان يرفض وبشدة فكرة تلعرض. وفكرة المتفرج المستهلك. فالمهم بالنسبة له هو العمل .ذاته .اي النص المكتوب وما يقوله  من خلال الملمة  الصوت  الجسد .الموسيقي. وبالاخص الفكرة.والفعل.(انها الواجهة بين الفرد وتلنص. انها تجربة وظعوة الي المعرفة والتعلم.)تعلمىلغة تسمح لكل فرد ان يكون سيد نفسه  ومان غاتي يسائل اللغة اكثر مما يفعل مع الكلمة يسائل معناها ذلك لان اللغة هي التي تسمح للفرد. الانسان ان يثور . ان يتمرد . وبانسبة لغاتي(فان الشعر والثورة يكملانةبعضهما فاللغة وسيلة وبهذه الوسيلة يتم اختيار المقاومة .والوقوف الي جانب النعذبين في الارض  المقهورين الذين طحنتهم تلة  الاستعمار او الديكتاتورية  اذ كلاهما وحه لعملة واحدة. واللغة وسيلة وعي .وعي بمن استولوا علي السلطة .لذلك بدا غاتي ومنذ 1970تجربة  الكتابة المختلفة . كتابة المسرحية السياسية التحريضية  من اعماله نذكر.
1 السمك الاسود1958
2..الضفدع1959
3.الخياة الوهمية لعامل النظافة اوجيست1962
4..اغنية جماهرية امام كرسيين كهربائيين ورجل واحد1963
5..ف. ثدمثل فياتنام1967
6..قبيلة كاركان في الحربضد من1974
7..اربعة شيزوفرنيين يبحثون عن وطن1975
8..المتاهة1982
9..لسنا شخصيات تاريهية1984
10..اغنية حب الاميين في اوشويتز1987
11..عبور الطيور للسماء1990 كل كل هذه النصوص وغيرها مما كتبه ارماند غاتي تنحو الي التحريض .تحريض الانسان المقهور  ان يثور ضد من قهروه ضد من اخذوا منه حريته .ضد من سلبوا منه وطنه ووطنيته . لكل هذه الطروحات الفكرية والسياسة التحريضية منعت السلطات الفرنسية بعض اعماله وهي الدولة الاستعمارية التي نهبت خيرات الشعوب واضطهدتها  وقهرتها وقتلت ابناءها من الثوار  لذلك كانت تري في اظانة غاتي لمثل هذه الاعمال ادانة لها هي.
مسرح ارماند  غاتي .هو مسرح ضرورة التغيير الساسي  نحو الافضل  ودعوة لحرية الشعوب  وادانة صريحة لكل اشكال الاستعمار واغتصاب الاوطان  وحق الفرد في الحياة   وفق نا يعتقده صالحا له  انه مسرح الضرورة  ولغة التغيير  المغاير لكل الكتابات المسرحية التي كانت  قبله .ولقد وجد هذا المسرح صدي كبيرا  عند الشعوب التي تحررت حديثا ووجدثةنصوص غاتي اقبال الفرق المسرحية علي تقديمها لانها كانت تجد ذاتها فيها خاصة في فترة الستينيات والسبعينيات  الفترة التي عرفت حصول دول عديدة علي استقلالها خاصة في القارة السمرا.افريقيا.

عبد الكريم برشيد : الإحتفالية هي رؤية للعالم، رؤية احتفالية عيدية، فيها ألوان، فيها أشكال، فيها أحجام، فيها أضداد متعددة، موت وحياة، وفرح وحزن، ونور وظلام

مجلة الفنون المسرحية

الكاتب عبد الكريم برشيد


عبد الكريم برشيد : الإحتفالية هي رؤية للعالم، رؤية احتفالية عيدية، فيها ألوان، فيها أشكال، فيها أحجام، فيها أضداد متعددة، موت وحياة، وفرح وحزن، ونور وظلام

                                  حاورته : *سمية زباش 


         عبد الكريم برشيد كاتب مسرحي عربي من المغرب. ولد سنة 1943 شرق المغرب بمدينة أبركان. درس بمدينة فاس. درّس في الثانوي بمدينة الخميسات، ثم التحق بمدينة الدار البيضاء. اشتغل مندوبا جهويا لوزارة الثقافة بمدينة مراكش. ساهم في تأسيس المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط. وكان مديرا لمهرجان ربيع المسرح العربي لدورات. ثم اشتغل مندوبا لوزارة الثقافة بمدينة الخميسات. وكانت له مساهمات في مجال الصحافة الثقافية من خلال مجلة "الثقافة الجديدة" التي تأسست سنة 1975، ومجلة "التأسيس.. دفاتر مسرحية". اليوم يكتب ركنا في جريدة "رسالة الأمة" لثلاث مرات في الأسبوع. يشرف على ملحق ثقافي بالجريدة نفسها. ومسرحياته تدرّس في الثانوي، وقدمت في أكثر الأقطار العربية.
         اغتنمت فرصة تواجده بالجزائر العاصمة بمناسبة انعقاد الدورة الرابعة للمهرجان الوطني للمسرح المحترف(24/05/07- 06/06/07) لأجري معه هذا الحوار. 
 
سؤال: الاحتفالية حركة مسرحية ظهرت في المغرب منذ السبعينات ولازالت تواصل طريقها في سبيل تأسيس مسرح عربي الهوية. ما هي المنطلقات الفكرية والجمالية للمسرح الاحتفالي؟

جواب: المنطلقات هي - أساسا- منطلقات فكرية، ولأنها احتفالية فهي رؤية للعالم، رؤية احتفالية عيدية، فيها ألوان، فيها أشكال، فيها أحجام، فيها أضداد متعددة، موت وحياة، وفرح وحزن، ونور وظلام. وبالتالي فإن هذه الرؤية الاحتفالية للعالم هي التي أتبناها شخصيا، ويقاسمني القناعة مجموعة من أصدقائي الذين أسّسنا جميعا جماعة المسرح الاحتفالي. وهذا المسرح يحاول أن يكون بعيدا عن العرض، وأن يكون قريبا من الاحتفال؛ فالعرض هو أن تعرض شيئا يُتفرج عليه. أما الاحتفال فهو شيء نشارك فيه، نقتسمه مع الآخرين. وبالتالي فإن هذا المسرح الذي نقترحه نريده قائما على المشاركة الوجدانية، قائما على التفاعل، قائما على إحياء حفل مسرحي الآن هنا، وألاّ نحكي للناس عن زمن مضى، وألاّ نفصل المسرح عن الصالة، وألاّ نفصل الزمنين ولا المكانين ولا القضية المطروحة، وأن نجعلها قضية الآخرين وأننا فقط نتفرج عليها.

سؤال: الاحتفالية - إذن وحسب ما ذكرتم - تؤكد على مسألة التواصل مع الجمهور المتفرج كشريك فعّال في العرض المسرحي أو "الاحتفال" كما يحلو للكاتب عبد الكريم برشيد أن يسميه. والحديث عن التواصل في المسرح، يجرنا للحديث عن الجمهور وعلاقته بالمسرح. فهناك مشكلة عزوف أو غياب المتفرج الذي يفترض أن تكون هذه العروض المسرحية موجهة إليه. فالمتابع لعرض الأمس والعروض التي سبقته يلاحظ أن الجمهور كان مقتصرا على بعض رجالات المسرح والمثقفين وبعض طلبة المعهد الوطني للفنون المسرحية وبعض نجوم التلفزيون والصحافيين.. باختصار إن جمهور المسرح جمهور نخبوي. فكيف تفسر هذه الظاهرة؟

جواب: من المعروف أن كل فن، وكل رياضة، وكل لعبة لها جمهورها. والمفروض في هذا الجمهور أن تكون له ثقافة، أي أن جمهور كرة القدم له ثقافة كروية، يعرف تقاليدها، وتاريخها، والأسماء اللامعة فيها
سؤال: عفوا. هل هذا يعني أن جمهور المسرح العربي ليست له ثقافة مسرحية؟

جواب: لا. هو جمهور نخبوي، كما قلت، والأساس في المسرح هو نخبوي ومن أقدم العصور. حتى في فرنسا اليوم من يشاهد موليير وكورناي وراسين؟ والواقع أن الجمهور هو نخبوي قياسا بالسينما. هل يمكن للمسرح أن يدخل في تنافس مع القنوات الفضائية؟ لا يمكن، لأن المسرحية، في النهاية، تدور في مسرح مغلق يحضره مئات، على أقصى الحدود ألفا أو ألفين من المتفرجين. ولكن مع ذلك فإن المسرح يراهن على أن يكون جلسة حميمية قائمة على التشاور، على المشاركة. وبالتالي لا يمكن أن يدخل في منافسة مع السينما، لأن السينما أوسع. ولا يمكن أن يدخل في منافسة مع التلفزيون، والأقمار الصناعية أيضا. ولذلك فالأساسي أن يحافظ على خصوصيته، أن يبقى تلك الجلسة الحميمية القائمة على هذا البوح.

سؤال: ولكن إذا كان الجمهور الذي تريده لمسرحك أو بعبارة أدق الذي تريد أن تخاطبه في مسرحك غائبا، فمن أين لهذه الحميمية أن تنشأ أو تكون؟

جواب: في فرنسا، مثلا، عندما جاء كتاب العبث أو كتاب اللامعقول كانت لهم مسارح صغيرة، مسرح الجيب le théâtre de poche، المسارح التجريبية... ولحد الآن تبقى المسارح صغيرة باعتبار أن هناك جماهير، وليس جمهورا واحدا. فالمسرح التجريبي له جمهوره، والمسرح التأصيلي له جمهوره، ومسرح البولفار Le théâtre du boulevard له جمهوره، والمسرح التجاري له جمهوره... حتى في مجال البضاعات، فالسوق سوق واحد، يعرض كل شيء، ولكن كل بضاعة لها مقتنوها. وبالتالي فالأساسي أن يكون المسرحي صادقا مع نفسه، مع مجتمعه، مع فنه، وأن يقدم تجربة ناضجة صادقة، وأن يتقن عمله، وبعد ذلك يترك الكلمة للجمهور. لذلك أعتقد أن الجمهور عندما يجد فنا صادقا يعبر عن مجتمعه، ويطرح الأسئلة الحقيقية التي هي أسئلة اللحظة التاريخية لابد أن يكون معه.

سؤال: على ذكر المسرح التأصيلي، فمسألة تأصيل المسرح العربي أسالت الكثير من الحبر واشتغل بها كل المسرحيين العرب تقريبا، ومنذ ستينات القرن الماضي. واليوم نجد أن بعض التجارب التأصيلية صمتت نهائيا، لأنها لم تستطع حتى أن تتكرر، وبعضها مازال متواصلا بشكل أو بآخر... والاحتفالية واحدة من بين هذه التجارب، فما هو موقفها من مسألة التأصيل اليوم ؟

جواب: أنا شخصيا أرى بأن الحركة التأصيلية ازدهرت مع المد القومي العربي، ازدهرت مع حزب البعث في كل من سوريا والعراق، وازدهرت مع الناصرية في مصر. كانت هناك أحزاب قومية تؤكد على الهوية، على النحن في مقابلة الآخر. والتأصيلية حركة حاولت أن تبحث في الأصول. من نحن؟ نحن عرب، نحن كذا... نحن في مواجهة الآخر، في حين أن المسرح التجريبي الآن على المستوى العربي، هو مسرح مستغرب، أي أنه يأخذ تجارب ومسرحيات كاملة، يقتبسها ويقدمها. لذلك فأنا لست من أنصار التأصيل، أنا من أنصار التأسيس.

سؤال: قبل أن نواصل بشأن التأسيس، أود أن أذكّرك بما قلته عن مسألة التأصيل في ندوة التجريب التي عقدها المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة خلال سبتمبر1994. لقد قلت: "قضية التأصيل كانت في الستينات وانتهت بلا رجعة، وأصبح البحث عن الأشكال المسرحية، وعن قالبنا المسرحي في ذمة التاريخ". هل هذا يعني بأن المسرح العربي اليوم قد حقق هويته وأصالته المنشودة؟

جواب: نعم. لماذا ؟ لأن المسرح العربي أصيل. 

سؤال: ماذا تقصد، هنا، بكلمة "أصيل" ؟ هل تعني أن المسرح الموجود اليوم في الوطن العربي هو مسرح عربي وليس مسرحا ناطقا باللغة العربية؟ 
جواب: يعني أن المسرح الموجود اليوم مسرح عربي حقيقي. فـ "جحا" ليس فرنسيا.

سؤال: عفوا جحا انتهى
جواب: ولكن عندما نجده في هذه المسرحية أو تلك ألا ينطق العربية؟ ألا يطرح القضايا العربية؟ ألا يرجع إلى المواد الخام من تراث، وحكي، وألف ليلة وليلة، وقرآن؟... كل ذلك، وأمام جمهور عربي، وممثلين عرب، وماذا يبقى بعد ذلك؟

سؤال: تحدثتم الآن عن الحكاية والراوي وألف ليلة وليلة وهي تشكل مع غيرها من الفنون والأشكال الشعبية التي عرفتها الثقافة العربية، المنطلقات التي اعتمد عليها دعاة التأصيل لبناء مسرح عربي. ألا ترى أن الاهتمام بهذه الفنون التراثية جاء بعد أن نبّه المسرحيون الغربيون، وفي إطار حركة التجريب المعاصرة، إلى أهمية الفنون الشعبية الشرقية، وبخاصة اليابانية والصينية؟ 

جواب: الأساسي أن نعرف من نحن، فـ"سانغور" و"إمي سيزير"، مثلا، يؤكدان على الزنوجية la neigretude  ويعتزان بها، و"وول سوينكا" يعتز بالنمرية، فالنمر ليس أسدا، وليس قطا. والآن هناك مسرح فرنسي ومسرح إنجليزي وهناك مسرح إيطالي... فلماذا لا يكون مسرحنا عربيا؟ هذا شيء طبيعي، لأن من ينجز هذا المسرح يغرف من ثقافة، ومن حضارة، ومن دين، ومن جغرافية، ومن قضايا، ومن تراث شامل، ومن وجدان روحي، ومن مخيال عام. وبالتالي لا يمكن أن يكون إلا مشابها لهذه اللحظة. ولذلك نتخيل في كثير من الأحيان أننا إذا ارتدينا البيريه béret سنكون فرنسيين، أبدا.

سؤال: أنت لست، إذن، من دعاة القطيعة مع المسرح الغربي؟

جواب: لا أبدا، لأنك حتى عندما تضع أشياء الآخر، فإنك تضعها من منطلق ذاتك. فالياباني، مثلا، عندما يتعامل مع الفنون الغربية يتعامل معها كياباني، انطلاقا من مرجعياته الحضارية والدينية. ولذلك لا أحد يمكنه أن يكون غيره. يمكن أن نقلد، والتقليد يبقى على مستوى السطح، وعلى الشكل، ولكن ما نعيشه نحن الآن هنا، لا يمكن أن يعبر عنه أحد غيرنا. ولذلك فإن الأساس في الفن هو أن يكون إبداعا، والإبداع هو انطلاق من الذات المبدعة. أما المحاكاة والتقليد والإتباع... كلها أشياء لا أساس لها من الإبداع. لهذا يمكن أن أقول بأن مسرحنا الآن هو عربي. وبالتالي لا مجال لأن نظل أسيري تلك الرؤية الدونية لذاتنا، وأن نظل حبيسي عقدة الخواجة، وأن نؤمن بـ "l’exportation أو بما هو made in وأن نحتقر الصناعات الوطنية، وأن نعجب فقط بالآخر. فالآخر لم يصنعه الله من طينة مغايرة. فقط هناك ظروف، ولنا عباقرة يشتغلون في كل دول العالم وفي الغرب، فقط ينبغي أن يكون لنا هذا الإيمان بذاتنا، وبأن مجال الإبداع ليس حكرا على أية جهة، أو على أية أمة، أو على أي شعب من الشعوب.
سؤال: الاحتفالية لا تشتغل اليوم، إذن، على مسألة التأصيل، وإنما تبحث عن مسرح يهدف إلى تحقيق نوع من التواصل والحميمية بين المتفرج والممثل، على اعتبار أن المسرح، في نظرك، احتفال يشارك فيه هذين الطرفين. بعد هذه الرحلة التي قضتها الاحتفالية في محاولة التنظير لمسرح عربي، هل استطاعت أن تحقق بعضا مما تحلم به؟

جواب: أعود فقط إلى قضية التأصيل، وأقول بأننا تجاوزنا هذه القضية، لأننا نعتبر بأن توضيح الواضحات من المفضحات، وأنه من البلادة أن نناقش البديهيات. فهل نناقش لماذا السماء سماء؟ ولماذا الماء ماء؟... الإنسان الجزائري لم يخرج من فقاعات، وله تاريخ عريق يمتد إلى ما قبل الإسلام والأمازيغ، كما تفاعل مع حضارات البحر المتوسط إلى غير ذلك. ولذلك سيكون من إضاعة الوقت أننا نناقش هذه البديهيات التي ينبغي أن نتجاوزها. كان ذلك في مجال شعوب مستعمرة، في مجال النظر إلى الآخر نظرة حضارة. الآن لدينا رصيد في مجال السينما، وفي مجال المسرح، وفي مجال التشكيل. وهذا يعطينا نوعا من الثقة، ويجعلنا نتوجه بأسلحتنا إلى المستقبل عوض أن نبقى نحفر ونلوك أسئلة الماضي، ذلك ماضي انتهى برجاله وبناسه، كانوا مخلصين، وأوفياء للحظة التاريخية "الله يكثّر خيرهم"، أعطوا ما أعطوه، ولكن الآن، ينبغي على الجيل الجديد أن تكون له أسئلته الأخرى. ينبغي أن يعرف بأن عليه أن يؤسس مسرحا انطلاقا من كل التراكمات التي أبدعها المسرحيون ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر، وانطلاقا من الأدب العربي، من الشعر العربي، من المقامات ومن الحكاية، من الأغاني، من الأزياء الشعبية... تراثنا كله ينبغي أن نأخذه بعين الاعتبار لصناعة مسرح عربي جديد. ولذلك أعود إلى الاحتفالية كنظرية، لا أقول بأنها وصلت وحققت أهدافها، لأن أهدافها هي أهداف مفتوحة مثل الأفق كلما اقتربنا منه ازداد ابتعادا. ومن حق المبدع، بل ومن الواجب عليه أن يحلم، ليس هناك إبداع بدون أحلام. والأحلام الكبيرة هي التي تصنع الحضارات الكبرى. ألم يكن عباس بن فرناس الذي حاول الطيران حالما؟ وكل المبدعين الذين غيّروا العالم كانوا في رأي مجتمعاتهم حالمين ومجانين. وبالتالي لا ينبغي أن نبقى، باسم الواقعية والبراغماتية، منحصرين في اللحظة وأن نصوغ أحلاما صغيرة جدا، وأن نظل في حدودها. ينبغي أن نفكر كأمة، وبالتالي عندما أفكر، أفكر كإنسان عربي مسلم من مهامي أن أقرأ لكل المبدعين العرب، والمسلمين أيضا من عمر الخيام إلى ابن الرومي إلى الحكواتيين، إلى الفنانين الشعبيين إلى آخر الفلاسفة العرب الذين نعرفهم.

سؤال: لقد كانت اللغة وما تزال تطرح مشكلة بالنسبة للمسرحيين العرب في مجتمعاتنا التي تعاني من ازدواجية بين اللغة الشفهية واللغة المكتوبة. ولحل هذه المعضلة لجأ بعض الكتاب المسرحيين إلى استخدام العامية باعتبارها أكثر قدرة، في نظرهم، على التعبير عن الحياة اليومية، بينما ارتأى البعض الآخر أن الفصحى هي التي يمكنها أن ترقى بالنص المسرحي إلى مستوى الأدب. كيف يتعامل الكاتب عبد الكريم برشيد مع اللغة المسرحية؟

جواب: أعتقد أن اللغة مطروحة في المسرح العربي بشكل مغلوط، لأن الأساس هو اللغة المسرحية؛ واللغة المسرحية هي لغة الأزياء، هي لغة الحركة، هي لغة الرقص، هي لغة الإشارات، هي لغة الإيماء

سؤال: ولغة الكلمة في كل هذا؟ أم هي عنصر من بين كل هذه العناصر؟
جواب: لغة الكلمة هي عنصر من العناصر. فعندما نكتب نصا، ينبغي أن نترك مساحة للتعبير بالجسد، التعبير بالحركة، وبالإيماءة، وبالزي. وبالتالي سنجد في كثير من المهرجانات العالمية مسرحيات تقدم بكل اللغات، ومع ذلك، نفهمها، لأن ذلك المبدع يأخذ بعين الاعتبار أن المسرح، كما أسميه دائما: "مأدبة الحواس"، يخاطب السمع والبصر والذوق، وكل الحواس، حتى الحاسة السادسة والسابعة أو ما شاء الله من الحواس إذا كان هناك حواس أخرى. أنا أكتب بالعربية الفصحى

سؤال: في المسرحيات التراثية؟

جواب: في المسرحيات التراثية، ولكن لها علاقة باليومي، كمسرحية "امرؤ القيس في باريز". وكتبت بالعامية، ولكن ليست أية عامية، مسرحيات مثل: "الزاوية"، و"الحومات"، و"عرس الأطلس"، و"قرية اسمها الدنيا". وآخر مسرحياتي "يا ليل يا عين"، وهي موال يبدأ بهذه اللازمة، فيها شخصيات تتحدث بالفصحى. وهناك شخصيات تتحدث بالعامية، وتتواصل بالحوار شخصيات مثل المخبرين، وشخصية عبد الله المجذوب الصوفي الذي يتحدث بالعربية. لذلك فإن مسرحياتي التي كتبتها بالعربية قدمت في مختلف الأقطار العربية، ولكنها ليست عربية متقعّرة. فمسرحية "الحكواتي الأخير" قدمت، مثلا، بالجزائر بعربية يفهمها الجميع، لأن العربية، في النهاية، هي العامية ولكنها خاضعة للإعراب، حتى الجاحظ عندما كان يكتب عن البخلاء، ويكتب عن الحياة العامة لم يكن يكتب بلغة "البيان والتبيين"، ولكنه كان يكتب بلغة ناس، لغة قريبة من السوق، قريبة من الشعب. وهذه هي لغة المسرح. حتى عندما دخلت الصحافة أوجدت لغة جديدة، ليست هي لغة الكتب القديمة، وليست لغة الشعراء، ولكنها لغة المطبعة ولغة الناس. كذلك هو الشأن بالنسبة للمسرح، فقد أوجد لغة عربية فيها تعابير شعبية، عامية قريبة من الناس، من اليومي. ولهذا نرى أنه من الممكن أن نكتب بعربية فصحى، لأن ذلك يضمن لهذه النصوص أن ترحل إلى العالم العربي. وبعد ذلك من حق أي مخرج أن يجزئرها أو أن يعرّقها أو أن يمغربها... وقد رأينا بالأمس كيف أصبحت مسرحية "محمود تيمور" جزائرية، أو كيف أصبحت مسرحية "سعد الله ونوس" جزائرية. وذلك لأنها مكتوبة بلغة مفهومة.

سؤال: ولكن تبقى اللهجات أو العاميات العربية، مع ذلك، تمثل بدورها إشكالا فيما بين الأقطار العربية نفسها، فالمشرقي لا يفهم لغة المغربي، والعكس صحيح.

جواب: هو ليس مرغما أن يفهمها، لأن في المسرح ليس ضروريا أن نفهم، لأن المسرحي لا يقدم درسا، فالمسرحية فيها جرس، فيها خيال، فيها صور. لذلك فإن الفن ليس مطلوبا فيه الفهم المدرسي. إقرؤوا بعيونكم، إقرؤوا بقلوبكم، إفهموا بوجدانكم. أنا شخصيا عندما أريد أن أتابع أية مسرحية في أية لغة من اللغات ينبغي أن أبذل جهدا معينا، لكن أية لهجة إذا تابعناها من أول حوار يمكن أن نعرف مفاتيحها. ولذلك فإن اللهجات لا تختلف من شعب إلى شعب، ولكنها تختلف حتى داخل الأوطان. فهل لهجة وهران هي لهجة العاصمة أو عنابة أو قسنطينة؟ في بعض الأحيان هناك لهجات الأحياء، أي أن الأحياء لها لهجاتها، والأعمار لها لغات خاصة، فالابن والأب ليس لهما نفس اللغة. وبالتالي كيف نريد للمسرح الذي يعبر عن القيم الإنسانية والمكتوبة أن يتبنى لغات مقزّمة بهذا الشكل؟

سؤال: تعقد سنويا، تقريبا، المهرجانات والتجمعات المسرحية في مختلف الأقطار العربية، وتتبارى الفرق المسرحية لتقديم عروضها وتنال الجوائز، وتقدم التوصيات، وتطوى الملفات، وتعود في الأعوام المقبلة لتبدأ من جديد. ما رأيك في هذه المهرجانات؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن تقدمها للمسرح والمسرحيين العرب؟

جواب: من المعروف أن هذه التجمعات الإبداعية لم تأت من فراغ، وعندما نرجع إلى المسرح اليوناني القديم سنجد "الأولمبياد"، فقد كانت هناك مباريات ومهرجانات. والمسرحيات التي نعرف لكل من سوفوكل وأسخيلوس ويوربيدس كانت هي المسرحيات الفائزة في مباريات، تماما كما في الرياضة، وفي الجري، وفي القفز. وفي الشعر العربي، ألم تكن "المعلقات" نتيجة التباري في سوق عكاظ التي كانت تضرب فيه خيمة للتباري. والآن أليست السينما العالمية مزدهرة صناعتها بهاته المهرجانات؟

سؤال: ألا ترى أنه في كل مرة أتعرض فيها إلى مسألة، تلجأ إلى نماذج من المسرح الغربي لتؤكد فكرتك. وفي هذا ما يشير، بل يؤكد أن الآخر كان وما يزال يمثل نموذجا بالنسبة إلينا نقيس عليه كل إبداعاتنا وفنوننا؟
جواب: لا. الجديد في التأسيس الاحتفالي هو أنه لا ينحصر في إطار قومي ضيق، وإنما يأخذ المسرح كظاهرة إنسانية كونية عامة. والحضارة كونية، وما نسميه بالحضارة الغربية ليست غربية، هي إفراز حضارات مختلفة، وبالتالي فهي حضارتنا. حقا القطار واحد، ولكن هم الذين يقودون القاطرة، وفي مرحلة ما قادها آخرون. ولكن في إطار هذا القطار السائر الذي يقوده الغرب لدينا les wagons (القاطرات)الخاصة بنا، ولدينا des compartiments (مقاصير) نفعل فيها ما نشاء، ولنا فيها حريتنا؛ نغني فيها، نبدع فيها رقصنا وفننا.

 *جامعة الجزائر                       
قسم اللغة العربية وآدابها           
كلية الآداب واللغات الأجنبية               
                                   

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption