أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأحد، 19 أكتوبر 2014

مسرح فيزيائية الجسد

مدونة مجلة الفنون المسرحية

14. أ ماهو مسرح فيزيائية الجسد؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من الاشارة اولا الى ان المسرح منذ نشأته الأولى- القرن الخامس قبل الميلاد وتحديدا عند الإغريق- وخلال تطوره عبر السنوات المتعاقبة وظهور المدارس المسرحية المتنوعة فكرا وشكلا كان قد حمل في بنيته العضوية جزءا من مفهوم مسرح الجسد حيث يتجلى ذلك في العنصريين الاساسيين المكونين لشرط العرض المسرحي الا وهما العرض والجمهور. في العرض،يقوم الممثل المسرحي (الكائن الحي) الموجود على الخشبة بمجموعة أفعال صوتية وحركية وايمائية، والعنصر الثاني أي الجمهور فهو ايضا يقوم بجموعة افعال حركية وصوتية تبدأ من لحظة مغادرته البيت حتى وصوله الى المسرح ويستمر الفعل اما بالتصفيق والهتاف في حال اعجابه بالعرض او الاستنكار والاستهجان في حال حدوث العكس. اذن فيزيائة الحركة وفيزيائية الصوت هما جزء من تكوين المسرح تاريخيا.
 احتل النص على مدى العصور المساحة المسيطرة الكبيرة (باستثناءات قليلة سآتي على ذكرها لاحقا) بين عناصر الإنتاج المسرحي التي تشمل بجانب النص:الممثل، الإضاءة، الديكور، الملابس والاكسسوارت، الموسيقى، والمؤثرات السمعية والبصرية.لقد حاول الكثيرون من المنشغلين في التجربة المسرحية بتخصصاتهم المختلفة في بداية القرن العشرين إيجاد معادلة تخرجهم من مأزق غلبة وسيطرة النص والحوار على عناصر الانتاج الأخرى. جاءت محاولتهم هذه كثورة على كل من المدرسة الطبيعية والواقعية اللتين تعتبران المسرح  انعكاسا للواقع،  وقد جاء بحثهم ايضا للتخلص من سلطة النص على الخشبة ومن الفكرة القائلة انه - أي النص -  يعتبرالأساس لأي عرض مسرحي، ومن هؤلاء جوردن جريج وجاك كوبو وفيسفولد ميرهولد.  قام هؤلاء بالعودة الى "الكوميديا دي لارتي" هذا النوع من الفن المسرحي الذي بدأ في منتصف القرن السادس عشر وانتشر نحو قرنين من الزمن (وقد قمت بشرح جذورها وسماتها في فصل سابق) والذي هو بايجاز: فن يعتمد على قيام ممثلين محترفين باستخدام كافة المهارات من تمثيل ورقص واكروبات وبانتومايم وحيل مسرحية وحركات بهلوانية حيث يكون التمثيل ارتجالا- اي لا وجود لنص مسبق-  فقط يتم الاتفاق على الفكرة الرئيسية ويقوم بعدها الممثلون بارتجال ادوارهم امام الجمهور من خلال شخصيات نمطية ثابتة.
 لقد عاد كل من كوبو وكريج وميرهولد الى "الكوميديا دي لارتي" ووجدوا فيها الهاما جديدا يركز على الصورة وجسد الممثل حيث يرتجل الممثل الحركات الفنية المعقدة بشكل حرفي عال- بمعنى اخر-  الممثل هو المبدع وخالق العرض المسرحي، وقد وصلت نتائج بحثهم الى المفهوم التالي: ان فن المسرح يجب ان يصهر او يدمج كل من الصورة  والصوت معا أي: النص لم يعد هو العنصر المسيطر على خشبة المسرح، بل ان كافة العناصر المسرحيةالأخرىتتمتع في احتلال أهمية موازية.
في نفس الوقت الذي توصل فيه الباحثون الى هذه النتيجة، ذهب ميرهولد الى ابعد من ذلك، فحول الاستوديو خاصته الى مختبر يختبر فيه مفهوم الجسد وحركة الممثل. نتج عن مختبره نظرية وضعها ميرهولد حملت عنوان البيوميكانيك Biomechanicsوهي كلمة مشتقة من كلمتين الاولى Bioوتعني الكائن الحي والثانية Mechanicsوتعني الالة. وضع ميرهولد معادلة شبه علمية مشتقة من مفهوم الكلمتين للوصول الى عقل الممثل وجسده. تنحصر هذه المعادلة بأن الممثل هو المنظم Organizerوعليه ان ينظم الالة وهي جسده اي Mechanicاي انه هو الفاعل والمفعول به.
كرس ميرهولد نظريته هذه ليحول الاتجاه من تدريب الممثل على النص كما كان يفعل استاذه ستانسلافسكي الى التركيز على تدريب جسد الممثل باستخدام اسلوب مؤسلب ومؤطر. وخرج بمفهوم يعارض استاذه  ستانسلافسكي  الذي يفترض بأن على الممثل معايشة الحالة حتى تصل بصدق الى الجمهور وأن عليه استخدام ذاكرته الانفعالية لاستخراج حالات وانفعالات لم يعايشها الممثل نفسه بل ربما قرأها او شاهدها في مكان ما أو في زمن ما. إلا أن ميرهولد قال عكس ذلك. حيث افترض بأن اي حركة يقوم بها الممثل هي بلآ شك تحمل عاطفة ما دون الحاجة الى معايشتها المسبقة، لذا دعا الى ان يكتسب الممثل الكثير من المهارات الحركية والجسدية لاستخدامها في الوقت المناسب في العرض المسرحي وقام في مختبره بتطويرمجموعة من التمارين والحركات حملت اسم البيوميكانيك. لمتصلنا هذه إلا مؤخرا ومن خلال تلامذته والسبب في ذلك هو أن السوفيت اعتبروا ميرهولد خارجا بفكره عن النهج الاشتراكي اذ ان اي شخص آنذاك( روائي, تشكيلي، مسرحي)والذي كان لا يقدم "الواقعية الاشتراكية" في عمله الفني كان يعتبر منتهكا ومعارضا للحكم. لذا حكم على ميرهولد بالسجن في عام 1939م وتم اعدامه بالرصاص في عام 1940م. لم يكتف ستالين بذلك بل منع التداول باي فكر لميرهولد على الاطلاق لذا لم يتم الإفراج عن تمارين ونظرية ميرهولد الا بعد موت ستالين عام 1953م ولم تصل تمارينه من خلال تلامذته إلى العالم الغربي الا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بعد البروستاريكا في بداية التسعينيات من القرن المنصرم. اما في عالمنا العربي فقد كان معهد الفنون المسرحية في سوريا محظوظا حينما قام احد تلاميذ ميرهولد وهو بوجانوف Boganovبتدريس تمارين البيوميكانيك في الثمانيات من القرن المنصرم لطلاب المعهد. من الجدير بالذكر بأن البيوميكانيك دخلت إلى أمريكا في عام 1993م من خلال يجانوف وليفنسكي التلميذ الآخر لميرهولد. لقد ساهمت افكار ميرهولد في التأسيس لما نسميه مسرح فيزيائية الجسد.
بعد كريج وكوبو وميرهولد، كان لجهود المخرج البولندي" جروتفسكي" الاثر البالغ ايضا في تطوير مسرح فيزيائية الجسد. هذا المخرج الذي قدم نظريات كثيرة للمسرح اهمها ما جاءعلى ذكره في كتابه الشهير "نحو مسرح فقير" ومفاده "بأن العرض المسرحي يمكن له ان يقوم بدون استخدام ديكوراو ملابس او اضاءة او موسيقى وايضا بدون نص مكتوب مسبقا الا انه لا يمكن ان يستغني عن العنصر الاهم في العملية المسرحية برمتها الا وهو الممثل".
استمر جروتفسكي يبحث عن طرق واتجاهات متعددة في تدريب الممثل للاستغناء عن كافة العناصر الاخرى، فهو يرى بأن جسد الممثل يستطيع ان يكون ديكور المسرحية وان اضاءة الممثل الداخلية تغني عن المؤثرات الضوئية وذهب الى اكثر من ذلك وهو الاتيان بالمغاير في جسد الممثلين من اجل تكوين صورة مسرحية قادرة من خلال هذه المغايرة ان توصل المعنى الذي يحمله جسد الممثل اكثر من التركيز على اللغة والحوار، وهذا لا يعني ان جروتفسكي الغى النص بل قام بتحجيمه وتكثيفه لصالح جسد الممثل.
وفي الحديث عن المسرحيين الذين اثروا في تكوين اتجاه جديد في جسد الممثل، لا بد من التطرق ايضا الى تجربة البولندي "فلدزمير ستانويسكي" Wlodzimierz Staniewiskiوهوتلميذ لجروتفسكي، عمل معه فترة من الزمن الا انه انفصل عنه في السبعينيات من القرن المنصرم، وانشأ فرقة تحمل اسم مسرح الجاردزنيتشة Gardzienice. بدأ ستانويسكي من مفردات جروتفسكي الا انه اختلف عنه في طرق التطبيق حيث ان اهم خلاف كان في اسلوب تدريب جسد الممثل، فليس الاسلوب المؤسلب والمؤطر هو الطريقة لخروج ممثل مبدع خلاق، بل ذهب الى ما هو ابعد من ذلك الا وهو اللجوء الى التراث المهمل. حيث كان فريق من العمليق ومبزيارة القرى المهجورة والنائية التي يعتقد ستانويسكي انها ما زالت تحافظ على التراث، ويطلب من فريقه بكافة تخصصاتهم الانخراط مع اهل القرية ومعرفة عاداتهم وتقاليدهم وغنائهم وقصصهم الشعبية، وتسجيل كل ذلك، ومن ثم العودة الى  المختبر ووضعها في مكان التجريب ليخرجوا اولا بنصوص جديدة وغناء مختلف يقومون بتحويره وتطويعه ليهدف إلى تطويرالفكرة المتفق عليها، اضافة الى ان العروض كانت تتم في ساحات القرية او كنائسها او بيوتها القديمة، أيأنه قدخرج من الاستوديو ومسرح العلبة الى مسرح البيئة الجديدة. يصبح جسد الممثل حسب قناعة ستانويسكي مع مرور الوقت مختزنا للكثير من التراث سواء في الحركة او الايماءة او الاشارة، كما يصبح غناؤه مليئا بمفردات جديدة نابعة من التراث ايضا.
هؤلاء هم بعض من اهم المسرحيين الذين ساهموا في خلق بيئة جديدة في التعامل مع جسد الممثل. الا ان مسرح فيزيائة الجسد لم يتأتى كنتيجة جهد المسرحيين فقط بل جاء كمزيج من جهودهم المندمجة مع جهود فناني الرقص الحديث ورقص ما بعد الحداثة  لنصل الى نتيجة مفادها: بأن مسرج فيزيائية الجسد هو مزيج لما بعد الحداثة في المسرح وما بعد الحداثة في الرقص. مسرح بدأ التنظير له كمدرسة لها سماتهاالخاصة فقطفي الثمانينياتمن القرن المنصرم.
تناولت في اليداية أهم المسرحيين الذين ساهموا في التأسيس لمسرح فيزيائية الجسد، وفي هذا المبحث أكمل التعريف بأهم الراقصين الذين ساهموا أيضا في هذا النوع من المسرح من منطلق أن مسرح فيزيائية الجسد ما هو إلا مزج بين جهود مسرحيين وراقصينحيث كانت قد تبلورت أفكاره وسماته في الثمانينات من القرن المنصرم.
لقد احتل الباليه الكلاسيكي المعروف برقص البلاط المرتبة الأولى بين فنون الرقص على طول ثلاثمائة سنة أي - منذ نشأته في القرن السادس عشر في ايطاليا وحتى بداية القرن العشرين – وقد حمل معه رعاية الملوك والحكام طيلة فترة ازدهاره. كما حمل معه قوانين صارمة وقاسية في التمرين وفي الحفاظ على لياقة المؤدي.
وكما حدث مع فناني المسرح في بداية القرن العشرين حين تمردوا على المذهب الواقعي والطبيعي آنذاك بدأت أيضا بذور التمرد تظهر في الرقص على فن الباليه الصارم غير النابع من الفرد اذ يخضع جسد المؤدي لأوامر وتدريبات مجهزة من قبلشخص أخر تشمل خمس حركات مع تنوعاتها. لقد سمي هؤلاء بفناني الرقص الحديث (Modern Dance) حيث نادوا إلى رقص نابع ومعبر عن الذات البشرية وقاموا بتسمية المفردات المستخدمة في الرقص بالحركات اليومية الاعتيادية والطبيعية(Natural Every Day Movement) ابتعادا وتمييزا عن الباليه. يقول روجر كوبلاند بأن هؤلاء المحدثين"بدأوا حياتهم بعمل رقصات فردية (ٍSolo) نابعة من ذاتهم يستخدمون فيها أجسادهم وليس أجساد آخرين كمادة خام لرقصهم". بمعنى آخر فإن الباليه حسب رأي كوبلاند يعبر عن مدربه حيث تنحصر وظيفة الراقصين  بالتنفيذ والإتقان. هذا الصراع بين مدربي وراقصي الباليه ومدربي وراقصي الرقص الحديث لا يزال مستمرا حتى يومنا هذا مع أنها فرز تطورا كبيرا في الرقص أدى إلى ظهور ما يسميه النقاد بالرقص الحديث(Modern Dance) ورقص ما بعد الحداثة (Postmodern Dance).
 كل من هؤلاء الراقصين قام باختبارمناطق مختلفة في الرقص مع تنوع معالجتهم في كيفية الابتعاد عن الباليه وقد نجحوا في إيجاد مفردات خاصة بهم. نأخذ على سبيل المثال الأمريكية ايزادورا دنكن 1876-1927م والذي يسميها النقاد أم الرقص الحديث (The Mother of Modern Dance)التي ادعت بأنها اكتشفت نظاما طبيعيا للحصول على مفردات الرقص وان أساس أي حركة هو الحجاب الحاجز حيث يقوم الراقص بداية بالتأثر في الطبيعة وبما حوله ومثال على ذلك: مراقبة الراقص لحركة شجرة النخيل التي تحركها الرياح ثم كيفية إدخالهاإلى داخله ومن ثم عكسها بحركات رقصة نابعة من ذاته كما يشعر أو يتأثر بها.
 أما مارثا غراهام التي مارست الرقص في العشرينيات من القرن العشرين حتى وفاتها 1991م فقد قضت سبعين عاما ترقص وتدرب الرقص على مفاهيم مغايرة للباليه حيث اذكر كلمتها الشهيرة المعبرة عن موقفها من هذا الفن إذ تقول"لقد اخذ الباليه فرصته لمدة ثلاثة قرون لذا يحق للرقص الحديث أن يتكلم لثلاثة أسابيع". أهم ما أتت به غراهام هو أن للجسد دورا كبيرا في تحقيق التوازن النفسي وان الحركة اصدق من اللغة اللسانية في ترجمة حالات النفس فهي تقول "الحركة لا تكذب". لقد تم وصف رقصها من قبل النقاد بأنه شبيه بالهندسة الحديثة وبناطحات السحاب:فهو يخلو من الحركات الناعمة الانسيابية الدائرية والخطوات السريعة التي تذكرنا بهندسة الأقواس وزخارف الأفاريز في الباليه الكلاسيكي بل على العكس نجد في رقصها الزوايا القائمة والتركيز على التعبير المسرحي. لقد بنت أسلوبها على التنفس وعلى حركتي "تقلص العضلات وانبساطها"حيث يتولد اندفاع الطاقة الحيوية في الجسد. بالطبع تخلتغراهام عن زي الباليه الكلاسيكي واعتمدت تصميم أزياء مسرحية وقد وضعت تصاميم للوحات أداها أهم راقصي العصر أمثال جورج بالانشين وبول تايلور وميرس كنينغهام.
لقد نجح هؤلاءالرواد في طرح مفردات عن مفهوم الطبيعي مقابل الاصطناعي (غير الطبيعي) ومفهوم غير المألوف مقابل المألوف للتعبير عن ذاتهم.  كما نجحوا أيضا بتغيير حالة المشاهد من متلق سلبي إلى متلق مشارك في العرض الإبداعي إضافة إلى أنهم ساهموا في رفع مستوى الرقص من وظيفته الترفيهية إلى فن محترم يحمل محتوىيحتاج إلى التأمل والتفكير.
أما ميرس كنينغهام تلميذ غراهام والذي انشق عنها ليؤسس مدرسته الخاصة فقد عاد إلى مفردات الباليه إلا انه تعامل مع مزجها بالحركة اليومية الاعتيادية ليأتي بجديد آخر، واهم ما يميز أسلوبه في التصميم هو أسلوب الحظ بمعنى انه يقوم بتصميم وإخراج مجموعة من المشاهد ثم يرمي قطعة نقدية (الفنة بالعامية) ليقرر أي مشهد يأتي بالأول وأيهما يليه، لقد أثار أسلوبه الكثير منالعاملين معه  وأفرزالنقاد الكثير من الدراسات في محاولة لفهم كنينغهام وأسلوبه.
أماستيف باكستون فقد جرب ما سماه الارتجال ألاتصالي (ContactImprovisation) الذي يعتمد على مفردات حركية تؤدى بثنائيات وتتنوع حركاتها المستمدة من الحركة اليومية الطبيعية الاعتيادية كالسلام باليدين إلى حركات الأكل والنوم الطبيعيين ولكن بأسلوب مغاير حتى يعيد المتلقي قراءتها قبولا أو رفضا. إضافة إلى حركات مستمدة من الرقص الاجتماعي ومن حالات التأمل.
لا نستطيع أن ننسى في الحديث عن المساهمين في التأسيس لمسرح فيزيائية الجسد الأمريكية انا هالبرن التي أكدت أن استخدام الحركات الطبيعية واليومية الاعتيادية في الرقص ستؤدي إلى اكتشاف الفنان لأسلوبه الخاص بدل استخدام أسلوب شخص آخر. كما أن الفنان سوف يتعلم المزيد عن نفسه من خلال هذه الحركات، وكيف أنه من خلال هذه الحركات يستطيع أي إنسان أن يعالج نفسه من أمراض مزمنة وان يتطور على المستوى الشخصي والذاتي.
أما الألمانية بينا باوش مؤسسة المسرح الراقص (Dance Theatre) والراقصة والمصممة لأعمال تحتوي على كل من الرقص والغناء والتمثيلفإنها تبدأ عملها دائما مع مؤديها من فكرة صغيرة جدا ومن خلال طرح مجموعة من الأسئلة الحياتية الخاصة بالمؤدين ليقوموا بترجمتها أثناء التمارينبالرقص أو الغناء أوالتمثيلوتستمر العملية بين البناء والهدم وتحديد اختياراتها حتى يوم العرض. باوش أيضا اعتمدت الحركة الطبيعية اليومية الاعتيادية ولكنها أعادت صياغتها بطريقة تستهدف صدم المشاهد لتحرك الساكن فيه.
بعد هذا الاستعراض السريع لأهم المساهمين مسرحيا ورقصا في التأسيس لما يعرف الآن بمسرح فيزيائية الجسد لا بد من التنويه إلى انه حتى سنة 1986م كان هذاالفن الأدائي مقسوما بين فن الرقص وفن المسرح إلى أن جاء الاسترالي لويد نيوسن وأطلق على فرقتهاسم (DV8 Physical Theatre).اعتمد هذا المصمم والمخرج على مفهوم غروتفسكي للتأسيس لعمله وقدأعطى من خلال اسم فرقته وعمله الفرصة لكثيرين يقدمون مسرحا يكون الجسد فيه معبراأكثر من اللغة وهكذا تواجدت الفرصة ليطلق هؤلاءعلى أعمالهم الممزوجة من فني الرقص والمسرح اسم مسرح فيزيائية الجسد. قام النقاد والباحثون في مجالي المسرح والرقص بالتقييم والتنظير لهذا المسرح مما أدى إلى إدخاله إلى الجامعات الغربية كعلم منفصل في التسعينيات من القرن المنصرم وما زال البحث والتنظير له قائما حتى هذه اللحظة.
في الختام لا يسعني إلا أن آتي على ذكر أهم سمات وميزات مسرح فيزيائية الجسد وهي كما يلي:
أولا  :يؤكد مسرح فيزيائية الجسد بأن المؤدي هو خالق ومبدع العرض وليس مفسرا أومترجما له.
ثانيا :إن عملية الخلق الإبداعي ليست فردية بل جماعية.
ثالثا :العملية الإبداعية تركز على جسد الممثل أكثر من عقله.
رابعا :إن العلاقة بين المشاهد والخشبة علاقة مفتوحة وعلاقة مشاركة إبداعية.
خامسا:تتغلب في هذا النوع العناصر البصرية والسمعية علىغيرها.
سادسا :مسرح فيزيائية الجسد لا يعني عدم استخدام الحوار بل يمكن استخدامه إلا أن لغة الجسد هي الغالبة.
سابعا :الحركة المستخدمة للتعبير هي الحركة الطبيعية اليومية الاعتيادية إضافة إلى حركات تجريدية ولكنها تستخدم بشكل مغاير للمألوف يعيد المشاهد قراءتها ليتخذ موقفا منها قبولا أو رفضا.
ثامنا :الوجه الطبيعي الخالي من الماكياج هو السائد في مثل هذه العروض ويستخدم الماكياج فقط في حالات نادرة أما الملابس فهي من الملابس اليومية الاعتيادية إلا أن ألوانها وتناسقها مدروس لخدمة فكرة العرض المسرحي، كما أنها تستخدم بشكل مغاير للواقع على الرغم من واقعيتها. كما تكون الملابس سهلة لحركة الممثل وانتقاله في الفضاء المسرحي.
تاسعا : استخدام الديكور والإكسسوارات غير تقليدي.
آملة في نهاية حديثي عن هذا النوع القديم الجديد أن يكون جمهورنا عند مشاهدة التجارب المسرحية القادمة والمتخذة من مسرح فيزيائية الجسد أسلوبا لها للتعبيرعن المضمون وإيصال الرسالة قادرا على التلقي بانفتاح وإدراك كيف أن الفن المسرحي فن متجدد ومتطور وقادر على الحياة وإيصال رسالته مهما اختلفت الأساليب والمدارس، ولولا هذا التطور لانقرض المسرح ولما استمر لمدة ألفين وخمسمائة سنة حتى يومنا هذا.

14. ب ايزادورا دنكن

Isadora Duncan
تقول الكاتبة " آن دالي" في كتابها (Done Into Dance) بأن الجميع يعرف شيئا ولو صغيرا عن"ايزادورا دنكن"، وحيث ان هذا التعميم قد يكون صحيحا في العالم الغربي الا أننا في العالم العربي لا نعرف حتى القليل عنها باستثناء الاقلية التي تعرضت للثقافة الغربية من خلال الدراسة او السفر  او مشاهدة الافلام الغربية. السبب في قلة المعلومات حول هذا الموضوع كما في غيره يقبع في قرارات تتجنب المكاشفة الثقافية وتخشى المواجهة المباشرة خوفا من او درءا لمفاهيم اجتماعية قائمة تنتقص في هذا المجال من فن الرقص وتضعه في زاوية الترفيه المعيب المرتبط بهز البطون والاسفاف واثارة الغرائز. لذا تقاعس الكثير من الكتاب ودور النشر بالاضافة الى وسائل الاعلام المرئية والمسموعة عن القيام بالكتابة او نشر وترجمة الكتب او البرامج التي حملت مفاهيم جديدة لفن الرقص ودوره في عملية التغيير الاجتماعي المنبثقة عن اعمال الرواد في هذا المجال، فبتنا نجهل الكثير عن تطور المئة سنة الاخيرة في مجالات عديدة ابتداءا من الباليه ومرورا في الرقص الحديث (Modern Dance) وانتهاءا بما بعد الحداثة في الرقص (Post Modernism)، ومن المفارقات الغريبة انه عندما "تحرر" الاعلام المرئي عندنا في العقد الحالي وقعنا فيما كنا نخشاه من الاسفاف ولم نتجه بدلا عن ذلك الى عرض ما كنا نتجنبه من الاعمال والافكار التي ادت الى تطوير مفاهيم اجتماعية وفنية غابت عنا طيلة القرن الماضي.
"ايزادورا دنكن"،الايرلندية الاصل والامريكية المنشأ والجنسية وأحدى اهم رواد الرقص الحديث والمسرح الراقص (Dance Theatre)، ولدت في سنة 1878 وتوفيت في سنة 1927 في حادثة مأساوية قد يعرفها البعض من خلال مشاهدتهم لفيلم "ايزادورا" التي قامت ببطولته "فانيسا ريدغريف" حيث نرى كيف تموت "دنكن" في نهاية الفيلم حين التف شالها الذي يزين رقبتها على مقود سيارتها مما ادى الى اختناقها. اهمية "دنكن" لم تأت من حادثة الموت المأساوية بل اتت من كثافة العمل والمثابرة على اجتهاداتها في عصرها. لقد قامت بالبحث عن الجديد وانتهت بالتمرد على رقص الباليه الذي احتل  وتصدر فن الرقص في اوروبا لما يزيد عن ثلاثمائة سنة في حينه. من المعروف ان فن الباليه بدأ في ايطاليا في القرن السادس عشر وقد تمت رعايته من الطبقات الحاكمة واصبح بمرور الوقت فنا معبرا عن الطبقة الارستقراطية فكرا وشكلا وتمت تسميته بفن البلاط. لقد رفضت "دنكن" الاتية من بيئة شعبية وفقيرة نسبيا هذا الفن شكلا ومضمونا: شكلا من حيث الالتزام بالازياء وباملاءات الاداء التي انتقلت من جيل الى جيل عبر تكريس حركات معينة ومحددة (الخمس حركات الاساسية للباليه)  ولم تعتبره فنا نابعا من الذات ومعبرا عنها،  من خلال رفض مفهوم ان الفن يمثل طبقة معينة ولا يمثل الشعب بكافة طبقاته. 
وجدت "دنكن" في الميثولوجيا اليونانية وفي المسرح الاغريقي مصدرا تستمد من منابعه سلاحا للتمرد عل فن الباليه وبدأت تستمد منه خطواتها الراقصة وايماءاتها لتعبر فيه عن نفسها. وحيث اننا نعرف أن الرقص والمسرح قد بدءا عند الاغريق في القرن الخامس قبل الميلاد متمثلين على التوالي بطقوس "الديثيرامب" (Dithyramb) وبالتراجيديا والكوميديا ومع اعتبار "دنكن" ان رجوعها الى الاغريق هو بمثابة الرجوع الى الشئ الفطري والطبيعي، فقد وجدت فيه الخلاص من خلال العودة الى الجذور، تستقي منها الكثير من المفردات لتعيد صياغة فنها للتعبير عن واقع معاصر، ولكي تحقق "دنكن" ذلك  قامت بعملية بحث مضنية ودراسة مكثفة للاعمال الاغريقية سواء الادبية منها او النحت او الرسم فقامت بزيارة متحف لندن ومتحف اللوفر في باريس اولا وزيارة اليونان لاحقا لقراءة ومشاهدة المنحوتات واللوحات ثم العودة الى الاستوديو خاصتها وهي تحمل في جعبتها الكثير من فينوس وافروديت وعابدات باخوس وغيرهن، لتتحول خطواتها انعكاسا لما قرأته وشاهدته، وتصبح ايماءاتها مشابهة لايماءات واشارات الالهه الاغريقية، فكأنها ارادت ان تعطي شيئا من القدسية والغموض على فن الرقص الحديث. انعكس ذلك ايضا على ما ترتديه سواء في حياتها الخاصة او على المسرح حيث اختارت ملابس الرداء الاغريقي (Tunic) - الفستان اليوناني الفضفاض والذي يربط بحزام - كزي لها في الحياة وعلى المسرح.
لم تكتف "دنكن" بتقديم لوحاتها التعبيرية بل قامت ايضا بتقديم مسرحيات اغريقية مثل "اوديب ملكا" و"ايفيجينيا" و"اورفيوس" بشكل تندمج فيه الكلمة والمشاهد التعبيرية الراقصة. اختلف النقاد في حينه في تقييم هذه الاعمال فمنهم من اعتبرانها قد تمادت على النصوص الكلاسيكية القديمة ومنهم من اعتبر أنها قد قدمت شكلا جديدا معاصرا لهذه النصوص، وفريق آخر يرى انها  تفوقت في المشاهد التعبيرية الراقصة وفشلت في المشاهد التي تعتمد الحوار. كل هذا يعطينا دلالة بان هذه الاعمال قد اثارت الكثير من الجدل والذي هو شيء سليم ومطلوب لاي عمل فني.
قامت "دنكن" بعد ذلك بتطوير اسلوبها ليصبح تعبيرها مستمدا من منحوتات معاصرة للتعبير من خلال الجسد والاشارة والايماءة عن مفاهيم مرتبطة بالحرية،  فعلى سبيل المثال، في رقصتها المسماة (Marseillaise) عام 1915قامت باستعارة وضع المرأة المجسدة لتمثال الحرية في نيويورك مستخدمة جسدها كوسيلة للتعبير عن هذا التمثال الذي يجسد قيما متعددة للامريكيين تتعلق بالتحرر والحرية والامومة، بالاضافة الى مفاهيم اخرى. لقد قامت "دنكن" بخلق الحماس وحث الشباب الامريكي في هذه الرقصة على الانضمام للفرنسيين في الحرب العالمية الاولى، وفعلا استطاعت ان تشعل النيران في قلوب الشباب وانضم الكثيرون منهم للمساندة في الحرب.هنا نرى بأن الرقص التعبيري عند" دنكن" قد اخذ مفهوما سياسيا ووظيفة اجتماعية مثله مثل الفنون الراقية الاخرى .
لم يقتصر هذا الدور للرقص للمساهمه في عملية التغيير الاجتماعي ولم ينحصر فقط في الخطوات والحركات بل تعداها الى الشكل واعني بذلك الزي . ان ارتداء الزي الفضفاض الذي يكشف الكتفين قليلا والذي اعتمدته "دنكن" في عروضها وحياتها اليومية والمستقى من الازياء الاغريقية القديمة كان ايضا تمردا على الزي السائد في العصر الفيكتوري والذي كان يصر على ان ترتدي المرأة المشد الضاغط على الصدر (Corset) والجوارب السميكة، حيث كان يعتبر كل ذلك هو النمط السائد في تلك الحقبة، وكما تقول "ارفات تسيلون" كان  كشف القدم في العصر الفكتوري يعتبر مخلا بالاخلاق". كانت "دنكن" ايضا تقوم بالرقص حافية القدمين وبالتالي فان قدميها كانتا مكشوفتين اضافة الى ان اجزاءا صغيرة من كتفيها كانتا مكشوفتين وهكذا فقد اعتبر ذلك في حينه كسرا للتقاليد وخروجا على السائد. من الجدير بالذكر ان مصممي الازياء الحديثة يرجعون الفضل لها في تحرير المرأة من زي معيق للتنفس والذي ادى في حينه الى الكثير من الامراض اوالموت احيانا لعدد غير قليل من النساء.
نرى مما سبق بأن الرقص الهادف يستطيع ان يكون قادرا على توصيل رسائل اجتماعية وسياسة واخرى متنوعة ومختلفة، وليس كما انطبع في اذهان الكثيرين عندنا بانه عمل مخل بالأخلاق هدفه اثارة الشهوات والغرائز والذي ترفضه جميع الفنون. لذا نحتاج الى ترجمة لاعمال هؤلاء الرواد ونحتاج الى اعادة القراءة لهم حتى نرى كيف استطاع الغرب ان يطور فنا تمت عندنا ادانته مسبقا كان قد حمل عندهم رسالة موجهة لسعادة البشر وحريتهم.  الرفض المسبق قبل الدراسة والبحث في الاسباب والنتائج لا يحقق فائدة لعدم اعتماد اي امر بل يبقي الامر في دائرة الممنوع، والممنوع كما قالوا مرغوب فالاولى ان نتحقق منه لرفضه او قبوله سواء بسواء.
ختاما فان "دنكن" هي واحدة من الكثيرات والكثيرين الذين اسسوا للمسرح الراقص وحركة تحرر المرأة في بداياته،ا وما تقدم ما هو الا نبذة صغيرة عن حياة امرأة تمردت على التقاليد القديمة واوجدت تقاليد جديدة واسست للرقص المعاصر وناقضت نفسها قليلا بين اعتماد المبادئ والممارسة، والمعرفة عنها تحتاج الى المزيد من الدراسة والاستقصاء.   

14. ج  آنا هالبرن والرقص كعلاج لمرض السرطان
الامريكية آنا هالبرن المولودة عام 1920، الراقصة ومصممة حركات الرقص التي لا تزال تعمل في مجال الرقص حتى يومنا هذا،قامت بتاسيس استوديو مخبري لتطوير فنها الذي تدعي بأنه "اي  الرقص" عبارة عن مادة حية يستطيع الفرد استخدامها للتخلص من امراض عضال كالسرطان وغيره. لقد اتخذت هالبرن من تجربتها الشخصية، حين تم تشخيصها بالاصابة بسرطان في منطقة الورك في عام 1972، نقطة ارتكزت عليها في عملية البحث للوصول الى نتائج منها بأن الرقص قد يخدمالانسانللتخلص من هكذا امراض. ان اكتشاف مرضها له قصة غريبة ومشوقة.
في الفترة التي سبقت تشخيصها بالمرض كانت هالبرن تعمل في الاستوديو خاصتها على اختبار طريقة جديدة تحاول من خلالها التوصل الى مصادر جديدة تستقي منها خطوات جديدة تعتمدها في لوحاتها الراقصة التي ستقوم بتصميمها لاحقا. تتلخص هذه الطريقة بأن يقوم كل شخص تدرسه برسم صوره شخصية لنفسه ليعبر من خلال الرسم عما يعتمل في نفسه وبعدا كم الجزء من الرسم يقوم الشخص ليرقص كانعكاس لهذه اللوحة التي رسمها ثم يتوقف ويعاود الرسممن جديدومن ثم يرقص مجددا،وهكذا حتى يتوصل الى الشكل المطلوب. وفي احدى المرات وبينما كانت ترسم صورة شخصية لنفسها اكتشفت بعد انتهائها بأنها قد رسمت دائرة حول منطقة الورك خاصتها، وبعد تأمل عميق للرسم قررت في اليوم الثاني ان تذهب الى طبيبها الخاص وطلبت منه ان يجري فحوصات في نفس المنطقة التي رسمت فيها الدائرة، وتبين بعد الفحوصات بأنها مصابة بالسرطان في هذه المنطقة بالذات. على ضوء ذلك اجريت لهالبرن عملية جراحية وتم استئصال الورم من  منطقة الورك، وقام طبيبها بطمأنتها بأنه اذا لم يظهر الورم خلال خمس سنوات فستكون قد تخلصت من المرض الى الابد. الا ان الورم عاد للظهور ثانية بعد ثلاث سنوات حيث خضعت هالبرن لعملية جراحية ثانية.
 بدأت هالبرن مباشرة بعد تماثلها للشفاء عملية بحث مكثفة هدفها ان تفهم كيف يستطيع الانسان ان يتلقى رسائل من عقله الباطني لدراسة جسده من خلال الرسم. لم تتمكن هالبرن من الوصول الى نتائج تقوم على العقل والمنطق ولكنها توصلت الى ان تبادل العملية بين الرقص والرسم تحتوي على دلالات واستنتاجات.
 قررت هالبرن بعد ذلك ان تجري تجربة على نفسها فتقوم بالرسم ثم الرقص مع وجود بعض من تلاميذها واصدقائها وافراد عائلتهاالذين عهدت اليهم مراقبة خطواتها لتزويدها بالملاحظات. قامت في البداية برسم نفسها بهيأة امرأة جميلة تفيض حيوية، ثم حاولت الرقص كانعكاس لهذه اللوحة الا انها لم تستطع ان تخطو اية خطوة. بعد هذا الفشل قامت برسم لوحة ثانية اظهرت فيها جانبها الاسود المظلم اضافة الى حالة الغضب والعدوانية التي تشعر بهما، حيث شعرت بان هذه اللوحة هي التي يتوجب عليها رقصها. تصف لنا هالبرن في كتابها"السير نحو الحياة" (Moving Towards Life) كيف رقصت لوحتها:لقد بدأت الرقص كحيوان مجروح واصبحت مع مرور الوقت تصدر بعض الاصوات الغاضبة ومن ثم تطورت خطواتها لتتحول الى انعكاس لشلال من المياه وكانت تتخيل المياه كأنها تدخل الى جسدها تطهره وتنظفه. تستمرهالبرن في كتابها وتصف شعورها بانهاكانت تشعر كشلال من المياه يبدأ من اعلى الجبل لينتهي ويصب في المحيط.
 تعتقد هالبرن بأنها في تلك الخطوات كانت تختبر قوة الطبيعة في جسدها. تواصل وصف خطواتها التي بدأت كخطوات بطيئة وصغيرة لتصبح مع استمرار الرقص تكبر وتتسع الى ان وصلت الى مرحلة اصبح فيها كامل جسدها مجسدا لشلال المياه. بعد ان انهت الرقص شعرت براحة نفسية كبيرة، واحست بحاجتها الى اصدقائها وعائلتها وجلست اليهم تستمعالىالملاحظات وتتبادل الحديث معهم واخبرتهم بأن شيئا غامضا قد حدث معها اثناء ادائها للرقصة وكأنها قد زارت عالماقديما يتوقف فيه الزمان والمكان، وان هذه التجربة قد تركتها وهي ترتعش الا انها شعرت بالتطهير.
يعد هذه التجربة المخبرية خرجت هالبرن منها بطريقة تدريب جديدة مارستها ولا تزال حتى ايامنا هذه تقوم بتطبيقها في مدرستها مع افراد مصابين بأمراض عضال فمنهم من شفي تماما ومنهم من استطاع مواجهة الموت بمعنويات اقوى وصلابة أشد. اطلقت هالبرن على طريقة التدريب هذه "الخمس خطوات للعلاج". تتلخص الخمس خطوات كما اوردتها في كتابها المذكور اعلاه كالتالي: اولا كيفية تشخيص القضية وتحديد التباين بين الجوانب المضيئة والمظلمة،ثانيا المواجهة مع المرض،ثالثا الراحة الناتجة عن المواجهة والقبول بالمرض وبعد ذلك تأتي الخطوةالرابعةالمتمثلة في ايجاد طريقة لتوحيد ودمج المتغيرات في الجسد، وهذا ما فعلته من خلال رقصة الماء،اما الخطوة الاخيرة وهي القبول في العودة الى المجتمع المتمثل بالاهل والاصدقاء وغيرهم والاندماج فيه.
تدعي هالبرن بأنها بعد ان قامت بالرسم ورقص رقصة شلال المياه بأنها قامت باجراء الفحوصات الدورية المطلوبة منها، وتبين بعد الفحص بأنها قد تخلصت من مرض السرطان نهائيا.
مما تقدم ذكره ومن تجربة هالبرن، هل يستطيع الفرد منا التصديق بان الرقص قادر على علاج السرطان او غيره من الامراض العضال؟ ان الشيء الذي نستطيع ان نفهمه انه بعد الايمان بالله تعالى وقدرته على كل شيء، نستطيع ان نحاول سبر اغوار طبيعة الرقص وعلاقته بالجسد وبالطاقة المنبعثة من اداء الخطوات، فربما عند ذلك نستطيع ان ندركبأن الجسد قادر على علاج نفسه منمرض السرطاناو غيره عبر ارجاع التوازن بين الكريات الحمراء والببضاء.هذا من ناحية ومن ناحية ثانيةيمكن ادراك ان عدم الاستسلام للمرض ومواجتهه من الممكن ان يقود الى العلاج. نسمع بأن الشخص الذي يقاوم المرض يستطيع ان يقهره وسمعنا عن حالات كثيرة نجحت في ذلك، ربما عندهذا المفهوم  يكون الرقص احد وسائل المقاومةالعضوية اوالنفسية من مرض يفتك بالبشر باعداد لا يستهان بها يوميا.
14. د  المسرح الراقص
Dance Theatre
لقدتم التأسيس للمسرح الراقص منذ بداية القرن العشرين ابتداءا من الامريكية "ايزادورا دنكن" و"مارثا جراهام" و"مرسي كننغهام" وصولا الى الالمانية "بينا باوش". تجدر الاشارة هنا انه قد يختلط الامر على البعض فيتصور ان المسرح الراقص هو نوع من انواع المسرح الاستعراضي الترفيهي (Revue) او باختصار المسرح الذي به رقص وبذلك قد يرتبط المسرح الراقص في ذهن البعض بمسرح الرقص الحديث او الرقص المعاصر، بينما هو مختلف تماما عن كليهما.
عرفت الكتورة  منى ابو سنة المسرح الراقص بانه "مسرح درامي في المقام الاول، بيد ان الذي يميزه عن الدراما بشكلها التقليدي والحديث هو ان المسرح الراقص يختزل الدراما في التعبير الجسدي الراقص الذي يعتمد الجسد، مستعرضا بذلك تاريخ الجسد ورموزه وايماءاته باعتباره عالما معرفيا قائما بذاته له كيانه المستقل"
المسرح الراقص يتمحور حول تحرير الجسد من خلال التعرف على الجذور والطقوس الفطرية والبدائية، وقد تبدو هذه مفارقة ونحن في القرن الواحد والعشرين ان يرتكز مسرح نهاية القرن العشرين على تلك الجذور والطقوس، ولكن هذه العودة كانت بهدف التجريب والتطوير لطرح شكل جديد للفن المسرحي والبحث عن مادة خام جديدة للابداع المسرحي في اطار رؤية مستقبلية تنشد تجاوز الواقع من اجل تغييره وانسنته، حيث يقوم المسرح الراقص في هذا الاطار بتحويل المادة الخام الى مادة درامية من خلال جسد المؤدي على المسرح على اختلاف انواعه الحركية والصوتية وتواجده في الفضاء المسرحي.
لقد عرفنا كمسرحيين مفهومين للمسرح تمت معالجتهما على مدى التاريخ: أولهما المسرح الأرسطي، وثانيهما المسرح اللاأرسطي المتمثل بالملحمي الذي تم التنظير له من قبل الالماني بروتلد بريخت، والعبث الذي قاده العديد امثال بكيت ويونسكو. الا ان المسرح الراقص قد افرز لنا مفهوما او تيارا مسرحيا جديدا يطلق عليه الان "ما بعد اللاأرسطية" Post-Non-Aristotelian)). هذا المسرح الذي يرتكزعلى الجسد المستخدم كأداة رئيسية على الخشبة  معبرا عن ثنائيتين هما الوحدة بين الجسم والعقل، والوحدة بين الرجل والمرأة.
يختلف المسرح الراقص "ما بعد اللاأرسطي" جوهريا من خلال التعبير عن هاتين الثنائيتين عن نظيريه المسرح الارسطي والمسرح اللاارسطي المتفقين على تكريس ثنائية القسمة بين الجسم والعقل وبين الرجل والمرأة، حيث نرى ان المسرح الارسطي يسعى الى تكريس المحرمات الثقافية التي تصب في الثنائيتين من خلال المحافظة على الوضع الراهن، بدعوى انه يحقق الخير الاسمى او الخير المطلق على حد تعبير ارسطو، ساعيا الى تحقيق هذه الغاية لتثبيت النظام القاهر للجسد من خلال استخدام الجسد نفسه كوسيلة، في حين ان المسرح اللاأرسطي وان كان في فلسفته  ينشد الى تجاوز الوضع الراهن وتغييره، الا انه ايضا يكرس ثنائية العقل والجسد، اما لصالح العقل كما في مسرح بريخت او لصالح الحواس كما في مسرح العبث، وحيث ان المفهوم العام المتواتر الذي اعتمده كثير من المفكرين بان الرجل هو المعادل الموضوعي للعقل وان المرأة هي المعادل الموضوعي للحواس، فان النتيجة المنطقية لهذه الثنائية هي ايضا تكريس للقسمة الثنائية بين الرجل والمرأة. وهكذا نرى ان المسرح الراقص ينشد تجاوز هذه القسمة من اجل تحقيق السعادة للبشر حيث يتمسك في هذا الاطار برؤية ناقدة للمجتمع الرأسمالي الذي يكرس التقسيمات الثنائية في مجال تحويل الانسان الى سلعة وتحديدا المرأة. انطلاقا من هذه الزاوية النقدية اطلق على المسرح الراقص مسرح "ما بعد اللاأرسطية".
واذ يتمحور ان المسرح الراقص حول تحرير الجسد فانه يطرح على المتفرج شكلا جديدا لا يعتمد على السرد القائم على التسلسل المنطقي للاحداث، بل يعتمد شكلا من اشكال "الكولاج" (Collage)  لنماذج وانماط اجتماعية يقدمها باسلوب ساخر (Sarcastic)ويفرض على المتلقي نوعا جديدا قائما على ايجاد العلاقة بين النماذج والانماط المعروضة والواقع الذي يتم التعبير عنه بشكل ساخر.
وفي الختام لا بد من تسليط الضوء على نقطة جوهرية تتعلق بالارضية التي انبثق منها المسرح الراقص لنرى انعكاساتها على المسرح العربي وقدرة الجمهور على فهمه.
من المعروف بأن المسرح الراقص قد جاء نتاجا لحركة تحرير المرأة  وهي وان كانت احد النتاجات المتاخرة لحركة التنوير التي سادت في القرن الثامن عشر في اوروبا التي دعت الى إعمال العقل وتحريره  من كل سلطان واسست المشروعية للعقل لنقد الوضع القائم، الا انه كان قد تم اغفال حركة تحرير المرأة في البدايات نتيجة لممارسات المجتمع البطريركي (الابوي) الذي يمارس القهر والتمييز ضد المرأة.
وعليه فهل يستطيع المشاهد العربي في ضوء هذه النشأة ان يتفهم ويتمثل المسرح الراقص، الذي هو احد منجزات الحضارة الاوروبية، دون اختبار حركة التنوير ومواكبة حركة تحرير المرأة لها؟
ان الاجابة على هذا السؤال يحتاج قطعا لدراسة موسعة، ولكن مع ذلك او بدونه ولمواكبة التطور المتسارع .يبقى لزاما علينا ان نكون على اطلاع كمسرحيين على اخر نتاج الغرب مع الاحتفاظ بحقنا لقبول او رفض هذه الافكار.

14. ه "بينا باوش" والمسرح الراقص

العشرينيات من القرن العشرين افرزت ما كان يدعى في حينه الرقص التعبيري (Ausdrucktanz) باللغة الالمانية او (Expressive Dance) بالانجليزية. لقد ساد هذا الرقص ولاقى قبولا كبيرا في تلك الحقبة معتمدا على الحركات اليومية الاعتيادية للتعبير عن التجارب الشخصية، الا ان هذا الرقص اختفى نتيجة ظهور الحكم النازي في ذلك الوقت، حيث ركزت رموز النظام على ترسيخ فن الباليه وتغييب المدارس المسرحية الاخرى. في الستينيات وبعد التخلص من آثار النظام النازي وانعكاساته عاد الكثيرون من الفنانين الى المانيا وبدأوا يبحثون عن لغة جديدة مستقاة من مفردات الرقص التعبيري الوارد ذكره اعلاه واسسوا لما نسميه الان "المسرح الراقص" وذلك في محاولة جديدة لكي ينأوا بانفسهم عن الباليه. لقد تتلمذت "بينا باوش" المولودة في مدينة سولنجن (Solingen) الالمانية عام 1940 على يد "كيرت يوس" (Kurt Jooss) احد العائدين الى المانيا وابتدأت "باوش" حياتها المهنية كراقصة باليه حيث كانت قد تتلمذت ايضا على يد الامريكيين "انطوني تيودور" (Anthony Tudor) و"بول تيلر" (Paul Taylor) وهم من كبار العاملين في هذا المجال في حينه.
لقد عملت "باوش" في فن الباليه ما يقارب الخمس عشرة سنة وقد شعرت أن هذا الفن لا يلبي تطلعاتها فاخذت تبحث عن مفردات جديدة للتعبير عن نفسها، فلجأت مع الاخرين الى مفردات الرقص التعبيري القديمة، ولا تزال "بينا باوش" حتى يومنا هذا تعمل في هذا المجال من مسرحها المسمى "مسرح فوبرتال الراقص – بينا باوش" الذي قامت بتأسيسه في منتصف السبعينيات من القرن العشرين.
قدمت باوش الكثير من الاعمال المتميزة في المسرح الراقص، والمتفحص لاعمالها يرى ان بعض المشاهد هي مشاهد رقص منفرد (Solo) او ثنائي (Duet) او مجاميع(Ensemble) حيث يقوم جميع افراد الفرقة بأداء لوحات تعبيرية درامية راقصة، والبعض الاخر يتكون من مشاهد تمثيل مسرحي ياخذ شكل البوح، وقد تم تعريف هذه المشاهد عند باوش بمصطلح "مشاهد الاعتراف" (Confessional Scenes). لقدجاءت هذه التسمية نتيجة لطبيعة نشأة هذه المشاهد حيث اعتمدت "باوش" طريقة خاصة في عملها مع فريقها تقوم على استجواب العاملين معها عن ذكرياتهم وماضيهم والحوادث المؤثرة في حياتهم والطلب اليهم ان يقوموا بتجسيدها ومن ثم تنتقي المناسب وتقوم بتطويره ليتم تقديمه في العرض ليشعر المشاهد بأن الممثلين قريبين اليه كأنه صديق يؤخذ رأيه او يشارك في الحدث. تتميز هذه المشاهد ايضا بأن المؤدي يتوجه الى الجمهور ويبدأ الحديث معهم وهو شكل مستوحى من الاسلوب الملحمي عند "برخت" ونظرية التغريب لديه، وبهذا نرى ان مشاهد البوح تعتمد كسر الحاجز الرابع – الستارة - اي رفض فصل العلاقة بين ما يجري على المسرح والجمهور.
ان مشاهد البوح ليست هي الطريقة الوحيدة عند "باوش" لكسر الحاجز الرابع ففي بعض  المشاهد نرى الممثلين ينتشرون في الصالة بين الجمهور يبيعون على سبيل المثال صورا ويقبضون ثمنها اثناء العرض،  وفي مشاهد اخرى نرى احدى الممثلات تطلب من الجمهور قطعة نقدية لاستخدامها لتشغيل الة ميكانيكية من الديكور الموظف على  خشبة المسرح.
بالاضافة الى استجواب الممثلين عن ماضيهم، تعتمد "باوش" كليا على الارتجال فليس هناك نص جاهز تقوم بالعمل عليه، بل تبدأ الاشياء عندها كما تقول "من فكرة صغيرة جدا ثم تكبر"  وينتج عن هذا الارتجال مجموعة من المشاهد المسرحية الحوارية والتعبيرية الراقصة. تقوم باوش باختيار الافضل وتنسيق العرض بشكله النهائي حسب رأيها.  يلاحظ العامل مع باوش اوالمراقب لعملها انها لا تستقر بسهولة على المشاهد فتقوم بالتغيير المستمر - ما يسمى في المسرح "الهدم والبناء" - ليس فقط اثناء التمارين بل تستمر في التغيير حتى بعد عرض العمل على الجمهور. تحتاج اعمال "باوش" الى متلق خاص لأنها لا تقدم نصا تقليديا له بداية ووسط ونهاية بل مجموعة مشاهد كولاج (Collage) يستطيع معها هذا المتلقي ان يكمل الصورة في مخيلته.  تؤكد "باوش" على انها تعطي اشارات ورموزا دقيقة لا تقبل الا تأويلا واحدا اذا كان المتلقي يلتقط هذه الاشارات بدقة.
تتميز اعمال "بينا باوش" بديكور غير تقليدي  تضعه بمساعدة مهندسي الديكور بشكل يقطع الانفاس، واحيانا يثير الرهبة في النفوس. لا تدع "باوش" شيئا غير تقليدي الا وتضعه على خشبة المسرح، وامثلة على ذلك، التراب، الطين، اوراق الشجر اليابس، الماء من بحر ونهر وبحيرة وشلال  ودلو وصفائح بلاستيكية كبيرة ممتلئة بالماء الى اخره، والورود والازهار المختلفة، فعلى سبيل المثال في مسرحيتها "القرنفل" (Carnation) والذي نفذت عام 1982 استخدمت الالاف من زهر القرنفل الحقيقي وفي مسرحية "منظف النوافذ" (Window Cleaner) والتي نفذت عام 1996 استخدت عشرة آلاف رأس وردة جورية حمراء شكلت منها تله يخرج منها طريق مفروش بالورد حيث كانت هذه الكتلة هي فضاء العرض المسرحي.
تعتبر "باوش" استخدامها لديكورات غير تقليدية المصدر الاساسي لرسم الحركة الراقصة والمسرحية على الخشبة فعلى سبيل المثال فان وجود آلاف من زهر القرنفل الحقيقي استدعى استخدام حركات القفز لتجنب الدوس على الازهار المثبتة على ارضية المسرح،  واستخدام ورق الشجر اليابس وفرشه على كامل ارض المسرح في مسرحية "بلوبيرد" عام 1977(Bluebeard) استدعى ان تكون معظم حركة الممثلين ملتصقة بالارض حيث نرى احيانا زحفا على الارض ونرى المكان بعد الزحف يعاد تشكيله بجسد الممثلين بحيث يشكل لوحات تشكلية على الأرض مكونة من الفراغ وورق الشجر اليابس.
لم تكتف "باوش" بالديكورات غير التقليدية بل استخدمت ايضا حيوانات مختلفة على خشبة المسرح من اغنام وكلاب وفرس بحر وتمساح وفأر وقطة الىاخره، فعلى سبيل المثال في مسرحية "القرنفل" (Carnation) استخدمت مجموعة من الكلاب البوليسية مع حراسها لتشكيل دائرة تحيط بالممثلين والراقصين وتدور جميع الاحداث والكلاب تصرخ او تنبح او تتقدم او تبتعد عن الممثلين.  لم تنس "باوش" حماية الممثل فقامت بعمل تدريبات مضنية ادت في نتيجتها الى اكمال العمل دون ان يصاب احد بمكروه، وقد جاء توظيفها للكلاب البوليسية ادانة للقمع السياسي الذي يواجهه الانسان.
لا تتردد "باوش" في استخدام اي مفردة على خشبة المسرح طالما انها تساعد في ايصال رسالتها الاجتماعية او السياسية من خلال خطابها الابداعي.
 تبقى الاشارة الى ان "باوش" لم تكتف بما هو موجود امامها بل قامت هي وفرقتها بزيارة الكثير من المدن لجمع المعلومات عن هذه المدن حيث قامت باخراج اعمال تم استلهامها من وحي مدن كبيرة مثل "منظف النوافذ" (Window Cleaner) وهي مسرحية شكلت خارطة جديدة لهونج كونج كما تخيلتها باوش وفريقها وكذلك مسرحية "انت فقط" (Only you) متأثرة بمدينة لوس انجلوس واربعة اعمال اخرى متأثرة بمدن مختلفة.
وفي الختام، تعتبر "بينا باوش" واحدة من اهم العاملين والمؤسسين للمسرح الراقص الحديث. لقد جلبت الشهرة العالمية الى مدينتها الصغيرة "فوبرتال" على عكس المألوف، فعادة الممثلين والراقصين لا يحصلون على الشهرة العالمية الا اذا لجأوا للمدن الكبيرة الا ان تجربة "باوش" خرقت المألوف لتثبت لنا بأن المثابرة والعمل والبحث الصادق تستطيع ايصال الفنان الى الشهرة العالمية. لقد اصبحت مدينتها الصغيرة مكانا يأتي اليه مشاهير العالم للاطلاع عن قرب على مدرسة "باوش" او للعمل معها او لمؤازرتها.
أ. مجد حمدي القصص

سجناء بولنديون يؤدون عرض مسرحي

مدونة مجلة الفنون المسرحية
سجناء بولنديون يؤدون نسخة معدّلة من مسرحية شكسبير الشهيرة «حلم ليلة صيف» في «المسرح البولندي» في وارسو. تأتي هذه الخطوة ضمن تجربة تقودها فرقة فنية بولندية، تقوم على مشاركة السجناء في أعمال إلى جانب ممثلين محترفين بهدف دمجهم في المجتمع. (جانيك سكارزينسكي

(أ ف ب)

افتتاح الدورة الثانية لأيام المسرح المونودرامي في جامعة السلطان قابوس

مدونة مجلة الفنون المسرحية
لا توجد صور

بدأت مساء أمس "الأحد" فعاليات الدورة الثانية لإيام المسرح المونودرامي في جامعة السلطان قابوس والذي تنظمه جماعة المسرح بعمادة شؤون الطلبة، بمشاركة جامعات وكليات من داخل السلطنة وخارجها وتم أمس عرض مسرحية من فرنسا بعنوان(نكون أو لا نكون ) ومن تأليف الكاتبة الفرنسية ناتالي ساروت وتمثيل لينوه مع إخراج بوفور، يحمل نص المسحرية بين طياته عتابا بين صديقين كان أحدهما قد تغير عن الآخر بل تغير أيضا تعامله مع الأخرين فيتساءل الصديق المعاتب عن سبب تغير صديقه ويجيبه بأنه لا توجد هناك مشكلة إلا أنه أصبح يخشى المبادرة والمغامرة وقدمت المسرحية باللغة الإنجليزية وتشارك المملكة العربية السعودية في هذه الدورة ممثلة بجامعة القصيم وذلك بعرض مسرحية (الذي يسقط ) من إخراج عبد العزيز فهد الغنيم وبطولة محمد الدهشان. أما السلطنة فتشارك بخمسة عروض منها عرض كلية العلوم التطبيقية بنزوى بعنوان (النبأ الأخير) من إخراج سعيد البوسعيدي وبطولة فيصل العوفي، وعرض كلية ولجات بعنوان (زبن) ومن إخراج محمد الضبعوني وتمثيل محمود الغافري، وأما جامعة السلطان قابوس فتشارك بعرض عنوانه (لحيالة) من تأليف وإخراج محمد الهنائي وبطولة عبد الحكيم الصالحي، بالإضافة إلى مسرحية (الخفاش) من إخراج طاهر الحراصي وتمثيل إسماعيل الرواحي، ومسرحية ( القرار) من إخراج محمد الريامي وتمثيل سالم المعمري. وعن الدورة الثانية لأيام المسرح المونودرامي، تقول الأستاذة رحيمة الجابرية رئيسة اللجنة المنظمة للدورة ومشرفة جماعة المسرح بعمادة شؤون الطلبة في الجامعة: في هذه الدورة سنشهد ابداعا مسرحيا جديدا كون المهرجان يعد رائدا على مستوى السلطنة وهو في دورته الثانية يفتح نافذة جديدة على الآخر باستضافة عرض مسرحي من فرنسا والآخر من المملكة العربية السعودية وذلك من أجل تحقيق الإندماج الكامل مع التجارب المحيطة بالإقليم وخارجه والإستفادة من كل المعطيات الممكنة نتيجة هذا الاندماج الذي بدوره يعمل على إثراء التجربة المسرحية العمانية. ويضيف في الصدد ذاته هيثم المسعودي رئيس جماعة المسرح فيقول: تعد هذه الدورة نقلة نوعية لجماعة المسرح إذ أنها كأول مهرجان أو حدث مسرحيّ مختص بفن المونودراما، وقد قدمت النسخة الأولى من الدورة في عام 2011، و لم تتوقف عند هذا الحد إذ إنها وسعت المشاركات، لضمان الاحتكاك الإيجابي، وذلك من خلال حلقة عمل متزامنة مع الدورة يقدمها الوفد الفرنسي المشارك. ونسعى إلى يكون التنظيم يليق بحجم هذه المشاركات ومشرفاً للجامعة والسلطنة ككل. أما عبدالرحمن الصالحي رئيس جماعة المسرح سابقا يشير الى أن المهرجان المونودرامي له ذوقه الخاص من حيث التجهيزات له والاستعداد وتجهيز العروض فقد كانت الدورة الأولى للمهرجان تقتصر لعروض مسرحية تخص جماعة المسرح فقط لخصوصيته وكونه لأول مرة يقام قدمت فيه ستة عروض مسرحية تعاون المتسابقون معا للحصول على مهرجان راقي بغض النظر عن الجوائز المنتظرة فكان كل واحد منا يعاون الفريق الآخر من نصيحه إخراجية وديكور وإدارة مسرحية وغيرها. كما تطرق الصالحي إلى سعي جماعة المسرح في هذا المهرجان الى المحافظة على ما بدأت به من مشوار ناجح للمهرجان الأول وعمل منظومة متنوعة تفيد جميع عشاق المسرح وذلك للتعرف على بعضهم البعض كونهم محبي للمسرح والاطلاع على تجارب الغير عن قرب والاستفادة منها، ويأتي تنظيم هذه الدورة لأجل التنافس على ألقابها التي يقوم بتحكيمها كل من الأستاذ محمد بن سيف الرحبي والأستاذ عبد الغفور البلوشي والأستاذة رحيمة الجابري، كما ستكون هناك جلسات تعقيبية يومية على العروض يشارك فيها عدد من المتخصصين والمهتمين، وهم: أحمد الإزكي وعبدالله الفارسي وهلال البادي ومصطفى العلوي وقاسم الريامي وسعيد السيابي.


مسقط - زينب الخنبشية


حجب الجائزة الأولى ومناصفة الثانية بمهرجان عمون لمسرح الشباب

مدونة مجلة الفنون المسرحية
عمونعقدت لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان عمون لمسرح الشباب الثالث عشر برئاسة الدكتور غسان حداد، وعضوية كل من الأستاذ هشام حمادة، والأستاذ خليل نصيرات عدة اجتماعات لمناقشة العروض المسرحية المشاركة في المسابقة، ولتقويم جوانبها الفنية والفكرية المختلفة؛ وفق معايير تتناسب وطبيعة مهرجان مسرح الشباب والمستوى الفني الذي وصل إليه بعد أكثر من عشرين عاما من انطلاقته.
وبمسؤولية الحرص على مستقبل المسرح الأردني تكونت لدى اللجنة القراءات التالية:
أولا: تعتبر الاشتغالات المسرحية لدى جيل الشباب هي المقوم الأساسي والرافد الحقيقي للمسرح بشكل عام، لأنها- أي تلك الاشتغالات- تأتي بكل ما هو جديد لفن المسرح من جماليات بصرية ورؤى تقدمية، ومعالجات إخراجية مبتكرة، وممثلين جدد يضيفون للمشهد المسرحي تلك الديمومة والحياة.
ولأن أغلب العروض المسرحية التي شاهدتها اللجنة اتسمت بالمألوف والساكن والمتوارث، فإن خاصية الابتكار والتجديد لم تتوافر فيها.
ثانيا: اعتمدت أغلب العروض المسرحية على النصوص المسرحية المعدة، مما أدى إلى استبدال الكثير من القيم الفنية والجمالية والفكرية في النصوص الأصلية بأخرى،
ثالثا: تدرك اللجنة أن المسرح بشكل أو بآخر هو حالة افتراضية يقترحها المؤلف، ومن ثم المخرج على جمهور مسرحي، معد مسبقا أنه يشاهد لعبة مسرحية.
ولكن حتى هذه الحالة الافتراضية تتطلب تمهيدا مشهديا ولو بحركة أو جملة أو حتى كلمة؛ تقول للمشاهد هيا بنا إلى هذا الافتراض لنعالج الواقع بالخيال. وهو ما لم تلحظه اللجنة في أغلب تلك العروض،
رابعا: ولأن التمثيل هو شرط العرض المسرحي، فلقد لاحظت اللجنة عدم الاهتمام بهذه المنطقة في أغلب العروض المسرحية، من حيث ضبط إيقاعها وتلوين حسها، وزخرفة حالاتها. ولم تحفر عميقا في حالات الشخصيات، ولم تبحث عن لغات جديدة كلغة الجسد أو الحركة أو الإيماءة،
خامسا: المسرح وما يمكن أن يقاس عليه من الفنون الأخرى التي تنشد المتعة، فلولاها لما كان الفن، فأين كانت متعة المشاهد الذي خرج من أغلب العروض المسرحية،
سادسا: لاحظت اللجنة افتقار معظم المخرجين في هذا المهرجان إلى الرؤية الإخراجية، والى الحلول الإخراجية في مسرحياتهم. مما أربك لحظة الحضور التي هي إحدى خصائص المسرح الحي.
سابعا: لاحظت اللجنة عدم الاهتمام بمكملات العرض المسرحي من إضاءة وملابس وماكياج وديكور وبدلالات الألوان فيها، تلك المكملات التي تعمق من حالة الشخصية من جهة، وتساهم في إبراز الفعل الدرامي من جهة أخرى،.
ثامنا: لاحظت اللجنة أن اختيار مسرح العلبة أو خشبة المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي من قبل جميع المخرجين لعرض مسرحياتهم، هو قسوة بحقها بدلا من البحث لها عن فضاءات جديدة كالمسرح الدائري مثلا،
تاسعا: تابعت اللجنة الندوات النقدية لكل عرض مسرحي، وهي لا تقل أهمية عن الوقوف على خشبة المسرح، ولأن تلك الندوات تحتمل الحوار وقبول الآراء أو مناقشتها بطريقة حضارية، فقد استمعت اللجنة إلى القراءات النقدية الإبداعية التي قدمها نقاد ومسرحيون مشهود لهم بالموضوعية والقراءات الذكية، واستمعت كذلك إلى مداخلات الحضور تلك الندوات التي لا تقل أهمية عن قراءات النقاد.
فلاحظت اللجنة أن بعض المخرجين الشباب لا يتقبلون النقد، بل اتسمت ردودهم بالعصبية والخروج على المألوف في الحوار، غافلين عن فكرة أن النقد هو حاضنة الإبداع، وأن الحاضرين في ندواتهم هم أساتذة لنا جميعا، منهم تعلمنا كيف نصوب الخطأ عندما نخطئ.
عاشرا: عندما كنا نناشد المؤسسة الرسمية أن تفتح المسارح لجيل الشباب لأن يعبر عن رأيه بكل حرية، ، كنا نعتقد أن ثمة معرفة مكبوتة، . ولكننا فوجئنا بأن هذه المعرفة لا تستطيع مواجهة المحتل لأرضنا، وقوى الظلام.
والسؤال لكم أيها المسرحيون الشباب: هل هذا المسرح الذي شاهدناه في هذا المهرجان قادر على مقاومة التخلف والبشاعة؟
هل كان قادرا على إقناع جيل الشباب بالجمال والمدنية؟ هل فيه من الأمل ما يلعن اليأس؟ وهل فيه من التمرد الجمالي والفكري ما يخلخل الجمود؟
وقررت اللجنة حجب جائزة افضل عمل مسرحي متكامل اول، ومنح ىالجائزة الثانية مناصفة بين مسرحية مسافر ليل للمخرج علاء بشماف، ومسرحية مكعب بس مثلث.

رسمي محاسنة 
العرب اليوم

الملتقى العربي للمسرح بهانوفر.. رحلة ركحية في أعماق نون النسوة / بشرى عمور

مدونة مجلة الفنون المسرحية
الملتقى العربي للمسرح بهانوفر.. رحلة ركحية في أعماق نون النسوة / بشرى عمور

عرضت على خشبة مسرح بافيلون بمدينة هانوفر (شمال ألمانيا) وبشراكة مع مسرح الورشة، وعلى مدار أسبوع (من 6 إلى11 أكتوبر/تشرين الأول الجاري)، ثمان مسرحيات في إطار فعاليات النسخة الثانية للقاء المسرحي العربي والتي حملت تيمة (الربيع العربي- إنطلاقة المرأة).

بوعي متفتح و برهان حاد، استطاع هذا اللقاء أن يسجل نفسه كحلقة تواصل عربي- أوروبي من خلال أبي الفنون، حيث أنه أفلح في تأسيس فضاء مشترك للبوح تارة و للثورة تارة أخرى، حينما أخذ على عاتقه أن يكون جسرا لطموح متباين برؤى متقاطعة تعكس التحولات التي تغيم عن حياة المرأة وتجعلها دوما في حالة تساؤلات (متى وكيف يمكنني أن أعيش كما أريد؟؟). الملتقى حاول تسليط الضوء على بعض الأوضاع التي تعاني منها نون النسوة لكي يعبرن عن تطلعاتهن، احتياجاتهن، أوجاعهن. بحالات مختلفة عبرن عن رفضهن للعنف بكل أنواعه.
بالرغم أن الملتقى يُعني بإبداعات نسوية إلا أنه لم يقصي الرجل، حيث تبنى مبدأ المساواة متجاوزا تصنيف المشاركة بناء على القوة الطرحية للمخرج (ة) و لم يغلق دائرته عن عروض منجزة من طرف مخرجات كحاملات للحساسية النسائية بشكل مباشر، بل تبنى قضايا مختلفة ومتعددة من العروض التي تناقش وضعية المرأة من زوايا مختلفة .
يمكننا القول أن العروض الثمانية (“ليل جنوب” للمخرج ناصر عبد المنعم/ مصر، “ديالي” للمخرجة نعيمة زيطان/ المغرب، “حوارات من المهبل” للمخرجة مارتنا فان بوكسن / ألمانيا، “فيلم أبيض وأسود” للمخرج حاتم عودة/ العراق، “سينديانا” للمخرجة زهيرة بن عمار/ تونس، ” أيام تراقص الليل” للمخرجة سرين أشقر/ لبنان، ” كبوتشينو في رام الله” للمخرجة نولا تشيلتون / فلسطين و ” نساء شكسبير” للمخرج محمد الصادق/ ليبيا) جلها قدمت وفق رؤية كل مخرج وخلفيته الركحية، لترصد بعضا من واقع المرأة و معاناتها من ظلم الآخر، أكان فردا أو مجتمعا ووطأة الاستغلال و الاستبداد و القمع، كمحاولة لمناقشة مواضيع ذات ارتباط قوي بالمعانات والتطلعات التي تجسد الإيقاع الحياتي للمرأة، و تعكس تعايشها في ظل تقلبات الأوضاع الثقافية و الاجتماعية و السياسية.
عروض حملت بين ثناياها صورة مصغرة من بعض العادات و الثقافات لمجتمعين (العربي و الأوروبي)، كل نموذج قدم المرأة أنها مخلوق سخر لطاعة الآخر تسهر على تلبية رغباته و تحقيق أوامره دون تأفف أو معارضة أو حتى إذن. بأنها وسيلة وليست غاية، جرم تشارك فيه الوسط الصغير (الأسرة) وأيضا الكبير (المجتمع) اللذان اتفقا على حصرها في وظائف إجتماعية متكررة و نمطية، تعرقلها للوصول إلى أي مبادرة حرة وأحيانا تكبلها بقيود أفكار متكلسة ونظرات متحفظة أمام كل محاولة من شأنها أن تشعرها بأنها مخلوق حر له أحقية اختيار العيش بالشكل الذي يرتاح فيه وبه. أن يعبر عن ذاته بالطريقة التي تف الغرض المبتغى ايصاله. لا يحصرها لا هوية ولا دين ولا معتقد ولا قيم ولا أعراف.
وتجدر الإشارة أن نواة الملتقى اقتطفت من مشتل المهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء، الذي يترأس إدارته الفنية، المبدع المغربي الألماني عبد الفتاح الديوري (رئيس الملتقى العربي)، الذي أصر على ركب صهوة الرهان واستطاع أن ينظم هذا الملتقى رغم الظروف الآنية التي يتخبط فيها العالم العربي. ساعيا لتصحيح المفهوم المغلوط الذي تتبناه بعض وسائل الإعلام على أن عالمنا العربي ما هو إلا عالما يعمه الصراع و الإرهاب و الجهل. مما يصدقنا القول أن الملتقى حقق، من خلال إدارته، نجاحا في تأكيد دور الثقافة والفن في خلق جسر التعارف و تبادل التجارب وفتح الحوار البناء الذي قرب وجهات النظر سواء بين الفرق العربية المشاركة و نظيرتها الألمانية وهذه النقطة بالذات تمظهرت خلال الجلسات النقدية التي واكبت العروض طيلة أيام الملتقى والتي شهدت متابعة جيدة.
وغداة يوم الاختتام، وبعد اجتماع مصغر للجنة المنظمة، قررت هذه الأخيرة وبالإجماع على أن تكون الدورة الثالثة عام 2016 بهانوفر، بتيمة جديدة و مشاركة واسعة.

انطلاق فعاليات مهرجان جماعة المسرح المعاصر للشباب اﻷول 2014 في البصرة

مدونة مجلة الفنون المسرحية

انطلقت فعاليات (مهرجان جماعة المسرح المعاصر للشباب اﻷول) السبت 18 من شهر تشرين الاول في قاعة عتبة بن غزوان في البصرة وتستمر لغاية 22 من الشهر ذاته بمشاركة عدة عروض مسرحية عراقية من البصرة وبغداد وكربلاء وبابل وميسان وذي قار وبواقع عرضين صباحي ومسائي.
وحددت الفرق التي ستشارك في المهرجان أربعة عشر عرضاً مسرحياً، من المحافظات العراقية وستتوزع العروض المسرحية بين قاعة عتبة بن غزوان وقصر الثقافة والفنون في البصرة ومسرح كلية الفنون في جامعة البصرة المركزي ومسرح قاعة الترجمة في مجمع كليات باب الزبير.

مسرح الحرية يطلق جولة عروض مسرحية بالضفة الغربية

مدونة مجلة الفنون
افتتح مسرح الحرية في مخيم جنين العروض المسرحية لـ "توانة" على ساحة سينما جنين والتي ستستمر في جولتها حتى نهاية الشهر الحالي بعرض ختامي في قرية توانة جنوب الخليل،



وهذا العمل من اخراج الفنان فيصل ابو الهيجاء، ضمن انتاج مسرح الحرية وبدعم من وكالة سيدا والمفوضية الاوروبية ضمن برنامج شبكة الفنون الادائية بتمويل من الاتحاد الاوروبي وبالتعاون مع افاق والمجلس الثقافي البريطاني، وهي من تمثيل طلبة مدرسة المسرح في مسرح الحرية علياء الروسان، وسماح محمود، وإيهاب التلاحمة، وأمير ابو الرب، وإسماعيل العالول، وأسامة العزة، وإبراهيم مقبل، وبمرافقة الفنان الموسيقي سامر أبو هنطش، وقد انطلقت عروضها في مدينة جنين وبلدة جبع وستتواصل حتى نهاية الشهر الحالي بعرض ختامي في توانة بالخليل في عروض جوالة متواصلة تشمل اغلب مناطق الضفة الغربية في فلسطين .
توانة عمل مسرحي جديد يضاف الى سلسلة الاعمال الفنية التي ينتجها مسرح الحرية، قدمها المخرج فيصل ابو الهيجاء على شاكلة نقل قصص حقيقية ووقائع ما يعيشه سكان قرية توانة واختار اسم القرية ليكون عنواناً لمسرحيته، فعلى ساحة السينما الصيفية لسينما جنين دارت احداث المسرحية التي تأتي كمحاكاة للحياة اليومية للفلسطينيين في المناطق الاكثر التحاماً بقوات الاحتلال ومستوطنيه، لتكون مسرحية توانة إعادة لتسليط الضوء على الحياة التي يعيشها سكان تلال جنوب الخليل، والتي تخضع للسيطرة الاسرائيلية الكاملة، حيث تقيم دولة الاحتلال في تلك المنطقة نظام تمييز عنصري في خرق للقانون الدولي الانساني.
حيث يقول المخرج فيصل ابو الهيجاء : " ان "توانة" هي قصة من النضال الشعبي الفلسطيني الذي لا يغطى بعدسات الكاميرات ولا يحظى باهتمام اعلامي، فهي نقل لواقع الناس الذين يعيشون في المناطق المهمشة ورغم ذلك فهم يشكلون نماذج ابداعية في النضال ضد الاحتلال، ويضيف ابو الهيجاء ان هذا العمل جاء بعد اجراء مجموعة من اللقاءات المسجلة شفوياً مع اهالي توانة الى جانب البحث الميداني حول واقع تلك المنطقة وما تتعرض له من انتهاكات، حيث تم تحديد جوهر هذا المجتمع المستند الى 3 عناصر اساسية هي؛ الإنسانية، المقاومة، والتنظيم ".

نبيل الراعي المدير الفني لمسرح الحرية يشير الى " اهمية العمل وانه يأتي ضمن سياق عمل المسرح في تناول قضايا المجتمع ففي توانة الناس محرومون من الوصول الى اراضيهم ومن مصادر المياه، اضافة الى حرمانهم من الخدمات الاساسية كالسكن والرعاية الصحية، الى جانب ذلك كله فيتعرض ابناء القرية الى قمع منظم من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي ومن مستوطني المستوطنات الغير شرعية المقامة على اراضي الفلسطينيين، لذا هدفت مسرحية توانة الى معرفة كيفية نجاح حركة النضال الشعبي حيث جرى تطوير مفاهيمي لمعاني المعاناة والصمود في المجتمعات الفلسطينية التي تشارك في المقاومة المدنية ضد الممارسات الإسرائيلية المتمثلة في مصادرة الأراضي، والتطهير العرقي والتمييز العنصري، من خلال بناء لمقاومة ثقافية تخلق الوعي والادراك حول اهمية تحول الفن لاداة تعبر عن الشارع، فتأتي توانة كممارسة مثالية للمقاومة الثقافية".

أحداث المسرحية
وتدور احداث المسرحية حول جملة التحديات التي يعاني منها السكان في منطقة توانة وحول ما تفرضه قوات الاحتلال عليهم من غرامات وما تمارسه من ضغوط حتى يخرجوا من تلك المنطقة الحدودية وذلك لصالح المستوطنين هناك، فتبرز شخصية ابو اشرف المتحدي والذي يدافع عن حقوق القرويين هناك الى جانب شخصية ام اشرف التي تمثل المرأة الفلسطينية المثابرة والتي لا تتخلى عن دورها في المجابهة وعدم الخضوع، وتروي لنا الطالبة رندا والتي تروي كيف يتحرك الطلاب من مدارسهم من خلال طرق يحددها الاحتلال وفي احيان كثيرة يمنع الطلبة من الوصول الى اماكن تعليمهم، ووسط كل ذلك تظهر شخصية فضل المتخاذل والذي يحمل نفساً ضعيفة ومترددة ويحاول دائماً ثني المجتمع عن الوصول الى مرحلة من الترابط في مواجهة الاحتلال، ورغم كل العقبات فيتحد سكان القرية ولا يتراجعون عن حقوقهم وسط صمود ومقاومة شعبية.

اراء من جمهور مسرحية توانة في جنين وجبعالمسرحية في عرضها الافتتاحي في جنين والعرض الثاني في جبع لاقت استحسان الحضور والذين سجلوا اعجابهم وتقديرهم بفريق العمل، حيث اشاروا الى اهمية تبادل القصص النضالية على شاكلة عمل فني ليكون المسرح مكاناً لنقل المعلومة والمعرفة ويشكل حلقة من تسجيل قصة نجاح فلسطينية، فيشير الدكتور ايمن يوسف استاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الامريكية الى اهمية العمل كونه يسلط الضوء على بقعة جغرافية مستمرة في المقاومة رغم الظروف الصعبة مؤكداً على ان العمل المسرحي عمل على نقل الجمهور المشاهد الى توانة بشكل افتراضي وحسي وحمل هذا الجمهور التقدير والاعجاب بتجربة توانة الفريدة.
الباحثة ايمان نزال من طاقم شؤون المرأة فقد اعتبرت ان مسرحية توانة كانت عمل رائع ومعبر ويستحق المشاهدة فهو يحمل قيم وطنية ملتزمة، ففيه مشاهد من نماذج المقاومة الشعبية ضد الاحتلال، ويعبر عن صرخة نضال حقيقية ضد التفريط والتنازل ويدعو للتشبث بالحق وعدم الخضوع والإذعان.
الاستاذ إبراهيم شواهنة تحدث عن مسرحية توانة انطلاقاً من خبرته في العمل المسرحي فاشاد بالمسرحية وقدم ملاحظات غنية حول اداء الممثلين والنص حيث يشير الى اهمية الاقناع الذي حمله الممثلين كونه اظهر واقعية الاحداث، كما سلط الضوء على دور المرأة الفلسطينية القوية بعزيميتها ورجاحة عقلها ودورها في مواكبة الرجل في الدفاع عن الارض، مشيداً بالمخرج فيصل ابو الهيجاء، وكذلك في النص المسرحي حيث هناك توارد الافكار بتسلسل منطقي جعلت منه وحدة المترابطة لم يكتنفها الغموض.
فيما وجه ماجد فاخوري شكره لمسرح الحرية بأسم مؤسسات بلدة جبع حيث اعتبر ان مسرحية توانة عمل هادف يبين ما يعانيه ابناء شعبنا من ممارسات قمعية ومن استهداف لوجوده.

قرية توانةوتوانة هي قرية فلسطينية صغيرة تقع إلى الجنوب من مدينة يطا (جنوب جبل الخليل) من محافظة الخليل، والعديد من سكان القرية يعيشون في الكهوف حيث أن الاحتلال الإسرائيلي يقوم بهدم البيوت بشكل مستمر، وهي قريبة من مستوطنة ماعون الإسرائيلية (التي شيدت في عام 1981) والبؤرة الاستيطانية حفات ماعون او هيل 833 المقامة على تل ابو جندية (والتي اقيمت سنة 2001)، وتحدث نزاعات متكررة بين سكان توانة والمستوطنين العنيفين على الأراضي والطرق والموارد المائية، وهذه قرية مقامة على انقاض خربة تاريخية تعود نشأتها الى العصر البيزنطي حيث وجد اثار لفخار من ذلك العصر، كما وجد آثار لكنيسة تعود الى العصور الوسطى.






















بانيت

حول تجسيد الصحابة في مسرحية «السقيفة»

مدونة مجلة الفنون المسرحية
يبدو ان مسرحية " السقيفة" لحافظ خليفة وبوكثير دوما ورغم أنها غير جاهزة ولم تعرض على الجمهور بعد حيث  ستكون جاهزة موفى شهر اكتوبر ليتجول بها في عدد من البلدان العربية كالعراق  والإمارات العربية المتحدة – الشارقة - والمغرب والجزائر ستثير جدلا حول مدى شرعية تجسيد صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام على ركح المسرح، فبمجرد نشر الصحف والمواقع الالكترونية لبعض التسريبات عن موضوعها وشخوصها وصلت المعلومة لبعض أئمة المساجد فخصص بعضهم جانبا من الخطبة لموضوعها معلنين رفضهم -باعتبارهم من السنة- السماح بتجسيد الصحابة في المسرح التونسي.
الحقيقة أننا انتظرنا ان تخلق هذه المسرحية الحدث في تونس باعتبار انها تضم بين متقمصي الأدوار فيها خيرة الممثلين والمخرجين التونسيين مثل حمادي المزي والمنجي بن إبراهيم وكمال اليعلاوي وبشير الصالحي ومحمد توفيق الخلفاوي ونور الدين العياري وعبد الرحمان محمود وأيمن بن عمر وصابرين السبوعي وثريا البوغانمي..
 وانتظرنا كذلك ان نشاهد عملا مثيرا للاهتمام  وهو مسرحية اجتماع «السقيفة» وأول خلاف جوهري بين المسلمين -أنصارا ومهاجرين - في غياب النبي محمد عليه الصلاة والسلام .. أهمية الموضوع إذا أضفناها إلى المشروع الثقافي والمسيرة الناجحة لحافظ خليفة الذي غارت بصمته عميقا في المسرح التونسي والعربي بمسرحيات « طواسين « و» مراحيل « وزنازين النور» وقد تحصلت كلها على عديد الجوائز التونسية والعربية تعطينا الحق في انتظار إبداع . ولكن وعوض أن نحيّي الرجل على اختياره لموضوع لا يخلو التطرق إليه اليوم بالذات من صعوبة وجرأة وشجاعة نظرا إلى أهمية واقعة سقيفة بني ساعدة التي إشتهرت بالاجتماع العاجل الذي انتظم فيها  مباشرة بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، لمبايعة زعيم الخزرج «سعد بن عبادة» وهو ما رفضه المهاجرون ومن بينهم ابو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابو عبيدة بن الجراح.. في هذا الاجتماع وبعد جدال تمت مبايعة أبو بكر الصديق لخلافة الرسول قبل الصلاة عليه ودفنه.                                                                                                
ولكن عوض ان نترك الفرصة لحافظ خليفة ليعرض علينا طريقته وأسلوبه في إخراج خلاف الصحابة والأنصار والمهاجرين حول خلافة الرسول عليه الصلاة والسلام دون المساس بالعقيدة أو الوقوع في فخ الانحياز مسرحيا وتقريبه من الجمهور حتى يفهم عمق الخلاف ويتعظ مما حدث ويستلهم الحلول. وعوض ان نتمنى لحافظ خليفة ومن خلال اختياره الرجوع إلى هذا الاجتماع بالذات وهذه الحادثة الثابتة تاريخيا ان يتمكن من إقناع  جمهور المسرح باستشرافه لما قد تؤول إليه اللعبة السياسية في تونس وفي الوطن العربي بعد أحداث 14 جانفي 2011 .
عوضا عن كل ما سبق نجد أنفسنا اليوم مرة أخرى نتجادل في موضوع الشيعة تسمح بتجسيد الرسل والأنبياء والصحابة والسنة تحرم ذلك.

علياء بن نحيلة
تونس - الصباح 

الفاضل الجعايبي : اشترطت الحرية فعلا وقولا لأدافع عن مؤسسة المسرح الوطني


مدونة مجلة الفنون المسرحية.

الفاضل الجعايبي  : اشترطت الحرية فعلا وقولا لأدافع عن مؤسسة المسرح الوطني

نعم استفدت من «سكيزوفرينيا» نظام بن علي
مثلما كان عمليا، حذرا، جريئا وثريا في أعماله ورؤاه المسرحية التي بلغت العالمية، بدا المسرحي التونسي القدير، الفاضل الجعايبي متحدثا بارعا وجريئا في قراراته ومواقفه وآرائه ويقظا في أفكاره وانتقاء الكلمات وقراءة مدلولاتها قبل التصريح بها في حديثه الاستثنائي  لـ»الصباح» الذي كشف فيه عن الظروف الحافة بقبوله إدارة المسرح الوطني ورهانات وتحديات مشروعه الإصلاحي على رأس هذه المؤسسة موقفه من الأزمة صلب المؤسسة وغيرها من المسائل الأخرى نتابعها في الحوار التالي.     
- هل كان قبولك الإشراف على إدارة المسرح الوطني في هذه المرحلة مشروطا ؟
أعترف أنه عندما اقترح علي السّيد مراد الصّقلي وزير الثقافة، الإدارة العامّة للمسرح الوطني قبلت عن قناعة لضرورة النّهوض به خاصّة أني وجدته حريصا على إدخال إصلاحات جوهريّة في مؤسّسات وزارة الثّقافة ومنها المسرح الوطني فاشترطت عليه أن تكون ذراعاي طليقتين ولساني حرّا لأدافع عن مؤسّسة المسرح الوطني حتى تكون منارة تشعّ على المسرح التّونسي في العاصمة وفي الجهات عبر مراكز الفنون الدّراميّة وفي الخارج.
 كما طلبت توفير الاعتمادات اللاّزمة وأن أكون حرا في الإصلاح الإداري للمؤسّسة، قبلت على هذا الأساس وأنا أحبّ الرّهانات بعد الموافقة التي وجدتها منه. لأن رهان تأسيس فرقة الجنوب بقفصة في السّبعينات لم يكن سهلا وإعادة هيكلة مركز الفنون الدراميّة قبل أن يصير المعهد العالي للفن المسرحي كانت مهمة صعبة كسبناها، كذلك بعث أول فرقة مسرحيّة مستقلّة وهي المسرح الجديد في عهد بورقيبة كانت تحدّيا ومن بعدها «فاميليا للإنتاج» لم تكن مشروعا سهلا أيضا.
أعتبر الرّجوع إلى الهيكل العمومي بعد أربعين سنة من العمل خارجه شرفا وواجبا لإعادة تأهيله وإصلاحه وخاصّة تطويره.
- ما هي الخطوط العريضة لمشروعك على رأس هذه المؤسّسة؟
 المشروع يتمحور حول أربعة ركائز. أوّلها الإصلاح الإداري والبشري، وذلك بتوزيع الخطط ومراجعة الهيكل التّنظيمي للمسرح الوطني. وهي مهمّة تتطلّب وقتا وتحرّيا واجتهادا خاصّة في ظل الوضعيّة الماليّة الحاليّة للمؤسّسة. فمن العاملين فيها من يستحقّون إعادة التّحفيز والاعتبار ومنهم من يحتاجون إلى مراجعة وضعيّتهم ليكونوا في المكان المناسب وكذلك الوقوف إلى جانبهم في الدّفاع عن حقوقهم. فالإصلاح الإداري والمالي مضن إلى أقصى درجة. وبات من المفروض «وضع المؤسّسة على قدميها» وهذا لا يتمّ في خلال شهر أو اثنين.
ثم إن تقرير التّفقّديّة العامّة للوزارة سنة 2013 رهيب للغاية نظرا لما يفيده من سوء تصرّف وتبذير وتلاش، وقد طالبت الوزارة بمواصلة التّدقيق حتّى نتمكّن من إرساء تنظيم إداري سليم.
الرّكيزة الثّانية هي التّكوين ليقوم المسرح الوطني بالدّور الّذي ينصّ عليه قانونه الأساسيّ في التّكوين وإعادة التّكوين، ببعث جهاز هو مدرسة الممثّل وقريبا مدرسة المخرج ومدرسة الكاتب للتكوين الميداني الحرفي للفنّانين الّذين سيصنعون المسرح الّذي نصبو إليه. فبعثنا مدرسة الممثّل يوم 6 أكتوبر بفضل تكتل خيرة الحرفيّين اليوم في تونس: جليلة بكّار ورجاء بن عمّار وقيس رستم والفاضل الجعايبي وإيمان السماوي ومعزّ مرابط وسلوى بن صالح وغيرهم من الخبراء الأجانب مع الحرص على التّكوين النّظري بفضل مشاركة الدّكتورة رشيدة التريكي والدّكتور إقبال زليلة. وقد أبرمنا اتّفاقيّتي تعاون مع مؤسّستين جامعيّتين هامّتين، واحدة في تونس والأخرى في فرنسا وهذا يعدّ تحدّيا كبيرا لأنّ الظّروف الإداريّة والمادّيّة لا تسمح بذلك.
أمّا الرّكيزة الثّالثة فهي الإنتاج، فإثر انتقاء المتخرّجين من «مدرسة الممثّل» وتدعيمهم بممثّلين آخرين سنؤسّس معهم فرقة مسرحيّة قارّة اسمها «المسرح الوطني الشّاب» ستنتج أعمالا في ربيع 2014 و كامل 2015. سيوضع الممثّلون الشّبّان بين أيادي مخرجين كبار بعد أن يتمّ تقسيمهم إلى مجموعتين تشتغل كلّ مجموعة منهما على مشروع في إنتاج جديد ثمّ يتمّ ترويجه وذلك لمدّة سنتين بالتّعاقد مع الشّبّان أعضاء الفرقة لنضمن لهم شغلا وخبرة أثناء هذه المدّة، ليتعلموا الحرفة الّتي يجب أن تسبق المهنة.
أما الرّكيزة الرّابعة فتتمثل في استقبال الأعمال المسرحيّة الّتي تبحث عن فضاء واعتراف تستحقّه على أساس أن تكون في مستوى عالمي. لأنّ المسرح الوطني لا يمكن أن يقبل الأعمال بدون انتقاء فعلي. وقد نجحنا في تكوين خليّة للإنتاج وخليّة للاتّصال والعلاقات العامّة والتّسويق خلال الشهرين والنصف التي قضيناها على رأس المؤسسة، لأنّه لا يكفي أن يستقطب المسرح الوطني أعمالا ويعوّل على شبّاك التّذاكر فقط. فعلينا أن نستقطب الجمهور ونخلق علاقات مع الشّباب والمدارس والمعاهد والمجتمع المدني. وواجبنا تكوين جمهور يتفاعل مع الأعمال الّتي ننتجها ونستقبلها لأنّ المسرح الوطنيّ دار الجميع وأنا عابر سبيل، قمت بتعليق «فاميليا» والتّنازل مع جليلة بكّار عن مشاريع في تونس وخارجها حتّى أعمل على تمكين المسرح الوطني من تجربة «فاميليا» الطويلة، وأتمنّى أن نرتقي جميعا بالمؤسّسة بعد فترة زمنيّة إلى ضرب من ضروب الفنّ المتقدّم، المعاصر الّذي يصبو إلى تطوير العمل المسرحي خطابا وجماليّة.
كما نعمل على استقطاب خيرة الأعمال الأجنبيّة لأنّ الشّباب التّونسي لا يمكنه السّفر بسهولة فعلينا أن نمكّنه من مشاهدة أعمال رائدة. وقد أجريت محادثات في فترة زمنيّة وجيزة مع مراكز ثقافيّة لسبع دول غربيّة يهمّها المشروع الثّقافي والمسرحي.
- لهذه الأسباب استنجدت بأفراد عملوا معك في فاميليا ليكونوا طرفا في مشروعك بالمسرح الوطني؟
عادة لمّا يسمّى مدير جديد يستنجد بإطارات جديدة ضروريّة مع المحافظة على الفريق القارّ الّذي سبقه وسيبقى بعده. يجلب الإطارات الّذين مارسهم ويعرف كفاءتهم وجدّيّتهم ونجاعتهم. الّذين جلبناهم لم يعوّضوا غيرهم بل أتوا ليكونوا فاعلين في هذا المشروع ويملؤوا الشّغور الموجود في خلايا رئيسيّة مثل الإنتاج والاتّصال والتّكوين وغيرها. أنا لم أقص أحدا بل أنهيت إلحاق أستاذي تعليم ثانوي بعد أن تبيّن لي أنّهما لا يتماشيان مع المنظومة العامّة الجديدة.
- بم تفسر الأزمة الأخيرة في صلب المسرح الوطني خاصة في ظل ما عرفته المسألة من تصعيد وتعقيد وتعالي مواقف مناوئة لخياراتك؟
لا أعتبره تعقيدا ولا تصعيدا فالإضراب حقّ دستوري شرعي وهو شيء محمود، فقط علينا أن نعدّل أوتارنا، أن نعرف ونفهم بعضنا. فالأعوان لم يعودوا يثقون في الإدارة السّابقة بسبب التّراكمات السّلبيّة، وهم رهينو وضعيّة عامّة، قانونيّة، مادّيّة وتنظيميّة.
استغلّ الأعوان، وهذا طبيعي، تسمية مدير عامّ جديد ليطالبوا بحقوقهم لتسوية مظالم وتجاوز تراكمات السّابق وهذا يبدو لي سليما للغاية.   
- كيف تعاملت مع هذه الأزمة ؟
استجبت لأغلب المطالب الّتي جاءت باللائحة بالتّشاور مع وزير الثّقافة. هناك نوعان من المطالب باللاّئحة: منها ما هو من مشمولاتي و مشمولات وزارة الإشراف حقّقناها في ظرف وجيز، ومنها ما هو من مشمولات الوزارة الأولى ووزارة الماليّة والمجلس التأسيسي القادم، لأنّ بعض القوانين تجاوزتها الأحداث، وأنا لست ضد العمل النقابي، أذكّر في هذا السّياق بأنّنا أسّسنا نواة أوّل نقابة للدّفاع على حقوق الفنّانين المحترفين سنة 1983 وأرسينا سنة 2007 مشروع نقابة المسرحيّين. فنحن ندافع على حقوق الأعوان لأنّنا منهم وإليهم.
-  كيف يرى الفاضل الجعايبي المسرح التونسي اليوم في ظل المتغيرات  الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها؟
من المفروض أن يستقطب المسرح الوطني الطّاقات البشريّة شبابا وكهولا لنقضي على القطيعة بين «الكبار» و»الصّغار» وعلى الكبت الّذي يولّد العنف، لإرساء الحوار لاسيما أن تونس اليوم في خطر. ولا يعقل أن نتحامل على بعضنا وأن نضعف بعضنا ليسود منطق الظّلاميّين. فمستقبل بلادنا تربوي وثقافي أو لا يكون.
- هل فعلا استفدت من النظام البائد والذي قبله من خلال ما تسلحت به من جرأة وأفكار بلورتها في رؤى وأعمال مسرحية نقدية وساخرة تنطلق من رحم الوضع البائس؟
تحدّثنا عن النّظامين السّابقين علنا في تونس وخارج تونس. عندما كنّا نسافر لعرض «خمسون» أو يحي يعيش» مثلا خارج تونس كانوا يظنّوننا أعددنا هذا العمل خصّيصا لهم. وكانوا يستغربون تقديم هذه الأعمال في تونس الدّكتاتوريّة. كانت أغلب أعمالنا تحجّر أو تقصى من طرف المهرجانات، والفضاءات الّتي أعمل بها كانت تفتكّ منّا. فنحن استفدنا من «سكيزوفرينيا» النّظام السّابق الّذي كان يضايق على أعمالنا وفي نفس الوقت يرى فيها فرصة الإيهام بحرّيّة التّعبير في الخارج ولكن لم ينجح في تركيعنا أو استعمالنا. فما كان علينا إلاّ مواصلة المقاومة والتّصدّي مع جليلة بكّار وزملائنا من المسرحيّين.
- يعيب عليك البعض «عنجهيتك» ولامبالاتك في مواقفك وقراراتك دون مراعاة الآخر. فكيف ترى ذلك؟
لا يعنيني ما يقول النّاس حولي. يهمّني أن أحاسب على فعلي وأعمالي.
- ما هو سرّ علاقتك بجليلة بكّار؟
هي رفيقة دربي، تعلّمنا المسرح معا. هي عصاميّة، درست في المدرسة العليا للأساتذة، مناضلة في الفكر والأدب باعتراف العالم. أسّسنا كيانا مسرحيا تونسيا بديلا مع كلّ من واكبونا وأصرّوا على تغيير الخطاب والفعل المسرحيّين في تونس وخارجها.
 
حاورته : نزيهه الغضباني
الصباح  - تونس

السبت، 18 أكتوبر 2014

بث مباشر - المؤتمر الصحفي لملتقى العربي لفنون الدمى وخيال الظل - تونس

مدونة مجلة الفنون المسرحية
بث مباشر - المؤتمر الصحفي لملتقى العربي لفنون الدمى وخيال الظل - تونس





صورة الحداثة وما بعد الحداثة في المسرح العالمي

مدونة مجلة الفنون المسرحية

في البدء كانت الأسئلة، ثم جاءت الشكوك. ففي عالم المسرح الذي أتحرك فيه نجد أن نظام الإنتاج أصبح محور الحياة المسرحية. ربما انتصرت خيارات ما بعد الحداثة وإطار علاقة الإبداع المسرحي والمشاهد اقتصادي لكن مع وجود عنصر تشويه للنظريات الليبرالية الجديدة، فمعظم المباني التي تشهد التمثيل تقريباً ملكية عامة. وفي مواجهتها يقف المشرفون ذوو الانتماءات المختلفة الذين يخدمون في النهاية مصالح السياسي الذي وضعهم في هذا المكان. ويقوم بذلك على أساس حساب النتائج. ونسبة الإشغال هي في الوقت الراهن مقياس قيم الأعمال المسرحية. هذه التأملات التي تبدو هامشية أثارها تحويل الصورة التي يمكن الاحتفاظ بها من المسرح الحديث أوما بعد الحديث الى كلمات، عندما يكون المسرح الذي يتم دخوله قائماً في مجال خارج التاريخ لكن بسبب الغموض وليس لقرار. إذا قابلنا أن المسرح الحديث من مردر Merdre لألفريد جاري Alfred Jarry، حتى مسرح برتولد برشت، فيمكن فهم وجود أمكنة مثل أسبانيا حيث مرت هذه العملية دون أن يشعر بها أحد تقريباً. الآن نجد أنهم من أقطاب الكتابة المسرحية كتاب مثل غارثيا لوركا أو بايي إنكلان Valle Inclan، لكنهم في زمانهم عاصروا التوجه التقليدي المحافظ لدى الجمهور البرجوازي وكان عليهم أن يكتبوا أعمالاً أقل مخاطرة في الشكل والمضمون من أجل إرضاء أصحاب المسارح.


جاءت بعد ذلك فترة مظلمة استمرت أربعين عاماً حيث عاد المسرح يأخذ طابع حدث اجتماعي وسياسي. كان هناك مسرح شائع ومسرح ينقب في المصادر القائمة في أمكنة أخرى عن محاولته أن يكون في الحداثة. غير أن الوسائل كانت قليلة، وكان تأثيرها أقل لأنها كانت تتم في السر، خوفاً من القمع الشرطي. ومراقبة بشعة. في هذا السياق أدركنا نحن الشباب، بشكل جزئي، ما كان يحدث في نقاط أخرى وتعلمنا تيارات، أساليب، مفاهيم: قمنا بالتنظير بطريقة لم يفعلها أحد حول برتولد بريشت، لكننا لم نتمكن من مشاهدة عروض لنصوص له ذات أشكال مختلفة كي نكوّن فكرة واقعية مما كان عليه ذلك المسرح الذي دهشنا في ترجماته وتشكيلاته. كما نقرأ كل ما كان يقع بين أيدينا لكن بطريقة غير منظمة وكان ينقل لنا انطباعات فقط.

وصلنا متأخرين

وصلنا متأخرين الى كل شيء. عندما كنا نفهم شيئاً من الإبعاد، وصلتنا أفكار غروتوفسكي (حتى أشكاله الأكثر مادية)، ولكن في الوقت الذي كان يبدو لنا فيه رائعاً جعلنا عبث يونسكو وبيكت منه شعاراً، ربما كان ذلك عدم إمكانية اختراقه. كنا نعيش حياة مسرحية ثلاثية. الحياة اليومية، الحياة التي كانت تتجسد في العروض، الحياة التي كنا نريد أن نخترعها والحياة التي كانت تصلنا من الخارج، مثل الأفكار المتنورة التي كنا نفك رموزها من خلال الرسائل والصور.

كان زمن التحولات وعرفنا Living Theatre مباشراً وحياً، وقام ناقد من المدينة بكتابة “مسرح صعاليك لصعاليك”، في حين أن المهزلة الشعبية ذات الفصل الواحد والكوميديات كانت تحقق نجاحات على مستوى النقد وشباك التذاكر. وصلت أعمال أجنبية قليلة، وكان علينا أن ننظم رحلات جماعية الى نانسي Nancy التي تحولت الى مصدر وحينا وإلهامنا المسرحيين، وهناك اكتشفنا، دون أن نعد لذلك، “الفرسان الثلاثة” حسب رواية وإخراج روجية بلانشون Roger Planchon، إنتاج تياترو ليبير دي روما، الفرقة التي شاهدنا لها في مرحلة تالية عرض “أولاندو غاضباً” للوكا رانكوني في ملعب رياضي تم تحويله الى مسرح متحرك ومتغير بسبب الحركة، بتحريك الجمهور عبر دهليز من المشاهد والمسارح.

وبهذه القطع من حداثة مسرحية ما، الى جانب “المغنية الصلعاء”، التي شوهدت في شارع هوشيت في باريس Huchette أو أعمال المقهى المسرحي لرينيه أوبلاديا Rene Obladia، على سبيل الإشارة فقط، أعمال لا تزال خالدة اليوم في ذاكرتي كنقاط تمكنت من خلالها من تكوين فكرة أولية، أساسية عما كنا نفهمه، بأن نفهمه بأنه ينتمي الى الحداثة في تلك الأزمنة. حدث هذا بينما كنت أعيش في مدينة فيها آثار تنتمي الى الحداثة في الفن والمعمار وتعد نموذجية.

يجب أن نضع في هذا السياق مؤلفين واقعيين إسباناً مثل الفونصو ساستري Alfonoso Sastre وأنطونيو بوير باييخو Antonio Buero Vallejo اللذين تغلبا على الكثير من الصعاب، وتمكنا من مشاهدة أعمالهما معروضة ويشكلان نوعاً عن الدليل لمسرح احتمالي، مرتبط بالواقعية دائماً. الباقي كان عبارة عن قفز، ولم يقم الجدل، في أية حال من الأحوال، كزمن تاريخي، بل كوظيفة الالتزام او استمرار، كلاهما في الوقت نفسه. عدنا لنصطدم بنظم الإنتاج كعنصر مخفف للاهتمام الضئيل بالتنظير أو بالبحث، مرتبط بطريقة احتمالية بعالم الجامعة ودائماً كمبادرة شخصية لمتعصب للمسرح.

باروكي

لا يمكن أن ننسى فرانشيسكو نييا Francisco Nieva الشاعر والناثر الذي وصل من باريس يحمل مسرحاً بصرياً للغاية، باروكي، كان خارج نطاق المدارس المسرحية وربما كان أول إشارة لبعد حداثة غير مشكلة. رسام وسينوغرافي، ففي البداية كانت أعماله المشهدية، وعلى وجه الخصوص سينوغرافيا Marat – Sade لبيتر فايس Peter Weis أحد الأعمال المهمة لفهم تغيير في المسارح الإسبانية، المتناغمة مع الأزمنة التاريخية الحقيقية ترجمة ألفونصو ساستري وإخراج أدلفو مارسيياك Adolfo Marsillach وتمثل نقطة فارقة في تشكيل إمكانية التوصل الى جماليات أكثر التزاماً. تتخلى عن المعتاد وتفتح طرقاً أمام تجديد مسرحي، وفي هذه الحاالة انطلاقاً من المبادرة الخاصة، دون مساعدة أو معونة رسمية. هذا الإخراج العظيم انتهى بإلغاء العمل نظراً لحدث سياسي خاص بالنظام الديكتاتوري.

كان استرداد الديموقراطية قد أدى الى محاولة استرداد السنوات الضائعة في مجال الفنون المسرحية. وبصفة عامة تم اختيار نموذج من وسط أوروبا ينتمي الى فترة الخمسينيات والستينيات. مراكز درامية، وحداث إنتاج مؤسسية من خلال مساعدات للإبداعات الأكثر أهمية للفرق الخاصة. وفي ذلك الوقت كان شيء يلفت النظر. في هذا السياق أتذكر عملاً لأليثيا ألونصو Alicia Alonco في القصر الوطني في برشلونة عام 1976، كان رائعاً.

ولكن قبل ذلك كان قد تم استرداد كل القدرة الإبداعية لفابيا بوغثيربير Puigcerver Fabia الذي اقترح سينوغرافيات كانت استوديو مسرحياً حقيقياً يقوم على فضاء، والى جانب بيكتور Victor Garcia ونوريا إسبيرت Nuria Espert قدموا لنا العروض الأكثر أهمية في مطلع الستينيات بدأ بمسرحية “الخامات”، ثم يرما (Yerma) لغارثيا لوركا وانتهى بمسرحية لبايي إنكلان Valle inclan. وهي عروض لا تنسى بسبب جرأتها الشكلية، والتزامها الجمالي، وما كان يطلب من الممثلين وللقراءة، الحديثة أو ما بعد الحديثة؟ لهذه الأعمال التي تمثل نقطة فارقة لفهم وصول الأجواء الجديدة تماشياً مع الأزمنة المعاصرة. بينما كانت هناك الأعمال المتوهجة لفرقة إليس جو غلارس Els Joglars التي كانت طريقة لفهم المسرح غير المكتوب. وفي هذا الإطار نشير الى عملها الخالد ماري دوس Mary D’ous، سينوغرافيا ياغو بيريكوت التي منحت العمل مناخاً فيه إيعاز وأهمية، وعملها “كيخو Queijo” عندما تحول الفلامنكو الى مادة درامية وتعبيرات جمالية شعبية في خدمة الطبقات الفقيرة في إقليم قطالونيا Catalunya حيث التلاقي بين شاعر هو سلبادور إسبرو Salvador Eapriu ومسرحي ومخرج مثل ريكارد سلبات Ricard Salvat كانت النتيجة عروضاً مهمة، وعلى وجه الخصوص “طريق موت سينيرا” أحد الأعمال المميزة للمسرح القطالوني، لاستخدام اللغة القطالونية مسرحياً بشكل غير تقليدي، ومحاولة تطبيق جمالية تتصل بالتيارات الأكثر عصرية في المسرح الأوروبي.

إيماء

كما ظهر في الساحة فرقة Comediants التي بدأت من عمل إيمائي، من مدرسة جاك لوكو Jacques Lecoq، واستطاعت الانصهار مع تقليد البحر المتوسط الخاص بالاحتفال وتمكنت من إضفاء حيوية على المسرح في الشارع كمكان للاحتفال من منطق التقاليد. وفي عام 1977 التقت هذه الفرقة الإسبانية مع أعضاء الفرقة الأميركية Bread and Puppet تحت قيادة بيتر شومان Peter Schman، فكانت تجربة حياة، التزاماً جمالياً، وكذلك التقاء الشارع كمكان لعروضها، ولكن انطلاقاً من وجهة نظر سياسية بحتة، شكوى واتخاذ موقف من الأحداث السياسية والاجتماعية التي كانت تحدث.

وذات يوم استيقظنا لنجد أنفسنا بعد حداثيين، أو في ما بعد الحداثة، وهنا يكمن قلب النزاع لأنني لا أتذكر أحداً، لا مؤلفاً ولا مخرجاً ولا حتى رجل أعمال في عالم المسرح أعلن أنه ممارس لمسرح ما بعد الحداثة إذا نظرنا على مستوى النقد الى هذا المسلم الذي كان له حضوره في الأدب والفنون التشكيلية، قبل الفنون المسرحية بكثير ومع الانطباع بأننا في حضوره في الأدب والفنون التشكيلية، قبل الفنون المسرحية بكثير ومع الانطباع بأننا في الكثير من الأحوال نستولي على كلمة دون أن نشير الى أخريات كثيرات نحن غير قادرين على فهمها واليوم على ضوء مفاهيم علم الاجتماع أو الفلسفة، يمكن وضع حد بين مرحلة وأخرى، فإنني أشعر بالعجز عن التوصل الى هذه الحدود وفي الكثير من الحالات أقع في التناقضات التي لا يمكن أن تكون فقط نتاج عجزي، بل بسبب غموض المفهوم المطبق على الفنون المسرحية.

في سنة 1981 أسعدني الحظ في تنظيم دورة مهرجان مسرح بيتوريا ـ غاستيث Gasteiz – Vitoria حيث افتتحت العروض بمسرحية “ميديا” Medea، إخراج لويس باسكوال Luis Pasqual وتمثيل الممثلة نوريا إسبيرت Nuria، واختتمت بعرض للاديسلاو فيالكا Ladislao Fialka وكان بينهما عرض “ويلبول، ويلبول” Wielopole Wielopole لتاديوس كانتو، و(Flowers) لليندسي كمب Lindsay Kemp، و”أنتيغونا” لليفينغ ثيتر، وعلى رأسهم جوليان بيك Julian Beck، فرقة الرقص موميكس Momix، بين فرق أخرى، مع مشاركة عارضة لفرقة سويسرية تعمل في مجال مسرح Punk ربما كان في هذا البرنامج تلخيصاً لمرحلة طويلة من التيارات التي تعد حديثة كان بمثابة موجز، نهاية أو وداع لأهواء وشعريات كانت قد تركت أثرها في الكثير من المبدعين.

ما بعد الطليعة

منذ ذلك الحين يمكن الكشف عن علامات جلية لتيار يهدف الى تنظيف الشحوم من محتويات الإخراج، وتنظيف الكلمة من الشوائب، ليصبح النص المخرج مجرد عنصر لا أكثر في الخطاب المسرحي، كي تبقى فقط بنية وتطورات عرضية في بداية الثمانينيات كانت هناك حركة إيطالية يطلق عليها “ما بعد الطليعة Transvanguardia” كانت في تعبيرها المسرحي تشخيصاً لحدث مسرحي، جوانب من بنية لم تكن تستند الى محتويات، ولا حكايات وكل شيء كان عبارة عن وصمات مشهدية، في حفل اختفاء الإنسان كفاعل للسرد وضياع أي التزام أبعد من علم الجمال، في بعض المرات غاية الشبه بصناعة الألعاب النارية، لا يوجد ما يساعد على التفكير.

ربما كان الرقص حيث شوهدت الحركات والقفزات أكثر وضوحاً إذا كان الرقص المعاصر قد طور لغات جسدية أكثر وذات تعبير أوسع، فقد خلق في الوقت نفسه نواة لتيارات أخرى فرضت سرعتها ونفعيتها، قادتنا الى “قليل هو أكثر”، ما يترك الرقص الحالي خالياً من أي كتابة تتعلق بفن الرقص لوضع الجسد في حركة كمجرد حدث عرضي، يعيش في فضاء كي يلتقي بطاقات وليس مع مصير أو حدث.

هذه الطريقة القائمة على تجريد المسرح أو الرقص من أهم أشكال تعبيره، أضعف ما هو معقول، ما يمكن أن يبثه النص، الذي يتقلص في الكثير من الحالات الى صيغة تعجب متكررة، أو يستخدم كصوت وليس كغذاء للأفكار الفلسفية التي تقف وراء التمثيل، كل العمل، ربما تكون أحد الأدلة للكشف بطريقة ما الاقتراب من مسرح ما بعد الحداثة.

وجود الأجهزة السمعية البصرية على الخشبة، خاصة منذ وصول الفيديو، حل، بطريقة مبالغ في تكرارها، محل عمليات الحذف أو إثارة المشاعر، من أجل الحصول على توضيحات أو الأزمنة الأخيرة على تداخل هو في الواقع يطرح أسئلة على جوهر المسرح نفسه، ومن أجل اللعب مع آلة يمكنها أن تكرر صوراً الى ما لا نهاية، لكسر قدرة المسرح على أن يكون زائلاً لأنه يحث في زمن وفي مكان دون إمكانية نظرية للتكرار.

لقد بولغ في تقويم الفيديو على المسرح وكان بمثابة قطيعة سردية الأمر الذي يقربه أكثر من ظاهرة جماهيرية لما بعد الحداثة مثل التفزيون التناص الممكن بين المسرح والتلفزيون كان أحد المعالم التي زادت من ترسيخ فكرة ما بعد الحداثة للإخراج في بعض المناسبات تمت محاولة كسر التناقض المطلق الموجود بين اللغتين ويخلق مجالاً درامياً، غير ممكن تنسيقه دون تصادمات اليوم، وللأسف، نجد أن الفيديو في المسرح أصبح تقليداً ويعززه في ذلك التلفزيون الفيديو ـ كليب وحفلات موسيقى البوب، مثل البلاتوهات التلفزيونية حيث تقوم شاشات التلفزيون بتكرار الصور أو تقدم أخرى، لتشكل الديكور.

المسيرة كانت مثيرة للتفكيك، تفكيك كل ما هو مسرحي في جوهره، ليحل محله خليط عناصر متفرقة، وأحياناً بالصدفة، لا تتجمع في النهاية بل في مناسبات تسبب الرفض وهذا حملنا الى جمالية الخراب، الى عدمية، حيث ما هو إيمائي يكتسب تقييماً، بشرط أن يكون منتجاً بابداع القواعد القانونية للخطاب الجمالي القائم.

لأن المسارات التكاملية للتيارات المسرحية الجديدة طويلة وغير متساوية، مع الأخذ في الاعتبار الوقت الطويل الذي يستغرقه الجمهور في تقبلها بشكل معقول، لكن الصفوة المبدعة نجد أن الصيغ، التراجعات، مراجعات التيارات والتركيب في ما هو متغير الطبيعة، يبدو أن يسرى بسرعة غير معتادة إلا أنني لا أريد أن أبدو كأنني مضاد لما بعد الحداثة ربما يكلفني التخلي عن البنيوية التي تصاحبني وأصدر أحكاماً عن ثقة كبيرة، ولكن ضمن مجموعة واسعة من الاقتراحات التي ازدهرت في ما بعد حداثة الفنون المشهدية، فلا أحد يدري قادر على أن ينفي ما مثلته من كسر لبعض المحرمات أعمال روبرت ويلسون Robert Wilson، وهو ينتمي الى ما بعد الحداثة لكنه يبدو لي أحياناً حداثوياً بلا عقد.

فرقة لافورا ديلس باوس Fura Dels Baus أقامت خطاباً ما بعد حداثوي، شديد الوحشية، يلامس أحياناً ملامح أكثر تسلطية في التصرف الإنساني ليس كشيء خسيس بل كنتيجة لمنطق مواجهة جماليتها الطنانة، ذات العلامات الواضحة التي تنتمي الى ما بعد الثورة الصناعية، ربما ضمن خداع لنتائج مثيرة، لكنها تركت لنا صوراً قوية من الناحية المسرحية، هذا على الرغم من أن تطورها اللاحق حملها الى تكرار صيغ، لكن يطغى عليها دائماً العنصر المادي، للجهاز أو لأجهزة الفيديو التفاعلية كجزء من الكتابة المسرحية نفسها وكانت تجاربها هي التي تمادت لتصل الى حافة المستحيل إنها مرجعية أساسية لمسرح إيمائي.

فلنعد الى نظم الإنتاج والسوق. في لحظة ما بدأ إنشاء مهرجانات في أرجاء المعمورة كافة كانت سوقاً دولية جديدة، تتطلب عروضاً لجماليات جريئة، ذات نص قليل، كي لا تتعرض لمشاكل لغوية وأسلوب رسمي جداً، الأمر الذي يمكن أن تعتبره دوافع السوق لإنشاء فرق، مبدعين ونماذج عروض كان يمكنهم أن يقوموا بجولاتهم الدولية ناقلين فكرة ما بعد حداثوية للفن. بعض المبدعين حملوا مقترحاتهم، أدلتهم، لكن جاء بعدهم مقلدوهم، أي المبالغون لما بعد الحداثة الذين شذبوا محتويات الفنون المشهدية لتعاني من هزال أيديولوجي وبالتالي جمالي، كان يقترب كل يوم أكثر من العرض الذي كونه للتسلية فقط.

ربما نحن في زمن ما بعد الحداثة. وقد يصل الحداثيون الجدد، لكن المسارح تراكم عليها تناقضات، فك شفرات، إعادة اختراع. الجمهور تمثل لغات بعيدة عن المسرح، أسوأ من تضمنها قيمة تتعلق بعلم الاجتماع وتشكل جزءاً من الخيال الجماعي. بقاعات، مقطوعات، قطع، قطيعة مع الخطاب الأمامي، المذهب الطبيعي أو الواقعي المبالغ فيه، في هروبها من الأداء الجائز وصلت الى الأداء السفلي، وتتغذى من فكرة يصعب استيعابها، المتعلق بما هو “قليل هو أكثر”، إذ قد يخدم كتدريب ميتاتياتري ـ مسرحي داخل مسرحي ـ ولكن لوضع المسرح في مكان الاتصال، والفن والمشاركة، الذي ينتمي إليه من الضروري أن يبدأ من تقليدية ما.

فردية

لأننا يمكننا أن نؤكد أن غالبية العروض في السنوات الأخيرة تقوم على فردية شرسة، على نظرة قاسية للفرد في المجتمع، على عدوان مستمر من الخارج. نظرات ربما قليلة في طابعها الاجتماعي، لكنها في هذه اللحظات تؤدي الى إبداعات تقوم على هذا الهيكل العظمي البنيوي تصل الى أعمال ذات جودة وتستطيع نقل أحاسيس. أعني بهذه المدرسة الأرجنتينية الأخيرة، دانييل بيرونيسي Veronese Daniel، ريكاردو بارتيس، داولتي، رافائيل سبرجلبيورغ، مع حالة غير اعتيادية مثل حالة ريكاردو غرسيا Ricardo Garcia، مؤلف ومخرج أصبح بمثابة معبود في فرنسا، ويُعد خليفة الكاتب المسرحي الفرنسي الراحل كولتيس KOLTES.

انني أجد في الكتابة الدرامية في السنوات الأخيرة، مع المدرسة العظيمة التي نشأت الى يد خوسيه سانشيس سينيستيرا Jose Sanchos Sinistierra، جيلاً حقيقياً يكتب انطلاقاً من توجهات أقل اتباعاً لأرسطو، لكنهم يؤثرون كثيراً في المناخ وفي الأشخاص، ويقتربون دائماً من الأحداث انطلاقاً من مسرحة جلية، ملتزمة، ويمكنهم أن يتمكنوا من إبداع زمن جديد في المسارح. سنواصل مراقبة كل ما يحد فمما لا شك فيه أن السنوات الأخيرة وحرباً عالمية متخفية ستؤدي الى ظهور أخلاقيات وجماليات جديدة تتماشى مع القلق الذي عمّ الكون.

ربما يكون هذا مثالاً لمداخلة تنتمي الى ما بعد الحداثة. كل شيء فيها يقوم على التجربة، قليلة في إشاراتها، مثل محاولة الهرب من أي بلاغة. لقد حاولت الحديث عمّا رأيته، لأننا سندافع دائماً عن أن المسرح ليس فقط نصاً ولا نظرية، بل ممارسة، وأن الحدث المسرحي هو الوحيد الذي يمكن فهمه كعمل فني كامل يكتمل بنظرة الآخر، المشاهد. وانطلاقاً من وجهة النظر هذه فإن الفنون المشهدية وجدت في الفيديو عُدة جيدة، خادعة في بعض الحالات، من أجل معرفة تاريخه الكامل، ليس فقط الجزء المسرود أو المكتوب.

وفي رأيي أنه انطلاقاً من الشكوك نفسها من الطبيعي ألا توجد تقريباً مراجع حول مسرح ما بعد الحداثة، فلا يوجد أحد تقريباً اهتم بدراسته كظاهرة كونية، بل كتيار مبهم في إطار مسار تاريخي حيث الليبرالية الجديدة، الرأسمالية الأكثر وحشية قامت بقيادة المجتمع الغربي ووجدت فنانين خدومين ومفكرين حاولوا العثور على تبرير فكري وجمالي. أعتقد أنهم حققوا ذلك، لكن ليس بصورة كاملة، على أي حال ما حاولت التوصل إليه في الحد الأدنى من أجل إظهار الجوهر، أدى الى طرح الكثير من الأسئلة، بعضها تم إيجاد الإجابة عنه لأن مما لا شك فيه أن تهجين اللغات يحول الخطاب الى خطاب راجح.


كارموس خيل تامورا
باحث اسباني


نوقشت هذه الورقة في الندوة الفكرية التي عقدت على هامش مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة تحت عنوان “المسرح في زمن ما بعد الحداثة”
تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption