حازم كمال الدين يستنبت من الوجع غابة أسئلة
مدونة مجلة الفنون المسرحية

| الكاتب العراقي حازم كمال الدين، الحائز على جائزة أفضل مؤلف مسرحي عربي للكبار عام 2014، من مواليد سنة 1954 في الحلة بمحافظة بابل في العراق، شغل منصب مدير فني لمحترف Woestijn 93 المسرحي سابقا، ومدير جماعة زهرة الصبار للمسرح، يدرس مادة الارتجال الحركي في معهد مسرح الحركة، كما أنه عضو مؤسسة القلم الدولية الفرع الفلاماني، وعضو هيئة إدارية لمؤسسة الفنانين اللاجئين البلجيكية ZebraArt. عن تجربته في عالم الكتابة الروائية والمسرحية كان لـ”العرب” معه هذا الحوار.
في لقائنا بالكاتب والروائي العراقي حازم كمال الدين، وحديثنا عن الشخصية الرئيسية في روايته كاباريهت، داليا رشدي وهي شخصية مختلقة، وعن الذي حمله على المزاوجة بين الحقيقي والمتخيل، يعتبر محدثنا أن ما دفعه إلى هذه المزاوجة هو طبيعة الواقع العراقي. فعراق اليوم، في رأيه، مزيج من بشر ينتمون أولا لواقع معيشي، وثانيا للمُتخيّل، وثالثا للافتراضي.
الشخصية في العمل
يقول حازم كمال الدين: في زمننا المعاصر الذي تصل فيه سفن الفضاء إلى المريخ، تجد على البسيطة من يريد تطبيق مبادئ تؤمن بأن الأرض غير كروية، وأن الجن يأكلون الرز مع البشر أو يشاركونهم زوجاتهم ومنازلهم، وثمة قضاة يدينون متهمين بناء على شهادات من الجن. زمن تنقض فيه طائرات نفاثة لتبيد الحرث والنسل، بينما ثمة في صحارينا ومدننا خيول يمتطيها سيافون يدقون الأعناق، وآخرون يذبحون بالسكاكين البدائية وتصوّرهم تكنولوجيا متطورة، ورجال دين يعلنون ظهور المهدي المنتظر هنا أو هناك، لينتصر على الطاغوت. بل ولا يتورّع البعض من التصريح بأنه هو المهدي المنتظر أو أنّ فلانا هو الأعور الدجال.
ويضيف كمال الدين: الخيال في العراق رجل يفجّر نفسه ليلتقي بحوريات في الجنة، أو يمتطي صهوة حصان، لا يتورع عن لعب كرة القدم برؤوس قتلاه في الشوارع، أو يشوي رؤوسا بشرية وهي على قيد الحياة في سجون سريّة تحت الأرض في مناطق خضراء أو جرداء.
تبدأ الرواية من إشارة إلى ظاهرة الخطف التي سادت المجتمع العراقي مطلع الألفية الثالثة مع سقوط النظام الدكتاتوري، أكانت روايته خلصت إلى شيء من هذا؟ يؤكد محدثنا أن الرواية لم تخلص إلى أيّ شيء، والسبب بسيط مؤداه أن ليس من مهمات الرواية، كما يرى، أن تقدم خلاصات بقدر ما تؤشر على مواضع الوجع وتشرع في استنبات غابة من الأسئلة.
حازم كمال الدين أدخل على الرواية تقنية النص الكلامي المسرحي وتقنية الريبورتاج وتقنية القصة القصيرة
ظاهرة الاختطاف هي جزء من ثقافة العنف التي يشرّعها نظام محدّد لخلخلة بنية اجتماعية ما، تمهيدا لتدميرها، وهي جزء من منظومة متكاملة تؤدّي هذه المهمة. وقد كان الاختطاف أيام صدام حسين بسيطا وساذجا يهدف لانتزاع اعتراف فرد أو لتصفيته جسديا أو للضغط على ذويه لأسباب سياسية. أما ظاهرة الاختطاف اليوم فلها علاقة بمجموعة من الأهداف المنظمة، ومنها ما هو استراتيجي، ومنها ما يهدف إلى الكسب المادي وغير ذلك.
وإن كان يعتبر بطلة روايته صوتا خاصا بالكاتب، نسبة إلى اهتماماتها وخيالاتها وأفكارها، وأين يلتقي معها وأين يختلف عنها؟ يعتبر حازم كمال الدين أن كل شخصية في العمل الروائي هي أحد مستويات الصوت الداخلي له، رغم عمله الدؤوب على تقديم ذلك الصوت بطريقة موضوعية تنتمي إلى نسيج الشخصية الداخلي، أكثر من انتمائها إلى أصواته الداخلية ككاتب.
ويؤكد قائلا: تستحوذ على كل إنسان -وأنا منهم- رغبات وأمان، أو تراوده أفكار سوداء ورغبات شريرة. بيد أنّ الإنسان القويم هو من لا ينفّذ هذه الرغبات الداكنة. ولأجل التخلص من هذه الرغبات الدفينة وتحويلها إلى مسار إيجابي أعمل على تشخيصها وتحديدها وتكبيلها في إطار شخصية (روائية أو مسرحية) أو طرحها كثيمة في النص، ذلك أني أؤمن أن قمع هذه النوازع يقود إلى تعقيدات بشرية، يفضي بعضها إلى القيام بما لا نريد القيام به. أعني بهذا أنني أحفر قنوات لهذه الأفكار والرغبات، وأرمي بأحمالي في تلك القنوات التي أخطّط لها أن تكون إيجابية دائما. بهذا المعنى فشخصية بطلة الرواية هي واحد من أصواتي التي تخلّصتُ من عناصرها السلبية، إذ كبّلتها على الورق وسلّمتها للقارئ.
السرد المتنوع
اتبع ضيفنا في روايته تقنيات شتى بينها السرد والحوار والاستعادة والمونولوج؛ عمّا أفاده به المسرح في روايته هذه، وعن مفهومه للفن الروائي، يوضح كمال الدين: أفادني المسرح في جوانب متعددة في هذه الرواية. من جهة هذا النص قد يكون مسرحية فضاؤها المجسّد هو الكتاب وأوراقه، وقد يكون رواية ذات أبعاد مسرحية. توجد داخل النص فصول كاملة يمكن مراقبتها من زاوية مشهدية مسرحية، وهي نصوص قابلة للتحوّل ببساطة إلى مسرحيات من ممثل واحد، حيث تجد السارد يحكي بلغة الفعل المسرحية، وليس بلغة السرد الإخبارية أو الوصفية أو التداعياتية أو غير ذلك من اللغات السردية. كما أفادني المسرح في قضية بناء خط التوتر الكلي، والإمساك بتطورات الشخصية واختيار أماكن الذروات (كلايماكس)، وفوق ذلك أفادني كثيرا في قضية التكثيف والاختزال (مينيماليزم).
ويضيف: لم تكن دوافعي لمثل ذلك التجريب (حالات الرفاهية الثقافية أو البطر الثقافي)، بقدر ما كانت مساءلات للجنس الفني في صيرورته اليومية في عالمنا المعاصر ومدى صلاحية أطر جاهزة لاستيعاب عالم متغيّر. نحن في عالم يتحرك بسرعة. إذا ما نشر أحدهم في الفيسبوك رواية من 500 صفحة، تراودني شكوك جديّة في عدد قراء تلك الرواية. أما في التويتر فعدد كلمات التعليق الواحد محدودة كما هو معروف. في المادة الصحافية الخبرية للصحف اليومية ولقنوات التلفزة ثمة سرعة فائقة لنقل الحدث وفن للإمساك بالمتلقي لحظة إيصال المعلومة. في المواصلات أيضا، فالانتقال من قارة إلى أخرى ماعاد يأخذ منا سوى ساعات بعد أن قطع كولومبوس المحيط سابقا في أشهر. إن تغيّر مفهوم الزمن واقتراب المسافات بسبب تغير وسائط النقل تجعل كل شيء يمشي بسرعة ويقتضي من الفرد أن يتناغم مع إيقاع الزمن.
ويؤكد الكاتب أن قراءة عمل روائي ضخم تحتاج إلى شكل من أشكال التفرغ لم يعد بديهيا في عالمنا اليوم، وأن هذا أمر يحتم أن يستجيب له العمل السردي. في ذات الوقت يجب أن يستجيب العمل السردي إلى التنوّع في تقنيات التفاعل مع القارئ لكي يحافظ على علاقة شدّ حيوية معه، وبما أن القارئ -حسب رأيه- هو أساس الإنتاج الإبداعي (بلا قارئ، الكتاب غير موجود) فهو يشعر بالحاجة إلى المحافظة على حضوره عبر استخدام مختلف أشكال التواصل. من هذه الزاوية أدخل على الرواية تقنية النص الكلامي المسرحي (حوار أو إخبار حيوي) وتقنية الريبورتاج وتقنية القصة القصيرة.
من جهة أخرى يرى محدثنا أن في تنوّع الأجناس محاكاة غير حرفية ولا ميكانيكية لألف ليلة وليلة؛ ففي ألف ليلة وليلة ثمّة امرأة تسرد قصصا مختلفة تمام الاختلاف عن بعضها البعض، مؤكدا أنه حين كان يكتب ويبحث عن تقنية للتواصل مع المتلقي، وطريقة للانتقال من حكاية إلى أخرى، كان يستحضر الطرق التي تنتقل بها شهرزاد ألف ليلة وليلة من حكاية بحدّ ذاتها إلى ما يليها.
| |||||
روز جبران
العرب







0 التعليقات:
إرسال تعليق