أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأربعاء، 5 يناير 2022

السلماوي ..والمسرح / علاوة وهبي

مجلة الفنون المسرحية 
السلماوي ..والمسرح

محمد السلماوي كاتب واعلامي من مصر مواليد 1945. درس اللغة الانجليزية وخريج الجامعة سنة1966 حصل علي دبلوم مسرح شكسبير سنة1969 من جامعة اومسفورد  تولي مناصب رئاسة التحرير في عدد من الصحف المصرية اهمها في مؤسسة الاهرام العريقة  وكان من قبل كاتبا فيها وصل الى  رئاسة الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب وكذلك   اتحاد  الكتاب الافرو اسيوي . محمد يكتب القصة القصيرة والرواية وكذلك في المسرح  وقد صدرت له عدة اعمال في القصة والرواية .كتب للمسرح مجموعة من النصوص قدم بعضها على المسرح  في مصر ومنها  اثارت جدلا بين النقاد ونالت رواجا كبيرا في الوسط الفني. محمد السلماوي تقول بعض القنوانات انه بدأ كذلك سنيمائيا وانه ظهر في افلام سنيمائية  ومنهم من تنبأ له بمستقبل  جيد في التمثيل السينمائي   .لكن محمد تخلي عن التمثيل وفضل الكتابة .كتابة الرواية وكتابة النص المسرحي. صدرت لمحمد مجموعة نصوص مسرحية منها.
1..فوت علينا بكرة
2..القاتل خارج السجن
3..سالومي
4..اثنين تحت الارض
5..الجنزير
7..رقصة سالومي الاخيرة
8..زهرة والجنزير
 ويعد محمد السلماوي من  مؤسسي مهرجان المسرح التحريبي سنة1988
من اهم رواياته .اجنحة الفراشة ومن اهم مجموعاته القصصية باب التوفيق . 
في مسرحية الزهرة والجنزير اعتمد محمد الرمز  وهو ما يمكن لنا القول انها نص رمزي   وقريب من الواقعي كذلك 
فقد استخدم محمد في هذه المسرحية رمز الزهرة ورمز الجنزير وجمع بينهما في العنوان . استخدم رمز زهرة اللوتس الي جانب الجنزير . فزهرة اللوتس لا تقبل العيش مسجونة بل تحب الفضاء المفتوح والهواء النقي والتربة الخصبة  وهي رمز الرقة والعاطفة والامن والطمانينة واما الجنزير(الحديد)فهو رمزالخشونة . والصلابة ورمز الموت فمنه تصنع الاسلحة والقيود التي تكبل حرية الانسان .
تتحدث المسرحية عن قضية عانت منها دول عربية كثيرة وليس مصر فقط وهي قضية الارهاب . باسم الاسلام . 
زهرة ارملة المهندس الشرقاوي الذي كان له فضل المشاركة في بناء السد العالي . والذي توفي وترك زوجته زهرة مع اطفاله الثلاثة بنتين وولد واحد وقد عانت الامةكثيرة في تربيتهم  وهم الان كبار واحدة متزوجه وتعيش مع زوجها في السعودية و الثانية طالبة في الجامعة واما الابن فهو متعاطي للمخدرات .الي جانب الاولاد يعيش معها ابوه وهو شيخ  مريض ومقعد 
والام في طريق عودتها الي دارها تلمح امراة ملوحة لها  وتطلب منها ايوائها لظروف لا نعرفها ولان زهرة امرأة طيبة تقبل الامر وتأخذها معها دون حتي ان تسأل هذه المنقبة التي طلبت منها ايوائها  وفي المنزل تتفاجأ بان المنقبة رجل وانه ارهابي  بعد ان يشهر سلاحه عليها  ويخبرها بانه مكلف من تنظيمه باحتحازها وكل افراد عائلتها وانه يتلقي التعليمات من التنظيم الذي ملفه بذلك سعيا لارغام السلطة علي اطلاق سراح  احد افراد التنظيم المقبوض عليهم (هنا نجد الي حد ما شيئ من التشابه مع فيلما الارهابي من بطولة عادل امام) .الاتصلات والمفاوضات مع السلطة تبؤ بالفشل  ونعرف ان التنظيم اختار هذه العائلة بالذات نظرا لشهرة الشرقاوي المهندس في السد العالي  والراحل عن عالمنا  لكن التنظيم يعتقد ان شهرة الشرقاوي واحتجاز عائلته قد ترغم السلطة علي اطلاق سرح المقبوض عليه . ونكتشف ان الارهابي المكلف باحتجاز عائلة الشرقاوي لا يعرف اي شيئ عن التنظيم وانه فقط يطمح الي الانضام اليه هربا من حياة البؤس التي نشأ فيها يتيم الام ولا يعرف اي شيئ عن ابيه  .ونكتشف مغ توالي الاحداث ان الشخص الذي يتفاوض لاطلاق سراحه من السجن ليس الا رئيس عصابة  قامت بعملية اختلاس  تتصاعد الاحداث وتأتي قوات الامن الي منزل عائلة الشرقاوي  لتقتحمه بهدف تحرير العائلة  فتصاب زهرة بجرح برصاصة من مسدس الارهابي وتطلق  قوات الامن النار وهي تقتحم المنزل فيموت الارهابي بينما تدفع الاحداث الجد الي استعادت ذكرياته يوم كان طالبا في الجامعة متظاهرا مع رفاقه وقوات الامن تطوق الجامعة وتطلق الرصاص عليهم . وكأن بمحمد هنا يجري مقارنة بين نضال الطلبة بالامس في الجامعة  وبين ما يقوم به الارهاب اليوم ليدفعنا الي الوقوف بانفسنا عن الفرق بينهما. الزهرة والجنزيرة مسرحية رمزية  .بسيطة  .ماساوية عن واقع عرفته  دول عربية كثيرة وعانت من ويلاته . انها واحدة من امجاد المسرح في مصر في سبعينات القرن الماضي.

الثلاثاء، 4 يناير 2022

حفل توقيع كتاب "أنا مكبث" للكاتب العراقي" منير راضي" ضمن فعاليات مهرجان "آفاق مسرحية".

مجلة الفنون المسرحية

عن منشورات الهيئة العربية للمسرح، وضمن سلسلة دراسات تحت رقم (93) صدر للمسرحي اللبناني رفيق علي أحمد كتاب جديد بعنوان “الراوي – الممثل.. على خشبة الحياة“.

مجلة الفنون المسرحية


عن منشورات الهيئة العربية للمسرح، وضمن سلسلة دراسات تحت رقم (93) صدر للمسرحي اللبناني رفيق علي أحمد كتاب جديد بعنوان “الراوي – الممثل.. على خشبة الحياة“.

     يقول الناقد نزيه خاطر، وهو الذي واكب الحركة المسرحية اللبنانية وحاور روادها منذ أواخر الستينيات حتى رحيله العام 2014م، “يختصر رفيق علي أحمد العرض بشخصه، إنه مبتكر فكرته ومصمم مشهديته ولسان لغته ومؤدي شخصياته، ذلك أن العرض يولد موحدا في مخيلة تتصور النص ورداءه السينوغرافي وإيقاع الممثل في آن واحد، وأي ممثل قدير هذا الحكواتي“
     لم يفارق رفيق، الحكواتي الذي يسكنه وهو يسطر سيرته الفنية والإنسانية في كتابه “الراوي – الممثل.. على خشبة الحياة“. فالحكايا تتواصل وتتقاطع وتتشابك بأسلوب درامي ممتع منذ بداية الكتاب في فصل (القرية) وحكاية الولادة بقرية يحمر شقيف في جنوب لبنان، وحتى آخر جملة فيه “وأي ممثل قدير هذا الحكواتي” في فصل (الراوي – الممثل)، مرورا بقصص ومسرودات عن عروض ونصوص وشخصيات… عن بيروت.. بيروت الحلم والذاكرة.. بيروت الحياة، وعن فرقة “الممثلون العرب” والاشتغال مع الطيب الصديقي ونضال الأشقر، وعن فرقة “مسرح الحكواتي” وروجيه عساف، وعن يعقوب الشدراوي وممدوح عدوان ومنصور الرحباني وحنان حاج علي وعبيدو باشا… وغيرهم
وقد خصص رفيق علي أحمد لتجاربه المسرحية حيزا مهما وخاصة الحلبة، الجرس، المفتاح، زواريب، جرصة، وحشة… مسلطا الضوء على عتمة الكواليس راويا بعضا من قصص عيشه وبعض من طروحاته الجمالية ومعالجاته المسرحية وعلاقاته مع المسرحيين والمبدعين الذين اشتغل معهم وشاركهم حياة المسرح ومسرح الحياة.
يشكل كتاب “الراوي – الممثل.. على خشبة الحياة” إضافة مهمة للمكتبة العربية وكتب رصد التجارب المسرحية الإبداعية من خلال سير مبدعيها. 
رفيق علي أحمد:
كاتب وممثل ومخرج مسرحي لبناني.
دراسات عليا بالإخراج والتمثيل من معهد الفنون بالجامعة اللبنانية.
قدم في المسرح عشرات الأعمال التي تعتبر من العلامات الإبداعية.
تميز بأعماله المسرحية المنفردة “المونودراما”.
شارك في أعمال تلفزية وسينمائية عديدة.
رئيس سابق لنقابة ممثلي المسرح والسينما والتليفزيون.
رئيس وعضو العديد من لجان التحكيم في المهرجانات العربية المسرحية.
حاز العديد من الجوائز العربية والدولية، وشارك في عديد الأعمال المسرحية والتلفزية والسينمائية المتوجة.
 

الاثنين، 3 يناير 2022

التَّخَفِّي والظُّهور خلف قناع وماكياج الصّراع من أجل الجَمال والتّشخيص وحبّ الظّهور / *راضي شحادة

مجلة الفنون المسرحية


التَّخَفِّي والظُّهور خلف قناع وماكياج
الصّراع من أجل الجَمال والتّشخيص وحبّ الظّهور 

   نظرتُ من خلف الكواليس الى منطقة الجمهور، وأنا في قمّة الحذَر بأن أراهم ولا يرونني قبل بداية العرض، لكي أطمئنّ الى نوع الحاضرين وعددهم. كنت ممَكيجاً باللون الأسود لكي أقوم بتشخيص شخصيّة "عنتر" الشَّاعر الأسود، وهذا اللون ساعدني أيضا على المزيد من التّخفي خلف الكواليس، بحيث أَرى ولا أُرى. اسْتقرَّ نظري على سيّدة غاية في الجمال تجلس في المقدّمة، ورحت أتابع حركاتها بكامل حبّ الاستطلاع. 
    أخرجَتْ من حقيبتها مرآة، وقلم أحمر الشفاه، وراحت تزيد من حُمرة شفتيها، ثم أعادت أحمر الشّفاه الى حقيبتها وأخرجت علبة ماكياج، وراحت تزيد من دقّة ماكياج وجهها. أعادت علبة الماكياج الى مكانها، وأخرجت قلم كحل، وتابعت في إتقان ما ظنّت أنه لم يكن مُتقَناً بما فيه الكفاية، ثم أعادت قلم الكحل وأخرجت علبة "الماسكارا" ومسحت بها رموشها لكي تزيد قليلاً من حدّة ظهورها. ما لفت انتباهي أنها قامت بكل هذه العمليّة بدون أي حرج من الجالسين حولها، وبدت وهي في قمة تركيزها وهي تنظر الى نفسها عبر مرآتها وكأنّها متوحّدة مع ذاتها، وكأنّما هي تؤكّد على قيامها بذلك أولا من أجل ذاتها، وثانياً من أجل الآخرين. استفقت من حبّ استطلاعي، فأنا الذي يجب أن أتحضّر نفسيّاً لكي أُمثّل وأقوم بالعرض، وإذا بها هي أيضا تتحضّر وكأنّها جزء من العرض. بدا الأمر وكأنّ كلينا نتحضّر للحظة المواجهة مع بعض.
  ما الفرق بين ماكياجي وماكياجها؟ هل من شيء مشترك بين الوظيفة التي وضعتُ ماكياجي من أجلها، أي من أجل الوظيفة ومن أجلها هي، وبين وظيفة ماكياجها؟ كلانا نتأهّب للحظة حُبّ الظهور أمام الآخرين. هذه السّيدة جميلة جدا، فلماذا تتمكيج؟ لماذا هي غير مكتفية بجمالها الطبيعي؟  ألأنها تطمح الى أن تكون أجمل؟ هل طموحها بأنْ تبدو أكثر جمالاً نابع من شعورها بعدم اكتفائها بجمالها الطّبيعي أمام نفسها وأمام الآخرين؟ أية مقاييس اتّخذْتُها عندما حكمتُ عليها بأنّها جميلة جدا. هل هنالك مقاييس معيّنة وضعها الإنسان للجميلة ولغير الجميلة؟ إنّها تتصرف كبقيّة النّساء الـمُتَمَكْيِجَات، بغض النّظر إذا كان هذا التّصرف قد صمَّمَتْه بعضُ شركات التَّجميل بهدف الرِّبح لكي تجعل المستهلِك مُقتنعاً بأنّ هذه السّلعة فيها مصلحة مشتركة للطّرفين. إنها الحاجة لحبّ الظهور بأبهى صورة، بغض النّظر فيما إذا كان  بعضٌ من الهدف من ذلك هو التّنميط والتّسليع.  
    يبدو أنّ مقاييس استعمال الماكياج من أجل الشّعور بالمزيد من الجمال أقل وضوحاً من مقاييس استعمال الماكياج من أجل التَّشخيص والتَّمثيل. مقاييس الجمال الأنثوي يحدّدها السُّوق والموضة، بينما مقاييس ماكياج التّمثيل أوضح لأنّ الهدف منها تحديد ملامح  الشّخصية الملعوبة او المـُشَخَّصة أو المـُمَثَّلة.
    إنّ مقاييس الجمال والأنوثة تختلف من عصر إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، فهي أيضا متقلّبة بتقلب عالم الموضة، الأمر الذي جعل المرأة دائماً في حيرة من أمرها، لكنّها أكثر النّاس إدراكاً أنّ نحولة جسدها مثلا تُظهر جماليّات باقي الجسم، ومن خلال جمال وجهها تصبح أكثر جاذبيّة وجمالاً.  
    يبدو أنّ مقاييس الجمال مكتَسَبَة ومفروضة من قبل المجتمع، أو من قبل فئة محتكِرة تضع المقاييس وتحدّدها للسّلعة الـمُتاجَر بها، ومع الوقت تَقبَلها الأكثرية على أساس أنها هي مواصفات الجمال المقبولة.
       تساءلت، لو كانت هذه السيدة من ذوات البشرة السوداء، فأي ماكياج مناسب لوجهها سيكون في حوزتها؟ هل الماكياج الأسود هو الأقل استهلاكاً لدى معظم النِّساء اللواتي يتمكيجن، بينما ماكياج من يتمتّعن ببشرة بيضاء او قمحيّة او سمراء هو الطّاغي في السّوق التّجاري الذي يستفيد من تسليع المرأة لكي تزيد المبيعات والرّبح؟ هل تُعتَبر صاحبة البشرة السّوداء بشكل عام خارج مقاييس الجمال الذي يُصمَّم الماكياج من أجله؟ 
****  
   يتمكيج الممثل ويغيّر شكله محاولاً الاختفاء خلف دوره او خلف الشّخصية التي يمثلها او يشخّصها او يلعبها، وتتمكيج المرأة وتغيّر شكلها لكي تظهر بمظهر أجمل كما يحلو لها او كما تظن أنّها تبدو أجمل في نظر الآخرين وفي نظرها. الممثل يتخفّى خلف قِناعه او ماكياجِه لكي يظهر بشخصيّة دوره، بينما الأنثى الممكيجة تتمكيج لكي تُظهِر نفسها بشكل أجمل، وهي أيضا تُخفي شكلها الطّبيعي خلف قناع الماكياج.  الماكياج لدى الممثل يشبه القناع، وكذلك لدى المرأة غير الممثِّلة الـمُتبرِّجة أو المــُمَكيَجة. في كلتا الحالتين فالمشترك بينهما، اي بين الممثل والمرأة، هو حب الظّهور. هو يسعى جاهدا ليَظهر بدوره بشكل متكامل ومقنع،  فبالإضافة الى موهبته وحبّه لمهنة التمثيل، فإنه لولا حاجته لردّ فعل الآخرين وطلبه استحسانهم له لما تَعَلّق بهذه المهنة، ولما كان بحاجة للماكياج، اللهم إلّا إذا اكتفى بذلك بهدف الارتزاق، وهي بدورها تسعى جاهدة لإقناع نفسها بأنّها تبدو أجمل أمام الآخرين وأمام نفسها.  إذن فالممثل ليس بحاجة لتغيير ملامحه إذا لم يكن الآخرون موجودين أمامه، والأمر ذاته ينطبق على المرأة. وهما، الممثل والمرأة، بحاجة لكسب رضى الآخر وإعجابه بهما. هو يلعب دوره وهي تلعب دورها.
     هل حاجتها للماكياج نابع من عدم اكتفائها بشكلها الطبيعي؟ لو أنّها رضيت بشكلها الطّبيعي لما كان هنالك حاجة لإنتاج المساحيق. لولا حاجتها لدعم أنوثتها من خلال وسيلة تجعلها مقتنعة بأنّها أصبحت أكثر جمالاً وأكثر قبولاً لما كانت بحاجة للماكياج. ربما خُلقت الأنثى وهي تبحث بالفطرة عن كلّ ما يمكن أن يُظهرها بصورة أجمل ممّا هي عليه حتى وإن كانت جميلة، بينما لا يُخلق الـمُمثل بالضّرورة محبّاً للتمثيل بالفطرة. ولذلك فهي تدأب على تزيين نفسها والتّلاعب بمظهرها، فعنصر حبّ اللعب والتّلاعب في مجال التّمثيل هو عنصر مشترك بين الممثل والمرأة الـمُتَبرِّجة. إنّ عنصر التَّخفّي خلف الماكياج يوحي بالنّزوع الى خلق شخصيّة جديدة لمستعمِلِه أو لـمُستعملتِه، تختلف عن شخصيتّه او شخصيتّها الطَّبيعيّة.
بين مقاييس الجَمال، ومقاييس التّشخيص او التَّمثيل، والتَّبرُّج:
    تختلف مقاييس الجمال باختلاف عادات وتقاليد الشّعوب، وتنعكس هذه التّقاليد على فنونهم؛ فعاداتهم وتقاليدهم وسُبل حياتهم اليوميّة تنعكس على أعمالهم الإبداعيّة، فتتّخذ أشكالاً أكثر كثافةً وحِدَّةً ووضوحاً. قد يتساءل البعض، لماذا تتحدث عن ماكياج الأنثى بشكل مركّز أكثر من ماكياج الرّجل، او ماكياج الممثل؟ حاجة المرأة للماكياج إذا كانت ممثّلة، هي ذاتها حاجة الممثل للماكياج.
    خلال زيارتي لليابان كنت محظوظاً بمشاهدة عرض مسرحيّ لمسرح "الكابوكي"، حيث شاهدت طوال العرض امرأة جميلة جدا، ممكيجة، تلبس زيّاً ساحر الألوان، وتتحرّك بكامل حركاتها الأنثوية. بعد العرض فاجأني أحد أصدقائي اليابانيّين أنّ الذي قام بدور المرأة هو ممثّل وليس ممثّلة، وكان هذا النّوع من التّمثيل يُطلق عليه اسم "أوناغاتا". كان ذلك امتداداً لعادة يابانيّة قديمة جداً متّبعة منذ تأسيس مسرح الكابوكي في القرن السّادس عشر، حيث أنّ التّقاليد لم تكن تسمح للفتيات بالتّمثيل، فأُسنِدت الأدوار للرّجال، ولاحقاً سُمح فقط لفتيات "الجيشا" أو "الغيشا"، بالقيام بهذا الدّور، وبعضهن من فتيات الهوى أو البغايا اللواتي كنّ يعملن في بيوت الدّعارة. كان يُعتقد أنّ النّساء الممثّلات في هذا المسرح يُعتبَرن مُنحطّات أخلاقيّاً.
   إنّ شكل الـمَساحيق والملابس الزّاهية والفاتنة، وطريقة تصميم الشَّعر والمساحيق، تجعلنا لا نشكُ للحظة أنّ من يقوم بالدّور هو رجل، بل إنّ ما يتطلبه من تدريب قاسٍ ودقيق يجعلنا نقتنع كليّاً أنّه امرأة بكل ما تعنيه من أنوثة ودقّة حركة وتعابير.
     ماكياج الممثّل الذي كان يقوم بدور المرأة عبارة عن طبقة سميكة من الأبيض تغطّي الوجه والرّقبة والصّدر، وأحمر شفاه لامع وأسود حول العين وعلى الحاجبين. اتّضح لاحقا أنّ هذا الماكياج الأبيض سامٌّ فاستُبدل بقناع من مسحوق الأرز. كانت شخصيّة المرأة التي يمثّلها رجل هي المقياس السّائد لشكل أنوثتها، وما تتحلّى به من نحافة جسد وخصر. إذن فالمقياس هو ما اتُّفِق عليه جماعيّاً واجتماعيّاً.
    هل المقياس هو ما يقرّره الآخرون والموضة؟ فمثلا كان العرب يميلون الى المرأة السّمينة ويعتبرون النّساء الجميلات هن السّمينات، بينما أصبح مقياس الجمال العصري لجمال المرأة هو المرأة الممشوقة القوام.
    كانت ضرورات الظّهور بمظهر جميل بناءً على مقاييس محدَّدة للجمال يؤدّي الى التَّسمُّم بسبب الماكياج، او يؤدّي الى آلام شديدة بسبب شدّ الخصر لكي يصبح أكثر نحافة، أو إلى حشر قدميّ الطّفلة داخل حذاء ضيّق، فتبقى كذلك حتى تصبح فتاة جاهزة للزّواج؛ ومن أجل المحافظة على حجم صغير للقدمين لا يزيد طول كل قدم على أقل من عشرة سانتيمترات، ما كان قديما يُعتبر، في بعض أنحاء الصين منذ القرن العاشر، مقياساً من مقاييس الجمال الأنثوي، وأُطلق على هذا النّوع من الجمال القَدَميّ "القدم الذّهبيّة" أو "أقدام اللوتس". عندما كانت الطّفلة تبكي متألمة، تطمئنها الوالدة قائلة لها: "ستتعوّدين على هذا الوضع، الى حين تكبرين وتحظين بزَوجٍ جيّد". إنها نقمة الحصول على الجمال من خلال العذاب والألم. الغريب في الأمر أنّ الإذعان لهذه العادة أصبح عن قناعة، لأنّ الطّفلة او الفتاة تجد في مثل هذا التَّفكير السائد أمراً مقبولاً ولصالحها، فما دام الجميع يسعون الى ذلك فلا بدّ أن يكونوا صادقين ويعرفون مصلحتها.   
     وأمّا ما ورد عن بعض مقاييس الجمال لدى العرب قديما فهو كالتالي: "ناعمة، كحلاء العينين، حمراء الخدّين، مملوءة السّاقين، ملساء القدمين، درماء الكعبين (ممتلئة الكعبين)، ملفوفة الفخذين، لـَمْياء الشفتين (شفتان ناعمتان سمراوان)، ناعمة الأليتين، رشيقة الخصرين، حالكة الشعر، غيداء العنق، ناهدة الثّديين"، وما جاء في شعر "كعب بن زهير" على سبيل المثال:
"هيفاء مقبلةٌ، عَجزاء مُدبرة، لا يُشْتَكى قِصرٌ منها ولا طولُ". نلاحظ من هذه الأوصاف أنّه لم تُذكر المساحيق او وسائل التَّبرّج التي نعرفها من المسرح الياباني او من أنواع التّبرّج الحديثة سوى مادة "الكحل"، بل حتى صفة "كحلاء" تُطلق على الفتاة صاحبة العينين الكحيلتين، وهي صفة تطلق عليها أكانت مُكحّلة بالكحل ام أنّ طبيعتها هي كذلك.
    هل تحاول المرأة خارج مجال التَّشخيص او التَّمثيل أن تُخفي ما قد يقلّل من أنوثتها وجاذبيتها الجمالية لقناعتها أن مقياس جمالها نابع من مقاييس جماليّة متعارف عليها جماعيّاً واجتماعيّاً، مثل النّعومة، جمال الوجه اي الوجه الخالي من البثور والنتوءات والاعوجاج والخشونة والتّجاعيد، والإبقاء على شَعر رأسها كعنصر من عناصر جمالها الأنثوي، والتَّخلص من سائر الشَّعر على جسدها، والذي قد يوحي بتشوُّه في جمالها، او لما قد يُحدثه من عدم قبولٍ لها، وعدم جاذبيتها الأنثويّة عندما تكون في مرحلة حمل او ولادة او عادة شهريّة؟ هي تطمح أن يبقى جمالها بنظر الآخرين بشكل دائم بحيث لا تؤدي هذه العوامل الى التَّقليل من أنثويتها وجاذبيّتها. هل هي تقوم بذلك لكي تجذب الذّكر، وهو يقوم بإبراز رجولته خارج مهنة التَّمثيل بدافع جذبها؟ هل هي تقوم بذلك بدافع عدم القناعة بطبيعتها الأصليّة التي جُبلت بها وفُرضت عليها بالوراثة، فتسعى الى كمالها بتغيير نفسها بالمــُكتسَب؟ هل يضع الممثل الماكياج لضرورات تقنيّة بينما هي في حياتها اليومية تقوم بذلك لضرورات جَذْبِيَّة، ولكي تَظفر بظهور مقبول تسعى نحو صياغة ذاتها وراثيّاً بدافع حبّها للتوليد والحاجة الى الأمومة؟ يغيّر الممثل شكله في التّمثيل لأنه محكوم بمتطلبات تقنيّة المهنة، بينما هو محكوم بالوراثة بسعيه نحو إعادة صياغة ذاته من جديد من خلال المرأة. 
    هل هي مسألة طبيعيّة متوارثة منذ الأزل بأنه على الأنثى أن تؤكد على أنوثتها وأن على الذَّكر أن يؤكد على ذكورته؟ هل هي تقوم بذلك لكي تجذب الذَّكر وهو يقوم بذلك لكي يجذب الأنثى؟
    وخلاصة الأمر، وفي جميع الحالات، فإنّ حبّ الظهور لدى الإنسان هو حاجة ملحّة وضرورة حياتيّة لا مفرّ منها. إنّ جزءاً أساسيّاً من طبيعة الإنسان هو البحث عن بيئة تستحسنه وتَقْبَلُه،  وهو أمر عام ينطبق على كل انسان، أكان ممثلا أو ممثلة، رجلاً أو امرأة...إلخ، فهو يحتاج الى رضى الآخرين عنه، وان يكون ما يُظهِره مُستَحبّاً ومشَجَّعا من قبل الآخرين. 
   يسعى الانسان الى الجمال والكمال، أكان ذلك في بحثه عنهما، أو فيما يعكسه من تصرّفات، ومن إبداع، أكان ذلك من خلال أدواته المتنوّعة في حبّه للظهور، أو من خلال مهنته في التمثيل أو في الحياة، او من خلال جمال شكله او جمال شخصيته المعنويّة والماديّة. إنّه يعيش مُراقَباً ومراقِباً في بيئة اجتماعية تجعله بين مُتَلقٍّ ومُلْقٍ ما لديه في بيئة مجتمعيّة لا يستطيع الفكاك منها إلّا اذا استطاع أن يعزل نفسه عنها كلِّيّاً. 
****  
*مسرحيٌّ وكاتب وروائي وباحث فلسطيني
       

الهيئة العربية للمسرح تعلن : ثمانية وعشرون متنافسا وصلوا قائمة العشرين في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار

مجلة الفنون المسرحية 
ثمانية وعشرون متنافسا وصلوا قائمة العشرين في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار.
الهيئة العربية للمسرح ستعلن النتائج النهائية في العاشر من يناير 2022.

مائتان وخمس وخمسون نصاً تنافست في النسخة الرابعة عشرة من مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار (فوق 18) التي نظمتها الهيئة العربية للمسرح للعام 2021، حيث جاء الكتاب المتنافسون من ثلاث وعشرين دولة عربية وغير عربية، وكانت أعلى المشاركات قد سجلها الكتاب المصريون إذ بلغ عددهم في المسابقة مئة وثلاثة فيما سجلت المشاركات العراقية سبعًا وثلاثين، والمغربية واحدة وعشرين والجزائرية عشرين، وتوزعت باقي المشاركات على باقي الدول.
النسخة الرابعة عشرة من المسابقة التي انطلقت عام 2009 حملت ناظماً لها بعنوان (نصوص تشتبك مع التحولات الراهنة ثقافياً وفنياً واجتماعياً) وذلك في إطار استجابة المسابقة لما يعيشه المسرح خاصة والعالم عامة من تحولات وتحديات.
المسابقة التي ترسخ حضورها عاماً بعد عام تعتبر الأهم عربياً على صعيد تأليف النص، وقدمت خلال نسخها السابقة عشرات النصوص المميزة والكتاب المميزين، وشكلت عتبة لانطلاقهم عربياً.
وشهدت النسخة الرابعة عشرة تنافساً شديداً، حيث احتل ثمان وعشرون نصاً القائمة القصيرة التي تتكون من عشرين مرتبة، في تقارب شديد في التقييم وتساوٍ في أحيان كثيرة، وهذه هي النصوص التي تأهلت لقائمة العشرين، مع ملاحظة أن ترتيبها هنا لا علاقة له بتسلسل النتائج.

 عنوان النص.                          المؤلف.        الدولة
1 2125                   سناء بنت بشير الأيوبي تونس
2 أبطال بلا سلاح        مصطفى محمد ظافر أحمد آغا سوريا
3 أبواب مشرعة         سعد هدابي طعمة سعيدي العراق
4 أبيض وأسود          الازهر بن العربي زناد تونس
5 أشباح إيزابيل سلامة   ابراهيم الحسيني علي محمد مصر
6 ألـ هناك                 محمد محمود محمد يسن مصر
7 الآخرون                سليم كتشنر استاورو جورجيوس مصر
8 العائدون من البرواز   سعيد حامد عبد السلام شحاتة مصر
9 العشاء الأخير          بيات محمد حسين مرعي حسين  العراق
10 الكسا            إدريس الجاي ألمانيا
11 المتهم                   هشام بن عبد السلام هرابي تونس
12 الناقرون الجدد        عبد المؤمن ورغي الجزائر
13 أوكسجين               علي أحمد عليان عليان الأردن
14 تباريح للرمادي         سمير عبد الفتاح عبد الله اسحم اليمن
15 حلقة مفرغة          عيسى خليل ابراهيم عيسى علي الدرازي البحرين
16 خارج نقوش المسلة    محمود عبد الله درويش عقاب مصر
17 سكنوا الديار           هاني مصطفى محمد قدري مصر
18 سيد البيد               أحمد محمد حسن عبد الفضيل مصر
19 شقيق الورد  عزيز حسين السقاف الدنمارك
20 طباق                  طارق أحمد مصطفى سوريا
21 ظلال الحب والسلام.  ثائر الناشف النمسا
22 ظلال الحياة في شقة مغلقة سعيد رمضان عبد الله مصر
23 عائلة افتراضية.        محمود خليل حسين السيد مصر
24 عزاء فاخر            علي صلاح عبد الحسن عبد الحسن العبادي العراق
25 عزلة تبني أعشاشها بتأن  آمال الرامي المغرب
26 فليسقط مكبث           أحمد ثابت حسين جاد الله مصر
27 قيد الانتظار           غسان علي عثمان نداف فلسطين
28 مسه الضر           أحمد مصطفى أحمد سراج مصر

هذا وسوف تعلن اسماء الفائزين بالمراتب الثلاثة الأفضل ضمن احتفالات الهيئة باليوم العربي للمسرح في العاشر من يناير 2022.

الهيئة العربية للمسرح تعلن قائمة العشرين في مسابقة تأليف النص الموجه للطفل

مجلة الفنون المسرحية 
الهيئة العربية للمسرح تعلن قائمة العشرين في مسابقة تأليف النص الموجه للطفل

25 نصاً في القائمة القصيرة قائمة العشرين
اسماعيل عبد الله: نحرص على معايير تحكيم تضمن مخرجات تليق بما نأمله لأجيالنا الصاعدة من ثقافة ومعرفة.
تأهل خمسة وعشرون كاتباً تحتل نصوصهم قائمة العشرين في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للأطفال (- 18) النسخة الرابعة عشرة والتي نظمتها الهيئة العربية للمسرح للعام 2021، تحت العنوان الناظم (نصوص تشتبك مع التحولات الراهنة ثقافياً وفنياً واجتماعياً)، حيث اعتادت الهيئة أن تضع ناظما سنوياً يستجيب للأسئلة الراهنة ويتفاعل معها، كما يقرب المسابقة من مستوى العدالة التنافسية المطلوب.
هذا وقد عرفت المسابقة في نسخها السابقة تقديم أسماء جديدة ومبدعة في عالم تأليف النص المسرحي الموجه للطفل، وأثرت نصوصهم العروض المسرحية. إذ تتفاعل المسابقة مع المبدعين في معظم الدول العربية وحيث يقيمون في المغتربات.
في هذه النسخة من المسابقة سجلت المشاركات المصرية أعلى عدد حيث بلغت سبعاً وخمسين، فيما تلتها المشاركات الجزائرية بواحد وعشرين مشاركة والسورية بعشرين مشاركة والمغربية بتسع عشرة مشاركة والتونسية بثلاثة عشر مشاركة والأردنية بتسع مشاركات فيما توزعت باقي المشاركات على باقي الدول.
الأمين العام للهيئة العربية للمسرح اسماعيل عبد الله هنأ المتأهلين لقائمة العشرين بقوله: إن لذلك معنى واضحاً وكبيراً في امتلاك هذه النصوص شرعية التنافس الإبداعي، في ظل شروط صارمة للمسابقة، إذ تحرص الهيئة على معايير تحكيم تضمن مخرجات نصية تليق بما نأمله لأجيالنا الصاعدة من ثقافة ومعرفة.

أما النصوص التي تأهلت لقائمة العشرين فهي كالتالي، مع ملاحظة أن هذا الترتيب لا علاقة له بتراتيبية الدرجات:

  العنوان المؤلف الدولة
1 آدم وشجرة الأجداد                الشيماء رجب أحمد أبو سريع الشرقاوي مصر
2 أرنوب وحارس الحظيرة          أحمد محمد طوسون عبد العزيز توفيق مصر
3 أصدقاء القمر                          إباء مصطفى الخطيب سوريا
4 أمنيات مملكة المعلومات        محمود عبد الله درويش عقاب مصر
5 انتهت اللعبة                            حسن عبد راضي الفريجي العراق
6 بلا هوية                                    إيمان سعيد شافعي سليمان مصر
7 جبل البلسم                            أحمد عبد الرحمن قشقارة سوريا
8 حدث في قرية السناجب        عقيل عبد الله حسين العراق
9 رحلة  في مجرة الخيال                            خالد سيد حسونة عبد المجيد مصر
10 الطباخ الراقص وحبات الفشار  يوسف اسماعيل يوسف البري الأردن
11 عسل                          احمد بنسعيد المغرب
12 عصي ومخاريط                    مهند ثابت العاقوص سوريا
13 فتاة النفايات                            احمد سمير قرني محمد مصر
14 القرية الذكية                          محمود محمد محمود القليني مصر
15 لغز الملك                              منيار أحمد العيسى سوريا
16 ما قاله أبي                              أحمد عطا عباس ابراهيم مصر
17 متجر العجائب                    منذر بن خالد بن مرهون السعيدي عُمان
18 محاكمة افتراضية              مصطفى سعيدي المغرب
19 مدينة المقصات                  حسان الجودي هولندا
20 المسرحية                                ياس جياد زويد الفهداوي العراق
21 المصباح الأزرق                    عبد المقصود محمد عبد المقصود مصر
22 ملحمة جيل هامش        خميس ياسين علي حجير الأردن
23 هارب من الكورونا                يوسف الشاطر المغرب
24 هوما هوما                                  عيسى خليل الصيادي سوريا
25 وردة وملك الهدايا                      أبو بكر حمادي الجزائر

وسوف تعلن الهيئة العربية للمسرح عن الفائزين بالمراتب الثلاث ضمن احتفالها باليوم العربي للمسرح الذي يوافق يوم العاشر من يناير 2022

الأحد، 2 يناير 2022

علي دعيم يتألق في " إعادة ضبط المصنع" / عبد العليم البناء

مجلة الفنون المسرحية 

السبت، 1 يناير 2022

آي مـيديا: مـن فضاء الهـجنة إلـى الفـرجة الخـلاسية / حاتم التليلي محمودي - تونس

مجلة الفنون المسرحية 

آي مـيديا: مـن فضاء الهـجنة إلـى  الفـرجة الخـلاسية

مدخل: سؤال الحدّ وتوطين العرض

أكّد سليمان البسام في عمله الأخير  أن شخصية ميديا - النائمة في بطن الآثار التراجيدية مع يوربيدس-، من الممكن أن تكون شرارة مسرحية عبرها يتكوّن السؤال عن الوضع ما بعد الكولونيالي من جهة "المهاجر الذي تعاد منه كتابة تاريخ الحداثة".  إنّ هذه المرأة القوقازية من كولشيش والقادمة من وراء البحار و "غير الشرعية في كورنثيا"  هي تلك العلامة الجذرية على الإنسان المنبوذ في أرض ليست وطنه فقرّر الانتقام وتشغيل النّار، ولهذا فهي مؤهّلة للاستدعاء من جديد على الركح المسرحي شريطة  تدمير النص الأصلي الذي امتلكه يوربيدس، وإعادة توجيهه على نحو تنتهي فيه نقاوته، ويعتمل فيه ذلك السؤال: هكذا يدعونا سليمان البسام منذ بداية عرضه "آي ميديا" إلى رمي الأسطورة الأصلية عرض الحائط، مؤكّدا أنّه باستعادتها سيقول شيئا مّا غير الذي قيل سابقا. نعم، يوحي لنا صاحب هذا العمل أنّه يتعكّز على نصّ تراجيدي غابر قصد تصريف عرضه المسرحي، ولكنّه في الحقيقة يستدرجنا إلى السكن في فضاء بينيّ متداخل أشبه بمنطقة "القلق والهجنة والانشطار"، من خلاله "تخلق إمكانية الاستنارة والتدبر والمقاومة، بل وإمكانية الهدم، من العيش عند التقاطع والتجاذب". ربّ فضاء كان قد وسمه المفكّر الانجليزي "هومي بابا" بالفضاء الثالث من سماته من تخطّي السائد الكولونيالي، وتخريب الرّاهن الثقافي والاندفاع من سلطة الثابت إلى فعل الانقطاع عنه، ومن سماته أيضا الاختراق كما لو أنّه إحدى ضروب خلخلة الساكن بين الأنا والآخر: إنّه ذلك اللقاء على حافّة الحدود أين تتلاقى الهويات والأعراق والثقافات وتتنازع في الآن نفسه، وأين يمكن للهامش والحواف التكلّم لتنهار سلطة المركز، وأين يتمّ فيه استدعاء الأصل بغاية تدمير نقاوته وتهجينه، وأين  ينشأ فيه التفاوض بين الاختلافات على نحوٍ متوتّر. 
ضمن هذا الاستشكال من الإقامة الحدودية التي استدرجنا إليها سليمان بسّام سيبدو العرض كما لو أنّه ضرب من تقطيع أوصال الأسطورة الأصلية (ميديا) بإعادة تمثيلها على نحوٍ يتمّ فيه تشغيل السؤال عن المشترك التي تؤسسه الأطراف في ضوء النزاع الدائر بين شمال الماء وجنوبه ومشرقه، وعلى نحوٍ يتمّ فيه استدعاء القديم/ الأصل قصد تدمير نقاوته من منطلق إعادة الاعتبار للتجاذب الثقافي ووضعه في مقام التهجين، وعلى نحوٍ تتمّ فيه مساءلة كافّة أشكال التمركز من زاوية خلخلة سلطتها، وعلى نحوٍ يصبح فيه العرض برمّته عرضاً مسرحيّاً حَدِّياً. ليس الحدّ ما ينتهي عنده الشيء، "الحدّ كما أدرك الإغريق، ما يبدأ منه شيء مّا حضوره"، هكذا  وقّع هيدجر. فمرحبا بميديا يوربيدس إذ منها تبتدأ ميديا سليمان البسام، ومرحبا بكورنثيا إذ منها يبدأ الحديث عن الفضاء ما بعد الكولونيالي، ومرحبا بالتراجيديا الغابرة إذ منها يبدأ الأداء بدل التمثيل.
1- الاستدعاء والتدمير : تقطيع الأوصال
على أيّ نحوٍ تمّت عملية استحضار النص الأصلي ليوربيدس؟ كيف قدّ ككيان دراماتورجي جديد في عرض "آي ميديا" لسليمان البسام؟ كيف تمّت عملية خصي فرادته وتلويث نقاوته؟ ما الذي تبقّى من ميديا الأسطورة في اللّحم المسرحي الذي نشاهده الآن؟ هل لميديا القديمة كلّ هذه القوّة في الحاضر حتى يتمّ استحضارها الآن؟ هل يمكن الاطمئنان لحضورها الراهن بوصفها طاقة ترميزية هائلة تشير إلى تكرار الماضي في نسخة آنية؟ هل يمكن سلخها عن انتماءها الأوّل مع يوربيدس وتحريرها بتحرير أبعادها وتشغيلها على نحوٍ جديد؟  ما الذي يوجد تحت جلد ميديا حتّى تأتي الحاجة لاستدعائها؟ أيّ قولٍ مسرحيّ في الحاضر يمكن تشغيله في الفرجة على لسانها؟ ما هي رمزية كورثنيا كمكان لهجرة ميديا إليه؟ هل لكورنثيا الحديثة مكانة حالية من حيث إعادة تشغيل انتقام ميديا القادمة من وراء البحر؟ هل ثمّة مسلخ دموي تجري عملية تصريفه الآن في فضاء كورنثيا؟ هل لميديا نفس الدور القديم من حيث تشغيل المجزرة في كورنثيا؟ على أيّ نحوٍ سيحضر كريون وجاسون في مسرحية "آي ميديا"؟ هل لهما نفس الدور القديم أم أنّهما سيضطلعان بأدوار أخرى من خلالها نكتشف شبكة علاقات جديدة بين الشخصيات مع سليمان البسام؟ هل ستلعب ميديا في هذا العرض نفس الدور القديم بوصفها مغدورة في حبّها أم أنّها ستقذف في قول جديد ووضعيات مغايرة؟ ما مصير الكورس والحال أنّه هو الذي أوصل إلينا نبأ قتل ميديا لطفليها؟ ما الذي يحدث في كورنثيا الجديدة فيعيدنا إلى استحضار ميديا يوربيدس؟ وهل وجود ميديا الحالي مع سليمان البسام إحالة جندرية على انتقام المرأة أم أنّ له طابعاً مغايراً من شأنه تدمير الفضاء السياسي لكورنثيا الجديدة؟ هل يُعَدُّ عرض "آي ميديا" ضرباً من "كتابة المحو على أنقاض كتابات أخرى سابقة" مثلما هو الحال في مسرح ما بعد الدراما؟ هل يعدّ سؤالا عن مقدار الدقّة التي من خلالها نعرف الماضي أمام هول ما يجري الآن في الحاضر؟  
لقد سبق أن ناحت ميديا مع يوربيدس: "ليت الموت يطويني/أمّا أنا فوحيدة ولا وطن لي"، وقرّرت الانتقام حين أراد كريون نفيها من كورنثيا نتيجة خوفه منها: "إنّني أخافك"، وكانت النهاية أَنْ أتى "الدمار على البيت كلّه". إنّ قاتلة أخاها التي هاجرت إلى كورثنيا بسبب الحبّ مطعونة الآن بعد أن قرّر زوجها جاسون طلاقها وزواجه بابنة كريون، وهكذا تحوّل فعل القتل معها إلى قتل مضاعف بعد أن ذبحت طفليها انتقاما، وبعد أن تخلصت من زوجة زوجها وأبيها بشكل متوحّش لا يطاق. قد تبدو هذه هي القصّة الحقيقية التي مَسْرَحَهَا يوربيدس  وقدّمها إلى الإغريق القدامى، ولكنّها قصّة تمتلك من الفاعلية ما يجعلها تخرج عن مرماها الأصلي المتعلق بالانتقام الجندري الذي تمارسه المرأة كردّة فعل على الرجل، وهذا الخروج هو ما يتحقّق في الموقف الكورنثي من المهاجر إلى أرضه بوصفه بربرياً ومتوحشاً، ولهذا لم تكن ميديا شخصية مأساوية بالمرّة، بل شيطانا مدمّرا وقاتلا تمتلكه شهوة الدم وتقطيع الأوصال وتشغيل الجريمة، ولهذا أيضا يتعاطف الجمهور مع زوجها بعد موت طفليه وزوجته الجديدة ولا يرى في ميديا إلا تلك الغريبة التي روّعت الوجود السياسي لكريون المقتول سيّد كورنثيا.
من هذا الغسيل الدموي الذي وجد مع يوربيدس ولدت ميديا الجديدة لسليمان البسام. ربّ ولادة هي الآن تضعنا في مقام مدلولات جديدة، تصبح فيه ميديا سؤال الهجرة من الأطراف إلى المركز، وسؤال المجزرة حول ما يحدث ضدّ المهاجرين على حافة كورنثيا الجديدة: أولئك الذي عبروا البحر، وأولئك الذي طردتهم الحروب، وأولئك الذين ردمت أجسادهم رمال الصحراء الإفريقية، وأولئك الذين تمّ صيدهم من قبل أكلة الله الإسلامي في أفغانستان. إنّنا ننتقل من "ميديا يوربيدس" القادمة إلى كورنثيا إلى آلاف النسخ من "ميديا سليمان" البسام تحت عنوان المهاجرين إلى هناك، ولهذا فميديا "المرأة غير الشرعية في كورنثيا" تعبّر بشكل سافر عن مساندتها وتضامنها مع المهاجرين الأفغان والسوريين والعراقيين والأفارقة المعلّقة شرايينهم على السواحل بالقرب من الحدود الكورنثية. ضمن هذا المقام الذي اجترحه سليمان البسام يصبح الغرب هو البديل المتعالي عن كورنثيا القديمة وموقفه السياسي من قضية اللاجئين أو المهاجرين ممثّلا من قبل شخصيتي كريون وجاسون، أما الكورس الذي كان يردّد علينا جرائم ميديا مع يوربيدس فممثّل الآن من خلال صوت المهاجر الإفريقي الزاحف من فلوات الصحراء حيث أغاديس البعيدة. 
2- فضاء الهجنة 
على هذا النّحو من الاستشكال المسرحي، كان سليمان البسام يجرّ ميديا يوربيدس إلى عرضه المسرحي قصد تدميرها بتدمير نقاوة النص الأصلي وإعادة مسرحته في ضوء قضية جديدة. إنّ إضراب ميديا عن الطعام ووقوفها في وجه كريون وجاسون أمام حالة الاختناق التي تمرّ بها كورنثيا بسبب المهاجرين ما هو إلا علامة جذرية على السكن في ذلك الفضاء الثالث أين يبدأ السؤال عن "خلق أشكال تثاقفية جديدة داخل نطاق الاحتكاك الذي يخلقه الاستعمار"، وأين تنشأ ثقافة حدودية "مبنية ليس على غرائبية التعددية الثقافية أو تعددية الثقافات، ولكن على نقش هجنة الثقافة والتمفصل حولها". لقد قفز سليمان البسام إلى نقطة اللاعودة، فالماضي الذي يعود لن يكون كما كان، ولميديا أن تأتي على نحوٍ مربكٍ ومخاتلٍ وغريبٍ غيرَ الذي كانت عليه، ولن يمكن معها التبجّح بنقاء النص الأصلي ليوربيدس، كما لا يمكن إطلاقا النظر إلى النصّ/ المنتج النصي الجديد للعرض على أنّه نصّ نقيّ هو الآخر: إنّه حصيلة مفعول الهجنة أين تستقرّ ثقافتين متنافرتين على نفس الحدّ في كورنثيا.  إنّ ماهية السؤال عن الجدوى من إحياء ميديا مجدّدا، هو ما تمتلكه من طاقة رمزية هائلة في التعبير عن جحيم الراهن، ولذلك فإنّ عملية تقطيع أوصالها ما هي إلا حدث جمالي يرسم استشكال الرّاهن في ضوء مصاحبة التاريخ المتكرّر، ولهذا أيضا سيصحّ القول مع ليندا هتشيون: "إن معرفة الماضي تصير مسألة تمثيل،أي، مسألة إنشاء وتأويل، وليست مسألة تسجيل موضوعي".
ما الذي نعثر عليه في فضاء الهجنة من داخل اللحم المسرحي لعرض "آي ميديا" إذن؟  كم ثمّة من شيء آخر حلّ في هذا العرض ومارس تقويضا للخطاب المسيطر؟ أن نسافر مع هذا العرض يعني أنّنا نكتشف أكثر من عرض مضمّن من داخله، إنّنا نصطدم بقصّة ميديا المضربة عن الطعام مساندة للجهة الأخرى من العالم، ونصطدم بقصّة امرأة مات طفليها نتيجة القصف فالتجأت إلى انتظار القصف الثاني بعد أن عجزت على حمل التابوت، ونصطدم بقصّة ماريا كلاس وأسطورة علاقتها بالمليادير اليوناني أرسطو أوناسيس، ونصطدم بقضية المهاجرين من العراق وأفغانستان وجنوب الصحراء الأفريقية، ونصطدم بقصّة السوريين أمام مسالخ الدم التي قدّها داعش؟ ونصطدم بقصّة الخليجي العربي في الفضاء الغربي، ونصطدم بقضايا الميز العنصري والصدمات الاستعمارية. نعم، لقد تمّ تغميس قضايا المستعمَر في فضاء المستعمِر وذلك من جهة استدعاء ميديا وإعادة توجيهها من جديد في الحاضر: "تخيّلت ميديا في غضبها الحيواني الرهيب وهي تأخذ السكين لأطفالها كمفصل منحرف لانتقام ما بعد الاستعمار".   
في فضاء الهجنة هذا، يستحيل الإقرار بمعنى واحد يضفيه العرض، لأن شخصيات الحاضر تنزّ مثل الدم من جسد الماضي، والقصة بقدر ما تبدو كما هي مع يوربيدس تنشطر قلقة في عوالم ومناخات جديدة وتنفجر إلى قصص جديدة متنافرة، فيختلط معها الثابت بالمتحوّل والمفكّك بالمركّب والأصيل بالهجين، ويتشابك فيها الزمن الأسطوري بالزمن الواقعي،  ويحدث إذ يلتقي الطرف المناهض لطرف آخر على نفس الحدّ فيحصل الانفجار ويولد الهجين بوصفه اختلاطا غير شرعيّ بين الأجناس أو امتزاجا بين مركبات ثقافية متناقضة منها يولد كيان جديد أين يكون للهوية ذلك الإحساس بالحضور المزدوج في الوجود. 
ما يقدّمه فضاء الهجنة مع سليمان البسام، هو ذلك الالتقاء بين "الهويات الهاربة" أين يحدث التصادم بينها وبين هويات أخرى فتتم عملية تدمير كليها، فهنا في زمن هذا العرض ينشأ السجال بين ميديا وجاسون وكريون حول مصير المهاجرين العالقين على الحدود: سجال مصدره  ثنائيتي المواطنة الكورنثية والبربرية القادمة من الشرق أو جنوب الماء، وسجال توغّل في التشابك مانحا هذه الهويات والأعراق أن تتكلّم على نفس الحدّ مبدّدة أسطورة التفوّق والتمركز من خلال إعادة تنسيبها ورفع الحصانة عنها. 
وما يقدمه فضاء الهجنة مع سليمان البسام، هو ذلك الحضور في تخوم الحدود أين تلتقي الثقافات مجرّدة من نقاوتها ومدعوّة للمساءلة، فهنا في زمن هذا العرض يحتدم التعارض حول مسألة النقاب وأبعاده وخلفياته، وتتكلّم الشخصيات بأكثر من لغة ولهجة كعلامة فريدة على ضياع اللغة الأصل وانصهارها في لغة مهجّنة وجديدة، وتمتزج فيه الأغاني بروح أكثر من شعب تحت جلد موسيقيّ واحد غريب ومنشطر.
وما يقدمه فضاء الهجنة مع سليمان البسام، هو ذلك الاستدعاء المريع لنصّ تراجيدي غابر أين تتمّ عملية محاكمته من زاوية تقطيع أوصال حقيقته المطلقة التي ارتكزت عليها قيم التراجيديا. نعم، لقد كان للتراجيديا أن تتأسس على القيم المطلقة التي قدّها العقل الإغريقي، لكن ها هي الآن في زمن العرض مجزّأة ومتلاشية كعلامة جذرية على انهيارها بالكامل: لقد أصبح الإنسان المعاصر في مرحلة الشكّ، الشكّ الذي يزعزع يقينه، ويقذفه من زمنه التراجيدي إلى أفق زمن جديد هو زمن النسبية والتلاشي، ولهذا فإنّ ما ينبني عليه هذا العرض هو تلك المراوحة بين الانجذاب إلى النص الأصلي والهروب منه في الآن نفسه، والمراوحة على هذا النّحو هي ضرب من إعادة تخصيب المعنى على نحو لا تكون فيه المحاكاة مجرّد إنتاج للشيء الأصلي بل "ليس هو بالضبط" وفقا للتحديد الذي صاغه "هومي بابا".
3- لحم العرض أو في الفرجة الخلاسية 
ما معنى أن ننظر إلى مسرحية "آي ميديا" بوصفها عرضا خُلَاسِيّاً؟ كيف يمكن قراءة لحمه الفرجوي من زاوية تقول بتحرّر المسرح من كلّ نظام مغلق؟  أليس الحدّ  - بعبارة عمر العلوي-، "موضع سكنى مستحيل"؟ كيف نقرأ هذا المستحيل بوصفه إعادة تركيب أو نسجا للعلاقات والأطراف المتنافرة؟ وبأيّ معنى يمكن النظر إلى الفرجة المسرحية في هذا العرض بوصفها خلاسيّة؟ 
لتحصين الأجوبة حول مختلف هذه الأسئلة سنستدعي استعاريّا كلّ من كلمة الرحم وكلمة المنيّ. الرحم بوصفه طينا مؤهّلا للعجن وإعادة التشكيل، والطين في هذا المقام هو مجموع المناخات والمرجعيات التي اعتمدها العرض كنقطة انطلاق قبل تصريفه فرجويا، تلك المتمثلة في الاشتغال على نصّ تراجيدي غابر والزجّ به في أطروحات جديدة وقضايا شائكة هي قضايا المهاجرين على الحدود الغربية.أما المنيّ فبوصفه طاقة التخصيب التي من شأنها توليد العرض من ذلك الطين نفسه. وفقا لهذا المعجم الجنسي سنستضيف مفهوم الخلاسية، ومفردة الخلاسيّ كما يحدّدها معجم المعاني الجامع تعني "من ولد بين أبوين أبيض وأسود"، أو هي ذلك الخليط بين عنصرين متنافرين من عناصر الطبيعة، أو هي علامة جذرية على مولد جنس خلاسيّ غير نقيّ من الناحية العرقية. على هذا النّحو سيصبح جائزا القول بأن الخلاسية هي إنتاج كيان ثالث هجين، وعلى هذا النّحو أيضا سيجوز  القول بأنّ طين العرض/ رحمه هو مجموع قطرات المنيّ مختلفة المصادر التي أفرزت هذه الفرجة.
نعم، إنّنا نلاحظ هذا الخلاسيّ من خلال تغميس جملة من الشخصيات في الجسد الواحد للممثّل أين يصبح فيه مبتورا عن المعنى الواحد، ومنشطرا في أبعاد مختلفة: ها هو الممثل سليمان البسام في دور كاتب النص، وها هو في دور جاسون، وها هو في دور كريون، وها هو في دور منشط المقابلة التلفزيونية مع ميديا، وها هو في دور سليمان البسام أيضا أين يبدأ الحديث عن مسرحة الذّات أو عن "الانعكاس الذاتي داخل الفرجة". لقد قفز هذا الممثل على الركح على نحو ساخر وبارد لكن متهكم وعنيف،  وعلى نحو حربائي إذ مهمّته الرّقص على الحدّ الفاصل والواصل بين شخصية وأخرى، فلا هو هذه أو الأخرى. إنّ هذه الإقامة الحدّية للممثل هي ما تجعل منه مفردا بصيغة الجمع. وبالأحرى، هو مجموع ولادة الطين الفرجوي الذي قدّ من خصوبة الشخصيات المتنافرة، وهو هذا الكائن الثالث/ الخلاسيّ حمّال المتنافرات. ولذلك، فإنّ ما يجوز قوله في هذا العرض هو ذلك الانتقال من تمثيل المغامرة إلى مغامرة التمثيل. لم يتوقف سليمان البسام عند هذه الحدود بين الشخصيات التي لعب أدوراها فحسب، بل توغّل فيما هو أخطر وذلك من خلال مسرحته للعملية الإخراجية مانحا المخرج -الذي هو ذاته-  إمكانية الحضور على الركح ، وهذا ما نكتشفه من خلال علامات أدائية وشذرات نصية لامعة من داخل العرض سواء عبر تدخّله في تغيير أمكنة المصادح والكراسي أو إعطائه الأوامر التوجيهية للمؤدين الموسيقيين في خلفية الركح، أو اعتراضه على أداء الممثلة حلا عمران بالقول: "أدّي جيّدا، كوني واقعية". هكذا يكون على وعي بِتَمَسْرحه الخاص، وهكذا يصبح العرض عرضا مسرحيا مفكّرا فيه، وعرضا تأمّليا خاضعا لمرآوية المبدع.
نعم، إنّنا نلاحظ هذا الخلاسي من خلال الوضع الانشطاري الذي رمتنا إليه الممثلة حلا عمران لاعبة دور ميديا، وهو وضع مسرحي يعيدنا إلى طرح السؤال حول ما إذا كنّا إزاء حالة من الكتارسيس الأرسطي أم إزاء حالة غضبية تثويرية بريشتية بالأساس. هذه المراوحة بين الخطاب التحريضي لهذه الشخصية في مواضع عديدة من مشاهد العرض والخطاب المغمّس في حالات الهلع والخوف والوحدة في مواضع أخرى من المشاهد، ما هو إلا علامة مسرحية تخترق المسافات بين مناهج التمثيل والأنواع المختلفة من المسارح بوضعها على نفس الحدّ من خطوط التماسّ أين يخرج شكل ثالث من الحضور في الأداء بتصدّع الفواصل الحجرية للأنظمة المسرحية المغلقة.
نعم، إنّنا نلاحظ هذا الخلاسيّ من خلال ثنائيتي الوهم والحقيقة، إذ في اللحظة التي نشاهد فيها مسرحة النص الأصلي كما هو مع يوربيدس يكون حينها قد انقلب إلى نصّ مغاير. فلا الأصل هُوَ/هُوَ، ولا نصّ العرض هو الآخر هُوَ/هُوَ، بل ثمّة اختلاط بينهما أنتج هذه الفرجة الخلاسيّة المريعة. نعم، إنّنا نشاهد شبكة العلاقات بين ميديا وكريون وجاسون هي ذاتها، لكن في وضعيات مختلفة وأهداف جديدة متباينة عن النص الأصلي، ولو أنّ النتيجة هي نفسها من حيث تشغيل الروح الانتقامية: لكأنّ الأسطورة تمنح نفسها الحقّ في التجدّد عبر الزمن بحضورها المدوي في الحاضر، والخروج من طينها الأوّل إلى منيّ اللحظة الراهنة، واستنبات روحها الأزلية على ركح الحياة المعاصرة المجزّأة فلا وجه لها غير هذا الوجه الخلاسيّ الجديد. 
نعم، إنّنا نلاحظ هذا الخلاسي من خلال مولد الموسيقى الواحدة من ثقافات متباينة ومختلفة، تلك التي قدّت من أهازيج الصحراء الإفريقية والترانيم المشرقية والطابع الحداثي للموسيقى الغربية، وتلك التي احتكمت في تصريفها إلى المقدرة الأدائية المريعة للممثلة حلا عمران مقابل الهيجان الغضبي لأغاديس -مع الممثل أسامة الجامعي- حيث التجأ في مأساته إلى المراوحة بين موسيقى "الراب" والـ"SLAM". لم تأت هذه المراوحة بين الأنماط الموسيقية من عدم ومحض بفعل كن فتكون، إنّما هي وليدة الحضور على الحدود أين تنشأ جملة التباينات والاختلافات في الفضاء الثالث سالف الذكر. وعلاوة على كونها كذلك، فقد ساهمت المؤثرات الصوتية للعرض - سواء من حيث لحظة زفير التنين من حنجرة حلا عمران أو حركة السكين على خصلات شعرها-، أن تمهّد لذلك الحضور الأوموفاجي لشخصية ميديا وانفجار فضاء العرض بالتوازي مع انفجار العلاقات بين الشخصيات أين استقرّ الوجود الدموي على الحدود بين الأطراف. لقد كان الأمر محسوما من خلال اللحظة الأولى من العرض أين دارت سكين المرأة على البرتقالة حين مات طفليها نتيجة القصف، ومحسوما طيلة العرض أين تشابكت السكاكين وأحدثت صليلها بين أكفّ العازفين في آخر الركح حيث تكدّس البرتقال كوجبة آدمية مؤهّلة للعجن وتقطيع الأوصال. 
خاتمة: صلصلة الوجود
لقد أجبرت ميديا على تعليق إضرابها عن الطعام أو هي تتوقف عنه نتيجة الهرسلة والتهديد، أجبرت أيضا على الانحياز لثقافة دون الأخرى، وفي ذلك تدليل صارخ على ما يحدث عند خطوط التماسّ بين الحدود حيث ينشأ النزاع أو الالتقاء بين الأنا والآخر.  ولكنّها فزعت إلى انتقامها بجعل تلك الحدود صلصالا آدميا يُطْحَنُ طحنا أمام استحالة الاعتراف بالمهاجر.  ربّ انتقام نراه الآن من خلال تدحرج البرتقال على الركح كعلامة جذرية على رسم صورة المهاجرين في فضاء كورنثيا، وكعلامة جذرية على مولد التصادم بين مختلف الأطراف على نفس الحدّ: هكذا تحضر ميديا زارعة مخالبها في حبّات البرتقال لتعيد إلينا مشهد قتل أبناءها، وتحيلنا إلى الحاضر المرعب أين يغمّس لحم المهاجرين في آلات الغرب الاستعماري، وهكذا تنتصب على الرّكح بشكل عَوَّاءٍ تُعَاوِي فيه الوجود.
ما الذي يحدث الآن وهنا على الحدود؟ لا شيء سوى روح الاستئصال التي تعارضها روح الانتقام بعد أن أصبحت للمهاجر إمكانية القول، ولكن في الآن نفسه ثمّة دون شكّ لقاء ينبئ بمولد روح جديدة خلاسيّة وهجينة منها يبدأ الحديث عن نهاية أسطورة الأصل. نعم، إننا نحيا على حدود تكشف عن ضياعنا العنيف والفظيع وعن رعبنا الكوني كما لو أنّنا  بعبارة - إيهاب حسن- ، ننزع إلى استحضار الهيولي الأوّل أمام ظلمات السؤال الدائر حول "تشتت لغة الإنسان في كلّ مكان، عودة إلى لحظة الخلق (الانفجار الكبير، نزوحا إلى حافة الانحسار في الكون (النجوم الزائفة)، داخل الثقوب السوداء في الفضاء أو اللاوعي (لاكان) –بديلا عن محايثة العقل والخطاب في المرحلة الحداثية". ونعم مرّة ثانية، إنّنا نحيا في أزمنة الصرخة الأولى للإنسان وهو يتهجّى الكون شعريّا، ونحيا سديمنا البكر حيث يختلط فيه الوجود الحيواني بالآدمي أين يكون الجميع في سكرة الولادة المربكة والمؤلمة، ونحيا في الآن نفسه داخل الحاضر أين نتحوّل فيه إلى طين مؤهّل للعجن والتكوين من جديد على نحو كائنات خلاسيّة يدمّر فيها الحدّ. 

رسالة اليوم العربي للمسرح ..الحياة مسرح، المسرح حياة / كتبها : رفيق علي احمد

مجلة الفنون المسرحية 
رسالة اليوم العربي للمسرح ..الحياة مسرح، المسرح حياة / كتبها : رفيق علي احمد

اليوم وأكثر من أي وقت مضى تبدو الحاجة ماسة إلى المسرح. ففي زمن التواصل “اللا إنساني” الذي فرضته التكنولوجيا الحديثة، يغدو المسرح مكان اللقاء الإنساني بامتياز، سواء من حيث التفاعل بين العاملين فيه، أو بينهم وبين الجمهور، أو بين الجمهور نفسه حين يخرج من الصالة مزدحماً بالأفكار والأسئلة. وهل أجمل من حرارة التواصل المباشر بين البشر الذين جعلهم الله شعوباً وقبائل ليتعارفوا، أي ليتلاقوا ويتحاورا ويتناقشوا في كل ما يخص حياتهم المشتركة؟
‎وفي زمنٍ جعلته القوى المُهيمِنة زمنَ صراعِ الحضارات، تغدو تلك الحاجة (إلى المسرح) ملحة أكثر، لأن عالمنا يتعرض إلى عملية تدمير ممنهجة من خلال فرض ثقافة وحيدة سائدة تحت شعار عولمة متوحشة، جعلت الكوكب كله بمثابة “سوبر ماركت” هائلاً، والإنسان مجردَ زبون تقاس قيمته بقوته الشرائية لا بقوته الفكرية والإبداعية. وفي ظلّ هذا الواقع الذي تَسَلَّعَ فيه كلُّ شيء، يقف المسرح المنفتح على الفنون جميعها، والقادر على الاستفادة من العلوم جميعها، يقف في خط المواجهة الأمامي، لأنه لا يستطيع أبداً التخلي عن القيم الإنسانية الفكرية والروحية والمعنوية التي تشكّل جوهر وجوده وسرّ استمراره عبر الزمن.
‎ولئن كانت العولمة في معناها الحقيقي لا كما هي سائدة اليوم، تعني انفتاح العالم على بعضه بعضاً، وتفاعل البشر في ما بينهم، وتلاقح الثقافات والأفكار. فإن المسرح يمثل المختبر الأهم لهذا التفاعل بين الأفراد والجماعات، وبين الشعوب على تنوعها واختلافها، وفي معزل عن قوتها العسكرية أو الاقتصادية، بما يحفظ ثرواتها الفكرية والمادية والتراثية، ويشكّل مكان تعارف والتقاء لأجل سلام البشرية القائم على حقّ كل شعب بحفظ أرضه وإنسانه وثقافته وكل ما يميزه عن سواه.
ففي ظلّ تعثر الحوار أو انعدامه بين الأنظمة السياسية والحكومات يبرز دور المفكرين والأدباء والفنانين في تقريب وجهات النظر بين الشعوب والحضارات. وهنا يتجدد الرهان على كون المسرح هو النموذج الأمثل لهذا الحوار انطلاقا من جوهر المسرح نفسه القائم  على الحوار بين الممثلين أنفسهم، وبينهم وبين الجمهور، وقبل ذلك بين المؤلف ونصه والمخرج وعرضه. فاللعبة المسرحية برمّتها ما هي إلّا عبارة عن حوار متعدد الأشكال والاتجاهات، ودائماً في سبيل الإنسان وحقه في حياة أفضل.
نجدد رهاننا على المسرح ودوره ومعناه، ونحن ندرك أن المسرح في العالم كله يعيش أزمة حادة، وهي أزمة تتضاعف في حالة المسرح العربي /لأنها تأتي ضمن أزمات أعمّ وأشمل في السياسة والاقتصاد والاجتماع. لكن في معزل عن واقع الحال العربي فإن السؤال الدائم الذي نطرحه: متى لم يكن المسرح العربي في أزمة؟
جواباً على هذا السؤال أسمح لنفسي بأن أستعيد التوصيات التي صدرت منذ أكثر من أربعين عاماً عن أول مهرجان مسرحي شاركت فيه في دمشق، وكانت تشدد على تفعيل العمل المسرحي العربي وتطويره على صعيدي الشكل والمضمون مؤكدة على وجوب البحث عن السبل والأساليب لتمتين العلاقة العضوية بين العمل المسرحي والجمهور. من يومها حتى الآن لا شيء تغير، الأزمة نفسها، النقاشات نفسها، التوصيات نفسها وواقع الحال نفسه!
أسباب كثيرة أدت إلى ابتعاد الناس عن المسرح، منها ما يتعلّق بالواقع العام، ومنها ما يخصّ أهل المسرح وصنّاعه، وإذا كانت الأعمال المسرحية مرآة المجتمع فأبناء مجتمعاتنا لا يرون أنفسهم ولا واقعهم في هذه الأعمال. ومن أهم أسباب هذه الغربة هو “التغريب” الذي وقع فيه كثيرون منّا، إذ أن تقليد الأساليب الغربية من قبل بعض المسرحيين تطلعاً “للعالمية” وطمعاً بالجوائز، بات موضة ودليلاً على الحداثة و”العصرنة”، وللأسف فإن الكثير من المهرجانات المسرحية العربية تساهم في تشجيع هذه الظاهرة حيث تمتلئ القاعات بالمسرحيين المشاركين بأعمال يسمونها “نخبوية” في ظل غياب مؤسف للجمهور الذي من أجله وجد المسرح، بل إن بعض “المسرحيين” يذهب في تنظيره الغريب المجحف إلى حد القول إن الجمهور ضد المسرح والمسرح ضد الجمهور!
كأن المسرح لا تكفيه التحديات الكثيرة التي تواجهه في عصر الذكاء الاصطناعي حيث تحل الأجهزة الآلية مكان البشر، ويواجه الإبداع الفني تحدي التفاعل مع التكنولوجيا الحديثة، تأتي هجرة جيل كامل من المسرحيين إلى الأعمال التلفزيونية بحثاً عن فرصة عمل ومصدر رزق أو جرياً وراء نجومية تائهة.  هذا الأمر خلق فجوة واسعة بين الأجيال، وأدى إلى فقدان حلقة وصل أساسية بين جيلين: الرواد والشباب. وكما هو معلوم فإن التواصل المباشر بين الأجيال أمر مهم وضروري لا تعوضه النظريات والدروس والكتب مهما بلغت من الجودة والقيمة.
ولا يسعني في اليوم االعربي للمسرح سوى التساؤل عن أسباب استمرار غياب التربية الفنية والمسرحية عن مناهجنا الدراسية اللهم إلا قلّة منها؟ والتمادي في تهميش المسرح وتجاهله من قبل العديد من وزارات الثقافة في بلداننا العربية، وعدم دعمها للأعمال المسرحية الجادة والمجددة بذريعة شحّ الميزانية ونقص الإمكانيات، فيما نلاحظ كيف تُصرَف الأموال الطائلة على أمور سطحية واستهلاكية تافهة، وكأن الأمم والشعوب تنهض وتتقدّم بلا آدابها وفنونها وفي مقدمها المسرح!
أما الطامة الكبرى والدائمة فهي الرقابة المستمرة على الإبداع المسرحي، وهي رقابة برؤوس متعددة مثل كائن خرافي: رقابة رجال السياسة ورجال الدين ورجال الأمن وسواهم من “رجال” يقفون سداً منيعاً في مواجهة رجل واحد، هو رجل المسرح أينما كان في هذه المدينة أو تلك، على هذه الخشبة أو سواها، ويضعون الحواجز والعثرات في طريقه. وإذا كان مَن يراقب الناس يموت همّاً، فإن الرقابة على الإبداع هي الموت نفسه، وهي ألد أعداء الفعل المسرحي. لأن الإبداع صنو الحرية. لا إبداع بلا حرية، لا مسرح، ولا حياة.
الرقابة من أي نوع كانت هي اعتداء على حرية المبدع المسرحي، لأنها تعطيل لإبداعه وحكمٌ عليه بالولادة ميتاً، فالمسرحي متى خضع لأوامر السياسي أو الفقيه تعطل دوره كباحث وناقد ومحاور وتحول إلى مجرد موظف “رسمي” يتلقى التعليمات وينفذ الأوامر…وكفى الله “المسرحيين” شرّ القتال!
لا، ليس هذا ما يريده أهل المسرح، ولا هذا ما يرضيهم أو يقبلون به، لأنهم خط الدفاع الأول عن الحرية، مثلما هم خط الدفاع الأول عن الحب والخير والجمال، أي عن الحياة، وإلّا لما كان المسرح أبا الفنون.
الكلام على المسرح في يومه العربي كلامٌ ذو شجون، ما أن تسطّر فكرة حتى تداهمك أختها. فمن الرقابة إلى ضعف الإمكانيات المادية التي تشكل حجر عثرة وعائقاً أساسياً أمام صناعة المسرح. وبرغم الإشارة والإشادة بكل المؤسسات والهيئات الداعمة معنوياً والمانحة مادياً للمسرحيين العرب، يظلّ التوجس مشروعاً من أن يميل هؤلاء المسرحيون إلى إنتاج أعمال “نخبوية” يتمحور هدفها من المشاركة في المهرجانات حول الحصول على جائزة مادية أو معنوية.
إن المسرحي الحقيقي المهجوس بالتعبير، من خلال المسرح، عن همومه وهموم ناسه لا يقف عند حدود ومصاعب، بل يبقى دائماً في شغف وترصد دائمين لواقع مجتمعه، وفي علاقة عضوية مع محيطه، يحكي لغة ناسه، لكنه في الوقت عينه ينفتح على ثقافات الآخرين لينهل منها ما يغنّي تجربته التي تقربه من جمهوره وتقرب الناس من مسرحه وتخلّق ذاك الحوار المرجو والتفاعل المنشود.
أتوجه إليكم برسالتي هذه، وأنا آتٍ من بلد تتنازعه المصائب والنوائب والتشظيّات السياسية والطائفية. بلد من زمن عزه، يوم كان يطلق عليه وطن الإشعاع النور وصولاً إلى يومنا هذا لا تزال عاصمته تفتقد لقاعة مسرحية تبنيها وتتبناها الدولة أو الهيئات المحلية من بلديات وسواها، فضلاً عن غياب جهات إنتاجية داعمة للمسرحيين، باستثناءات نادرة من هنا وهناك، ومع ذلك ورغم قساوة الزمن فإن هذه المدينة العصيّة على الموت(بيروت) لا تزال تنتج سنوياً ما بين ثلاثين إلى أربعين عملاً تتنوع وتتوزع على شتى المدارس والأساليب المسرحية المختلفة. حتى في المهرجانيين المسرحيين الأخيرين في عامي 2017 و2018 اللذين أقيما تحت شعار “مهرجان المسرح اللبناني” برعاية معنوية ومادية من قبل “الهيئة العربية للمسرح” تم اختيار ثمانية أعمال من بين أكثر من عشرين عملاً مسرحياً كانت قد عرضت للجمهور خلال العام بعد أن  تمّ إنتاجها بموازنات مادية بسيطة، وبحماس وجهد عظيمين من قبل شباب شغوف بانتمائه للمسرح، وانتمائه للحياة.
أستطيع القول، انطلاقا من تجربتي الطويلة، بأن المسرح رغم كل معاناته لا زال فاعلاً ومؤثراً وجاذباً للجمهور. فبرغم الحواجز النفسية التي تفرضها الحدود الجغرافية المصطنعة، أو تفرضها السياسة ومصالح الساسة، يبقى المبدعون فكراً وفناً وثقافة وعلى قدر استطاعتهم، ورغم ضيق هوامش الحرية والإمكانيات، صلة خير بين شرائح مجتمعاتنا وبناة جسور تواصل وتفاهم بين شعوبنا.
المسرح، كما تعلمون، ورغم مساحته المحددة والمحدودة، يصبح بإبداع صنّاعه ومخيلة متفرجيه أرحب من الحياة نفسها، ويغدو فضاءً لا حدود له، يحتوي الوجود الإنساني كله، وفي الوقت نفسه يظل مكاناً للتواصل الواقعي والتلاقي المباشر بين البشر على اختلاف ميولهم وأهوائهم وأفكارهم. 
ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يواجهنا كمسرحيين عرباً هو كيف نعيد وصل ما انقطع مع أجيالنا الشابة التي تتطلع لمشاركتنا هذه المسؤولية؟ إذ إن استعادة الجيل المأخوذ ب”السوشال ميديا” ولغتها وإشاراتها ورموزها، والمستلب من لغته وثقافته وهويته، مهمة شاقة لا يقوى عليها المسرح وحده، وإنما هي مهمة كل المشتغلين في الشأن العام. لكن ربما علينا، نحن أهل المسرح وصنّاعه، أن ننزل إلى الشارع ونرصد هواجس الناس وهموهم وتطلعاتهم ونحولها أعمالاً فنية جذّابة تكون مرآة يرى الناس أنفسهم فيها دون تقليد أعمى للغرب، ولا إغراق في الموروث الشعبي، بل وفق مقولة المهاتما غاندي: أشرع نوافذي لكل ثقافات العالم شرط ألا تقتلعني من أرضي.
نريد مصالحة شبابنا عبر مسرح بسيط، لا مُبَسَّط، يجعلنا نرى صورة ناسنا وواقع مجتمعاتنا. وأن يكون هذا المسرح بصيص أمل في ظل ظلام التطرف بشقيه الأصولي والاستهلاكي، وفي مواجهة التعصب الأعمى والكراهية المتعاظمة من الإنسان لأخيه الإنسان، وما ينتج عن هذا الواقع المظلم من خراب جماعي عصيّ على الإصلاح وإعادة البناء.
نحن في أمسّ الحاجة إلى مسرح يهدم الحواجز النفسية والجغرافية بين البشر، ويقيم جسور التفاهم المتبادل بين الأخوة.
ولن يتسنى للمسرح تحقيق ما يصبو اليه إلّا إذا كان حراً لا يعترف برقابة، ولا تحده حدود، لينتج ويقدِّم ما يُعبِّر عن هويتنا الثقافية والإنسانية التي تشكّل مكوِّناً عضوياً من هوية العالم برمَّته.
ننتصرُ للمسرح ولحريته، ننتصر للحياة.
_____________________
مختصر لسيرة لا تختصر:

الفنان رفيق علي أحمد
كاتب وممثل ومخرج مسرحي لبناني.
دراسات عليا بالإخراج والتمثيل من معهد الفنون بالجامعة اللبنانية.
قدم في المسرح عشرات الأعمال التي تعتبر من العلامات الإبداعية.
تميز بأعماله المسرحية المنفردة “المونودراما”.
شارك في أعمال تلفزية وسينمائية عديدة.
رئيس سابق لنقابة ممثلي المسرح والسينما والتليفزيون.
رئيس وعضو العديد من لجان التحكيم في المهرجانات العربية المسرحية.
حاز العديد من الجوائز العربية والدولية، وشارك في عديد الأعمال المسرحية والتلفزية والسينمائية المتوجة.


الجمعة، 31 ديسمبر 2021

نضال الأشقر: في المسرح صنعنا حالة مدنية وثقافية شاملة

مجلة الفنون المسرحية


نضال الأشقر: في المسرح صنعنا حالة مدنية وثقافية شاملة

تطل في عرض "مش من زمان" دعماً للفن الراقي الذي يهدده الانهيار الاقتصادي

هيام بنوت 
    
تطل المخرجة والممثلة نضال الأشقر الليلة في عرض استثنائي لعملها الفني "مش من زمان" الذي كانت قدمته سابقاً في بيروت، والغاية جمع تبرعات لدعم مسرح المدينة الذي أسسته وتديره، والذي يعد المسرح الوحيد القائم على جهد شخصي بعيداً من أي دعم رسمي أو خارجي، وهو يمثل حالاً ثقافية بذاتها، بل مختبراً مسرحياً وفنياً يقدم أبرز التجارب الجديدة والشابة، ويرعى الحركة المسرحية والفنية مقدماً لها مساحة حرة وطليعية.

يعاني مسرح المدينة اليوم أزمة مادية صعبة مثله مثل معظم المؤسسات الأهلية الثقافية والفنية، وهي الأزمة نفسها التي يشهدها لبنان ككل اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً. العرض الذي تقدمه الأشقر هو من تأليفها وإخراجها، وتمثل فيه إلى جانب الفنان خالد العبدلله والموسيقيين محمد عقيل ونبيل الأحمر وإبراهيم عقيل. والعرض ه مسرحي غنائي موسيقي شامل تسترجع فيه المخرجة والممثلة الرائدة شذرات من مسيرتها الخاصة والفنية الطويلة، وهي التي أدت دوراً رائداً في مسيرة الفن المسرحي والدرامي في لبنان والعالم العربي من خلال حرصها على التجديد في تقنياته وأدواته ولغته.

علاقتها بالمسرح بدأت منذ الطفولة، ورسختها بدرس الإخراج في المعهد الملكي في بريطانيا. أسست في الستينيات مع مجموعة من الفنانين اللبنانيين من بينهم روجيه عساف "محترف بيروت للمسرح"، وفي الثمانينيات فرقة "الممثلون العرب" مع المسرحي المغربي الكبير الطيب الصديقي مع ممثلين كبار مثل العراقي قاسم محمد واللبناني رفيق على الحاج والمغربية ثريا جبران وسواهم، وقد جالت الفرقة في عروضها مختلف البلاد العربية والأوروبية. برز اسم نضال كممثلة مسرحية في أعمال كبار الكتاب والمخرجين، وحققت طموحها الأكبر عبر "مسرح المدينة" الذي أسسته وتديره وقدمت على خشبته مسرحيات مهمة، مثل "طقوس الإشارات والتحولات" و"منمنمات تاريخية" عن نصين لسعدالله ونوس، و"3 نسوان طوال" عن نص لإدوارد ألبي.
نشاطها وشغفها بالمسرح شغلاها عن السينما والتلفزيون، مع أنها برعت في تجسيد الأعمال التاريخية على الشاشة الصغيرة، كما شاركت في أفلام عدة مثل "الأجنحة المتكسرة" ليوسف معلوف عن نص لجبران خليل جبران، و"السيد التقدمي" لنبيل المالح، إلى جانب مشاركتها في فيلم "في حاجة إلى الحب" للمخرج الأميركي جيري شاتزبرغ و"ساحة" مع النجمة العالمية كاترين دونوف.

امرأة الصعوبات

نضال الأشقر تؤكد مرة تلو أخرى أنها امرأة الصعوبات، رغم الأزمتين المالية والاقتصادية اللتين تركتا تداعياتهما السلبية على السينما والمسرح في لبنان. في هذا الإطار تؤكد، "هو ليس خياراً بل أجبرت على ذلك. لبنان عجز أن يكون دولة قادرة على حماية الفن والثقافة والناس، ولم يتمكن من تنشئة مواطن لديه حقوق وعليه واجبات، ودولة لديها حقوق وعليها واجبات، لذلك اعتمد كل منا على نفسه. نحن نعمل في صناعة السينما والمسرح، ولكن صناعة المسرح أكثر صعوبة، لأن هناك موزعاً في السينما يقوم بعملية التوزيع ومنتجاً لا يمكن الاستغناء عنه لصناعة الفيلم، بينما نحن المسرحيون نقوم بكل المهمات وحدنا، لذلك أجبرنا على الاعتماد على أنفسنا ولا زلنا. الإنسان الموهوب في مجال ما لديه عناد داخلي لتحقيق أهدافه، وأنا أحب أن أخدم لبنان وأن آخذ من هذا المجتمع وأن أعطي مسرحاً جديداً ومتجدداً من خلال استخدام تقنيات اكتسبتها في الخارج، ثم ابتكاري لتقنية خاصة، وقمت بتدريب الممثلين بطريقة تناسب مسرحي، وهو مسرح نابع من حياتنا الحقيقية، وجودنا، تاريخنا ولغتنا، وهذا ما يجعلني أصر على الاستمرار".

المسرح تاج الفن

نضال الأشقر التي اختارت المجال الأصعب وجدت نفسها ممثلة فجأة عندما قررت درس الإخراج. تقول، "المسرح هو تاج الفن بالنسبة إلي كما لكل الناس في العالم. هو فن الناس والمجتمع والوحيد الذي يقدم بشكل حي أمام الجمهور، وخلال الأداء على الخشبة يمكن للفنان أن يتعرض لأي وضع طارئ، حتى يمكن أن يسقط ميتاً. المسرح تجربة إنسانية رائعة ومهمة، وأنا اخترته لأنه المجال الذي أشعر من خلاله أنني أكثر قدرة على التعبير من المجالات الأخرى، وسافرت إلى لندن لكي أتخصص في الإخراج، بينما جاء التمثيل على الهامش، فخلال وجودي في إنجلترا اكتشفت أنه يجب علي أن أتعلم كل التقنيات المتعلقة بالإخراج كي أصبح مخرجة، ومن بينها التمثيل، وهناك اكتشفوا أنني أملك هذه الموهبة التي لم أكن أعرف أنني أملكها. كان اختباراً تعجبت منه كثيراً إلى أن اكتشفت أنا أيضاً أنني كي أكون مخرجة ترى من الخارج جيداً، لا بد من أن أعرف كل خفايا ومزايا المهنة، ومن هنا أصبحت ممثلة".
وعن تعاملها مع أهم الأسماء في عالم الإخراج والثقافة وبينهم شكيب خوري ويعقوب الشدراوي وريمون جبارة وبول شاوول وغيرهم، تتحدث الأشقر قائلة إنه "في مسرحية (الحلبة) استعان فؤاد نعيم بنص للشاعر بول شاوول وحوّله إلى عمل عبثي رائع، وأنا استفدت كثيراً من تجربتي مع شاوول كصديق أولاً، وثانياً كونه يتميز بلغة عبثية سريعة. كان يراقب التمارين من دون أن يوجه أي ملاحظات تاركاً حرية التصرف للآخر كي يعطي وفق ما يراه مناسباً، بينما غيره من الكتاب يرفضون أن يحيد المخرج والممثلون قيد أنملة عن النص من دون موافقتهم، ولقد شاركني في هذه المسرحية الممثل القدير رفيق علي أحمد، وحققت نجاحاً باهراً وتعتبر من بين أفضل أعمالي، وكان يفترض أن نجوب العالم بها ولكن الحرب العراقية أوقفت كل شيء. ومن الأعمال المهمة أيضاً مسرحية (البكرة) التي تعد تجربة خاصة جداً عن نص للشاعرة تيزيز عواد. هي كانت كتبتها لـ 10 شخصيات، لكن فؤاد نعيم حولها لشخصيتين وموسيقي، وكتبت عنها الصحافة كثيراً بسبب نجاحها الكبير. أما (المتمردة) فرافقها حدث مشابه للذي حصل معنا عند عرض مسرحية (مجدلون). فؤاد نعيم أخذها عن مسرحية "أونتيغون"، وهي تحكي قصة شقيقين الأول مع الجيش والثاني مع المقاومة، وبعد قتلهما يقام احتفال كبير للأول أما الثاني فيمنع الملك دفنه. هذه المسرحية هي الأكثر تأثيراً بالواقع اللبناني، لأن أحداثها كانت متوازية مع الأحداث التي كانت تحصل في الشارع عام 1975، ولذلك هي كانت مهمة سياسياً".

وتتابع الأشقر، "أما ريمون جبارة فدوره كبير في المسرح اللبناني، ولكنني قدمت معه عملاً مسرحياً واحداً على الطريقة الكلاسيكية، وقد كان في بداياته وأنا كنت عدت حديثاً من لندن، وأحاول أن أختبر نفسي ولم أكن قد بدأت مسيرتي الإخراجية يومها، كما تعاونت مع شكيب خوري في عملين مسرحيين الأول للتلفزيون بعنوان "مكتب الجحيم" الذي شاركني فيه تمثيلاً أيضاً إلى جانب الراحل رياض غلمية، والثانية "السرير الرباعي الأعمدة" وهي من أولى المسرحيات التي مثلت فيها عند عودتي من بريطانيا، كما أنه شاركني كممثل في مسلسل "تمارا".
وتؤكد الأشقر أنها لم تتأثر بأي من المخرجين عندما قررت امتهان الإخراج، "في المدرسة كنت أحظى بتشجيع من المعلمات على التمثيل والكتابة، وعندما وصلت إلى المرحلة الجامعية قررت أن أدرس الإخراج في لندن. وبدأت المسيرة بإخراج الأعمال المسرحية في مدرسة المغتربين في قريتي "ديك المحدي" عند عودتي صيفاً إلى لبنان، ومن بينها "الآباء والبنون" لمخائيل نعيمة، ثم تعرفت على روجيه عساف وغبريال البستاني اللذين زاراني في القرية عندما سمعا عني كمخرجة، وأعجبا بعملي وطلبا مني أن أشارك في أعمالهما".

دورها الفعال في حركة المسرح لم يقتصر على لبنان حين أسست "محترف بيروت للمسرح"، بل تعداه إلى الدول العربية إذ توضح: "عندما انتقلت خلال الحرب مع زوجي الذي كان يعمل في وكالة الصحافة الفرنسية إلى الأردن، كان لا بد من أن أكمل مسيرتي المسرحية عربياً، فكانت "ألف حكاية وحكاية" في (سوق عكاظ)، وأسست فرقة (الممثلون العرب) مع الطيب الصديقي وكنا نجول في كل دول العالم العربي. وكان يطلب مني أن أعمل كمستشارة في كل دولة عربية أزورها، وأنا لم أمانع أبداً".

كاترين دونوف

إلى المسرح، كانت للأشقر تجارب تمثيلية في مسلسلات عدة من بينها "تمارا"، "زنوبيا"، "نساء عاشقات"، "شجرة الدر"، "المعتمد بن عباد"، وأخرى سينمائية في أفلام باللغتين الفرنسية والإنجليزية، وهي لا تخفي شعورها بالندم لأن تجربتها في السينما والتلفزيون كانت محدودة، وتقول إن "المسرح كان مشروع حياتي وكرست له 26 عاماً من عمري. ومسرح المدينة كان بمثابة مركز ثقافي في مدينة بيروت، وأنا أعطيته كثيراً من وقتي، ولكنني نادمة جداً لأنني لم أشارك في كثير من الأعمال التلفزيونية، ولغاية اليوم تطلب مني المشاركة في بعض الأعمال".

أما سينمائياً فشاركت في أفلام عدة من بينها مع النجمة العالمية كاترين دونوف في فيلم للمخرجة نيكول غارسيا، وعن هذه التجربة والإضافة التي قدمتها لها تجيب، "اتصلت بي المخرجة للمشاركة في الفيلم فاعتذرت لأنني كنت غارقة في المسرح وفي مهرجانات بيروت، وعندما أصرت وافقت. كانت تجربة جميلة وناجحة كما سواها من التجارب الأخرى، وكل عمل مكتوب بشكل جيد ومنفذ بشكل صحيح يضيف إلى تجربة الفنان".

----------------------------------------------
المصدر : independentarabia

الأربعاء، 29 ديسمبر 2021

قراءة نقدية : ثيمة (الشهادة) في مسرحية (حرب العشر دقائق) / أ.د. عقيل مهدي يوسف

مجلة الفنون المسرحية 
قراءة نقدية 
ثيمة (الشهادة) في مسرحية (حرب العشر دقائق)                              
 
إن ثيمة (الشهادة) تمثل بالتأكيد رفعة الوطنية الحقة بخلاف تلك المزورة للإرتزاق بدوافع متردية، يرى الجمهور منذ استهلال العرض شخصيات يتنقلون في (عربة) الى (حي الشهداء) إذ يجري التأكيد على ما تعنيه سفرة الحياة بين (الملهاة) و (المأساة) لتحيلنا الى اختلاف الصدق عن الرياء. ولا نعدم أن نقرأ تداعي عنوانات مسرحية عالمية لدينا. مثل : (عربة اسمها اللذة) و(عربة مهاجر بريسبان) و (عربة الأم شجاعة) وعربة (النخلة والجيران) وانتهاءً بمسرحية العربانة مع أخرى بإسم (بقايا) التي شاهدناها في مهرجان بغداد منذ وقت قريب. هذه العربات تصبح هي (المنصة الإخراجية) التي يتم فيها تشكيل عناصر العرض، ومشاهده المتنوعة بتفكيك العربة الى قطع وأطر ديكورية وزعها المخرج في فضاء العرض وهي تعبر عن كيفية هذه السفرة الخاطفة وما يتعلق بركابها بإتجاه (حي الشهداء) استذكارًا لرحيل هؤلاء الفاجع عبر (زمنين) بمرايا ايدلوجية متعاكسة ومتصارعة في تحديد تداولية اجرائية لمفهوم ( الشهادة) بتفصيلات مفارقة ومتقاطعة تبعاً لتجربة كل شخصية الخاصة بثلاثة رجال وامرأة. فالعرض يبسط (موضوعة) مهمة عانت منها الشعوب الحرة قاطبة ومنها الشعب العراقي الذي مازالت ذاكرته ضاجة بوقائع لحروب سالفة وأخرى مستجدة جعلت فريقي الصراع مستقطباً حد التنافر، أو القطيعة أو الوفاء والاخلاص ما بين زوج وزوجته وابن وأبيه فيما يخص مفهوم (الشهادة) بين من يستحق هذا (اللقب) المشرف المتعالي على آخر منتحلاً ومنافق لاسم الشهادة. بهذا الاختزال الدال لثيمة العرض المركبة يطلعنا على أبعاد ايدلوجية ودينية وعائلية إذ يجري انعكاس مواقف الصراع من داخل بيت الأسرة ليفصح عما تركه الماضي من آثار وتبعات على أجيال الحاضر. يلتقط هذا العرض دراماتيكياً وجوه هذه الصراعات الثنائية إذ يبقى الشهيد قريناً لبطولة انسان كريم ضحى بروحه الانسانية السمحة غير المزيفة انتصاراً للحياة الحرة. بخلاف الغريم الذي ينطوي بأفكاره الهدامة على غل وجرائم لاستعباد الاخرين. يتصدر البطل الإيجابي في مظاهر هذا النص والعرض بوجوه متنوعة اجتماعياً سواء كان ذلك واضحاً في سلوكه بتهذيب رفيع أم بعدم تماسكه قيمياً. يصل بنا العرض الى ذروة تجليات متعاكسة ما بين مواقف جريئة للبطل الحقيقي المتصدية وغير المهادنة لرموز الطغيان والتخلف لتبقى الشخوص الإيجابية متعالية على خيارات خصومهم الزائفة والمتنكرة للوجود الانساني الواعي والمقترن بسلوك أخلاقي ملتزم. مستنيراً بفكره وانفعالاته وعواطفه النبيلة على قدرته السليمة بتجسيدا حي وسلوكي لمثله الخلاقة. استطاع المخرج (ابراهيم حنون) الإمساك بزمام النص والحفر في أعماقه بتحقق (مادي) على خشبة المسرح متواصلا في بحثه مع تجربة عروضه السابقة التي تحمل في طياتها رؤية واضحة للتعامل مسرحياً مع الواقع الوطني في جدل مستمر مع الذات والانسان والعالم متتبعا ً في منظوره الاخراجي مراحل انتقالية حصلت في العراق - بالذات- في مرحلة ما بعد الاحتلال، وما قبله. لكي يقارب متغيرات التطور والنكوص على المستويات السياسية والثقافية والابداعية في الفنون والعلوم وسواها. بهدف تكريس روح الديموقراطية بخيارات اجرائية ونوعية حاسمة في معمار اخراجي ملتزم كالذي دأب عليه المخرجون الملتزمون بمسارح العالم ومسرحنا الوطني. حيث يشهد الجمهور طبيعة أوضاعهم الحضارية وكيفية انعكاسها على المسارح. فلا يمكن أن تلغى شرور بعض الناس بالأماني العذاب إنما تنتظر بعين فاحصة لتكريس امكاناً بديلاً وموضوعيا قادرا على تلطيف السلوك وتحسين الأداء من غير تعال للانسان على أخيه الانسان. بمثل هذه الموضوعات المؤداة فعلياً فوق خشبة المسرح للتعمق لدى المتفرج في أبعاد تجربة يخالها مجردة لكنها باتت بصورة فنية واقعية في حضورها العيني الملموس والمشخص الذي جسدته طرائق التعبير المسرحي الشامل في لغة بصرية ولسانية وبتعضيد من علامات أيقونية تتطابق وشكلها الواقعي أو إشارية اقترانية مزدوجة في كناياتها وصولاً الى رمزيات تعنى بمعنى المعنى والدلالة. وبذلك تنتصر الدلالة المسرحية بعرض اناس ابطال لتميزهم من سواهم بافعالهم الملتزمة وتلك المنحلة في قيمها ومواقفها اللفظية. استطاع المخرج بطريقته الخاصة فنياً أن يقنن حوارات ومشاهد النص الدرامي لينقلها من بعدها الأفقي المكتوب الى بعدها المادي (الحي) ينمو ويتطور برهن مشاهدة آنية لجمهور متقابل يتفاعل بما يراه ويسمعه فوق خشبة المسرح وهو يتأمل بلذة التقنيات الفنية المترابطة في فن صناعة المشهد في مظهره ومخبره ولكل تأويله بطرائق تخصه بجدلية التفسير والتحليل وفهم المغزى بكفاءة او بدونها في التلقي الجمالي وبالتالي يتعرف المتفرج على نفسه من خلال العرض المسرحي اكثر مما كان يظنه . حيث بات تلقيا جمالياً محايثاً لوجوده المعاش. 
علاقة النص بالاخراج:
لا يمكن الاستهانة بدور (النص الدرامي) عند الإخراج فهو حتى في أكثر العروض التجريبية تطرفاً يسهم بأريجه في تضاعيف المشاهد التي تبدو صيرورتها متناقضة على ماكانت عليه (مدونة) حروفياً في (ملاحظات المؤلف) مثلاً توصيف لطبيعة الدخول والخروج، أو التركيز على (بؤرة) مكانية محددة او (خطاطة) يشرح فيها ابعاد المنظر او (الجو العام) (...) لكن النص الدرامي في كل الاحوال هو المصدر الرئيس لرؤية العرض الذي يستبطن منه (المخرج) رؤية خاصة به ويحولها من (كيف مكتوب) الى ثمرة يانعة في (عرض حي) يجمع البعد (الافقي) للمدون (كتابياً) الى جدل يخوضه مع البعد (الرأسي) لتتكامل تشكلات الصورة الفنية- الاخراجية، ببؤرة مكتنزة الدلالة تستقطب تركيز (المتفرج) وتعمق اسلوب تلقيه بشكل فعال ومثير، حافل بمتغيرات العرض وديمومتها المستمرة غير الثابتة. 
شاهدنا في العرض أنماطاً متنوعة من الشخصيات المختلفة في (هويتها) الخاصة. وتكاد تكون (متناقضة) ومتقابلة بعنف وصدود صارخ مع سواها من الشخصيات المسالمة او بتلك المهادنة في اقل تقدير - حتى لا يغيبها " العدم " من وجودها ويحجب عنها الواقع في المكان والزمان ويقذف بها الى وجود وهمي زائف ميت وهامشي، وبالتالي آثر المخرج على تأكيد هذا الاختلاف في الهويات لابطال العرض، وشخوصه الثانوية ، مثلا : سائق العربة وزوجة شهيد وابن شهيد وأب شهيد يعود ثانية. ليربط نتائج سلوكية ببعد الشخصية الاساس سواء في ثباتها او حركاتها الموضعية او في الدخول والخروج، متنقلة من هذا الطرف الى ذاك متواصلة مع المتفرج الذي يستدل عليها بما تبدو عليه (مظاهرالشخصية) مفصحة عن دواخلها ومشاعرها المتجلية في (افعالها) النابعة من (ماهيتها) المضمرة التي باتت (هويتها) متجلية للنظارة بتنوع اتصالي (وتواصلي) مع شفرات العرض.
حرص (الممثلون ) في العرض على تعميق النقائض ما بين الشخصيات في الطباع والفكر والسلوك فوق الخشبة ساعين الى ترابط (أحاسيسهم) الفردية و (تجربتهم) الخاصة مع قدراتهم العقلية ومواهبهم الفنية، مع ابعاد الموضوع الشائك للربط بشكل استثنائي مابين "شخوص"، من رجال  "امرأة " واحدة جمعتهم (المصادفة) في (باص) للنقل - وكل يبوح بمكنونات روحه، وخفاياها، أو يتصادم خارجياً بمحكات بشرية ساخرة سطحية ولكل منهم ردود أفعاله الاستثنائية المرتجلة غير (المتريثة) التي تمثل عوائده السلوكية اليومية المكرورة في نوعية استجاباتها. للمثيرات الخارجية في (باص) بمثابة قدر يجمعهم ليحتكون مع بعضهم بعض، لكنهم تبعاً لنمطهم الحياتي والشخصي يصدرون عن (مآرب) متنوعة تجتمع خيوطها في (نسيج واحد) هو (الشهيد) وذكراه والموقف منه عملياً . 
هذا العرض يتناغم (اخراجياً) بجديته مع كل عرض مسرحي نرى فيه مقترحاً خاصاً لاعادة تشكيل العالم الذي يقترحه (الفنان) بصورة حرة مستقلة : تنبع من المتفرد الخاص مصلحة (جمعية) للشعب، ومصالحه العليا، بأرادة يحتمها الواجب الوطني المستنير بمفاهيم اخلاقية ، متضادة مع بؤس العادات المتخلفة غير العقلانية وهذا الخيار المسؤول ما يحققه فن المسرح بنهجه الجمالي- الابداعي- بما يوظفه من (مجازات) واستعارات ، تضفي عليه " مظهراً " جمالياً ملهماً للعقل الجمعي (للجمهور المسرحي)، من غير مثاليات زائفة تموه هوية الواقع الحقيقي المؤكدة على ضرورة النضال من أجل سعادة البشر، وتكريس القانون الذي يكفل حقوقهم وحرياتهم بتبني ايديولوجيات ديمقراطية وليست قهرية استعبادية وفوقية طاغية.
حرص الاخراج على (فكرة) الشهادة التي تدعو بوضوح في بعدها الأيديولوجي التقدمي الى عدم الانقطاع عن حاجات الانسان الروحية وهو يتفاعل (بوجوده) معها، في تضافر متحد بينهما بمركب سلوكي حقيقي، ملموس في أوضاع الحياة الإستثنائية لمكابداتها الدامية المعاشة وليس مجرد تجميع (لانطباعات) عابرة، غير متجذرة في (الواقع). وحسب هيدجر لا يمكن للانسان أن يظهر دون اقترانه بالوجود.

وظيفة المخرج المسرحي / سعدي عبد الكريم

مجلة الفنون المسرحية 
وظيفة المخرج المسرحي

يختلف النصّ المسرحي وفق منظومة نسق بنيته الداخلية ؛ وطبيعة حبكته الصراعية اختلافاّ كبيراً عن باقي الأجناس الأدبية وجملة من الفنون والآداب الخطابية والسردية الأخرى , ويحاول المخرج جاهدا في تفسير النصّ من خلال رؤيته الفنية الجمالية الإدراكية الاستنباطية الخصبة الفاعلة في جسد العرض، فهو المتسيّد والمُفعّل الأساس لـ(الصورة المرئية) (visible picture) والمفسّر الحقيقي الفني للرؤية الخفيّة المستترة , والمناطق الغامضة واللامرئية داخل (ذهنية الكاتب) ومحاولا تثوير الملكات الفيزيقية الجسدية للممثل , لخلق ذلك التطابق المرئي للعرض , عبر الصورة والجسد وتنسيق الحركة وفق فن (الميزانسين) (Mecan sean) باعتباره لغة وظيفة الإخراج المسرحي , ووفق منهجية هذا الفن في امتلاك ناصية التفسير الاستنباطي والتعبير عن مجمل الأحداث عبر (الصورة المتحركة)  (Movable Pictuture) التكوينية للممثلين , والشكل العام التأثيثي المرئي لـ(العرض المسرحي) وبالرغم من ان مفردة (مخرج) لم تظهر بشكل جليّ وواضح إلا في القرن التاسع عشر وتحديدا في عام (1874م) مع ظهور الألماني (ساكس مننجن) (Sax Mienengin) الذي أعتبر أول مخرج في تاريخ المسرح العالمي , وأسمـه بالأصل (جورج الثاني) وهو دوق مقاطعة (ساكس مننجن) فقد ثار هذا المخرج على منهجية المسرح القديم واشكاله التقليدية واصر على الالتزام بالأصالة التاريخية وبالأخص في مجال السينوغرافيا وتصميم المناظر والازياء باعتبارة فنانا تشكيليا , كما والغى الزخرفة الباروكية , وعضّد المعايشة مع الاحداث الواقعية والتحليل التاريخي في عرض اعماله الدرامية , بعد ان كان (المؤلف) هو الذي يمارس الطقوس الاخراجية بشكل ارشادات وتوجيهات وتفسيرات يساعد فيها الممثلين على تجسيد الشخصيات , وقد تطورت التقنيات الاخراجية عبر المدارس التنظيرية المتعددة التي ظهرت على السطح المسرحي , باختلاف الطرق والاساليب الجمالية والسينوغرافية للعملية الابداعية لفن (الاخراج المسرحي) ابتدءا من (مننجن) (Mienengin) والفرنسي (اندريه انطوان) (Andre Antoine) والروسي (ستانسلافسكي) (Stanslavski) و(مايرخولد) (Mayir colad) و (غروتوفسكي) (Grotowski) و(براندللو) (Pirandillo) و(بيسكاتور) (Pescator) و(بريخت) (Brecht) و(انطوان ارتو) (Artaud) و(كوردن كريك) (Graig) و(ادولف ابيا) (Appia) ومرورا بـ(جان فيلار) (Jean Vilar) و(بيتر شومان) (Schumann) وانتهاءا بـ(بيتر بروك) (Peter Brook) الذي أسس (مشغلا) فخما للتجريب في فرنسا , واستوعب , بل واستفاد من جميع التجارب المعملية التنظيرية للمخرجين السابقين وتمخضت نظرته لـ(فن الإخراج) المسرحي في تكوين الممثل وإعداده وتقديم ابهى حالات الفرجة السينوغرافية المتكاملة. 
ومن خلال هذا العرض الموجز عبر جُلّ الأسماء الكبيرة التي عملت في مجال الإخراج المسرحي وفق مناهجه الحديثة , نلاحظ بعد الرجوع الى محاولة استقرائية للتعددية الأسلوبية الإخراجية التي زخرت بها هذه المراحل التاريخية الحديثة في فن الإخراج المسرحي , نجد بأن الوضوح في الرؤية الدقيقة لـ(المخرج) ذات أهمية وفاعلية عبر أكتمال العناصر العرضية المهمة , وفي تنشيط المؤسس الحركي للأجساد الذي يعد من أهم ادواته الفاعلة والمؤثرة في تحقيق الإثارة والرعب والرأفة والجمود والعطف والقهر والتغيير , و ما إلى غير ذلك من التثويرات والمتغيرات , باعتبار ان عناصر الحركة العضوية الجسدية الفيزيقية تحدد البعد النفسي والبعد الجسماني والبعد الصوتي والفسلجي والأخلاقي للشخصية الرئيسية والشخصيات الأخرى المساندة , وعلى اعتبار ان (المخرج) هو المسؤول والمتسيّد الأول على العملية الإخراجية المسرحية , ابتداءً من القراءات الأولى , ووصولا الى المرحلة النهائية (العرض المسرحي).

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2021

إحتفالاً بإعادة افتتاح قصرها الثقافي الخميس المقبل الديوانية تشهد عرض مسرحية (طين حرّي) لصالح حسن فارس مؤلفاً وصادق مرزوق مخرجاً

مجلة الفنون المسرحية 
إحتفالاً بإعادة افتتاح قصرها الثقافي الخميس المقبل
الديوانية تشهد عرض مسرحية (طين حرّي) لصالح حسن فارس مؤلفاً وصادق مرزوق مخرجاً

 متابعة - عبد العليم البناء

يشهد القصر الثقافي في مدينة الديوانية، الخميس المقبل، بمناسبة إعادة افتتاحه، تقديم عمل مسرحي متميز، وسوف يعاد تقديم العرض في بغداد وعدد من المحافظات العراقية.
وكانت بناية القصر الثقافي مهملة، وأعيد تأهيلها بجهد كبير من قبل الفنان صادق مرزوق وأصبح صالحاً لتقديم العروض المسرحية.
والعمل الذي سيجري تقديمه هو مسرحية (طين حرّي) التي كتبها الفنان المغترب صالح حسن فارس والتي سبق أن فازت في مسابقة النصوص المسرحية التي تم إجراؤها في الديوانية من بين 67 نصاً مسرحياً.
وقال مؤلف (طين حري) الكاتب صالح حسن فارس:" في ما يشبه ورشة فنية للنحت والموسيقى الحية تتناول المسرحية الثنائية الجدلية بين الموت والحياة، بين الحب والحرب، كما تدين المسرحية الحروب العبثية التي تنشر الموت والكراهية، وخطورة تداعياتها على المجتمعات والأجيال اللاحقة. 
مضيفاً: وفيها إشارات إلى سلسلة الحروب التي شهدها العراقيون منذ أربعين عاماً وحتى الآن، وكيف ظهرت تداعياتها على شاب عراقي عانى من طفولة معذبة حتى اضطر للهجرة والحنين الحارق إلى ماضي طفولته الآسر، حين كان يساعد والده في صناعة تماثيل من الطين الحري".
موضحاً: " المسرحية عبارة عن سيرة حياة بمنظور مسرحي يمتزج فيها اليومي بالخيالي، مع مشاهد لتداعيات من الذاكرة بصورة شعرية، تقود المشاهد من خلالها إلى عالم تتفتح فيه الفرص ليمتلئ بالحب والأمان والسلام".
مسرحية (طين حري) من تأليف الفنان المسرحي المغترب صالح حسن فارس، وإخراج الفنان المسرحي صادق مرزوق، وتمثيل : ميثم هاشم، وعلي نجاح، وقيس الكناني، سينو نحت : زينب ميران، وإضاءة: علي السوداني.
يذكر أن الكاتب صالح حسن فارس ممثل ومخرج وهو أحد المسرحيين العراقيين المعنيين بصياغة عرض بصري يعتمد في الدرجة الأساس على لغة الجسد، ويقيم منذ سنوات في امستردام، وسبق له أن قدم مسرحيات (أين الهنالك) من تمثيله واخراجه، و(اشتعال/ انطفاء) من تمثيله واخراج (كيتا هاخام)، وغيرها، وسبق له أن شارك ممثلا في عدد من العروض المسرحية الهولندية.
تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption