أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأحد، 5 يونيو 2022

المنفى والفنان الجزء الأوّل / حازم كمال الدين

مجلة الفنون المسرحية
 

المنفى والفنان الجزء الأوّل

في المنفى.. لا وطن لك سوى نفسك! 

اللا أب!

لقد قرر المنفى مصيري!

لقد قرر المنفى مسار عملي المسرحي!

فلو لم يقتلعني المنفى من العراق لكنت الآن مقلّدا للمسرح الأوربي لا أكثر!

لقد فرض عليّ أن أخوض في لجج الأصالة، وأجبرني على البحث عما أضعت: أرض الوطن، ودرجة الحرارة، والمناخ، والجسد، والصوت، والأحاسيس.. والحنين.

لقد قرر المنفى مصيري!

رحلتي الأولى اتّجهت إلى معهد الفنون الجميلة عام 1970.

في تلك الأيام نصح أحد الأساتذة لجنة اختبار المرشحين للقبول برفضي في امتحان الدخول للمعهد. وهو بتلك النصيحة أراد الحفاظ على علاقاتنا الأسريّة. فالتمثيل بالنسبة لقوم مثل عائلتي كان يقارن بفن الدعارة، ودراستي فن التمثيل كانت تعني النفي خارج الأسرة والقطيعة معها.

رحلتي الثانية ابتدأت عام 1974.

حين تجاوز الطفل الذي هو أنا سنّ البلوغ وقرّر اختيار القطيعة مع العائلة، حفرت خطواتي طريقها إلى أكاديمية الفنون الجميلة، وتوغّلت في الطريق إلى فرقة المسرح الفني الحديث، ثمّ المنفى.

رحلتي الثالثة انغرست مع المرحوم إبراهيم جلال عام 1977.

إبّان التمارين على مسرحية (رحلة في الصحون الطائرة) أشهرت القطيعة مع أكاديمية الفنون الجميلة ومع فرقة المسرح الفني الحديث. ذلك أنّي تعلمت من إبراهيم جلال، خلال پروڤات على مسرحية واحدة، ما لم أتعلمه لسنوات ثلاث في (الأكاديمية) و (المسرح الفني الحديث)!

والآن، بعد كل ذلك الزمن، حينما أنظر لمعنى القطيعة، لا أجد مصطلحا بديلاً عنها سوى (المنفى). فالمنفى هو اللاّ عودة، أو استحالة العودة. وأنا لم أعد إلى العائلة، ولا الأكاديمية.. ولا العراق!

هل كانت قطيعتي الجسدية والمعرفية أمر حتمي؟

في المنفى اختطت قطعيتي وسائل البحث عن الجسد، عن الصوت، عن الأحاسيس، عن الإيمانات الحقيقية، لكنني لم أكن في قطيعة تامة. فقد بقيت متشبثاً بالنص الكبير، مأسوراً بتصميم الديكورات الواسعة، وغارقا بالموسيقى الكونية وشلالات الضوء.

شيئان كانا ينموان ببطء في الاتجاه الصحيح وهما معنى الرؤية الفنية، وجوهر العرض المسرحي.

لقد علمني المنفى أنّ العملية المسرحية ليست اتجاها مسرحيا واحدا، وأرشدني إلى ضرورة استقبال معارف مسرحية جديدة بالاحترام اللازم. أما عن جوهر العرض المسرحي، فقد بصّرني أن أعمل مع الممثل والمشاهد باعتبارهما مركز الحقيقة المسرحية، وهداني إلى حقيقة أنّ معرفتي المسرحية لا تنتمي لثقافتي الشرقية، فقد درست في العراق نسخة بسيطة من بريخت وأخرى مشوّهة عن ستانسلافسكي.

لقد رماني المنفى عام 1979 في بيروت، مع مسرحيين ممنوعين، يريدون أن يقدموا مسرحاً مهما كلّف الأمر وفي أيّ مكان: في غرف، أو في ملاجئ، أو تحت القصف.. لا يهم! فأولئك كانوا يرون في المسرح هواءهم وعقد حياتهم، وكانوا مؤمنين أنّ الممثل قادر على تحقيق حضوره أينما وقف.

بيروت كانت محطّتي الأولى في المنفى والمحطة الحاسمة.

هناك ابتدأت المجابهة الذاتية مع مفاهيمي المسرحية اللاّ أصيلة، أو المكتسبة، حتى أجبرتني أن أبحث عن نفسي، لا كما أرادت (الثقافة والأعراف والتربية) لي أن أكون، وإنّما كما هي حقيقة نفسي.

في بيروت جابهت تقليديّة مفاهيمي المسرحية بجملة من الأسئلة من بينها:

هل المسرح محاكاة فعل أم أنّه فعل بحد ذاته؟ ما هو الإخراج في علاقته بالنص؟ تفسيرٌ للنص؟ تأويل له؟ تأليف جديد؟ أم علاقة أخرى؟ وبعلاقته بالتقنيات المسرحية، هل هو تجسيد لما يحدث في النص، بناء معارض له، موازي لما يحدث فيه، أم في علاقة هارمونية مع النص؟ وعلاقات التقنيات مع بعضها البعض، هل يحكمها مركز اسمه المخرج أو النص أو الحدث أم هل ثمّة علاقات داخلية تربط هذه العناصر مع بعضها البعض؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي هذه العلاقات؟ هل لها علاقة بالجذور أم بتطوّر تقنيات المسرح اليوم؟ ما هو دور النص في العرض Spectacle؟ العرض في خدمة النص المسرحي، أم النص في خدمة العرض، أم هل ثمّة علاقة ثالثة؟ ما هو الأساسي في العرض المسرحي؟ الحوارية Verbal؟ الصورية Visual؟ الجسدية Corporal؟ أم هذه العناصر جميعا؟ وما هي علاقة هذه العناصر ببعضها البعض، وكيف تجتمع؟ من خلال توليفها/تنسيقها؟ تفاعلها؟ أم لصقها (في كولاج) إلى جوار بعض؟ ما هو التمثيل؟ اندماج أم تشخيص أم مسافة من الشخصية أم شيء آخر؟ هل ثمّة حاجة حقيقية للديكور وللتقنيات في المسرح؟ هل ثمّة حاجة للنص المسرحي المكتوب على الورق؟ هل المسرح في خدمة (سينمن الأهداف؟ هل هو هدف بحد ذاته؟ هل هو وسيط؟ هل هو وسيلة أم غاية؟ ما هي علاقة المسرح بالتراث: عملية إسقاط على الواقع، أم تحليل ونقد للبنية التي أنتجت الواقع؟ هل علاقات هذه العناصر مع بعضها خارجية/شكلانية، أم داخلية/بنيوية؟

باختصار، لقد وضعتْ تلك السنوات في بيروت جلّ معرفتي المسرحية في سؤال، أو بالأحرى وضعتها في أسئلة أجبرتني على العزوف عن العمل في المسرح.

***

عمليا توقفت عن الإنتاج المسرحي منذ عام 1985 حتى 1990. ذلك التوقف كان رحلة قاسية في غابة نفسي. تأمل، ومراجعة، ونقد.. وإعادة ترتيب للذات.

لقد أجبرت نفسي أن أنظر في المرآة كل يوم، لا لأستمتع بملامح وجهي، وإنّما للبحث عن شخصي الذي أضعته تحت ركام كثير.

في بيروت عملت مع فرق مسرحية فلسطينية، ولبنانية، وعراقية. وبما أنّني كنت منفيا سياسيا اشتراكيا فقد كانت شريعتي الأولى هي بريخت.

كانت بيروت هي الاختبار الأوّل لرؤاي المسرحية، أو بالأحرى لمفاهيمي المسرحية، التي تجمعت بحكم الخبرة والدراسة. ذلك أنّي تعرّفتُ هناك على ستانسلافسكي، وجروتوفسكي، وآرتو.

في بيروت الحرب الأهلية لم يكن العقل من يلعب الدور الأوّل في البقاء على قيد الحياة وإنّما (قوة) الجسد و (مجسّات) الأحاسيس.

عندما تتعرض للقصف كل ساعة في بيروت 1982 تصبح الاتفاقات المسرحية غير الأساسية ثقلا على كاهل المسرحي والمتلقي والرسالة، وتغدو كل بهرجة بمثابة انشغال بما هو ثانوي. في الحرب لا يمكنك أن تنشغل بما هو ثانوي. عليك أن تختزل وتكثّف إلى الحدود القصوى، وقد ترسل بالاتفاقات المسرحية إلى الجحيم إذا اقتضى الأمر. اتفاق مسرحي واحد يظلّ هاجسك الأبدي وسبب وجودك وهو عفوية وحميمية اللقاء مع الجمهور. رسالة (اللقاء) التي تؤكد للمسرحي وللجمهور أنّهما مازالا مفعمين بالوجد الذي لا يعرف أحد ماذا سيحدث بعده إذا ما انقضى!

 

الممثل

لاحقا، بعد الخروج السوريالي من بيروت، وبعد التجارب العملية المعلمية في بلجيكا والتأملات وغيرها اكتشفت أنّ ما توصلت إليه إبّان الحروب في بيروت يشكّل أساس المسرح على الرغم من تبسيطيته الظاهرية. فالممثل والمشاهد هما الجوهر.

أمّا على صعيد الممثل فيجب إعادة توظيب عمله لكي يشعر أنّه حي وفي حالة تواصل دائمة مع المشاهد، ولكي يكون في علاقة منزّهة عن (مقاصد) ما يحدث بعد العرض.

أمّا إعادة التوظيب هذه فهي مؤسسة على تفكيك وتركيب عناصر ثلاثة أو حيوات ثلاث مرتبطة ومنفصلة عن بعضها البعض ويتكون منها الكائن الإنساني. أعني بها العقل والعاطفة والجسد.

ومنذ تلك الأيام أصبحتُ أؤمن أنّ التمارين الأولى للسلطة أو التسلط بدأت منذ أن بدأ الدماغ يعقلن: فالعقلنة تمارس الهيمنة، وتسيطر تدريجيا على الإحساس، ثم تستعبده متواطئة مع المجتمع والتاريخ والأعراف. ومن خلال تواطؤ العقلنة مع الإحساس يمارس الاثنان قمعا منظّما على حياة الجسد.

إنّ الجسد الذي يمتلك من الطاقات ما هو خارج سلطة العقلنة والعاطفة، ويتجاوز قدرته الذاتية كما في الطقوس، لا يستطيع أن يمارس كينونته خارج كونه (أداة) بيد العقلنة أو العاطفة.

لذلك ولكي يتحرر الجسد من عبوديته ينبغي إلغاء السلطة الأولى، سلطة العقلنة، وبناء علاقة تكافؤ وصراع غير متسلطة معه. وهذا لا يتم إلاّ من خلال تحرير الإحساس كمرحلة في هذا الطريق.

ولكي نحرّر الإحساس ونربطه بطريقة متوازنة مع الجسد ينبغي إخراج الصوت عن مدلوله أو مداليله اللغوية، وإلغاء اللباس الميت للجسد؛ حركته اليومية المؤدبة.

ولأجل الوصول إلى هذا الهدف، اعتمدتُ منهج (المعاناة) أسلوبا للعرض المسرحي، الأمر الذي دفع منطلقاتي جميعا إلى التركيز على البحث الداخلي (العودة إلى الذات) وصولا إلى مركز الطاقة في الممثل، حيث أقضي فترة طويلة وأعبئ تمارين متنوعة تحثّ الممثل على ملامسة ذلك المركز (الذات). وعندما يعثر عليه أو يشعر به، أبدأ بالتعامل مع أدوات أخرى تقويّ المركز وتدفعه للحضور المجسَّد من خلال تطويره الداخلي وربطه بعلاقة فيما هو خارج الممثل.

***

في هذا السياق بدأ عملي يتنكّر للأساليب التي يرتديها الجسد اليومي أو الجسد المستخدم كوعاء لتجميع المعارف.

وفي هذه المرحلة لم أعد أعتبر (المشاهدين) مجموعة عناصر استقبال أستخدمها لإيصال فكرة، أو لإرضاء غروري، أو للبحث من خلالها عن الشهرة، أو أمارس عليها سلطة ما، أو أقول لها أو أعلّمها شيئا.

لا.

إنّ علاقة عملي المسرحي بالجمهور هي الأخرى علاقة امتداد، تواصل، ومجابهة. وهكذا، فإن العلاقة مع المشاهدين لا تتم إلاّ عبر اكتشاف المركز (مركزنا) ثم تقويته وتطويره حتى يصل مرحلة الاستعداد للوقوف وجها لوجه أمام العنصر الجديد: المشاهد.

أما في مرحلة التركيز على اتصال المركز (الذات) بما هو خارجها، فإنني أعمل مع جملة عناصر أهمها: الممثل الآخر، الفضاء المسرحي، والنص.

إن علاقة الممثل بما هو خارجه، في هذه المرحلة، هي علاقة شرطها الأساسي العري (كشف الذات) وملامحها الامتداد، والتواصل، والمجابهة. كما إنّ هدف هذه المرحلة يكمن في توحيد ذات الممثل العارية مع عناصر العمل المسرحي الأخرى لكي يصبح الجميع (ذاتا) واحدة لها مركزها الخاص الذي نوظّبه بحيث نتعامل مع عناصر جديدة خارج تلك الذات؛ أعني المشاهدين.

ولأجل الوصول إلى نتائج مرضية في هذا الصدد، نحاول جميعا أن نتعلم بجديّة كيف (ننسى ما تعلمناه) لكي نسمح للتجربة الجديدة أن تتغلغل في كياننا. ذلك أننا إذا ما استخدمنا معاييرنا التي تعلمناها لن نغتني إلاّ بعدم الفهم لسياق التجربة، مما يدفع إلى الملل والكراهية الناتجتين عن محاولة إجبار التجربة الدخول في آليّات تفكيرنا وليس في بنيتها الذاتية. لهذا فنحن نفترض أنّ من يأتي إلى المسرح عليه القدوم بقلب دافق ورأس لا تكبّله تصورات مسبقة عن أسلوب عمل أو عن زملاء آخرين أو عن نفسه أو عن حلول فنية معينة. نحن نبحث في عملنا عن أنفسنا في سياق صيرورة مراحل العمل المسرحي لأجل اكتشاف (الأنا) ولا نفعل ذلك في التمثيل، أو الحلول الأجمل، أو التساؤل عن الـ (كيف)، أو تساؤلات من مثل كيف ألعب الدور، كيف ألقي هذه الجملة، كيف يبدو شكلي من الخارج؟ بمعنى آخر نحن لا نبحث في تطبيق استخلاصات نظرية/أكاديمية على تجربتنا المسرحية، لأننا لا نبدأ من البعد النظري ولا ندرس مدى تحققه في التطبيق العملي. بالعكس. نحن نحاول أن نتعلم من خلال التجربة العملية. إنّ تجربة حالة محددة وإعادة اكتشافها وصقلها وبلورتها والسماح لها بالتغلغل عميقا في ذاتي، هو الذي يمنحني المعرفة. فأنا لا أدعي المعرفة قبل التجربة. أنا أؤمن وبشكل قاطع أنّ التجربة هي من يقودني إلى المعرفة.

في هذا السياق يتنكّر عملنا للأكليشيهات التي يرتديها الجسد اليومي أو الجسد المستخدم كوعاء لتجميع المعارف. كما ويرفض عملنا استخدام الحواس كمتنصّت أو كناقل للمعلومات عن العالم الخارجي. إنّ الحواس (النظر، السمع.. الخ) ليست مجرد وسائط نقل معلومات بالنسبة لطريقة عملنا. إنّها عناصر تواصل/توازن بين العالم خارج الذات وبين والذات. إنّ الإنسان الشرقي ذو طبيعة استقبالية أكثر مما هو ذو طبيعة إرسالية. فنحن كشرقيين نستمع ولا نتسمّع. والقرآن يحذّر من التنصت من وراء في الحجرات.

نحن لا نشغل أنفسنا بالمشاهدين، في هذا القسم من عملنا، ولا نثير تساؤلات من مثل كيف سيستقبل المشاهد ذلك الحدث؟ أو: هل هذه المعالجة واضحة بالنسبة له؟ أو: أليس هذا معقّد عليه؟ إنّ مثل هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة في ذات الاتجاه تُخرج عملنا من سياقه (مبدأ المعاناة) لتضعه في سياق آخر (مبدأ العرض) الذي يشترط أوّلاً كيفية إيصال المادة المسرحية إلى المشاهدين من قبلنا نحن الذين لا نعتبر في نهاية المطاف، بالنسبة لهذا الأسلوب، أكثر من ناقلي معلومة، أو مروّجي أفكار، أو أدوات تُستخدم لإيصال مقولات محددة.

نحن لا نمثل شخصية (نندمج فيها أو نحافظ على مسافة محددة بيننا وبينها). إنّ هذين المفهومين يدفعان الممثل للبحث خارج ذاته عن ملامح شخصية ما (تاريخها، أبعادها) وبالتالي تطويع الممثل لارتداء تلك الملامح أو دفعه للاندماج في كيان مؤسس خارج ذاته. إنّ هذا، مرة أخرى، استخدام للممثل هدفه محاكاة الحالة الداخلية للشخصية المسرحية.

نحن نبحث في إطار آخر يدفعنا لأن نتعامل مع الشخصية المسرحية باعتبارها ملامح موجودة في الذات لكنّها غائبة عنا بسبب القمع الواعي أو اللاّ واعي الذي نمارسه عليها أو بسبب إهمالنا لها أو لأسباب أخرى. بحثنا هنا يريد تحطيم القيود أو العوائق التي تمنع ظهور ما هو كامن فينا. كذلك نتعامل مع الشخصية المسرحية (في أحيان أخرى ولأغراض محددة) باعتبارها مشرطا يقودنا إلى ذواتنا، يكشف لنا من نحن بالضبط، ما الذي تخفيه أرواحنا، وأين تكمن العوائق التي لا تسمح لنا بالإجابة عن سؤال؛ من نحن؟

إنّ النزعات الشريرة، مثلا، موجودة داخل كيان كل ممثل، وما عملية الإلغاء لتلك النزعات أو محاربتها رغبة في انتصار الخير، إلاّ شكل من أشكال العوائق التي تعيق الممثل من أن يكون كما هو مكوّنا وحدته الكلية. إنّ كشف الحالة الداخلية للممثل والتطهّر منها هي بالضبط ما نعنيه بإزالة العوائق. ذلك أنّ إماطة اللثام عن عناصر يريد الممثل أن يخفيها هو ما يدفعه للاعتراف بوجودها وبوعيها، وللتحرر أو التطهر منها.

نحن لا نمثل الشخصية المسرحية. نحن نبحث عن ملامح الشخصية في دواخلنا، أو في طيّات تجاربنا الشخصية. ونحن نبحث ذلك بمستويات عدّة لا تقتصر على بعد واحد؛ البعد المرئي. نحن نعمد إلى التأويل، والبنيوية، ونعمد للبحث في الأبعاد المرئية وغير المرئية. وأخطر ما في عملنا هو تفسير كلماتنا ومهماتنا ببعد واحد، أو إعطاء صفة القطعية على تفسير محدد.

كذلك نحن لا نبحث في كيفية إلقاء الحوار. نحن نبحث عن تغلغل الحوار إلى الداخل (مراكزه الجسدية) ومن ثم نبحث عن انطلاقه إلى الخارج. ولهذا فنحن لا نشخص الحوار. نحن نحسّه من الداخل. عموما، إنّ التشخيص بالنسبة لنا هو إعادة أو تكرار لحالة واحدة أكثر من مرة وعلى أكثر من بعد. ونحن نعتبر هذا هدرا للطاقة بدلا من توزيعها بشكل يمنح الكلام أبعادا أخرى، إضافة إلى أنّنا نرى في التشخيص اتهاما للمشاهد بأنه قاصر عن استيعاب شيء ما إلاّ بعد تكراره.

نحن لا نبحث في عملنا عن نتائج. النتائج لا تشغلنا لأنها تحصيل حاصل. نحن نبحث بصدق عن الطريق إلى أنفسنا. ومثل هذا البحث يشبه إلى حد بعيد مغامرة الدخول إلى غابة كثيفة الأدغال ومليئة بالوحوش. نحن نركّز أولا على مدخل الغابة. وفي الطريق، نثبّت لأنفسنا علامات بحيث لا نضيع، إذا ما حدث لنا حادث ما (ضعف التركيز، أو تعقّد وتشابك المهمات). إننا نعتبر معرفة الطريق وإضاءته بالعلامات هو ضمان السلامة إذا ما ضللنا الطريق في غابة البحث عن الذات.

بمعنى آخر إننا نؤكد دائما على العودة إلى القواعد الأساسية كلّما اكتنف بحثنا الغموض. 


حيوية الممثل

هذه الطريقة من العمل تشترط أيضا على الممثل أن يتعامل مع الفضاء ومعطيات العرض المسرحي الأخرى بعفوية وتلقائية وعمق أدواته الجسد والإحساس والخيال والتجربة. إنّه لمن واجبه الفني والإبداعي أن يكيّف نفسه في كل عرض لكي يلتقي مشاهدا جديدا وأدوات مختلفة وكأنّه يصنع العرض للمرة الأولى.

إنّها تشترط أيضا أن يكون متحسّبا طوال الوقت لكل صغيرة وكبيرة في المعطيات الجديدة الحبلى بدلالات جديدة للعرض. أيّ أنّ عليه التصدي للتعامل مع كل ما هو غير متوقع بما في ذلك الأخطاء الناتجة عن تغييرات اللحظة الأخيرة والتي يجب عليه أن يستوعبها ويحتويها ويعيد إنتاجها وكأنّها جزء أصيل من العرض.

نعم.

تنتاب عملنا الكثير من لحظات فقدان البوصلة الناتجة عن اللقاء الحيوي التفاعلي مع عناصر عرض متغيرة لكنها ذات مكانة موازية للممثل.

يحدث مثلا أن ينسى الممثل أو يتشتت تركيزه. في مثل تلك الحالة يقود الممثل العملية الإبداعية إلى منحى جديد عماده الارتجال الآنيّ.

ذات مرة نسي توني دو ماير الحوار فابتكر عملية بحث (حرفية) عن النص بين الجمهور وراح يقلّب عنه تحت سجاجيد جلس عليها الجمهور وخلف الستائر وظلّ يبحث حتى أُصيب المشاهد بالحيرة: فهل ما يجري تمثيل أم حقيقة؟ هل عليه أن يساعد الممثل في إعادة ربط الحكاية أم هل سيبدو متدخلا في مجريات أحداث محددة مسبقا؟ ثمّة مشاهد أشار إلى قفل الحكاية فتحول بالطبع إلى عنصر فاعل في العرض وليس مجرد متلقي. في تلك اللحظة أعاد توني دو ماير ترتيب الحكاية مع المشاهد في حوار صار مشهدا جديدا.

في أحد مشاهد مسرحية (شجرة الأحزان) لعبت تانيا پوپه دور شهرزاد، وقد كان زيّها المسرحي عبارة عن كفن طوله 60 مترا ينفرش على الأرض بطريقة حلزونية ويجلس فوقه المشاهدون بينما هي تجلس في مركز الحلزون. كان المشهد يعنى بمحاولة هروب شهرزاد من ملاحقة مجموعة رجال يريدون اغتصابها، بيد أنّها تقع في النهاية بين أيديهم.

قفزت (شهرزاد) وسط الجمهور في محاولة للهرب من الرجال.

تانيا پوپه، ونتيجة تغييرات اللحظة الأخيرة والطريقة التي انفرش فيها الكفن في ذلك الفضاء الجديد، لم توفق في القفزة، فتمزق كفنها وسقطت عارية وسط الجمهور. في تلك اللحظة فقد المشاهد دوره كمتلقي محايد. واحد أراد أن يساعدها فأمسك بفخذها. آخر أراد أن يجنّبها السقوط فتلقّفها في حضنه. البعض أرادوا أن يبتعدوا فتسبّبوا بفوضى ظلّت تترافس تانيا وسطها. الملفت للانتباه هو أنّ مجموعة المشاهدين البعيدين عن شهرزاد رأوا في ما حدث مشهدا يصوّر اغتصاب شهرزاد. بعض المشاهدين أدرك اللعبة متأخرا، ولكن بعد أن أصبح ممثلا شريكا في الاغتصاب المسرحي. لقد حدث كل ذلك لأنّ تانيا پوپه تعاملت عبر الارتجال مع الجمهور باعتباره شخصيات مسرحية.

 

التباس اللقاء مع الآخر

 

أنا هو الأنا المتخيّل عن نفسي!

هذه المنطلقات، أو قل المتن الأوّل من العرض المسرحي أصبح واضحا لي (نوعا ما) من خلال التجربة. بيد أنّ هذه الخبرة جعلتني أغترب عن نفسي أكثر من اغترابي في المنفى. أين مفاهيمي القديمة، أين حجر الأساس في هويتي المسرحية الذي تعلمته في أكاديمية الفنون الجميلة وفرقة المسرح الفني الحديث؟ أين شلالات الضوء وكارمينا بورانا وتشايكوفيسكي والستائر الشفافة الساقطة من عليّ لتؤثث ظلالا وأشباحا وسحرا مطلقا؟ لم يبق لي بعد بيروت الحرب الأهلية سوى المشاهد وسوى حازم كمال الدين (الممثل المخرج المؤلف) ومشروع حربي المفتوحة ضد اغترابي.

أصبح ابتعادي عن جذوري المسرحية أمرا واقعا، واتضّح أنّ ابتعادي أمسى اقترابا من أصول أخرى، من جذور نسغها فيّ أنا؛ في جسدي، في ذاكرتي، في طفولتي، في ملامحي الغائبة عني، في صيرورتي ثمّ تمردي على ما هو سائد.

جسدي قادني إلى الطاقة اللا لغوية والتابو بأنواعه، والذاكرة قادتني إلى الحنين! أما الطفولة فقد أحالتني إلى حضن أمي وحكايات ما قبل النوم. وأما الملامح الغائبة عني فشجعتني على نبش قبور الموروث القديم والطقوس الإسلامية، التي رضعتها وتعاليت عليها واعتبرتها أثرا أصوليا أو لا حضاريا. الصيرورة جرأتني على النظر إلى هويتي البيولوجية والأخلاقية، صوب ما هو غائب عن الوعي أو مغيّب، إلى ما هو شرير داخل نفسي، وإشهاره على المسرح بهدف تحويله إلى طاقة إيجابية، بمعنى أنّي اختبرتُ العملية المسرحية كمعطى علاجي نفسي. وبعد هذا وذاك التمرّد الذي ساقني إلى مناكفة الغرب (كديدني طوال عقود عمري الخمسة) والإصرار على التنقيب عن هويتي في طيّات نفسي وتأويل كل ما تعلمت باتجاه تعميق ذلك البحث، لا تمريغ هويتي بالوحل أو العدم.

هذا الاقتراب أدخلني فضاءات تفكيك (لا أوربي) للموروث الشرقي، وتركيبه (أوربيّا) في هياكل وبنى عملي. فانفتحت أمامي، بشكل مباشر وغير مباشر، كهوف التاريخ والتراث الذي لم يدوّن بعضه إلاّ تحت سطح جلودنا وفي (التكايا). وجدت إرثا شفاهيا طقسيا حيّا يلتقي بالغرب بنفس قوة الافتراق عنه. فاقتربت بدوري وابتعدت بنفس القوة، واقتربت وابتعدت.. لكنّني لم أحسم أمري. لقد كان التجاذب بين الاقتراب والابتعاد يعود بشكل رئيسي إلى أنّني لم أكن أريد أن أختار، ولم أكن أريد أن أرى الأشياء كمفكر (فيلسوف، منظّر...) لقد أخذت على نفسي أن أكون رجلا عاديا ولد في مكان ويتوجب عليه أن يقضي حياته في مكان آخر. وهذا ما فرض عليّ البحث في كيفية الدفاع عن أصالة ذاك الذي ولد هناك، وتكييف ما موجود هنا لتشييد مسيرة فنية قابلة للحياة.

***

 أوغلت في الغابات والمتاهات: هنا أسئلةٌ، وهناك بحثٌ عن وشائج فنية، وعن لغة وذاكرة جمعية. وبعد إحباط وإصرار أُسقط بيدي واعترفتُ بحقيقة أنّنا لا نتحدث لغة مشتركة، رغم اعتقادنا المعاكس والمدبّج بشعارات الشمولية، والعولمة، والذاكرة الجمعية.

أوغلت أكثر فوجدت حتى أنّ بعض المصطلحات المتشابهة إنّما هي متناقضة في الجوهر:

وجدت أنّ مفهوم (العاهرة) في الغرب يقترب من الأداء الاجتماعي المحترم (يشابه عمل المساعدة الاجتماعية) وهو ما يصطدم مع مفهومنا عن المومس (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ). اصطدمت كذلك بالقتل وهو يأخذ صفة الرحمة (الموت الرحيم) لا قول (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ).

بعدها واجهتُ تباين (الأساس الميثولوجي) بيننا والمتمثل بثقافة الشعور المسيحي بالذنب الغربية مقابل ثقافة العيب العربية. ونظرت إلى (الخنزير) الذي حرّم الله لأرى أنّه كائن محترم. بل وجدت أنّ العمل الإبداعي مؤسس غربيا باعتباره (سلعة) product للاستهلاك، بينما يتّخذ الخلق في الشرق صفة الهبة والثواب (الفعل المنزّه عن الغرض) أو التعبّد وأشكال القرابين الرامية للتطهر والوجد والتوحّد؛ تجويد، أذان، طقوس صوفية، تعازي، حكواتي.. إلخ.

عالمان أو كودتان يا ما وضعاني في أتون تساؤلات عن ماهية الطريق:

هل يجب أن أذوّب كودتي لكي أقترب من كودة الآخر وننسجم؟ ألا مناص إلاّ من قبول الغرب باعتباره مركز العالم، وما تبقّى (وأنا منه) ليس سوى هامش على مشروع تهجين الغرب؟ هل يتوجّب تكسير رأسي لتكون العقلانية هي الحقيقة المركزية الوحيدة؟ هل لزامٌ عليّ إقرار أنّ البشرية مؤسسة كما كتب ديكارت (أنا أفكّر إذن أنا موجود) أو (في البدء كانت الكلمة)؟ وهل عليّ الخضوع وترتيب بيت نفسي لإقرار المعلوماتية باعتبارها الأسلوب الأمثل للتطور المعرفي وأدثّر (الفعل والتفاعل) وأضعهما في قفّة أدفعها لتخوض أمواج بحر متلاطم؟

وبمقابل كل هذه الأسئلة سؤال مركزي مقلوب: هل الشرق / أنا / الحسيّة /ا لجسدية هي الخلاص؟

كنتُ انفصلتُ عن ستانسلافسكي وبريخت وولجت مسرح الطقوس والينابيع مفتونا ومتيقنا أنّ هذا الاتجاه هو صاحب مفاتيح التوازن النفسي المناسب لي.

وهكذا ثلاث سنوات من (الحيوية الحركية)، و (الپلاستيكس)، والفعل الجسدي، والطريق السلبي، والبحوث في الصوت وأساليب الارتجال. وبعد تلك المتابعة اليومية العملية لمنهجي جروتوفسكي وأتيان دكرو عبر مريديهم رينا ميريسكا، ويان روتس، ولودو ڤان باسل، فزّت الاسئلة من نومها العميق فأحالت الليالي إلى أرق لا فكاك منه.

لقد كانت أسئلة كثيرة منها: هل منهج جروتوفسكي هو التوازن المطلوب لي؟ أين أنا، الشرقي، مما درست وأدرس في الينابيع، وفي الطقوس، وفي التوحّد والوجد؟ أليست وجهة نظره بحثٌ أوربيّ ينظر إلى الشرق من الخارج رغم محاولاته الصادقة أن يغوص في الشرق؟ هل ثمّة وئام حقيقي بيني وبين الكودات التي كنتُ أتعلّمها كل يوم؟

أسئلة توطّنت نفسي لأعوام ثلاثة ودفعتني إلى تفحّص الآخر الذي أعاد إنتاجي وقرّر أن أعيد إنتاج نفسي بناء على ما رسمه عني لأصبح أنا هو الأنا المتخيّل عن نفسي!


السبت، 4 يونيو 2022

الفنان والناقد المسرحي العراقي د. محمد سيف: المسرح لا يمكن أن يفقد براءته، ولكن أغلب العاملين فيه.. قد غادرتهم البراءة، مثلما تغادر المرأة أنوثتها.

مجلة الفنون المسرحية


"أي أمل هذا الذي لا زلنا محكومين به أيها السيد المبجل"


الفنان والناقد المسرحي العراقي د. محمد سيف:

المسرح لا يمكن أن يفقد براءته، ولكن أغلب العاملين فيه.. قد غادرتهم البراءة، مثلما تغادر المرأة أنوثتها.


حاوره : هايل علي المذابي



في ذات حوار معه قال الدكتور العراقي والفنان والناقد المسرحي محمد سيف، حين سئل عن تقديم نفسه بنبذة عن سيرته ان الحديث عن الأخرين ونتاجهم، الفني والأدبي، بالنسبة له، أسهل بكثير من الحديث عن نفسه، ولهذا السبب لم يكتب حتى الآن سيرة ذاتية قادرة على إعطاء صورة حقيقية عنه وعن عمله. ويعزو السبب في ذلك لان أكثر السير الذاتية تتشابه، وربما أيضا من الصعب اختصار المرء لنفسه ببضعة سطور تكون قراءتها في أغلب الأحيان مملة، رغم ذلك فهذا تعريف بسيط به وبمسيرته العملية والفنية نمهد بها لحوارنا معه:

محمد سيف مخرج، ممثل، دراماتورج، ناقد، وباحث مسرحي عراقي، مقيم في باريس منذ عام 1984، دكتوراه في المسرح والعلوم الاجتماعية من جامعة السوربون 7، ماجستير العلوم المعمقة، والبكالوريوس من جامعة السوربون1، دبلوم مدرسة جاك لوكوك العالمية للتمثيل، دبلوم معهد الفنون الجميلة في بغداد، حاليا المدير الفني لفرقة مسرح (الكلام العابر) في باريس. بالإضافة إلى عمله، كرئيس تحرير لمجلة دراسات الفرجة الفصلية الأكاديمية المحكمة، التي تصدر عن المركز الدولي لدراسات الفرجة.

أخرج للمسرح: مسرحية (الجمجمة) للكاتب التركي لناظم حكمت، مسرحية (الصبي المشاكس) إعداد عن قصة لتشيكوف لمنتدى المسرح في العراق، مسرحية (الدموع المرة لبيتر فونكونت)، للمؤلف الألماني فاسبندر، لمسرح بير فرينيه الفرنسي، مسرحية (المتروكة) إعداد وبتصرف عن نص لماكس ميري، لمسرح لونيل الفرنسي، أخرج مسرحيتي (التوقيف، وورود الجيرانيوم)، للكاتبة الفرنسية، أفيلي سترا، ومسرحية (كالرياح تذهب وتجيء) تأليف كوليت اشتيرن، لمسرح الباستيل الصغير. أخرج أيضا، سلسلة ممسرحة من القصص المستوحاة من ألف ليلة وليلة لمسرح بول ايلوار. وقدم مسرحية (المراسل) تأليفا وإخراجا، على مسرح الشعب في ستوكهولم/السويد. قدمت نص (أربع ساعات في صبرا وشاتيلا) لجان جينيه، على مسرح معهد العالم العربي في فرنسا بعد ان قدمها في تونس برفقة الفنان المنصف السويسي ومنية الورتاني. ثم قدم توليف مسرحي شعري، بعنوان: غريب كالبحر، لمهرجان طنجة المشهدية في المغرب ومسارح أخرى في باريس؛ الخطبة الأخيرة للهندي الأحمر، للشاعر محمود درويش. لافتتاح مهرجان هنوفر الألماني واختتام مهرجان طنجة المشهدية. ومن أعماله الأخيرة إخراج مسرحية (الحريق) لمؤلفها قاسم محمد، التي قدمت على مسرح القصبة في مدينة طنجة المغربية، ومسرح بيت الفنون في مدينة بوردو الفرنسية.

المؤلفات المسرحية: مسرحية البحث عن السيد كلكامش، ابكي فالعالم وادٍ من الدموع، الزوج الأبدي، إعداد عن رواية دوستويفسكي، المراسل الحربي، وثلاثة عناوين لمسرحيات ثلاثة، التي طبعت في دار نشر دار المصادر في بغداد، وكتب للأطفال، الأمير أحمد والساحرات، ومسرحية الملك الأمي.

في الدراسات المسرحية كتب: الطفل والتعبير المسرحي، نشر في دار سحر/تونس؛ أفكار وتطبيقات تعارض التقاليد، وزارة الثقافة لإمارة الشارقة؛ مسرح ما بعد الدراما، كتاب مشترك، وكتاب دراماتورجية العمل المسرحي والمتفرج بالاشتراك مع الدكتور الباحث خالد أمين، هذا بالإضافة إلى كتب مشتركة أخرى: تحولات الفرجة فرجة التحولات، الدراماتورجيا الجديدة، الفرجة والمجال العمومي، وجميعها من إصدارا المركز الدولي لدراسات الفرجة.

في الترجمة كتاب: الضجر هو الشيطان لبيتر بروك، نشر من قبل وزارة الثقافة والأعلام في إمارة الشارقة، بنسياننا شكسبير يمكن العثور عليه ثانية، كتاب يجمع كتابين في كتاب، صدر عن دار نشر عدنان /العراق، كتاب شعرية الجسد لجاك لوكوك، (ترجمة وتقديم وتعليق)، عن دار نشر مؤسسة الصادق الثقافية، في مدينة بابل العراق، وترجمة كتاب أرسطو مصاص دماء المسرح الغربي، للكاتبة الفرنسية فلورنس دوبون، في صدد التحضير للطبع. هذا بالإضافة إلى نشر العديد من البحوث والدراسات والمقالات النقدية في المسرح والرواية والفن التشكيلية في مجلة نزوى العمانية، مجلة فنون، الأقلام والطليعة الأدبية، في العراق. مثلما نشرت وبشكل دوري العديد من المقالات النقدية حول تجارب مسرحية عالمية وعربية: القدس العربي، الزمان، النهار اللبنانية، وبيان اليوم المغربية، بالإضافة إلى المواقع الإليكترونية مؤخرا. وبعد هذا العرض لموجز سيرته الفنية والإبداعية لنذهب إلى الحوار:


 

*برأيك: المسرح أداة ترفيه وامتاع، أم أداة مقاومة وصناعة وعي أم كلاهما؟  


**المسرح بكل اقتضاب وبساطة، هو فن الترفيه بامتياز، والأكثر اكتمالا، لأنه يربط متعة النص مع متعة لعب الممثلين ومتعة الديكورات، وإلخ. تمهيدا للشرح، نستعين بيوجين يونسكو، الذي يقول: أنا لا أقوم أو اعمل الأدب، وإنما أفعل شيئاً مختلفاً. انا أمارس المسرح. ومن خلال هذه الملاحظ الصائبة والاستفزازية، نؤكد على خصوصية تجعل من هذا النوع (إشكاليًة) ترفيهية كاملة جداً، شرط أن تكون خصوصيتها نوعاً "مزدوجاً أو مضاعفاً" يمزج بين النص والتمثيل، وكل عنصر من هذين العنصرين يأتي بمتعة مميزة وتكميلية. بلا شك أن قراءة نص مسرحي بحد ذاته متعة، لكن مشاهدته على المسرح تؤدي إلى المزيد من المتع لأن العرض يعطي النص أبعاده الكاملة. التجربتان يكملان ويثريان بعضهما البعض من أجل إسعاد الجمهور. ومع ذلك، هل المسرح مجرد "ترفيه"؟ إن موليير مثلا أو بريخت، اللذين كان هدفهما إمتاع وتسلية جمهورهما، كان هدفهما أيضًا جعلهم يفكرون؛ وكانوا مؤلفو المآسي التراجيدية يريدون إثارة المشاعر في صفوف المتفرجين لكنهم أيضًا كانوا يستثمرون الفضيلة التطهرية لأعمالهم. المسرح هو نوع كامل لأنه يُعلم ويُثير الاعجاب ويُجذب في نفس الوقت.

هل المسرح أداة مقاومة وصناعة وعي أو كلاهما؟ بلا شك لا يمكننا الاجابة بلا، وفي نفس الوقت، أجد في هذا السؤال مناسبة للحديث عن الديمقراطية التي لا تدار في الشوارع. والأمر هنا يتعلق من دون شك بالنقاش والتداول اللذان كانا موجودان منذ النشأة الأولى للمسرح، في قلب وروح الثقافة اليونانية، الثقافة التي كانت تُغنى وتُرقص، والتي استندت أيضاً على فكرة الحوار. هذه الفكرة التي رصدها اسخيلوس، من خلال طرحه السؤال التالي: كيف يمكننا تحسين حالة المسرح اليوناني، ويجيب على سؤاله: من خلال شخص يتحدث وجوقة؟ ولهذا أضاف شخصاً لكي يحصل على محاثة!

ما نوع الثقافة التي يُعدها أو يهيئها الغرب؟ وهو يصدر الديمقراطية بأكثر الطرق روعة (إلى العراق، مثلا) ــ ولكن هذه الصورة للديمقراطية لها حدودها. أي نوع من الديمقراطية التي يمكن ترسيخها؟ إن الساسة، الذين أعلنوا حربا لا حدود لها على الإرهاب، كتبوا سيناريو محكوم عليه بالفشل مسبقاً. وهنا نتساءل: هل من الممكن أن يكتب المواطن سيناريو آخر؟ لخلق ثقافة ديمقراطية أصيلة قادرة على ترسيخ فروعها وتطويرها؟ لقد قال الإغريق أن كل ثقافة هي سياسية، والثقافة هي ما نشترك فيه، ونخلق من خلاله مجتمعًا، لذا فهي بالطبع نشاط سياسي. هذه هي المهمة الحقيقية التي تقع على عاتق الفنانين اليوم. ولكن ماذا نقول للأشخاص الذين لا يريدون السماح لنا بالحصول على قوة أخذ الكلام في المسرح؟ وفي الوقت نفسه، لا يمكن إظهار أو إثبات فكرة المساواة هذه التي أشرنا إليها ضمنياً من خلال تساؤلنا إلا ثقافياً. إذ لا توجد مساواة سياسية واقتصادية واجتماعية: غير ذلك، فنحن متساوون في الفنون والثقافة. لقد كانت عبارة "متساوون أمام القانون" (في قلب الديمقراطية الأثينية)، وهذا ما يتوجب علينا إثباته في الفنون أو العمل عليه. لأنه من ذلك فقط، سوف تتجسد ديمقراطية الثقافية، وحقيقة المساواة التي يمكننا إظهارها أو صناعتها على خشبة المسرح. وليس من خلال قوة الكلام فحسب التي لا يمكن ترجمتها هنا إلى سلطة، لان المسرح لا يملك سلطة، وهذا ما ينقصه، ولكن من هذا النقص الموجود تنبعث قوته، وطاقته وحيويته، وهنا تكمن المفارقة. فالمسرح يكمن في لحظة العرض تماماً. وهذه هي قوته وليس سلطته. ومن خلال هذه العلاقة يستمد المسرح وجوده وحقيقته التي ساعدته على البقاء والخلود عبر العصور والثقافات. وإنه على الرغم من الوهم الذي يتخلله، في الغالب، له جذور حقيقية عميقة، وهذا ما يربطنا بالأشياء الأساسية ويحررنا من المظاهر.


*كفنان مسرحي، ما هي الغايات التي يريدها الفنان المسرحي من المسرح في مثل هذا الزمن؟


** بلا شك، كل من يختصر المسرح إلى أداة "سياسية" يرتكب خطأ فادحاً، لأن السياسة تشكل عنصر من عناصره وليس كله. ولهذا، علينا ان نعتبر أنفسنا محظوظون حقا لأن الفنانين يقدمون لنا ما لا يستطيع الساسة تقديمه لنا اليوم: الخيال الذي يثير أسئلة أكثر مما يجيب عليها، ورؤى للمستقبل تغير من الواقع وتمنح الحياة والأمل. لكن الادعاء بأن المسرح لا علاقة له بالسياسة هو خطأ اختزالي مماثل. إن عدم وجود رؤية كبيرة لمجتمع الغد يجعل مسؤولية الفنانين والمسرحيين ساحقة ومضاعفة. إن ما حدث لنا ولعالمنا، في الفترة القريبة، بسبب وباء كورونا من تمزقات وتوترات في الزمكان، قد إثر بلا شك على تصوراتنا للمسرح، إذ فرض عليها نوعا من الحبس، والحيرة، والتردد، والانفصال، والانقطاع مع ما كانت تتواصل معه بانفتاح وتأمل ومسألة دائمة. فعندما ينتشر فيروس في مدينة من المدن، فإنه حتما يؤثر على جميع الأنظمة التي تديرها، ويُحدث فيها شروخا وتوترات، وهذا بحد ذاته ما يثير ويزعزع استقرار معاييرنا وكذلك عاداتنا اليومية. ومع إعلان حالة الطوارئ، تكثفت محاولة معالجته، من خلال إلغاء التجمعات وإغلاق المدارس والجامعات والحدود، وكذلك فرضت على حريتنا القيود، إذ إن فرض الإقامة الجبرية علينا قد ساهم في تغير نظرتنا للفضاء من خلال جعله أكثر تقيدا وحصرا وأكثر إكراها. وهكذا، أصبحت مساحاتنا الحضرية أكثر إثارة للقلق من أي مساحات أخرى، مما أدى إلى إطلاق إنذار كئيب، وولد حقبة من الشك، لا سيما أن الزمكانية قد تغيرت بشكل عميق، وباتت الأماكن محظورة، والفترات غير محددة أو غير مؤكدة. وبهذه الطريقة، تغيرت طرق عيشنا وسبل وجودنا فيهما، وأغلقت المسارح، وأخليت الخشبات من الممثلين، والقاعات من الجمهور الذي تتحول حشوده فيها إلى شخص واحد، وتوقفت العروض، وأصبح غلق المسرح بمثابة واجب، وعدم تجمهر الجمهور ضرورة، والكلام مع الآخر مباشرة ممنوع، أو من خلال قناع طبي واقي وليس مسرحي؟ كيف استطعنا تحمل كل هذا الإقصاء؟ كيف تمكنا من إطاعة قسوة الجفاء هذه، ونحن نعرف أن المسرح تواصل وعلاقات حميمية، وتبادل في الأمكنة، والمعرفة والثقافة ولحظات تؤرخ للانعتاق من الرعب الذي يحاصرنا من كل الجهات؟ ولهذا سأحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال طرح بعض الأسئلة التي تتعلق في مستقل المسرح في الوطن العربي: وأولها، تبدأ، هل سيكون هناك انتعاش محتمل بعد هذا الوباء، الذي جعل من مراجعتنا لأنفسنا وقراءة واقعنا المسرحي ببعض من التأمل قليلا، أكثر من ضرورة؟ كيف سنعيش ذلك مسرحيا؟ كيف سنعبر عنه أو نعالجه؟ لا سيما أننا لا نعلم فيما إذا كان العالم سيعود إلى صوابه أم لا بشكل حتمي بعد هذا الانقطاع والتقاطع مع نفسه؟ هل سنتمكن من العيش من خلال المسرح بشكل مختلف ونعيد التفكير فيه، كما يجب؟ وهل سنقدر على الابتعاد قليلا، عن موضة الاستسهال، التي مورست فترة الوباء؟ ونخص هنا بالتحديد المهرجانات، والورشات الإليكترونية، بشتى أنواعها، التي صارت تزخ علينا مثل وابل من المطر، علماً أن المسرح، كما نعلم، لم يمت لكي نستمر في أحياء ذكراه بهذا الكم الهائل من الصور والمحاضرات والورشات والمهرجانات الافتراضية، وإذا كان المسرح قد هُددّ بالموت، شأنه شأن الحياة، فهذا الأمر كان مؤقتا ولابد ان يزول بزوال شبح الوباء، إذ لا يمكننا استبدال علاقة المسرح بالإنسان بالوسائط، لأننا، وبكل بساطة، لا يمكننا تقبيل امرأة من خلف زجاج. ولهذا، ومع نقطة التحول هذه، في النظرة والمقاربة لعلاقة المسرح بالحياة، كيف سيخلق الفنانون سلوكيات جديدة في اعمالهم وينشئون علاقات أخرى مع الجمهور؟ وهل ما تعلموه من هذه المعاملة الفنية التي فرضت عليهم قسرا بسبب الوباء، سوف تمكنهم من المساهمة في تطوير قدرات الأفراد وتنشيط تفكيرهم النقدي؟ أعتقد ان الهدف من هذه الأسئلة: يمكن ان يعطينا فكرة عن الطريقة والكيفية التي يجب أن ينظر الفنانون والبحاثين، ومنظمين المهرجانات، من خلالها إلى مستقبل المسرح وحاجة الجمهور اليه؟ وأن يسجلوا ملاحظاتهم وتحليلاتهم لمستقبل المسرح بعد هذه الكبوة التي دمرت العالم باسره وليس المسرح فحسب؟ إذ يتوجب علينا من الآن وصاعداً أن نحاكي ما حدث جماليا وفكريا وحتى سياسيا، من خلال تصورات يمكننا من خلالها أن نؤسس إلى مقاربات مسرحية جديدة، تكون مرتبطة ارتباطا وثيقا بأرض الواقع، وتبتعد ولو قليلا عن تكرار ما يقال في الدرس الأكاديمي في جامعاتنا، لأن كل ما قيل في مؤتمراتنا المسرحية السابقة، قد قيل من قبل بصيغ أفضل بكثير من تلك التي نشكلها ونعجنها وننظر إلى أنفسنا من خلالها أولاً قبل أن يقرئها القارئ أو يفهمها. وهذا يعني، يجب أن ننفتح على المستقبل وليس على الماضي؛ ننفتح على آفاق جديدة وبلا حدود، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بالقراءات التحليلية العلمية والواقعية لواقع الحال. لقد جعلتنا كورونا للأسف، ان نفتتنّ بالرعب إلى حد ما، ولكن مع ذلك لا يمكننا التوقف عند هذا الحد عندما نحاول فهمه فهماً تاماً كلحظة مأساوية نعيشها جميعاً بنوع من الانتظار وعدم التوقع. يقول الفيلسوف وصاحب الفكر التجريبي فرنسيس بيكون أنني أرسم الصرخة وليس الرعب، وهذا ما يجب ان نعمله في رسمنا لمآسي اعمالنا المسرحية مستقبلاً، أن نرسم الصرخة ولكن أيضاً مظهر الرعب والدهشة المرتبطة به، وليس فقط الفعل ورد الفعل، لأن عرض مآسي حياتنا الحالية سيُظهر حتما التهديد وانهيار المحاولات اللغوية والعقلية من اجل التغلب على الرعب ربما، اكثر بكثير من الرعب نفسه.


* أيهما يصنع الآخر برأيك، الفرجة تصنع الواقع أم الواقع يصنع الفرجة؟


**اعتقد أن كليهما يصنع بعضهما الاخر، لأنهما يشكلان امتداداً ويعكسان بعضهما البعض، لا سيما أن المسرح بمثابة استعارة للعالم واكتشاف الحقيقة والحياة. لقد ظهر المسرح في اليونان القديمة خلال الأعياد التي أقيمت على شرف الإله ديونيسوس. فهو نوع تم تطويره بطرق متنوعة عبر العصور. وإذا ما قمنا بمقارنته بالرواية أو الشعر، فسنلاحظ أنه الوحيد الذي يتم تمثيله. وهكذا يرى الجمهور شخصيات مقنعة تتطور على المسرح من خلال حبكته. وإذا ما سألنا أنفسنا فيما إذا كان المسرح هو انعكاس للواقع، فسنجد هناك تناقض في هذا الافتراض لأن هذا النوع خيالي بداهة. وخلافا لما قد يعتقده بعض المتفرجين، يمكن للمسرح أن يكون انعكاسا للواقع، لأنه يعمق هذا الأخير ليفهمه المتفرج. صحيح أن بعض القواعد في المسرح تجعله يبتعد عن الواقع، ولكن هناك بعض آخر أيضا، على العكس من ذلك، تجعله يقترب منه كقاعدة الاحتمال. فالمسرح يُظهر لنا بشرًا بلحم ودم، أحياء، قريبون منا، حقيقيون، يعيشون أمام أعيننا قصصًا يمكن أن تكون شبيهة بقصصنا. يشاركوننا مشاعرهم وضحكاتهم وغضبهم ونكساتهم. ومن السهل، في أفضل الأوقات، أن ننسى أنه مجرد عرض وأن نتماهى معه. إنه عالم كل شيء فيه ممكن، عالم يجعلنا لا نتفاجأ عند رؤية تماثيل تتحرك وتتكلم، رجال يتحولون إلى وحوش، جثث تصبح ضخمة لدرجة انها تغزو الشقة، كما في مسرحية (وحيد القرن) ليونسكو. إنه عالم من الوهم، ومثلما يقول شكسبير (العالم كله عبارة عن مسرح)، وهذا ما يذكرنا، بالوهم الذي نعيشه، وبوهم العالم الذي يحيط بنا، وبوهم مشاعرنا، وبوهم الآخرين. لذلك، فإن المسرح عالم من الوهم، وبهذه الطريقة فهو يمثل أو يعكس وهم العالم. لكن الوهم غالبا ما يقود إلى الحقيقة. ومن مفارقاته، أن وراء كل أقنعته، وتنكراته، ومؤثراته البصرية، وهذه الأوهام، هناك الحقيقة التي ستكشف عنها شخصياته، إنه استعارة للعالم واكتشاف الحقيقة والحياة.


* فرضية "نحن محكومون بالأمل" هل تؤيدها أم تدينها، لأن ما يجعلنا الأمل نحلم به كل يوم لا يلبث أن يتحول من حلم إلى كابوس، فالأوضاع من سوء إلى اسوأ، ما هي رؤيتك؟


**اجيب على هذا السؤال من خلال مقطع من مقاطع مسرحيتي التي كتبتها مؤخرا تحت عنوان (هذه ظلالي التي تفترش الأرض) والتي استحضر فيها شخصية الكبير والجليل سعد الله ونوس، صاحب هذا المقول:

"أي أمل هذا الذي لا زلنا محكومين به أيها السيد المبجل، هل نسيت أن حياتك انتهت على سرير مستشفى بعيد عن الوطن الذي غنيت له أجمل النصوص؟ الأمل، يا سيدي الجليل، لا يعيد الأشياء إلى نصابها، لا يبني المدن التي دكتها المدافع وحولتها إلى حطام، ولا يشفي النفوس المريضة التي صنعتها الحروب، ولا العاهات التي تزينت فيها الشوارع، ولا يعيد كرامة النساء والأطفال الذين صاروا يستجدون المارة على ناصيات الطرق في العواصم الغربية. في ظل هذا الدمار العظيم، بات الأمل، نوعا من التمني المفلس، قشة نتعلق بها لاعتقادنا أننا سوف نخرج بفضلها من أنفاق عتمتنا الطويلة، وسجوننا الذاتية التي كبلنا فيها الأهل والأغراب معا، ومع ذلك فكل شيء يبدو غير واضح، رغم الوضوح الكبير، رغم الجراح التي لا تريد أن تندمل، وملامح الهاوية التي يهيئونا لها بشكل تدريجي، مثل خراف الأضاحي التي تتنظر حلول عيد نحرها. ومع ذلك، فكل ما يحدث أو حدث مجرد بداية، أو بالأحرى مجرد تمرين على مسرحية مجهولة هوية مؤلفها، لا تنتمي إلى المسرح الحديث في شيء، وإنما إلى مجاهيل عهود مظلمة صارت تمارس علينا غوايتها وتأثيرها، لا نعرف فيها البداية من النهاية، أما الوسط فأنصاف حلول مؤقتة يحقنونا بها بجرعات تشغلنا عن أنفسنا لحين ما تجهز الجرعة الأخيرة.


*سؤال أخير: أين فقد المسرح براءته؟


**لا اعتقد أن المسرح يمكن أن يفقد براءته، ولكن أغلب العاملين فيه، والذي يحاولون أن يكونوا أوصياء عليه، قد غادرتهم البراءة، مثلما تغادر المرأة أنوثتها. وهذه في رأيي أهم وأعقد المشاكل في المسرح العربي. وهي قابلة للحل والتجاوز.


الممثلة اللبنانية رندة أسمر: ممثلو التلفزيون يحتاجون إلى الخبرة المسرحية

مجلة الفنون المسرحية
في مونودراما "فيفا لاديفا" 


الممثلة اللبنانية رندة أسمر: ممثلو التلفزيون يحتاجون إلى الخبرة المسرحية

هيام بنوت

جاءت إلى الدراما من الاختصاص الجامعي والخبرة الثقافية

بين التمثيل على الخشبة وأمام الكاميرا السينمائية والتلفزيونية والتعليم الجامعي وإدارتها لمهرجان "ربيع بيروت" الذي تنظمه مؤسسة سمير قصير، تجد الفنانة رندة أسمر نفسها مكتفية مادياً ومعنوياً، وأنها ليست مجبرة على الوجود تلفزيونياً خصوصاً في ظل انعدام الفرص والأدوار المهمة التي تتناسب مع مكانتها الفنية.

لمع اسمها في المسرح ولعبت أهم الأدوار مع كبار مخرجي المسرح أمثال ريمون جبارة وجواد الأسدي وشكيب خوري ومنير أبو دبس وغيرهم. شاركت في عروض مسرحية في دول عربية وأوروبية وتم تكريمها في بعض المهرجانات، من بينها "هيئة المسرح العربي" في الشارقة عام 2012 بمناسبة يوم المرأة العالمي. وعلى الرغم من مشاركتها في أدوار أساسية في التلفزيون والسينما، فهي منكفئة عنهما، وكان آخر أفلامها "طيارة من ورق" عام 2009 مع المخرجة الراحلة رندة الشهال، وآخر مسلسلاتها "الشقيقتان" عام 2016.

أدوار البطولة

بداية تتحدث أسمر عما إذا كان عملها تحت إدارة كبار المخرجين، على الرغم من أهميته، شكل عائقاً أمامها في مرحلة لاحقة وجعلها متطلبة أكثر فنياً، تقول: "تعاملي مع هذه الأسماء لم يكن له أي انعكاسات سلبية، بل أنا كنت محظوظة أكثر من غيري الذين لم تتح أمامهم الفرصة للعمل مع تلك الأسماء. منذ صغري اختارني هؤلاء الكبار للعمل معهم، وأسندوا إلي أدوار البطولة وقدمنا أعمالاً راقية وناجحة وشاركنا في مهرجانات دولية، وحصدنا الجوائز. في الأساس كان يهمني أن أشتغل في مستوى معين، ولم يجبرني المال على القبول بأي دور. وأنا أشفق على الجيل الجديد من الفنانين، لأن هناك فئة منهم تريد المستوى الفني العالي، لكنّ القطاعين المسرحي والتلفزيوني لا يوفران لهم احتياجاتهم. كمسيرة وكاسم محترم في العالم العربي في مجال المسرح أنا راضية جداً، ولم أشكُ يوماً، لأنني لم أعتمد على المهنة، بل كان إلى جانب عملي في التمثيل، مهنة أخرى أعتاش منها، فأنا أدرّس في الجامعة وأشغل حالياً منصب مديرة مهرجان ربيع بيروت في مؤسسة سمير قصير، وقبلها كنت مديرة تنفيذية في مسرح المدينة. أنا لم أكتف بأن أكون ممثلة، كي لا أشكو دائماً، بل فضلت أن أعيش بكرامة وأن أقوم بالأعمال التي أقتنع بها".

وعن سبب ابتعادها عن الدراما التلفزيونية، توضح: "أنا أطلب النص أولاً لأنه الأساس، من بعده يهمني المخرج ومن ثم الممثلون المشاركون في العمل. وإذا توفرت هذه العوامل مع الإنتاج الجيد، لا يمكن أن أرفض العمل. الدراما تمر بظروف صعبة والتصوير يحتاج إلى كثير من الوقت والطاقة، وتصح عليه مقولة: اترك كل شيء واتبعني. في "الشقيقتان" شاركت بدور صغير جداً، كي لا يُقال أنني متطلبة، لكن التجربة كانت صعبة، حيث تمّ التصوير في بيوت الناس وفي مناطق نائية جداً. وفي هذه المرحلة من عمري ومن بعد خبرتي وتجربتي، لا يمكنني أن أصرف طاقة على عمل لا يؤمن لي على الأقل مدخولاً معنوياً".

تقارن أسمر بين تجربتها وتجارب ممثلين يشبهونها بالقيمة والخبرة لكنهم رضخوا لمتطلبات الدراما التلفزيونية، تقول: "هم اليوم في مرحلة من حياتهم يستطيعون فيها التفرغ للدراما التلفزيونية. هم يتصلون بالممثل قبل يوم واحد من أجل التصوير، وهذا يعني أنه يجب أن يتجرّد من كل شيء وأن ينتظر الأوردر، وأنا لا أستطيع أن أفعل ذلك، بسبب انشغالي بالتعليم في الجامعة وعملي في مؤسسة سمير قصير وارتباطاتي العائلية. ولا يمكنني أن أنتظر اتصالاً كي أهرع إلى التصوير، خصوصاً وأنني أعتمد النظام والتخطيط ولا أحب العشوائية. إلى ذلك لا يوجد دور مغر يستحق التضحية ويمكن أن يترك بصمة، وآخر دور لعبته وكان مغرياً فعلاً هو شخصية كريمة في مسلسل "ياسمينا". حتى الكُتاب يقولون لي عندما ألتقي بهم (لا يوجد لدينا دور يستحق قيمتك)، وهذا يعني أنهم لا يرشحونني لدور يعتبرون أن قيمتي أكبر منه. أما أصدقائي في المهنة فيقولون لي "نحن نقبل بأي دور لأننا مجبرون على العمل من أجل المال". وأنا أشعر أنني محظوظة، مع أنني تعبت على نفسي من ناحية أخرى لكوني اشتغلت في مهنة أخرى، وهذا الأمر يمكنني من رفض الأدوار التي لا تعجبني".

صحن من فضة

وعما إذا كانت تشعر بوجود هوة بين جيلها الفني والجيل الفني الجديد الذي لم تتوفر له فرص جيلها، تجيب: "لم تسمح لهم أوضاع لبنان بظروف مشابهة لظروفنا، عدا عن أن جيلنا اشتغل في المسرح والتلفزيون خلال الحرب وعرف قيمة العمل والتعب. نحن لم تصلنا الأدوار على صحن من فضة ولم نصبح فجأة نجوماً ونلعب أدوار البطولة. حالياً هم يعيشون مرحلة كيفية تعلم من يعمل في المهنة وكيفية تأمين أنفسهم، ونحن سبقناهم إلى ذلك، لذا نحن أكثر قدرة منهم على التحمل نتيجة خبرتنا في العذاب. إلى ذلك، نحن لم يكن وسيلة للوصول إلى الثقافة، لكننا اشتغلنا على أنفسنا. مثلاً، أنا لم أكن أفوّت مناسبة في المركز الثقافي الفرنسي، رغم الحرب، لكي أواكب الجديد. هذا الجيل "معتّر"، يتعلم قليلاً من نتفليكس، والبهرجة والأسماء الكبيرة لن تستمر لأنها مجرد موجات، ولم يعد هناك أسماء بقيمة أنطوان كرباج وإيلي صنيفر أو غيرهما ممن تركوا بصمة في الدراما اللبنانية. الكل صاروا أبطالاً وضيوف شرف وأصحاب إطلالات خاصة وكلهم متشابهون. وأنا أجنّ عندما أشاهد جنريك المسلسلات، حتى سلم القيم اختلف".

ورداً على سؤال حول ما إذا كان زملاؤها المسرحيون الذين اتجهوا نحو التلفزيون خانوا المسرح؟ ترد أسمر "بل أنا أفرح لمشاركتهم في الدراما لكونهم يمنحونها ثقلاً. العام الماضي، شاهدنا نقولا دانيال وجوليا قصار وعايدة صبرا في عمل لكارين رزق الله، وهم بوجودهم رفعوا قيمته، بينما الاستعانة بغيرهم كمن يُسمع درسه أمام الكاميرا. بفضل تلك الأسماء يتعرف الناس على نوع آخر من التمثيل، لأن كثيرين لا يعرفوننا بل يكتفون بمشاهدة بعض المسرحيات الكوميدية. قبل أن أولد وحتى اليوم، جمهور المسرح قليل جداً، لأنه لا يوجد لدى الناس فضول لمعرفة ما لا يعرفونه، بل يفرحون ويتابعون ما يعرفونه، ولا يهمهم معرفة ماذا يحصل في العالم، إلى أين يمكن أن يذهب العقل بالتفكير، الحياة، الموت، الحب، الفقر... المجتمع متعب جداً والمسرح يرجعه إلى ذاته ويواسيه، وآخر مسرحياتي "لعل وعسى" التي قدمتها مع حنان الحاج علي للمخرجة كريستيل خضر، وهنا أريد أن أؤكد مجدداً أنني لست فنانة متطلبة ولا أرفض العمل مع شخص لديه القدرة، حققت نجاحاً باهراً، ونحن سوف نقوم بجولة لعرضها في عدد من المدن الفرنسية".

وأشارت أسمر إلى أنها كونت ثنائياً ناجحاً جداً مع الممثلة حنان الحاج علي مع أنهما مختلفتان تماماً، موضحة: "كل واحدة منا عاشت خلال الحرب في ناحية مختلفة من المدينة، كما أن تجربتينا مختلفتان. فهي عاشت تجربة الحكواتي وأنا عشت تجارب مختلفة مع شكيب خوري وريمون جبارة ومنير بو دبس، كما أن كل واحدة منا جاءت من خلفية مختلفة، وما يجمع بيننا هو البلد ووجعه وخيبات أمله. والمسرحية تنتهي ببارقة أمل بأننا مستمرون طالما نحن على قيد الحياة".

لا أقاطع

في المقابل، تنفي أسمر مقاطعتها للسينما، وتقول: "أنا لا أقاطع بل أدرس العروض ثم أقرر. لكن أين هي الأفلام التي أنتجت منذ فيلم "طيارة من ورق" وحتى اليوم". ولأن هناك أفلاماً لبنانية تفوز بجوائز عالمية، تعلق "هذا الأمر يحصل حالياً ولكن في فترة "طيارة من ورق" كان يُنتج فيلم واحد أو فيلمان أو ثلاثة أفلام سنوياً. وهذا العدد يقلل الفرص أمام الممثل للمشاركة فيها، خصوصاً أنهم ينصحون المخرجين الذين يعيشون في الخارج باسم معين، فيتعاملون معه في كل أفلامهم. في السينما، تتكرر الوجوه نفسها تماماً كما يحصل في المسلسلات، فهم يعتبرون "أن الطبخة جاهزة" وينأون بأنفسهم عن البحث عن وجوه جديدة. وعدم إدخال عناصر جديدة تضيف نكهة مختلفة إلى الدراما يحول دون تطورها، وعندها يتحول الفن إلى معمل ولا يعود هناك خلق وإبداع".

---------------------------------------
المصدر : independentarabia

المسرحي جوزيف بو نصار: المخرج المسرحي الطليعي جاء إلى الدراما ورسخ حضوراً متميزاً

مجلة الفنون المسرحية


المسرحي جوزيف بو نصار: المخرج المسرحي الطليعي جاء إلى الدراما ورسخ حضوراً متميزاً
التمثيل فن صعب ويجب عدم التهاون معه

هيام بنوت  - 

جوزيف بو نصار ممثل وكاتب ومخرج مسرحي، بدأ مسيرته الفنية مع رائد المسرح اللبناني المعاصر، منير أبو دبس، قبل أن يسافر إلى بولندا لتعلم أصول الفن على يد المخرج العالمي غروتوفسكي، ثم انتقل مدينة باريس، والتحق بمسارحها واكتسب المزيد من الخبرات والمعلومات. وبعد عودته إلى بيروت أسس فرقة مسرحية خاصة به قدمت مجموعة من الأعمال حصدت نجاحاً كبيراً.

أسباب مادية

وكما كل المسرحيين تمسّك بو نصار بالمسرح، وما لبث أن انتقل بعد تردد إلى التلفزيون، كما يقول ويوضح، "اليوم، تنفذ الدراما المشتركة والمحلية في العالم العربي بمواصفات جيدة جداً لأن المنصات تطلب أعمالاً ذات قيمة فنية عالية. وقد ترددت كثيراً قبل العمل في التلفزيون، خصوصاً أنني عملت لسنوات طويلة في المسرح والسينما، وكنت شبه رافض للعمل فيه، لكن قبل عدة سنوات وافقت كما معظم ممثلي جيلي الفني، على العمل في التلفزيون، ولطالما كانت الأعمال التجارية التافهة موجودة، ولكن عددها تراجع نتيجة ارتفاع سقف الأعمال المحلية والمشتركة. جئت إلى التلفزيون مع المخرج المسرحي شكيب خوري الذي تخرج من إحدى جامعات لندن، وقدمنا عملاً من بطولتي ومنى طايع ومنير معاصري بإمكانات عالية جداً. أما ظهوري الثاني فكان من خلال مسلسل "العاصفة تهب مرتين" للكاتب شكري أنيس فاخوري الذي حقق نجاحاً شعبياً كبيراً. صحيح أنني شاركت في الكثير من الأعمال التلفزيونية، ولكنني لم أقبل يوماً بعمل دون المستوى، لأنني أعرف كيف أختار المسلسلات، ولا أجد نفسي مجبراً على القبول بأي عمل، وفي الأساس أنا عملت في الصحافة 25 عاماً كي لا أضطر القبول بأدوار غير راضٍ عنها لأسباب مادية".

يؤكد بو نصار أن عمله في التلفزيون لم يفقده الشغف بالمسرح الذي بدأ مساره الفني من خلاله عندما اشتغل مع منير أبو دبس في مدرسة "المسرح الحديث"، وعن هذه المرحلة يقول، "درست وشاركت لمدة ست سنوات في أعمال أبو دبس المسرحية، ومن بعدها قصدت محترف غروتوفسكي في بولندا، وكان من أهم المخرجين ومدربي الممثلين في العالم، ثم اشتغلت في فرنسا لمدة 5 سنوات في المسرح قبل أن أعود إلى لبنان وأؤسس فرقة مسرحية ومسرحاً يتسع لـ90 مقعداً. وقدمنا أعمالاً مسرحية عالمية مهمة جداً بعد ترجمتها إلى العربية، كما قدمت كمخرج وممثل أعمالاً كثيرة على أهم المسارح في لبنان. شغفي بالمسرح لم يخف أبداً، ولكن المراحل المرعبة التي عشناها في لبنان بسبب الحروب أثرت علينا وعلى إخلاصنا له، هذا عدا الضائقة الاقتصادية التي بدأت قبل 7 سنوات، ولم يعد بإمكاننا تحمل خسارة عملنا المسرحي. صحيح أننا لم نكن نريد أن نعتاش من وراء المسرح، إلا أننا في الوقت نفسه لم نكن نريد أن يكون سبباً في خسارتنا، كما أن الدولة "يتمت" المسرحي اللبناني ولم تقدم له المساعدة، مع أن 90 في المئة من الدول التي زُرتها أو أعرفها أو اشتغلت فيها، ومن ضمنها الدول العربية، تخصص ميزانية للمسرحيين لكي يتمكنوا من الاستمرار في حال وقعوا في الخسارة. نحن "تساقطنا" الواحد تلو الآخر لأننا لم نعد نملك القدرة على الاحتمال".

خبرة المخرج

في المقابل، يؤكد بو نصار أنه لا يفتقد لعمله كمخرج، ويقول: "لا أريد القول إنني أتعدى على المخرج، ولكنني أدير نفسي كممثل. اللذة التي أشعر بها في المسرح بإعطاء القيمة للدور أمارسها على نفسي، وأنا أتناقش مع المخرج دائماً في أدواري وأصل بها إلى أماكن متقدمة من خلال خبرتي كمخرج". وفي ظل الإقبال على التعامل مع المخرجين الشباب، من يدير الآخر: الممثل المخضرم أم المخرج؟ يرد: "يوجد جامعات في لبنان تعلم الإخراج ومن بين 10 طلاب يدرسون المواد نفسها مع الأساتذة أنفسهم، يمكن أن يكون هناك مخرجان عبقريان والباقون عاديون، والسبب يعود إلى الموهبة والعلم. وأنا أسلم نفسي في عملي الجديد للمخرج التونسي الشاب مجدي السميري الذي لا يتجاوز ستة وثلاثين عاماً، وأنا أكبره بثلاثين عاماً ويوجد مثله في لبنان 3 أو 4 مخرجين. لا توجد معادلة واحدة تسري على كل المخرجين، والموهبة والثقافة هما اللتان تميزان مخرجاً عن آخر".

هل يرى بو نصار أن الفن يتحول إلى مهنة بالنسبة إلى الفنان نتيجة الظروف الاقتصادية الضاغطة؟ يجيب، "التمثيل هو شغف وعندما يتحول هذا الشعف إلى جني للمال فقط فإنه يصبح مهنة، ويبدأ بالانتهاء، ولكن طالما أن فرح العمل وحب المهنة موجودان فإنه يصبح رسالة".

وهل يبقى هذا الشغف موجوداً عندما يشارك الممثل في 7 أعمال سنوياً، وهل ترضي جميعها قناعاته؟ يقول بو نصار: "لا يمكن إدراجي مع هذا النوع من الممثلين. شخصياً، لا يمكن أن أصور عملين في وقت واحد، وعندما أنتهي من تصوير عمل ما، فإنني أنتظر العمل الذي يرضيني وأشتغل عليه من الألف إلى الياء. وبعد إنجاز تصويره أنتظر فترة من الزمن لكي أتثقف وأشاهد أفلاماً عالمية وأستمع للموسيقى لكي أشعر بأنني قادر على العطاء أكثر، لكنّ هناك ممثلين يقبلون بأكثر من عمل في وقت واحد ويقدمون أدواراً متشابهة ولا يبتعدون عن الشاشة، حتى إن الناس يملون منهم، وهؤلاء لهم أسبابهم وآراؤهم".

عمر الشريف وأحمد مظهر

هل يرى بو نصار أن الممثل العربي قادر على منافسة النجوم العالميين بأدائه، وخصوصاً الممثلين الذين يعتبرهم البعض مثلاً أعلى لهم كروبرت دي نيرو وآل باتشينو، وغيرهما. يقول بو نصار، "هم موجودون اليوم وفي الماضي كانوا موجودين أيضاً، ولكن بنسب متفاوتة. فإذا كان هناك 100 ممثل رائع في أميركا، فإنه يوجد 3 ممثلين رائعين في العالم العربي، لكنهم في الغرب معروفون أكثر بسبب وفرة إنتاجاتهم. في أي بلد في العالم كمصر والهند واليابان والصين وأوروبا يوجد ممثلون قادرون على منافسة الممثلين العالميين الهوليووديين. وعربياً، يلفتني أحمد مظهر، فهو ممثل رائع ولا شيء يمنع من أن يكون عالمياً، وهناك أيضاً شكري سرحان، ولكنني لا أقول إنهما أهم من عمر الشريف، بل هو مثلهما، ولكنه وصل إلى العالمية".

ومع أن جوزيف بو نصار نوع في أدواره وفي الشخصيات التي قدمها، هل أسره شكله في أدوار الشر أكثر من سواها؟ يجيب: "ربما! ويعود السبب إلى ملامحي وقوة حضوري وصوتي القاسي والعميق والمسيطر، ومجموعة من العوامل الأخرى، ولكن إلى جانب هذه الأدوار التي أحببتها ولعبتها من قلبي، لعبت أيضاً أدواراً منوعة في المسرح والسينما والتلفزيون، تنوعت بين الكوميدي والهادئ والحنون. وأعتقد أن أول ما يجب أن يفعله الممثل الواعي الذي يحب مهنته هو الموافقة على الدور الذي يحبه، ومن ثم يشتغل عليه مهما كان نوعه. وهناك الذريعة اليي تعطي سبباً لكل المشاهد والتصرفات التي يقوم بها الممثل. يجب على الممثل أن يدرس الدور جيداً ويتعب عليه. لا أحب الممثلين الذين يمثلون فقط من دون التعب على الدور. المهنة صعبة جداً ولا يكفي الوقوف أمام الكاميرا ووضع الميكاب لكي نبدو وسيمين وظرفاء. وبالنسبة لي الممثل كالطبيب ويمكن لأي خطأ أن يقضي عليه".

انتهى بو نصار في سبتمبر (أيلول) الماضي من تصوير مسلسل لبناني - سوري أردني مشترك بعنوان "السجين"، وهو من إنتاج شركة "جينوميديا". ويتابع حالياً تصوير مسلسل "من... إلى" للمخرج مجدي السميري، ويضم عدداً كبيراً من الممثلين، وهو من إنتاج شركة "الصباح"، على أن يباشر خلال الفترة المقبلة تصوير مسلسل جديد. ويعتبر أن المنصات خدمت الدراما لأنها تطلب كمية وفيرة من المسلسلات المحلية والمشتركة المنفذة بشكل جيد جداً، بحيث يستغرق تصوير الحلقة 4 أيام، كما أنها شرعت أبواب العمل أمام الممثلين والمخرجين والكتاب والتقنين. ويوضح أن قطاع التمثيل لم يتأثر بتردي الأزمة الاقتصادية العالمية، وإن جائحة كورونا أبطأت عجلة الإنتاجات قليلاً، ولكنها لم توقفها، عدا عن أنها شجعت المنتجين على المغامرة من خلال زيادة عدد أعمالهم.
-------------------------------------------------
المصدر : independentarabia

الجمعة، 3 يونيو 2022

مونودراما " الأمُ الثَّكْلَى" تأليف محمود القليني

مجلة الفنون المسرحية

الخميس، 2 يونيو 2022

مسرح تافوكت في جولة مسرحية وفنية كبرى بأوروبا وإفريقيا

مجلة الفنون المسرحية


مسرح تافوكت في جولة مسرحية وفنية كبرى بأوروبا وإفريقيا
نسرين الناجي _  390

بدعم من وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج – قطاع المغاربة المقيمين بالخارج، يقوم فضاء تافوكت للإبداع بجولة بكل من إسبانيا، فرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى خلال شهر يونيو 2022 لينتقل بعد ذلك إلى السنغال.

وسيكون للجالية المغربية موعد مع عروض مسرحية "أفرزيز" التي أنجزت في إطار دعم توطين وزارة الثقافة المغربية للفرق المسرحية، وبشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

وبالموازاة مع ذلك، سيقدم مسرح تافوكت عروضا لفائدة أطفال مغاربة العالم من خلال الأوبريت الغنائية أركانة Argana Opérette متبوعة بلقاءات مع الأطفال، علاوة على تقديم مجموعة من الحفلات الموسيقية المتنوعة، كما عمل فضاء تافوكت للإبداع في إطار الأعمال الاجتماعية على برمجة مسرحية وموسيقية خاصة لفائدة النزلاء المغاربة بمركز سجن بونينت لالييدا بمنطقة كتالونيا الإسبانية.

وبهذا، سيكون للجمهور لقاء مع فناني وعروض وحفلات مسرح تافوكت بإسبانيا يوم 03 يونيو 2022 بالمركز الثقافي لمدينة إلفندريل، ويوم 04 يونيو 2022 بالمركز الثقافي لمدينة تاراغونا، ويوم 05 يونيو بالمركز الثقافي لمدينة لالييدا، ويوم 07 يونيو بمسرح سجن بونينت لالييدا، ثم بفرنسا يومي السبت 11 والأحد 12 يونيو بالعاصمة باريس، ويوم السبت 18 يونيو بمدينة ستراسبورغ، ويوم الأحد 19 يونيو بمدينة نانسي، وبإيطاليا يوم الجمعة 24 يونيو بمدينة فيرونا، ويوم السبت 25 يونيو بمدينة بادوفا، والأحد 26 يونيو بمدينة بولونيا، كما سيتخلل البرنامج عروض أخرى بكل من لوكسمبورغ وبلجيكا وألمانيا وسويسرا في طور البرمجة مع مجموعة من الشركاء.

الثلاثاء، 31 مايو 2022

ما هو الوعي ؟ .. هنري برجسون - ترجمة د. علي مقلد

مجلة الفنون المسرحية 
ما هو الوعي ؟ ..  هنري برجسون 

إنك تعتقد تماماً أنني لن أعرف شيئاً بمثل هذا التحديد الضيق وبمثل هذا الحضور الدائم أمام تجربة كل منا . ولكن دون إعطاء تحديد للوعي أقل وضوحاً منه ، أستطيع أن أميزه بسمته الأكثر بروزاً : الوعي يعني قبل كل شيء الذاكرة . قد تفتقر الذاكرة الى الإتساع ، وقد لا تشمل إلا قسماً من الماضي . وقد لا تحفظ إلا ما حصل من قريب . ولكن الذاكرة تكون موجودة والا لا يكون الوعي موجوداً فيها . فالوعي الذي لا يحفظ شيئاً من ماضيه والذي ينسى ذاته باستمرار يتلف ثم يولد في كل لحظة : والإ كيف يمكن تعريف اللاوعي بغير هذا ؟ عندما قال (ليبنتز) أن المادة " هي روح آنية " ، ألم يصرح بقوله هذا عن قصد أم عن غير قصد ، إنها غير حساسة وإنها لا تعي ؟ كل وعي هو ذاكرة إذا : احتفاظ وتراكم الماضي في الحاضر .

ولكن كل وعي هو استباق للمستقبل . أنظر الى توجه فكرك في أية لحظة : نجد أنه يهتم بما هو قائم ، إنما من أجل ما سوف يكون . إن الانتباه هو انتظار ، ولا يوجد وعي ، بدون انتباه للحياة . المستقبل ، هناك انه يدعونا بل إنه يجرنا اليه : وهو الجر الذي لا ينقطع ، والذي يجعلنا نتقدم فوق طريق الزمن هو أيضاً دافع يدفعنا الى التحرك باستمرار ، وكل عمل هو تطاول على المستقبل .

الإمساك بالشىء الذي لم يعد موجوداً ، واستباق ما لم يتوجد بعد ، هذا هو الدور الأول للوعي . والوعي ليس له حاضر إذا اقتصر الحاضر على اللحظة الحسابية . فهذه اللحظة ليست إلا الحد النظري الخالص الذي يفصل الماضي عن المستقبل . 

هذه اللحظة يمكن عند الضرورة تصورها ، انما لا يمكن إدراكها أبداً ، وعندما نظن أننا فاجأناها ، تكون قد ابتعدت عنا . إن ما ندركه في الواقع هو نوع من تكثيف المدة التي تتألف من قسمين : ماضينا القريب المباشر ومستقبلنا الداهم . إلى هذا الماضي استندنا ، والى هذا المستقبل تطلعنا ، والاستناد والتطلع هما من خصوصيات الكائن الواعي . فلنقل إذاً إذا شئت أن الوعي هو همزة وصل بين ما كان وما سيكون . انه جسر بين الماضي والمستقبل . ولكن لماذا يستعمل هذا الجسر ، وماذا يطلب الى الوعي أن يفعل ؟ .


(*) الطاقة الروحية ، هنري برجسون ، ترجمة د. علي مقلد.


مسرحية للأطفال " النبع الجديد " تأليف طلال حسن

مجلة الفنون المسرحية

ندوة علمية دولية عن” أهمية الفنون في تخليق المجتمع” بإقليم أزيلال

مجلة الفنون المسرحية



ندوة علمية دولية عن” أهمية الفنون في تخليق المجتمع”  بإقليم أزيلال
 
بدعم من المجلسين الاقليمي والجماعي بأزيلال، تنظم جمعية ” واحة الفنون ”ندوة علمية دولية تحت عنوان ” أهمية الفنون في تخليق المجتمع” وذلك يومي الجمعة والسبت 10 و 11 يونيو 2022 بقاعة الندوات بالنواة الجامعية السلطان مولاي سليمان بأزيلال و فضاء المركز الثقافي أزيلال .
الندوة تنظم بشراكة مع النواة الجامعية السلطان مولاي سليمان بأزيلال و ماستر التربية الجمالية بكلية علوم التربية بالرباط و المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة بني ملال – خنيفرة فرع أزيلال و المركز الثقافي أزيلال والمديرية الاقليمية لوزارة التربية الوطنية بأزيلال و مركز التوجيه والتخطيط بالرباط وجمعية فناني القصبة.
هذه الندوة تهدف إلى نشر ثقافة الفنون وتثمينها داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع باعتبارها روافد ثلاث لكل نهضة حقيقية قادرة على تسييد القيم الحقيقية والمُثلى.
عن اللجنة التنظيمية: محمد الهواري

الاثنين، 30 مايو 2022

لويس عوض الراهب / علاوة وهبي

مجلة الفنون المسرحية 
لويس عوض الراهب 

لويس عوض1915\1990من مواليد المنيا بمصر ومن اقباطها المفكرين . يعد واحد من اهم كتاب  جيله الذهبي في الثقافة المصرية والعربية .مفكر بامتياز .كتب في عدة مجالات . 
ونال عدة جوائز منها وسام الاستحقاق ووسام فارس والجائزة التقديرية .لمع اسمه منذ تخرجه من الجامعة وخاض معارك فكرية عديدة انتصر فيها للفكر المستنير .اصدر الكثير من الكتب منها في الفكر وفي التاريخ الثقافي في مصر ومنها في المسرح  .ناقد يمتاز بالموضوعية في احكامه وبالدقة كذلك لا يترك صغيرة ولا كبيرة فيما يتناوله بالكتابة  من اهم اعماله نذك دراسة في النظم والمذاهب . تاريخ الفكر المصري ..مقدمة في فقه اللغة.   والاشتراكية والادب .. والمحاوارات الجديدة . وكأني به هنا يرد علي محاورات افلاطون .كذلك كتب عن المسرح ومن اهم كتبه فيه كتاب البحث عن شكسبير كذلك كتب الرواية  (العنقاء) وكتب الشعر (بلوتولاند) . كما ترجم الكثير من الكتب  ومنها نصوص مسرحية لكتاب عالميين كبار 
مثل صموئيل جونسون (الوادي السعيد) وشكسبير(خاب سعي العشاق  .)واسخيلوس( احاممنون .حاملات القرابين . والصافحات)
 سنة 1959اتهم بالشيوعية الي جانب عدد كبير من المثقفين  وتم القبض عليه وادخل السجن ليكون نزيلا في ابي زعبل  وهذه الحملة  التي قامت بها السلطة المصرية سنتها طالت الكثيرين . رغم ان لويس عوض لم يكن شيوعيا . انما قد يشتم في كتاباته التي تنتصر للحق شيئ من رائحة الشيوعية .
غي  السجن عاد لويس عوض الي قراءة تاريخ مصر القديم بحثا عن المستنير فيه ليكون عونا له في محنته  فاهتدي الي قراءة تاريخ شهداء الاقباط وهو من ااكتب المهنة عند الاقباط  وفيه قائمة بسهداء الاقباط في العصور القديمة وخاصة خلال الامبراطورية الرومانية  وولايتها علي الاسكندرية   وقادته قراءته تلك الي كتابة نص مسرحي هو الوحيد علي ما اظن في كتاباته كلها . النص عنوانه(الراهب) .هذا النص لم ينشر في حياة لويس عوض ولكنه كان ضمن اوراق اوصي بها اخيه فرانسيس وهو الذي قام بنشر النص بعد ان اكتشفه وقد صدر مترجما الي اللغة الانجليزية كذلك وهي ترجمة انجزها لويس عوض بنفسه . النص الاصلي والمترجم نشرا في كتاب واحد  نشرهما المجلس القومي للفنون والثقافة ايام كان مشرفا عليه الدكتور الراحل جابر عصفور . ويقول فرانسيس عوض ان جابر رحب بالفكرة بمجرد ان عرضها عليها وهكذا بفضلها رأي النص النور واصبح في متناول القارئ الذي ربما يجهل كتابة عويض النص المسرحي وهو في هذا ليس استثناء اذ ان اغلب كتاب تلك الفترة كتبوا المسرحية رغم انها لم تكن من اهتماماتهم الاولي ولكنهم جربوا كتابتها  وزادوا بذاك مكتبة النصوص المسرحية في مصر ثراء. 
كتب لويس عوض هذه المسرحية للترويح عن نفسه والتقليل من غمه وحزنه داخل سجن ابي زعبل وكذلك تكريما للاقباط وشهدائم ممن كان  لهم دور كبير في مقاومة الاحتلال الروماني وكسر شوكته .
يقول الكتور لويس عوض ان اغلب شخصيات العمل لها ذكر في كتب التاريخ وانه عاد الي اغلب هذه الكتب و جد ان بعضها ةلم يكن لها نفس قوة الدور الذي كتبها به الا ان انه وجد ان ذلك يمنحه حرية اكثر في الابداع ومنها شخصية الراهب ابانوفر وشخصية دوميتيانوس الولي الروماني علي الاسكندية . وكان الاسكنداريون يلقبونه باخيل .وذكلك الامراطور الروماني دقيانوس . وهي الشخصيات تلتي اعطت لعوض حرية اكثر للابداع فيها فيجعل من ابانوفر الراهب الشهيد الذي يقود مقاومة ابناء جلدته ضد الرومان  الي جانب مارتا الشهيدة والتي يقول عوض انه ابدعها اذ لا وجود لها اصلا ولكنه ابدعها ليعطي لعمله قوة اكثر  .
الراهب المأساة جاءت في ثلاثة فصول  انتصر فيها عوض لمصر وشهداء مصر وانتصر فيها لنفسه كذلك من خلال انتصاره لشهداء اقباط مصر في العهد الروماني  وكأني به هو ابانوفر الضحية . الذي قاوم وقاد المقاومة ليضحي في النهاية بنفسه من اجل انتصار مصر وتحريرها من الرومان . فلويس نفسه انتصر لمصر في ثقافتها وفكره ليكون بعدها ضحية بدخوله السجن بتهمة  غير مؤكدة في حقه مثل الكثيرين غيره في العهد الناصري .
الراهب هو اذن لويس عوض   فشخصية ابانوفر في المسرحية بمواقفها وتصرفاتها جميعها تقول انها لويس عوض في مسيرته ومساره الفكري والثقافي .وتبقي. (الراهب) واحدة من النصوص المسرحية القوية في تاريخ الكتابة المسرحية في مصر ومن الاعمال الجديرة بالتجسيد علي ركح المسرح اذ حسب علمنا لم يحاولاي مخرج مسرحي في مصر الاقتراب منها وتقديمها علي الركح رغم قوتها واحكام بنائها الدرامي وجدية موضوعها وشدة ارتباكه بتاريخ مصر ومقاومتها للاحتلال الروماني وكفاح الشعب  من اجل الاستقلال والحرية انها واحدة من تلمأسي الكبري التي لا تقل عن تلك التي كتبها كتاب يشهد لهم بالجودة والريادة.

ختام المؤتمر التأسيسي لاتحاد النقابات الموسيقية العربية بحفل فني كبير

مجلة الفنون المسرحية 
ختام المؤتمر التأسيسي لاتحاد النقابات الموسيقية العربية بحفل فني كبير 

تونس _ نقابة الفنانين العراقيين 

حضر نقيب الفنانين العراقيين الدكتور جبار جودي مساء الأمس الحفل الختامي لمؤتمر تأسيس اتحاد النقابات الموسيقية العربية في تونس بمسرح الأوبرا الكبير  الحفل الذي شارك فيه نجوم وفنانين من الوطن العربي ممثلا عن كل دولة فنان بحضور ١٥ نقابة عربية من اصل ١٦ نقابة والمؤتمر الذي يعقد للمدة من ٢٦ ولغاية ٢٩ من شهر مايس ٢٠٢٢ بالعاصمة التونسية بصفتها البلد المنظم للمؤتمر.  
وجاء من العراق الفنان القدير محمد عبد الجبار ليصدح صوته الشجي في تونس الخضراء ونظرا لنجاحه وتميزه كرم  نقيب الفنانين العراقيين الفنان محمد عبد الجبار على ما قدمه من تألق متمنياً له التوفيق والنجاح الدائم. 
الحفل الذي حقق تفاعلا جماهيرا عبر وتم نقله بالبث المباشر على القناة التونسية القناة الرسمية لدولة تونس. 
الجدير بالذكر ان الأســماء الحاضرة من النقباء الدكتور جبار جودي من العراق والماهر الهمامي من تونس و علاء سلامة من مصر وتوفيق عمور من المغرب و ناصر بن جابر من ليبيا و أحمد ولد أبه من موريتانيا وكمال البناني من الجزائر و فريد أبو سعيد من لبنان و حسين الخطيب من الأردن وحافظ موسى من فلسطين ووليد محمد الجاك من السودان ووالسادة 
: ممدوح ســيف وفهد الحداد وأحمد قرقناوي من المملكة العربية السعودية

مساهمة سترندبرك في المسرح الحديث

مجلة الفنون المسرحية
الصورة من عرض مسرحية الأب اوغست سترينبرغ في مدينة ستوكهولم


مساهمة سترندبرك في المسرح الحديث

عباس منعثر

منذ منتصف القرن التاسع عشر، كانت تتنافس على مسارح السويد رومانسية (كوتة وشيلر) المثالية بالضد من دراما الصالون الفرنسية. وكثورة على الرومانسية انطلقت الواقعية الفرنسية ثم اجتاحت الساحة المدرسة الطبيعية، بعدها انتفضت التعبيرية على الواقعية، ومثلت شكلا من أشكال الرومانسية الجديدة كمذهب (يرفض مبدأ المحاكاة الارسطية، ويحل محلها التعبير عن مشاعر الفنان في تناقضاتها وصراعاتها، ويتخذ من هذه الرؤى الذاتية والحالات النفسية موضوعا مشروعا للابداع الفني)( ). وقد عاصر (اوغست سترندبرج) هذه الحركات، بل ساهم أيضا فيها (خاصة الطبيعية) قبل ان يختط لنفسه طريقه الخاص( ).
في مرحلته الطبيعية كان سترندبرج قد تحول الى مذهب "داروين" فهو يميل الى تصوير الشخصيات وفقا لبقاء الاصلح، والانتقاء الطبيعي، والوراثة، والبيئة، و(علمه تفسير "باكل" النسبي للتاريخ ان يرتاب في جميع الحقائق المطلقة. ولم يشجعه اهتمامه بالعلوم التجريبية على اختبار الصفات الكيميائية للمادة فحسب، بل حتى على ان يرى في الكائنات البشرية مادة للفضول العلمي تجري عليها الاختبارات بدون شعور او شفقة)( ). وقد اختلف التكنيك الدرامي عند سترندبرج عندما انتقل من الطبيعية من ناحية فكرية وتخلى بذلك عن الطبيعية الدرامية، فتحول من القالب المحكم الصنع في "الانسة جولي" وحلت محله سلسلة من الاحداث المتدفقة، بلا قالب، من اجل اختراق مادية الحياة وصولا الى حقائقها الروحية عن طريق الخيال( ).
وجد (سترندبرج) في التعبيرية ملاذا له كي ينقل تجربته الخاصة، فابتعد عن الحقيقة الموضوعية ليعبر عن رؤيته الذاتية، (اعمال سترندبرج تمثل في مجموعها تطورا من الطبيعية في البداية – مثل مسرحية الاب 1887 والانسة جولي 1888- إلى الرمزية- كما نجد في مسرحيات بعد الحريق وسوناتا الشبح 1907)( ). ومن خلال (مسرحية الحلم) المكتوبة عام 1902 بلور (سترندبرج) التعبيرية في المسرح. وقد ساهمت هذه المسرحية في تحريك الثورة التعبيرية في الكتابة والممارسة الدرامية الاوربية. اخذت مسرحياته هذه شكل "القالب الحر" فيها المكان مبهم والزمان نسبي، والتتابع الزمني متقطع، والاسماء تحمل طابعا رمزيا مثل "الغريب، والطالب، والشاعر والحالم"( ). ومن اجل ان يمسرح اللاشعور، اقترب (سترندبرج) من شكل الحلم فأصبحت بذلك زاوية نظر القارئ او الجمهور هي زاوية نظر الحالم.
اتسمت المسرحية التعبيرية بسمات محددة من قبيل ان الجو العام كابوسي في الغالب، وأن الصورة مبسطة تبتعد عن الايغال في التفاصيل( )، ويقترب الشكل العام من اللوحات التي تتضمن أحداثا عرضية تترابط من خلال البطل الحالم، من اجل اثارة المشاعر. بذلك تفقد الشخصيات فرديتها وتتحول إلى رموز، ففي معظم الاحيان تتركز الصراعات في وجدان شخصية منعزلة تمثل في العادة وجدان شخصية المؤلف نفسه، والحوار عنده شاعري وحماسي قد يأخذ شكل مونولوج طويل من اجل الحصول على تعاطف مباشر، أما الانماط البشرية فتصبح عامة تفتقر للخصوصية، ويستغنى عن الحبكات التي تبدأ بمقدمة وذروة وخاتمة، ويتفتت الحدث كليا إلى اجزاء متناثرة ومتباعدة( ).
وكمساهمة أخرى في المسرح الحديث تضاف إلى مسرحياته الطبيعية والتعبيرية أضاف (سترندبرج) مسرح الحجرة كنمط جديد. ان مسرحيات الحجرة هي مجموعة من المسرحيات القصيرة كتبها بوحي من سيرته الذاتية، وقدمها على (المسرح الحميمي) الذي شيد خصيصا لهذه العروض في عام 1907 في استوكهولم( ). لا يعتمد المسرح الحميمي على الامكانيات المادية الضخمة ولا يحتاج إلى صالة كبيرة بل هو (مجرد مستودع مستأجر يتسع لمائة وواحد وستين مقعدا)( ). هناك جو حميمي يجمع الجمهور بالممثلين في مسرح الحجرة الذي لا يقوم على عروض مكلفة او انتاج ضخم او جمهور كبير. يخلق جو المكان هذه الالفة بمساعدة المتفرج وقد يصدر عنه ملاحظة او مشاركة من نوع او اخر اثناء العرض( ). اعتبرت مسرحيات الحجرة (منحطة)( ) لأنها تسيء إلى المسرح برأي بعض النقاد أثناء عرضها؛ بينما يمتدحها (ايفرت سبرنكورن) بقوله (سترندبرج ابتكر تعبيرا دراميا جديدا استطاعت من خلاله الصور المجازية الاستمرار في الحياة)( ).
الغاية من مسرح الحجرة هو البساطة في الموضوع وفي العرض. وفيه يتم التحرر من تقاليد الحبكة والشخصية. ولأن الموضوع جديد فإن الطريقة والشكل ايضا سيكونان جديدين. الوحدة والتماسك لاسلوب العرض هما من الخصائص التي طالب بها (سترندبرج) في مسرحيات الحجرة. ويعزو (ستيان) اسباب كتابة (سترندبرج) لمسرحياته التعبيرية التي تفرض متطلبات قليلة على مخيلة المشاهد إلى كونه لا يهتم بالحقيقة الخارجية في سنواته الاخيرة. مما جعل مسرحياته تتسم باللغة التراتيلية الغنائية، بشكل موسيقي، تعتمد الايماء والايحاء البصري، والوقفات والصمت، مع تشويه الزمان والمكان، والتوجه نحو التجربة الداخلية( ).
ان معظم مسرحيات (سترندبرج) كتبت بالنثر، اي ما يقارب ستين نصا مسرحيا. وقليل منها بالشعر بينما يتمازج الشعر بالنثر في مسرحيتين( ). هناك حيرة عامة في تصنيف اعماله المسرحية في كونها واقعية، طبيعية، رمزية، سريالية، وجودية، لامعقولة. وهذا ما يجعلها متعددة الجوانب قابلة لقراءات وتصنيفات مختلفة، فيما يخص التجنيس كنوع ادبي. ومن المحير ايضا ان العمل نفسه يصنف بتصنيفات مختلفة. كتب (سترندبرج) في الكوميديا، والكوميديا السوداء، والمسرحيات التاريخية، مسرحيات الحلم، المسرحيات الخيالية، ومسرحيات الحجرة( ). هذا التنوع هو احد خصائص مسرحه، وأهميته بالنسبة إلى المسرح الحديث لا يمكن نكرانها والتي ترجع إلى (مسرحياته التعبيرية التي من بينها "لعبة الحلم" و"رقصة الموت" و "انشودة الاطياف")( ). عدد قليل من الكتاب الدراميين لم يتأثروا به. اعتبره (يوجين أونيل): الاكثر حداثة من كل الحداثيين، وعدّه (مارتن لام) أجرأ المجربين في الدراما الحديثة، بينما يذكر (انغمار بركمان) انه حاول أن يكتب مثله، الحوارات والمشاهد وكل شيء، وأنه شعر بأن حيوية (سترندبرج) وغضبه تعتمل في داخله( ).
ورغم محاولاته المتكررة لتقديم مسرحياته للجمهور، فقد احتاج (سترندبرج) وقتا طويلا حتى تم الاعتراف به في السويد. إذ تأخرت مسرحية (سيد اولوف) تسع سنوات قبل تقديمها على المسرح، وتأجلت (الانسة جولي) 18 سنة، وفشلت (مسرحية حلم) فشلا ذريعا في اول عرض لها، ولم تقدم نصوص الحجرة الا في مسرحه الخاص المسمى المسرح الحميمي. لقد نال (سترندبرج) نصيب معظم الرواد: الاعتراف بهم بعد وفاتهم( )، حينما قدم المخرج (ماكس راينهارت) عروضا من مسرح الحجرة العام 1906، و(سوناتا الشبح-1907) و(الطريق إلى دمشق-1910)؛ فقد اعاد اكتشاف (سترندبرج) في المانيا والسويد، بحيث أصبحت أعماله المسرحية هي الاكثر تقديما على المسرح بعد الحرب العالمية الاولى بعد اعمال شكسبير( ).
ومن النقاد من يعد مفتاح عظمة (سترندبرج) تكمن في ثورته ضد الله( ). وعندما بعث (سترندبرج) الى (نيتشه) بمسرحيته "الاب" اجاب الفيلسوف الالماني بأنه سر سرورا بالغا برؤية "صورتي الخاصة للحب.. الحرب وسيلته، والكراهية المميتة بين الجنسين قانونه الاساسي.. والتعبير عنه بهذه الطريقة الرائعة)( )، في حين ان (سترندبرج) سبق (بيرانديللو) في التسليم بأن العالم الذي يكمن وراء مخيلته ليس له شكل او حقيقة ثابتان)( ).. وبذلك يعد (اوغست سترندبرج هو اكثر الارواح ثورية في المسرح الثوري)( ).
من هنا تتضح مساهمة (اوغست سترندبرج) في المسرح الحديث تلك التي يُعد احد ركائزها المهمة بالاضافة إلى (هنريك ابسن) و (برنارد شو) إذ انه يواصل تأثيره بعد مائة عام من موته، (إنه مبتكر ورائد عصره ولا يزال يثير إعجاب المشاهدين في المسارح حول العالم)( ).

عينة التحليل: مسرحية الأقوى
مسرحية (الاقوى) من اكثر مسرحيات (سترندبرج) تقديما على المسارح العالمية. فرغم قصرها ومحدودية الحدث الخارجي فيها؛ إلا انها تنطوي على كشف عميق لما تعانيه الشخصية الانسانية في العصر الحديث بأسلوب لم يسبقه اليه أحد. ومن خلال اعتماد الباحث على الطريقة القصدية بالإضافة إلى ان هذا النص حمل في مضمونه واسلوبه تأثيرا في حركة التأليف المسرحي عالميا، تم اختيار مسرحية (الاقوى) كعينة للدراسة.
كتبت مسرحية (الاقوى) عام 1889 كي تقدم ضمن عروض مسرح الحجرة، التي عادة ما تتكون من فصل واحد او فصلين او ثلاثة وتمثل بفريق عمل محدود العدد في مكان صغير. اما التسمية فقد اخذت من الموسيقى (موسيقى الحجرة) التي تؤدى بعدد محدود من الموسيقيين وفي صالة صغيرة. هذا القالب ابتدعه (سترندبرج) لمسرحيات مكتوبة للقراءة لا للتمثيل( ). شخصيات المسرحية ثلاثة نساء، الخادمة التي لا تقوم إلا بجلب الشاي، و(السيدة س- سندعوها السيدة) وهي ممثلة متزوجة، (والآنسة ي- سندعوها الانسة) وهي ممثلة غير متزوجة. اما المكان فيمثل مقهى للسيدات، والزمن يتحدد في ثمانينيات القرن التاسع عشر.
تبدأ المسرحية وتنتهي بمونولوج طويل للسيدة، بينما تلتزم الآنسة بالصمت ولا تنطق بكلمة واحدة. كل المعلومات والحالات والاستذكارات تردنا على لسان السيدة وهو بناء مسرحي أذهل النقاد لما فيه من غرابة وتجريب. مسرحية (الأقوى) من ناحية البناء فريدة من نوعها، فلا يماثلها في تاريخ المسرح نص سابق عليها، وتعتبر ايذانا بنمط ظل مؤثرا حتى الوقت الراهن حيث قلده يوجين اونيل في مسرحيته (بعد الافطار) وغيره من الكتاب.
للمقدمات (او المبدأ كما سماها أرسطو) ضرورات وخصائص، وهي تهتم بعرض الموضوع، ويشترط فيها أن تكون كاملة وقصيرة وواضحة ومثيرة للاهتمام، على ان تحتوي على جميع العناصر الدرامية الضرورية لفهم الاحداث، منها التعريف بالشخصيات وبالمكان وزمان الحدث وعناصر واطراف الصراع التي تشكل عقدة المسرحية. اما في المسرحيات التي تتطلب كثافة درامية فتبدأ المقدمة بأقرب نقطة من التعقيد، وبعدها تتشابك الاحداث( ). والمقدمة عند (سترندبرج) توحي من خلال غموضها بحالات ستتضح لاحقا.
تُستهل مسرحية (الاقوى) بوصف المنظر (ركن في مقهى للسيدات في ستوكهولم، في الثمانينات من القرن التاسع عشر. منضدتان من الحديد المطروق. أريكة ذات ظهر وبضعة مقاعد)( ). حددت هذه المقدمة مكان الحدث وزمانه، وبقيت أسماء الشخصيات بلا تحديد. وبينما تجلس الانسة، تدخل السيدة. في مسرحية الاقوى ليس هناك تمهيد او مدخل. منذ الوهلة الاولى تعبر السيدة عن شيء غامض بقولها للانسة: (اتجلسين هنا وحدك في اليوم السابق لعيد الميلاد..؟)( )، من زاوية نظر نفسية، تحاول السيدة تعميق وعي الانسة بوضعها كإنسان وحيد يستحق الشفقة. يتأكد ذلك أكثر في المقطع الاخير من المسرحية حينما تعاود تذكيرها أنها (أي السيدة) ستذهب إلى زوجها واطفالها بينما الانسة ليس لها من تذهب اليه. من الناحية التركيبية، لا تستهلك مسرحيات الحجرة عند (سترندبرج) الكثير من الوقت او الاستطرادات او المداخل؛ بل تذهب إلى الازمة مباشرة لأن مسرحية الفصل الواحد بطبيعتها مقتضبة ومكثفة ومضغوطة من ناحية الزمن بحيث أن كل جملة وكل عبارة لا غنى عنها في مسار الاحداث.
ومن خلال ديالوج السيدة نعلم أن الليلة هي ليلة عيد الميلاد. ومنذ اللحظة الاولى تلمح السيدة إلى تعاطفها مع الانسة حينما تقول:
- السيدة س: أتعلمين أنني أشعر بالحزن حقا حين اراك وحيدة.. وحيدة في مقهى، وفي مثل هذا اليوم بوجه أخص .
تزداد عدائية السيدة بمرور الوقت، خاصة حينما تحشو المسدس اللعبة وتطلقه صوب الانسة. وتنكشف بعض الخفايا التي تربط المرأتين، بقولها:
- السيدة س: أنت ما زلت تظنين أنني دسست لك لاخراجك من المسرح الكبير ولكنني لم أفعل ذلك. لم افعله مهما بالغت في الظن بأنني فعلته( ).
تصور السيدة زوجها بصورة متناقضة بين رضاها عنه وسعادتها به وبين تلمحياتها الساخرة منه. لكنه حسب قولها (حلو على كل حال، وزوج طيب عزيز)( ). يزداد انفعالها من قهقهات الانسة، وتزداد بوحا بمرور الوقت. خاصة حينما تذكر الاولى ان زوجها مخلص لها، رغم محاولات الممثلات، وبضمنهم الانسة، على اغرائه بسبب مركزه في اختيار اعضاء الفرقة.
وبمشاعر مركبة، تعترف السيدة بأنها لم تحبب الانسة ومع ذلك اصبحت صديقتها، وان زوج السيدة لم يحبب الانسة ايضا. بل ان الامر يزداد تعقيدا حينما تسرد السيدة كل تصرفاتها وسلوكياتها بالقياس إلى الانسة، خاصة حينما تذكر أنهم اسموا ولدهم (أسكيل) لأنه اسم ابي الانسة.
- السيدة س: هذا هو السبب في انه كان علي ان ألبس نفس ألوانك، واقرأ نفس كتبك وآكل من الاطباق التي تحبين وأشرب ما تشربين( )..
وبطريقة انفعالية تخفي توترا داخليا عميقا، تعلن السيدة انها طرزت زهور الخزامى بنفسها على خفي زوجها، وانها تكره الخزامى، بينما يحب زوجها الخزامى لا لسبب الا لان الانسة تحبه. تشعر السيدة بتعذيب الانسة لها حتى في صمتها.
- السيدة س: انت لم تنطقي بكلمة كل هذا الوقت. واكتفيت بأن تدعيني اواصل الكلام. جلست هناك، وعيناك تستفرغان مني كل هذه الافكار التي كانت مستقرة في باطني كالحرير في الشرنقة( ).
تشي عذابات السيدة من خلال تعبيرها ان الانسة هو دودة نخرت قلب التفاحة ولم تبق منها إلا القشرة ولبابة صغيرة سوداء( ). وهي حين تحاول ان تطير ترجع إلى الارض بقوة قاهرة.
- السيدة س: أرقد في الماء وقدماي موثقتان، وبقدر ما أكافح بذراعي أهبط ثم أهبط حتى أصل إلى القاع، حيث ترقدين متربصة كالاخطبوط الضخم لتنشبي فيّ مخالبك( ).
هنا تعبر السيدة عن شعورها الحقيقي بقولها اكرهك، والاسباب عديدة لديها من بينها عدم مبالاة الانسة بالاخرين، وبالزمن، وبكونها لا تعرف كيف تكره او تحب. هذه الصورة البشعة جدا عن الانسة تحيلها إلى حيوان مفترس. في اللحظة نفسها تعبر السيدة عن أسفها من اجل الانسة لأنها تعيسة في قرارة نفسها، وشريرة. لكنها في الوقت نفسه ترسم صورة اخرى عن علاقتها بالانسة التي تعلمت منها كيف تسلك، وكيف تلبس كي يتعلق زوجها بها وتحتفظ به لنفسها. وفي ختام حديث السيدة ترد كلمة الاقوى التي هي عنوان المسرحية، وتستنتج أنها هي الاقوى لأنها ظفرت بما خسرته الانسة( ).
تختلف التفسيرات في تحديد من هو الاقوى. إذا اعتمدنا على جانب من اعترافات السيدة من كونها تقلد الانسة في كل شيء، وإن زوجها يحب الانسة، ستكون الانسة هي الاقوى. اذا نظرنا إلى الامر من زاوية فقدان الحبيب وفقدان الزوج فإن الانسة قد فقدت زوجها بالانفصال وفقدت الحبيب المتزوج من السيدة التي تصبح هي الاقوى. لكن الرأي المعاكس يرى أن السيدة فاقدة لزوجها لأنها لم تمتلك قلبه؛ بل تدعي ذلك. ومن خلال الغوص في اعماق كلامها يستدل على انها فقدت حبه بالفعل ولم يبق من زواجها منه الا الاسم. في الحالة هذه ايضا تصبح الانسة هي الاقوى. السؤال عن كينونة الاقوى في المسرحية يذهب بنا إلى تحديد الذات الفاعلة داخل النص المسرحي. قد تكون الذات الفاعلة حسب تقسيمات (كريماس) غائبة او مجردة او شخصية جمعية. ويكون للذات الفاعلة هدفا او مجموعة اهداف يقوم عليها وجودها. على وفق هذا التحليل يبقى الامر بالنسبة إلى سؤال من هو الاقوى في مسرحية (الاقوى) قائماً لأنه سيشمل السيدة على اعتبار قيام البناء الحواري بالكامل عليها، وسيشمل الانسة في الوقت نفسه على اعتبار ان غيابها (من ناحية الملفوظ) لا يعني عدم فاعليتها. إذ ان الفاعلية تحدد بجملة عوامل، (نقول ان الذات الفاعلة في النص الادبي هي تلك التي يتمحور حول "رغباتها" الحدث، أي النموذج الفاعلي، وهي التي نعتبرها موضوع الجملة الفاعلية، تلك التي تؤدي إيجابية الرغية لديها أمام العقبات التي تواجهها إلى تحريك النص كاملا)( ). على وفق هذه الرؤية، لم تكن الانسة سلبية من خلال ملاحظات المؤلف التي تصف حالتها الانسة او حركتها او انطباعاتها. بل أن مركز اهتمام القارئ يتحول تارة من السيدة إلى الانسة وبالعكس. ويذهب البعض –كما ذهبت السيدة- إلى أن الانسة تقودها إلى حيث تريد بردود افعالها.
وفي ذروة درامية مؤثرة، تختم السيدة المونولوج الطويل بإعلانها الانتصار لأنها عائدة إلى بيتها، والى زوجها بينما ستبقى الانسة حيث هي: وحيدة في ليلة عيد الميلاد.. لكنها تنطق بكلمات الشكر لها وتسميها باسمها:
- السيدة س: شكرا لك يا أمليا على كل دروسك الطيبة. شكرا لأنك علمتني كيف أحب زوجي، أنا الآن ذاهبة إلى البيت.. اليه( )..
اهم سمات مسرحية (الاقوى) الكثافة والبلاغة في قول الشيء الكثير بكلمات قليلة، فالعالم الذي خلقه المؤلف أوسع من الكلمات. وكذلك، المواجهة والصراع الحاد في المسرحية الذي يتضح شيئا فشيئا ويؤدي إلى شد الانتباه حتى النهاية.
من خلال تحليل مسرحية الاقوى، ومن خلال قراءة مسرح سترندبرج، تتضح بعض الاستنتاجات التي قد تضيء موقعه من المسرح العالمي، ومنها:
1- البحث عن اسلوب جديد: المسرحيات التعبيرية التي كتبها (سترندبرج) ومسرحيات الحجرة هي نمط جديد في كتابة النص المسرحي يتجاوز الواقعية والطبيعية ولا يلتزم بقوانينها الانية الصارمة. فالحوار مكثف كي يوصل الاحاسيس والمشاعر في ذروتها، والاحداث رمزية غامضة، والشخصيات معقدة وذات وجوه وطبقات، والمعنى غير واضح تماما، وليس هناك التزام بمحدودية خشبة المسرح او صالة العرض. يتجسد ذلك خاصة في مسرحياته الرمزية مثل (الطريق إلى دمشق) ومسرحيات الحجرة مثل (سوناتا الشبح ومسرحية حلم ورقصة الموت والاقوى).
2- الحوار هو جوهر الفعل المسرحي: فالمعلومات والافكار تصلنا عن طريق ما تنطقه الشخصيات بطريقة شعرية ومجازية تجعل المسرحية قابلة للتأويلات. نجد ذلك في مسرحية (الاقوى) القائمة على مونولوج طويل (للسيدة) مع ملاحظات شحيحة جدا للمؤلف وهو ما يؤكد دور وأهمية الحوار في البناء المسرحي ككل.
3- التركيز على الانفعالات النفسية وكشف المناطق المظلمة والسرية من النفس البشرية: ينحو (سترندبرج) نحو دراسة الشخصية الانسانية والتعمق في لاوعيها كاشفا عنه بقوة. وتمتاز شخصياته بعمقها النفسي وتناقضها، وصراعها عادة ما يكون داخليا بينها وبين دوافعها واحلامها وانكساراتها، وليس مع المجتمع (عدا الانسة جولي والاب في مرحلته الطبيعية). وهو احد الاسباب التي جعلت مسرحياته تتجاوز زمن كتابتها.
4- العلاقة الحميمية مع الجمهور: احدى منطلقات (سترندبرج) التي صرح بها اكثر من مرة، أنه يريد ان يكون الاتصال بين المسرحية والجمهور مباشرا وحميميا بلا قطع عن طريق الاستراحة او ما شابه، لأنه يؤمن بأن تأثير المسرحية يتعرض للانتهاك اذا قطع التلقي اي شكل من اشكال الاعاقة. وقد لجأ إلى المسرح الحميمي حتى يحقق هذا الهدف من خلال مسرحيات قصيرة مركزة وعدد ممثلين محدود وصالة صغيرة أنشأها خصيصا لعرض مسرحيات الحجرة التي كان يكتبها.
5- التركيز على موضوع علاقة المرأة بالرجل: في جميع مسرحياته تلعب المرأة دورا مهما في تحريك الاحداث، كما في مسرحية (رقصة الموت) ومسرحية (حلم) وكما في عينة دراستنا (الاقوى)، التي تكشف خبايا المرأة وهواجسها بطريقة درامية متميزة.
6- الغموض في اتخاذ موقف من الشخصيات: يتضح ذلك بالاخص في مسرحياته التعبيرية وفي مسرحية (الاقوى) بشكل خاص، إذ ان القارئ والمشاهد لا يقرر من هو الاقوى في المسرحية، هل هي السيدة ام الانسة ام الزوج؟ بل ان حالة الغموض قد تسيطر على مسرحية بكاملها مثلما يحدث في ثلاثية (الطريق إلى دمشق) التي تعد من اكثر مسرحياته تعقيدا وغموضا.
7- الاعتماد على السيرة الذاتية: (سترندبرج) من الكتاب الذين يستثمرون حياتهم في كتابة مسرحياتهم، وافكاره الخاصة وحوادث حياته موزعة على شخصيات بعينها في جميع اعماله. شخصية الغريب في (الطريق إلى دمشق) مثلا تشابه شخصية المؤلف في افكارها وفي نمط حياتها وبعض الحوادث المشتركة.
من كل ذلك، يمكننا أن نتوصل الى الاستنتاجات التالية سواء فيما يخص دور سترندبرج في تطوير الفن المسرحي، او مسرح الحجرة كنمط جديد من اختراعات هذه المؤلف الاستثنائي:
1- لسترندبرج مساهمة فاعلة في المسرح الحديث من خلال انشائه لقالب جديد، تأثر به العديد من الكتاب ونسجوا على منواله، ينسحب ذلك على (لويجي بيرندللو ويوجين اونيل وصموئيل بيكيت وجان جينيه وهارولد بنتر) وغيرهم من رواد مسرح اللامعقول.
2- نصوصه تعبر عن مديات زمانية تتخطى عصره إلى العصر الحديث من ناحية الموضوع والأسلوب. ودليل ذلك استمرار تقديم معظم مسرحياته التعبيرية وتحول بعضها إلى افلام سينمائية واعادة تقديم مسرحيات الحجرة بالأخص (الاقوى ورقصة الموت)، بشكل متواصل في مختلف بقاع العالم.
3- محاولة اكتشاف دهاليز النفس الانسانية من خلال القاء الضوء على جوانب لم يلق عليها الضوء سابقا، ولذلك عد أحد كبار المؤثرين في تيار الوعي متجسدا بـ(جيمس جويس).
4- شخصية الكاتب حاضرة بقوة في نصوصه لأنها في معظمها تعبر عن تجربته الخاصة وسيرته الذاتية.
5- عاش الكاتب في تناقض مع عصره، وجسد هذا التناقض في اعماله التي لم يحتفى بها في حياته؛ لكنها بقيت حية ومثيرة للاهتمام والتجسيد على خشبة المسرح.
6- التأكيد على أن النجاح الوقتي في حياة الكاتب ليس دليلا على عمق واهمية كتاباته: فقد كان يقال ان (ابسن) هو الجبل وبقية الكتاب كانوا السهل بسبب كثرة تقديم اعمال (ابسن) في المسارح العالمية وبسبب انتشاره الاعلامي. لكن الزمن اثبت خطأ هذه الفرضية حيث تجد ان (ابسن) بدأ يقبع في تاريخ الادب؛ بينما انبثق نجم (سترندبرج) من جديد بصفته المجدد الحقيقي في المسرح العالمي، والذي تدشنت على يديه الحداثة المسرحية الاصيلة.

المصادر
1- آن ابورسفيلد، قراءة المسرح، ترجمة: مي التلمساني، (القاهرة: وزارة الثقافة، مطابع المجلس الأعلى للاثار، 1982).
2- ج. ل. ستيان، الدراما الحديثة بين النظرية والتطبيق. ترجمة: محمد جمول. دراسات نقدية عالمية (28)، (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1995).
3- روبرت بروستاين، المسرح الثوري: دراسات في الدراما الحديثة من ابسن الى جان جينيه، ترجمة: عبد الحليم البشلاوي، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ب ت).
4- فرانك م.هوايتنج، المدخل إلى الفنون المسرحية. ترجمة كامل يوسف وآخرون، (القاهرة: دار المعرفة، 1970).
5- ماري الياس، وحنان قصاب حسن، (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1997).
6- منشورات المعهد السويدي، في مارس- آذار 2012، إف أس.
7- من المسرح العالمي، سترندبرج-3، (الكويت: وزارة الاعلام، 1972).
8- نهاد صليحة، التيارات المسرحية المعاصرة، العدد97، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مهرجان القراءة للجميع، 1997).
9- Egil Törnqvist & Birgitta Steene, Amsterdam Universityon Drama and Theatre. Amsterdam University Press, 2007.

الأحد، 29 مايو 2022

مسرحية "مخالب الماء" تفضح المستور في وباء السياسة العنصرية المعاصرة فانتازيا ساخرة تبوح بها سجينة في دهليز تحت الأرض.

مجلة الفنون المسرحية

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption