أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الثلاثاء، 14 فبراير 2017

ظواهر مسرحية عربية تستدعي التساؤل!

مجلة الفنون المسرحية

ظواهر مسرحية عربية تستدعي التساؤل!

سامي عبد الحميد

من منجزات (الهيئة العربية للمسرح) التي يترأسها الدكتور سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة وهو الكاتب المسرحي المرموق والداعم للحركة المسرحية العربية، اقامة مهرجان مسرحي عربي (وليس دولي!) سنوي يُعقد كل عام في بلد عربي وفي دورته التاسعة التي عُقدت في الجزائر لاحظنا عدداً من الظواهر تستدعينا للتساؤل عن أسبابها ومنها ما يأتي :
أولاً : عادة ما يُقام مهرجان الهيئة العربية في عاصمة البلد المضيف فلا أدري لماذا عُقد هذا العام في مدينتي (وهران) و(مستغانم) وليس في العاصمة الجزائر ، هل لأسباب أمنية أو لأسباب فنية أو لأسباب مالية؟
ثانياً : كتب رسالة المسرح العربي لهذا العام المخرج المسرحي الأردني (حاتم السيد) فلماذا قرأها عنه المخرج والممثل العراقي (عزيز خيون) ولم تعهد قراءتها إلى مخرج أردني؟  ولا ندري أسباب غياب (حاتم السيد) عن حضور المهرجان، هل لأسباب مرضية أم غير ذلك؟ لماذا القاء (عزيز خيون) للرسالة هل سيكسبها جمالاً ؟
ثالثاً : عقدت خلال أيام المهرجان مؤتمرات صحفية عن المسرحيات المشاركة في مسابقة جائزة الدكتور سلطان القاسمي لأفضل عرض، ولا ندري ما الغرض من عقد مثل هذه المؤتمرات، وهل للتعريف بالمسرحية ، ونتساءل ألا يؤثر ما يقال في هذه المؤتمرات على عقول ومشاعر المتلقين والنقاد او تقلل من متعة التفرج؟ 
رابعاً: عقدت على هامش المهرجان العديد من الندوات الفكرية والورش والمحاضرات ونتساءل ما فائدة مثل تلك  الندوات، وما هي نتائجها ليس في هذا المهرجان، بل حتى في المهرجانات المسرحية العربية – الدولية الأخرى ؟ هل ساهمت فعلاً في تطوير عدد من المهارات؟ هل وضعت توصياتها موضع التطبيق فعلياً ؟ 
خامساً : معظم المسرحيات التي شاركت في المهرجان، وخصوصاً تلك التي شاركت في المسابقة كتب نصوصها كتّاب جدد أو غير مشهورين، وأخرجها مخرجون جدد أو غير مشهورين، ونتساءل: هل كان ذلك بقصد تشجيع المسرحيين المبتدئين أو الشباب أو لأن انتاجات المنتجين المشهورين ليست بالمستوى الرفيع الذي يستحق المشاركة في هذا المهرجان المسرحي العربي المهم، بل والأهم أم أن الساحة المسرحية العربية قد غاب عنها الجيل القديم وحلَّ محله جيلٌ جديد؟ 
من بين تسع مسرحيات مشاركة في مسابقة أفضل عرض كان كتّاب نصوص ثلاثة منها عراقيان وهذا ما يدعو إلى الفخر بالطبع ، فالمسرحية العراقية (يا رب) كتب نصها الكاتب المسرحي العراقي الجديد (علي عبد النبي) ويبدو أن النصوص التي كتبها راقت لعدد من المخرجين العرب ومنهم المخرج العراقي (ياسين اسماعيل) الذي أخرج عام 2015 مسرحية (سفينة آدم) ويشغل مؤتمر وكانت (شذى سالم) شقيقة (سها سالم) بطلة تلك المسرحية. ويبدو لي أن نصوص الكاتب (علي) تتميز بالحبكة الرصينة والحوار وبالمضمون الذي يضرب على الوتر الوجداني الحساس للمواطن العراقي والعربي. وكان هذا الكاتب الشاب جريئاً في طروحاته عن مظالم العراقيين وتناوله المقدس بين الدين والعقل على حدِّ تعبير الناقد صميم حسب الله .
وشارك المسرح الكويتي بنص للكاتب الشاب (عبدالأمير شمخي) الذي سبق وشارك في نص قدمته مجموعة من الممثلات التونسيات في مهرجان ببغداد وسبق أيضاً وشاركت فرقة كويتية أخرى بنص آخر لعبدالأمير وتتميز كتاباته بالحرفية العالية وبرسمه الواضح للشخصيات الدرامية وصراعها ، وأذكر هنا أنني أخرجت له نص مسرحيته (الرهن) في فرقة المسرح الفني الحديث والتي أعدها عن رواية فؤاد التكرلي (الوجه الآخر) ببراعة وحقق عرضها نجاحاً باهراً وشارك في التمثيل معظم أعضاء الفرقة وفي مقدمتهم الراحلان (يوسف العاني وخليل شوقي).

-----------------------------------------------------
المصدر : جريدة المدى 

وزير الثقافة العراقي يستقبل المخرج المسرحي فاروق صبري في مكتبه في بغداد

مجلة الفنون المسرحية

استقبل وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي فرياد رواندزي، بمكتبه الرسمي ، يوم الاثنين ، المخرج المسرحي فاروق صبري ، وجرى الحديث عن الواقع الثقافي في البلاد وسبل إنجاحه في المستقبل . وأبدى وزير الثقافة دعمه للجهود التي يبذلها المخرج فاروق صبري في أعماله المسرحية داخل وخارج العراق .

وقال المخرج فاروق صبري في تصريح صحفي : إن دائرة السينما والمسرح صرح حضاري فعال وعليه يمكن تطوير عمله بالاعتماد على المبدعين ، ننتظر من وزير الثقافة فرياد رواندزي البدء إلى إعادة الهواء النقي لدائرة السينما والمسرح وتفعيل برامج العروض المسرحية والأفلام السينمائية .

وأضاف فاروق صبري : خلال عام من تواجدي في الوطن شاهدت بعض العروض المسرحية ودعيت لمهرجانات مسرحية واستمعت إلى مسرحيين وهم يدلون بآرائهم وساهمت بندوات حول المسرح وعرضت مسرحيتي الوردة الحمراء في مهرجان أربيل المسرحي، هذا السفر المسرحي منحني فرصة جيدة لقراءة أولية لـوضع المسرح وهذا الوضع بما له من سلبيات وإيجابيات، عثرات ونجاحات صورة من صور الواقع الثقافي الذي يذهب للأسف صوب الانغلاق والتشرذم .

وأشار صبري ، إن هناك مبدعين مسرحيين عراقيين فرشوا فضاء المسرح بهذه السعفة المعرفية والجمالية وهم يتواصلون في إنتاج الجمال والتواصل مع ما هو جديد وراق في عالم المسرح.
والمخرج المسرحي فاروق صبري  كانت انطلاقته وخطواته الأولى حيث قام بعدة أعمال متميزة داخل العراق وفي خارجه حتى أستقر في منفاه في نيوزلندا. ونشر العديد من المقالات والدراسات حول الفن المسرحي والسينمائي والتشكيلي والأدبي في العديد من الصحف والمجلات العربية والعراقية.

ولد عام 1952  تحت سقف بيت طيني في مدينة كركوك  تخرج من معهد الفنون الجميلة بغداد من قسم المسرح والسينما لعام .1974_كان مشروع تخرجه فلماً سينمائياً قصيراً بعنوان "التابوت" من قصة بنفس العنوان موجودة في المجموعة "المملكة السوداء"  للمبدع محمد خضير وحاز الفلم على أعلى درجة في الاخراج عرض في بعض المهرجانات الفلم القصير في بغداد._شارك في معظم العروض المسرحية الطلابية ومنها "الغريب" و"واسكوريال" و"قائل نعم .. قائل لا "._ شارك كممثل في مسرحية"اغنية على الممر" اخراج مطلب السينيد ، اذ عرضت على الهواء الطلق في منتزه الزوراء وأعدّ رواية - لاسماعيل فهد اسماعيل"الشيّاح" للمسرح العسكري._شارك كممثل في مسرحية "مدينة تحت الجذر التكعيبي" للمخرج السينيد في فرقة اتحاد الفنانين._عضو في الفرقة الشعبية للمسرح ، فرقة الستين كرسي وقام بالدور الرئيسي في مسرحية "امتحان الموديل" لكاظم الخالدي حيث عرضت على صالة فرقة الفن الحديث ببغداد في اوائل العام 1989._ بعدمنتصف الشهر الثاني لعام  1989 سافر خارج الوطن ومن ثم عاش في سوريا مؤقتاً._في المنافي ساهم في تشكيل العديد من الفرق المسرحية ومنها فرقة بابل وشارك كممثل في العديد من العروض المسرحية ومنها "الحصار" و "ثورة الموتى" و"أنتيجونا" التي عرضت في احدى دورات مهرجان دمشق الدولي._عضو في المسرح القومي السوري وساهم في بعض أعمالها المسرحية ومنها "حديقة الموت" و"القرى تصعد إلى القمر" للاسف لم تعرض وهي من اخراج الفنان الراحل فواز الساجر وفي مسرحية "الزنوج" للمخرج العراقي ناجي عبدالأمير._ ساهم في تأسيس فرقة اوروك التي ترأسها الشاعر مظفر النواب و مثّّل الدور الرئيسي في عملها الاول والأخير " العربانة" من تأليف النوّاب واخراج باسم القهار والتي عرض في صالة الحمراء._شارك كممثل في بعض مسلسلات الدرأما السورية مع المخرجين حاتم علي وباسل الخطيب وهيثم حقي._صمم طقوساً بصرية للامسيات الادبية والفنية ومنها "احتفاءً بالسيّاب" و"الليلة العراقية" على صالة الحمراء بدمشق و امسية للشاعر العراقي صادق الصايغ والكاتب العراقي شاكر الأنباري في المركز الثقافي الروسي بدمشق وأخيراً "ليلة في حضرة العراق" بحضور شعراء نيوزلندين والشاعرة السورية فرات اسبر والشاعر العراقي فرات باسم وذلك في احدى مقاهي مدين اوكلاند بنيوزلندا._قاد اللجنة الثقافية في المنتدى الثقافي العراقي في دمشق من عام 1990 وحتى عام 2001._نشر العديد من المقالات والزوايا الثقافية حول العروض المسرحية والمعارض التشكيلية والمسلسلات الدرامية والافلام السينمائية في صحف ومجلات عراقية وعربية منها " السفير" و"الكفاح العربي" و"المحرر نيوز" و مجلة "الشاهد" اللبنانية و "الثورة" و"ومجلة وجريدة تشرين" السورية -;- وكذلك في الصحف والمجلات العراقية ومنها الزمان بالاضافة الى العديد من المواقع الألكترونية العربية والعراقية ومنها "كيكا" و"ايلاف" ._في منفاه الخرافي ، في جزيرة تسبق الكون بنصف يوم في استقبال قبلات الشمس الذهبية قدم عرضه "أمراء الجحيم" وهو منودراما ، كتب السينوغرافيا وأخرجها ومثّلها حيث قدم يوم 25|3|2006 وذلك على صالة منريوا آرت سنتر بمدينة اوكلاند ويعتبر هذا العرض المسرحي هو الأول المقدّم باللغة العربية في نيوزلندا؟ وفي هذا العام قدم عرضه "امراء الجحيم" في هولندا بمدينة أبلدورن وعلى صالة خيخانت يوم 16|12| 2007 ومن ثم في مدينة كوبنهاجن | الدنمارك وعلى خشبة مسرح" نور علي" بمركز الثقافة وذلك يوم 5|1| 2007.

مسرح عالمي: "الوريثة".. بين رغبة فتيّة واستبداد أبوي أقدم

مسرح عالمي: "آنا كارنينا" لتولستوي.. في تكييف مسرحي جديد لمارينا كار

الاختزال المسرحي حاجة أم بدعة؟

مجلة الفنون المسرحية

الاختزال المسرحي حاجة أم بدعة؟

د. عبدالمطلب السنيد 

سعيدنا وشقيّنا يعيش في زمنين مترادفين في كون واحد : الأول زمن عدم الاستقرار الأمني  الذي يقود إلى تخبطنا في بيئة مرتبكة بكل صفاتها وبنيتها السياسية والإقتصادية والثقافية التي تحتاج لزمن يأتي بالضرورة لينقلنا مما إرتكباه من خطايا ولكنه  قد يأتي متأخرا . والثاني أننا نعيش في زمن متسارع تكنولوجي حداثوي في ظاهره وإن لم تنفذ معاييره مكانيا ولكنه شاخص من خلال التقنيات الاليكترونية التي تعج بها قنوات العالم ومن ضمنها القنوات العربية  والانترنيت وتقنيات المسرح التي خففت عن الممثل في الأداء.  

وتلك مساحة من الحرية التي لم  نكن نتمتع بها من قبل . وفي ظل عدم الاستقرار الذي نعانيه اليوم والذي جعل من الثقافة والفنون والأدب تعاني من عرج مستديم من خلال محاكاتنا لمنتج حداثوي مصنوع خارج العقل العربي أو تكاد تكون كسيحة لأنها تحتاج لمتلقي يشتغل على نشاطات الإبداع ويحفز المبدعين بتقديم الفعل الجمالي للحياة من خلال ذلك الشيء غير المألوف والمبتعد عن التكرار والمحفز لعجلة الزمن كي نلحق بما سبقونا ليس من باب أن الآخر أفضل منا، بل من باب أن بيتنا مخرّب وجل ما نريده  هو ترميمه   من التصدع القاسي. فالناشط لا يخدمنا بقدر المفكر ، لأن المفكر لا يستنسخ، بل يخلق وتلك مصيبة الثقافة عموما . فلنتدبر وعي إرادتنا وثقة آمالنا في أن يأتي جمهورنا لمشاهدة عروضنا المسرحية التي تعاني من فقر روادها وهم  قلّة من العاملين في  المسرح ..  وقلة قليلة من النقاد وهذا هو نتاج عدم استقرارنا. يضاف لذلك نظرة الدولة التي لبست فقط لباس السياسة المتعشق بالمحاصصة بالرغم من الأصوات التي تنادي بإزالتها والتي تعمل داخل الدولة ولم يتنازلوا لخلق قواسم مشتركة للولاء إلى الوطن بقدر ما هو إنتماءهم للغنائم التي تعج  بخراب ما يسمى بوطنية المواطن. من هنا جاء الفراغ وحصل العقم وضاع المسرح وتعطّل الحوار وظلت كراسي المسرح حزينة على فقدانها جمهورها الذي هو زادها   وتوزعت مهمة المسرحي وطوحاته القصوى السفر خارج العراق لتقديم عروضهم المسرحية والإشتراك في المهرجانات . يضاف لهذا وجود عين الإقطاعية  التي وضعت للعروض المسرحية أنظمة جاهلية أولها التمويل الذاتي!! ولا أعرف كيف تستطيع الفرقة القومية للتمثيل أن تموّل ذاتها بذاتها وهي التي يعتمد العاملون فيها على رواتبهم وخبرتهم وسني عمرهم المبذول من أجل تقديم الأفضل على تمويل عروضهم المسرحية ذاتيا؟ 

1
تُرى مَن الممول لإنتاجاتهم، الجمهور أم المنتج من ذوي القطاع الخاص؟ والاثنان غير متوفرين على الساحة الفنية .نعم أين هو الجمهور الذي يقف على شباك التذاكر كي يقطع تذكرة الدخول لأي عرض؟
 من هنا يأتي حديثنا الذي نطالب فيه المسرحيين أولا اعتماد طريقة جديدة وجدية وناجعة من أجل أن نُعيد للمسرح هيبته وتقليده وجماليته  وجماهيريته و ذلك عن طريق الاختزال الفني. قد يسال سائلٌ ماذا تقصد بالاختزال؟ نقول: إن العالم يعمل اليوم على إختزالات علمية تكنولوجية ليساير حركة المجتمعات السريعة لأن إيقاع الحياة تغيّر بشكل باتت الثواني تحسب بدقة متناهية حيث يوفر لك الإنترنيت خبرا إعلاميا سريعا مع ما تقدمه القنوات الإخبارية من أخبار يضاف لذلك خبرا آخر عاجلا مع تواتر الأحداث والإختراعات ، وترى أن ما يميز إختراع عن آخر هو المحرك الآلي الذي اخترعه محرك الإنسان (العقل). وهذه المحركات أو ( الماطورات) التي تحرك العالم لم تتوقف عن إنتاج الجديد والأجدد كل يوم بل كل ساعة أو اقل من ساعة وتجد أن السوق والذوق والشهية مفتوحة للمستهلك وحتى الذي لم يستطع أن يشتري تلك البضاعة الجديدة لثمنها العالي يبحث عمن يقلدها فتراه يشتري البضاعة المقلّدة وبسعر أقل من البضاعة الأصلية، لذا فإن النص يشكل علامة فارقة للإختزال الحكائي المجسّد بتواتر الزمن التكنولوجي .
من أجل هكذا يقين علينا أن نعيد لحركتنا المسرحية نكهة  جمالية جديدة تواكب إيقاع الحياة وتستفيد من مصالحة الذات لتستريح من أطنان الهموم التي ابتلي بها وطننا .فلنزيل شيئا من خراب العقل العراقي وتشظيته وذلك عن طريق المسرحية المختزلة التي تعتبر خطوة إبداعية تجديدية لجذب المتلقي في تحقيق ألفته التي غادرته وملء كراسي جمهور المسرح الفارغة والتي تشكو حزنها بتراكم الغبار عليها بينما يعمل الآخرون على تقديم عروضهم خارج الوطن لأسباب تتعلق بعدم أمنية المكان وقلّة التمويل إن صدقت النوايا. 
المسرحية المختزلة 
    الإختزال المسرحي يعني كتابة مسرحية عراقية محكمة الصنع تأليفا وإبداعا وجمالية في فن التأليف المسرحي البعيد عن التزويق والزيادات التي تمتلئ بالمشاهد المترهلة التي أساسها التقريرية والإخبارية والتي تفتقر إلى الحبكتين البسيطة والمعقّدة، وتسير بنمطية الصراع .

2
الساكن أفقياً الذي يعتمد الاحادية في التصعيد الساذج حتى النهاية . ولهذا علينا أن نتبع إسلوباً يعتمد على الدهشة والتسويق  والتشويق الفني الجمالي القريب من تراكماتنا  المجتمعية المعرفية التي يزخر بموادها وقصصها العراق وتعتمد المواصفات التالية:
أولا:  إن ساحة اختيار الموضوعات من قصص وحبكات تاريخية أو معاصرة مفتوحة شريطة أن تكتب المسرحية لتمثل وليست لتقرأ. وهذا هو جواز مرورها أي المسرحية لأنها تحمل أحداثا مثيرة ومشوقة للمتلقي لشرعيتها في تطور صراعها السريع والمنطقي لناموس الحياة، والذي أثار سخرية الطير المذبوح من الألم أن كلما حاولت المحاولات الإبداعية في التأليف المسرحي العربية والعراقية التي تصف نفسها بالتجديدية والتي تزعم لنفسها أنها منسلخة عن المسرح الغربي تجاربيا على أساس أنها المتحركة في الشكل والتركيب لكنها تظل حبيسة الثابت ضمن منظومة المسرح الموروثة . إن جميع محاولات المسرحيين الغربيين التي استلمنا شفراتها العملية دخلت بدخول الاستعمار لدولنا إنكليزية كانت أم فرنسية وكذلك الترجمات الوافدة . ولقد أحسن هؤلاء استخدام وتطوير أشكال الموروث المسرحي نقلا عن اليونان والرومان ، ولكن الاجتهاد كان وما زال مفتوحا لكل الممكنات المتحركة تجاوزا على الثابت منها في ضوء متغيرات العصر والمجتمعات القائمة على الفعل والأفعال الملهمة . والذي يثيرنا من أن بعض النقاد والمفكرين في المسرح العربي يعتبرون ما طرحوه يشكل إضافة جديدة من أن المتلقي عنصر مهم وحيوي في طبيعة العرض المسرحي أو الفرجة المسرحية من النظارة والمشاهدين , وهذا ليس بجديد طالما أن المسرح كان ظاهرة و نشاطا طقسيا دينيا واحتفاليا كرنفاليا إعلاميا وثقافيا  تقاليديا منذ ظهوره زمن أسخيلوس والمبدعين من بعده وظل هكذا حتى اليوم ,ولكن نشاطاته  تميزت بكونها نشاطات اجتماعية وفنا جماهيريا يستمد مصل ديمومته من وجود المتلقي  أي الجمهور .أما المشاركة التي ندعيها أو التفاعل الحاصل من خلالها فهو قائم بالضرورة لأن الجمهور الجالس أمام العرض المسرحي يتعاطف شعوريا أو عقليا ..مستجيبا أو رافضا ولكنه متحرك  أمام العرض المسرحي عقليا أما مبهورا ..مدهوشا.. متمتعا ..سعيدا أو حزينا ..مؤيدا أو رافضا وهذه جميعها دلالات المشاركة إن كانت كلاسيكية تقليدية أم بريشتوية تحريضية تعبر عن قهر المقهورين ومشاركتهم في اللعبة . إن الاجتهاد في تحريك الأشكال هو الضرورة أما تجفيف الماء عن الإنسان هو استثناء .إن وجود الجمهور في المسرح  حقيقة  ويقين كوجود الحكاية في المسرحية. ولذلك علينا أن نربي ونعوّد جمهورنا على أن يأخذ مكانه معنا في نشاطنا المسرحي طالما أنه يشكّل البعد الحيوي لاكتمال جماهيريتنا. 

3
ثانيا : إستعمال اللغة الحيوية في الأفعال والمفردات القريبة من المتلقي بسلاستها والابتعاد عن تعقيدها وقاموسيتها لتخلق علاقة في الفهم والتصور والرمز وتفتح طريق الإستكشاف للحدث المركب والبسيط وتجعل المتفرج قريبا ملتصقا واعيا لطبيعة التأويل منسجما مع حلم الفن ونموذجيته التي يتمتع بجماليتها  و يتذوقها كفن يسمو عن الحياة بتكرار مرارتها المستديمة ولكنه يحاكيها بعقله البسيط والمركب كحياة. ولكنه لا يلغي الندرة في بلاغتها التي تقترب من بلاغة العربية الفصحى والتي نحتاج القليل منها في عروضنا المسرحية بإعتارها نماذج لا يستغني عنها. أما  اللغة المحكية فلها رموز وشفرات تشكل قواسم مشتركه في فهم المقصود تترك للمؤلف  الذي لم يمت بل يشارك مع الممثل والجمهور بحرية وتلقائية وسلاسة في فك الترميز وتبني التأويل ومعرفة الإسقاط وتلك هي (الحسجة) التي يعرفها الكثير . ولكي نثقف اللغة المحكية ونشذبها من بعض المفردات المستعصية الفهم للجميع , علينا أن نختار الوسط المفهوم من لهجتنا المحكية التي تعتبر ورقة تسويق رابحة يجتمع عليها الجمهور وتؤدي دورها الفاعل في التفاعل والاكتشاف والإمتاع والدهشة حتى تصبح الجسر الشرعي مع اللغة الفصحى السهلة الممتنعة لحضور الجمهور بأطيافه جميعا لمشاهدة مسرحيتنا  المختزلة التي تصلح للتمثيل  ولا تأخذ من زمن عرضها إلا ساعة واحدة أو تزيد قليلا . وهذا الذي سيعتاد عليه المتفرج الجديد حين يشعر أن رغبته وشهيته الثقافية الجمالية بدأت في اشتياق لزيارة مكانات العرض المسرحي وأصبح الطريق سالكا لعقله وعواطفه إلى المسرح عند ذاك تكون قد أديت رسالة فنية اجتماعية وجمالية لإثبات أن نشاطك المسرحي هو نشاط فني جماهيري بحق.
  إن أكثر العروض المسرحية التي شاهدتها في الولايات المتحدة الأمريكية كانت أكيد باللغة الإنكليزية ، ولكنها لغة الشارع المحكية البسيطة التي يفهم ترميزها وتفسير معناها المجتمع الأمريكي مع إدخال الكثير من المفردات المحلية الصرفة التي يطلق عليها (Slang language).وتعني اللغة العامية , وترى الجمهور مستمتع في المشاهدة بجمال الأداء وفنية التكنيك وإبداع  السينوغرافيا من لون وموسيقى وتكوينات تشكيلية تأخذ المتفرج نحو عالم حياتي تلقائي يحاكي واقعهم ويتحدث عن مشكلاتهم وينتقد سلبياتهم بعقلية الفن وجمالية عالية لا يجدها المشاهد في زحمة الآلة اليومية وميكانيكية الحياة وإن كان بعضها يعود لمؤلفين أمريكان ليسوا معاصرين , ولكن الإعداد لإختزال الحدث هو القاسم المشترك للمعاصرة. فإن كان هذا النشاط مطلوب ومرغوب وينمي جمهورا فلماذا لا يعمل فيه ونقدم لجمهورنا طريقة وقصصا وحبكات يزخر بها مجتمعنا بقيم فنية جمالية وبلغة تحاكي أغلبيتنا ولا نتباهى باستيراد المؤلف الغربي الذي يكتب لمجتمعه ويعرف كيف يفكك مفاتيح تراكم مجتمعه معرفيا ، وهذا لا يمنع من تقديم أعمال لمؤلفين غير عرب لأن إنسانية المسرح تستوعب الجميع ولابد من تأصيل ذلك في المعاهد والأكاديميات الفنية المسرحية، لأنه زاد لا يُستغنى عنه. 
في النهاية لابدّ لي أن اذكر نموذجاً حيوياً يزخر في ما ذكرته من مواصفات النص الحكائي الذي يشتغل عليه علي عبدالنبي الزيدي والذي يشكّل علامة مهمة في التأليف الذي سيحقق نهجاً ومدرسة نفتخر بها .

--------------------------------------------------------
المصدر : جريدة المدى 

مسرح العبث بمذاق عربي في العرض البحريني «الكراسي»

مجلة الفنون المسرحية

مسرح العبث بمذاق عربي في العرض البحريني «الكراسي»

ما الذي تعنيه استعادة مسرح العبث، في اللحظة الراهنة من واقع المجتمع العربي، هل اللحظة العربية الراهنة عبثية، مهشمة عاجزة، بلا هدف، ولا وجهة، ما الذي يريد حسين العصفور أن يقوله من خلال استعادة أطروحات يوجين يونسكو في مسرحيته الشهيرة «الكراسي»؟ التي أخرجها العصفور لمسرح أوال في البحرين، وقدمت مساء أمس الأول في رابع ليالي مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي، وقد سبق وقدمت في جهات العالم الأربع، وفي الوطن العربي مراراً وتكراراً.
كتب يونسكو «الكراسي» عام 1951، عن حفلة خطابية وهمية يقيمها زوجان هرمان، فالزوج بلغ 95 عاماً، والزوجة 94 عاماً. يرى الزوج أنه رجل عظيم، يحمل أفكاراً عظيمة تستطيع أن تخلص البشرية من مآسيها، وتجعلها تعيش في رغد وسعادة، لكنه لم تتح له فرصة لذلك، فقد عاش كل عمره حارساً للمساكن، ولم ينظر إليه الناس يوماً باحترام، وتبدو زوجته متأرجحة بين لومه على نزقه الذي ضيع عليه فرصاً كثيرة، فلم يستطع أن يبلغ أية مرتبة ذات شأن، وبين الاقتناع بقدراته، وأنه رجل عظيم فعلاً، والآن وفي عمره هذا ومع زوجته قرر الزوج أن يدعو أهل المدينة جميعهم لكي يبلغهم رسالة يحملها، ولكنه عاش طوال عمره ذليلاً، ولم يعرف يوماً كيف يعبر عن نفسه، لذلك استأجر خطيباً لكي يبلغ رسالته إلى ذلك الجمع.
يتوافد على منزل العجوزين أناس وهميون، غير مرئيين، لكنّ الزوجين يستقبلانهم تباعاً، ويتخيران لهم الكراسي حسب المكانة الاجتماعية، وتتكاثر صفوف الكراسي الفارغة، وأثناء الاستقبال تدور حوارات لا يسمع منها سوى إجابات الزوجين وأسئلتهما وتعليقاتهما، لكنها تكشف عن جوانب من حياة المجتمع، وتراتبيته، وازدراء أصحاب المناصب العليا والمكانة الاجتماعية الرفيعة لمن هم دونهم، كما تكشف عما كان يحلم به كلا الزوجين في الماضي، المرأة الحسناء التي أحبّها الزوج وحلم بالزواج منها، والمارشال الذي كان يتمنى أن يصير مثله، وفني التصوير الذي كانت الزوجة تتمنى أن تتزوجه.. إلخ.. يكتظ المكان بالمدعوين من كل الطبقات، وتسمع موسيقى الشرف، ويفتح الباب فيدخل الملك وهو أيضاً غير مرئي، ويحاول الزوج الذي أصبح محاصراً بالبشر أن يصل إلى الملك لكي يحييه، فلا يستطيع، ثم يصعد فوق الكراسي، فيكلمه معبراً له عن سعادته وامتنانه بالشرف الذي أولاه إياه بمجيئه إلى منزله المتواضع، ويلقي عليه كل أنواع التمجيد والعرفان، لكن صوته ظل ضائعاًً بين الجمهور، حتى أنه لم يستطع أن يمتع ناظريه برؤية التاج على رأس الملك الذي حجبه عنه الناس، وكانت الزوجة طوال ذلك تردد صدى كلمات زوجها، وتؤكد ما يقوله.
أخيراً يدخل الخطيب، فيدعو الزوج الجموع إلى الاستماع له، ويطلب من الخطيب أن يتكلم وأن يبلغ عنه رسالته كاملة غير منقوصة إلى تلك الجموع، ويشعر الزوجان في تلك اللحظة بالزهو، ويقرران فجأة الانتحار فيقفزان في لحظة واحدة من نافذتين متقابلتين، ويتهيأ الخطيب للكلام، لكن، لا يصدر عنه سوى همهمة وزعيق أشبه بأصوات الأبكم، وحين لا يستطيع الكلام، يكتب أحرفاً مبهمة على سبورة قريبة منه، ثم يمحوها ويكتب أخرى، وأخيراً يكتب كلمة «و د ا ع ا»، ويخرج، وتسمع أصوات ضحك وضجيج وصخب، وتنتهي المسرحية.
الزوج فاشل، وحياته وزوجته فارغة، وكل ما يقوم به لإثبات عظمته وهم، مثل أولئك الأشخاص الوهميين الذين استدعاهم، والكراسي التي ظلت فارغة، والرسالة التي يظن أنه يحملها فارغة، مثل ذلك الخطيب الأبكم، ولن تكون نهاية ذينك الزوجين إلا بتلك الطريقة العبثية «الانتحار».
هذا ما تقوله مسرحية يونسكو، ولم يخرج عرض حسين العصفور عن هذه الرؤية، وكان تصرفه في المسرحية طفيفاً، رغم أنه حذف من النص أجزاء، لكن ما حذفه كان تفصيلات فرعية، ولم يكن مفاصل أساسية، والشيء الوحيد الذي تغير هو شكل النهاية، فالزوجان لم ينتحرا في عرض العصفور، بل بقيا حتى انصرف الخطيب، وقد اجتاحت المكان زوابع برد، وانصب عليهما الثلج حتى جمدهما البرد، ولا يبدو أن هذا التغيير يمثل إضافة كبيرة، فسواء انتحر الزوجان أو تجمدا من البرد ففكرة العبث هي نفسها، ولقد كانت دوماً إحدى الانتقادات التي توجه إلى اتجاه العبث أنه يمثل شكلاً فكرياً واحداً حتى ولو تعددت مظاهر التناول، ففي النهاية لن تكون تلك المظاهر على اختلافها سوى تعبير عن «عبثية الحياة» وهي فكرة مغلقة غير قابلة للتطوير والإضافة، ومن هنا نشأت الأزمة التي وقع فيها هذا التيار، ولم يستطع تجاوزها، وأدت به إلى أن ينتهي سريعاً في أوروبا، ويصبح جزءاً من تاريخ الفكر، يمكن أن يستفاد منه في إطار رؤى جديدة أكثر تقدمية وانفتاحاً، ومن هذه الزاوية فإن المخرج لم يضف أي جديد على ما كان مطروحاً من قبل، ولم يستطع أن يفتح كوة ولو صغيرة في تلك القلعة العبثية الموصدة، وأظن أن الراهن العربي بحاجة إلى ما يفتحها، وليس إلى ما يؤكدها.
يحمد للعرض قدرة الممثليْن الرائعة، وأدائهما السليم باللغة العربية، كما يحمد له الاستخدام الجيد لعناصر السينوغرافيا.

-----------------------------------------
المصدر : محمد ولد محمد سالم - الخليج

الاثنين، 13 فبراير 2017

المسرح السوري صوّر المثقف ابن الطبقة البرجوازية … د.غنيم: المسرح السوري عالج قضايا المجتمع وأولها «هموم الوطن»

مجلة الفنون المسرحية

المسرح السوري صوّر المثقف ابن الطبقة البرجوازية … د.غنيم: المسرح السوري عالج قضايا المجتمع وأولها «هموم الوطن»

إنّ الفن المسرحي فن متكامل، تجتمع فيه فعاليات كثيرة لتؤمّن له النجاح، فالمخرج المتميز، والممثل القادر، والديكور المعبّر والإضاءة، والملابس والموسيقا، وغير هذا مما يتطلبه الفن المسرحي. ولكن النص، يبقى في طليعة هذه الفعاليات جميعا.. فهو المنطلق الحقيقي والعصب الرئيسي الذي يحرّك أغلبية الأشياء في هذه العملية المرّكبة الصعبة. ولا يمكن أن تقوم نهضة مسرحية حقيقية إلا على أكتاف كتّاب مسرحيين أولا، وكتابة مسرحية واعية.. هذا ما جاء ضمن مقدمة كتاب «المسرح السياسي في سورية» للدكتور غسان غنيم، والذي صدر عن وزارة الثقافة/ الهيئة العامة للكتاب، بواقع 421 ورقة.

تهرّب المسرح من السياسة
كان المسرح قبل عام 1967 يتهرّب من القضايا السياسية- إلا في الجانب القومي- فغرق في الاهتمام بمعالجة القضايا الاجتماعية والتاريخية، وشاعت المسرحية الاجتماعية، والمسرحية التاريخية التي تعالج شخصيات من التاريخ العربي، أو مواقف معيّنة، لأخذ العبرة والعظة، ولإظهار الجوانب المشرّفة في تاريخنا. ولكنه بعد هزيمة حزيران، وجد المسرح أن لا خيار أمامه ولابدّ له من الخوض في بحر السياسة حتى أذنيه، ويقول د. غنيم في مقدمة الكتاب «الأجواء حوله تموج بالسياسة التي أصبحت خبز الجماهير اليومي. فاستجاب المسرح بطواعية تامة، وأقبل على المضمونات السياسية بنهم، فعالج أخطرها، ليواجه المجتمع، وليواجه الهزيمة. عرّى المجتمع، والحكومات، وألقى المسؤوليات على أصحابها وعلّم.. وحرّض.. فتثبّت حضوره، ما ألجأ رجال المسرح العرب المجتمعين في الندوة الختامية لمهرجان دمشق الرابع 1972 إلى إدخال مصطلح «المسرح السياسي» لمناقشته»… ويتابع «ولكن المسرح السياسي شاع، وثبت في الوطن العربي كلّه، فعرفه الباحثون مصطلحاً بدأ يشيع بينهم، وعلى ألسنتهم في الندوات والمهرجانات وفي كتاباتهم، في الكتب والدوريات المختصة. كما ظهرت بعض الدراسات التي خُصصت له».

للمسرح السياسي.. أبواب
تضمن كتاب «المسرح السياسي في سورية» ثلاثة أبواب تضمت عدة فصول، فكان الباب الأول «المسرح السياسي مقدمات نظرية» يتحدث بفصوله الثلاثة عن القضايا النظرية التي تتعلق بهذا المصطلح، مثل نشأة المسرح السياسي وتجلياته المختلفة في العالم، حتى وصل إلى منطقتنا العربية. أما الباب الثاني فقد عالج فيه المؤلف هموم المسرح السياسي السوري المعاصر، فقسّمه إلى ثلاثة فصول تتحدث جميعها عن الهموم التي عالجها المسرح السياسي فاكتسب بذلك مشروعية تسميته، حيث تناول الفصل الأول «هموم المواطن» كالهم الديمقراطي وقضية الحرية وقضية المثقف وموقف المثقفين من الأحداث السياسية التي مرّت بالوطن والذي حسب المؤلف بدا موقفاً سلبياً يحمل الكثير من بذور الشك والريبة في أخلاق المثقفين وطبائعهم كما قال د. غنيم «وجدت في هذا مفارقة تتجسد في أن هؤلاء المسرحيين، ما هم إلا مثقفون ولكنهم، حين تحدّثوا عن المثقفين، وقفوا منهم موقفاً سلبياً. وقد أعدت ذلك إلى أن المسرح السوري، قد صّور نموذج المثقف ابن الطبقة البرجوازية الصغيرة الصاعدة والذي يحمل أخلاق طبقته، ولم يصوّر النموذج الثوري الذي يحمل هموم مجتمعه، ويحاول أن يطرح آفاق الحل أمام الجماهير التي تحتاج إلى من ينير لها الدرب دائما».
أما الفصل الثاني فدرس «هموم الوطن» وهي كثيرة، مثل الهم القومي المتمثل بالوحدة العربية همّاً أساسياً، وبالقضية الفلسطينية همّاً آخر، واحتل حيزاً كبيراً في خارطة المسرح السياسي السوري المعاصر، يقول د. غنيم «تناولت الحرب، وعرضت لحرب حزيران، ثم لحرب تشرين، ثم لموقف المسرح السوري من الحرب بشكل عام، ثم درست «الثورة» كموضوع رئيسي من موضوعات المسرح السياسي، في المسرح السوري المعاصر، الذي فرّق في معالجة الثورة بين ثورة مثالية وأخرى منظمة، وأخرى مجهضة».
أما الفصل الثالث فقد خصصه المؤلف للتحدث عن هموم السلطة عارضاً للأساليب التي ذكرها المسرح السوري، التي تثّبت السلطة أركانها من خلالها، ولأساليبها في القضاء على المعارضة من قمع وإصلاح أو إجراءات أخرى تمتص من خلالها نقمة الناس، مبيناً بأن المسرح السوري قد أطنب في الحديث عن الهموم السلبية للسلطة وأغفل أو تغافل عن ذكر الهموم الإيجابية لها، فلم يكن بذلك يتوخى الدقة الموضوعية.
أما الباب الثالث فقد خصه المؤلف للحديث عن تقنيات المسرح السياسي التي تميّز بها، من خلال كثرة استعماله إياها وذلك من خلال ثلاثة فصول، مبتعداً عن التقنيات الفنية التي تقوم عليها المسرحيات بالعموم من لغة أو حوار أو حبكة… إلخ لأنها تقنيات رئيسية لا تقوم المسرحية من دونها.
تحدّث الفصل الأول من هذا الباب عن تقنية «الإبعاد الزماني والمكاني» وعن استعمال الرموز، وهذه التقنية شائعة في المسرح السياسي السوري المعاصر كما أنها ليست مقصورة عليه، وقد يسّرت الكثير من الحرية والجرأة للمسرحيين السوريين في تناول موضوعات وقضايا مهمة جدا، ومعالجتها بكثير من الحرية.
في حين تناول الفصل الثاني تقنية «التغريب» التي اشتط المسرح السياسي في اللجوء إليها تأثراً «ببريشت» وبمسرحه أولا ولقدرة هذه التقنية ثانياً على إغناء المضمون السياسي، وخدمة هدف المسرح السياسي في إيقاظ المتلقي وعدم السماح له بالغرق في الوهم.
أما الفصل الثالث فقد جاء بالحديث عن التجريب الذي شاع في المسرح السوري على الرغم من التأصيل، لأن التأصيل الذي يبحث عنه التجريبيون لن يتسنّى للمسرح العربي، ما لم تتأصل شخصية الإنسان العربي التي ما تزال ضائعة تبحث عن نفسها بين التراث والغيبات، والحضارة المعاصرة والفلسفات المختلفة، والتقنية الحديثة، ما لم يصبح المسرح ركناً أساسياً في حياة الإنسان العربي وفي تكوينه الشخصي.

في الخاتمة
أنهى الدكتور غنيم بحثه بالخاتمة التي عرض فيها أهم النتائج التي توصّلت إليها الدراسة، والتي اعتمد فيها على المنهج الاجتماعي بدلالاته العامة، محاولاً تبيان أهمية العلاقة التي تربط الأدب بالمجتمع، كما تناولت الخاتمة الجزئيات بشكل إذا جمع القارئ بين هذه الجزئيات تشكلّت لديه صورة متكاملة عن فكر كل مسرحي سوري وعن أدبه وفنه، وتشكلّت لديه صورة متكاملة عن المسرح السوري المعاصر.

---------------------------------------
المصدر : سوسن صيداوي - الوطن 

مسرحية «تشابك» : تناغم وانسجام طاقم العمل ساهم في تكامل العرض من كافة جوانبه

مجلة الفنون المسرحية

مسرحية «تشابك»: تناغم وانسجام طاقم العمل ساهم في تكامل العرض من كافة جوانبه
عرض «تشابك» السعودي يثير إعجاب نقاد مهرجان المسرح الخليجي بالشارقة


فتحت المسرحية السعودية «تشابك»، التي عرضت ضمن مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي شهية النقاد على آخرها في الندوة التطبيقية الثالثة، التي شهدتها قاعة الندوات بقصر الثقافة بعد العرض مباشرة، من خلال المداخلات والتحليل الموضوعي والدقيق. أدار الندوة إبراهيم الحارثي بحضور المؤلف فهد ردة الحارثي والمخرج أحمد الأحمري، وأشار إلى أنهما قامتان مسرحيتان أوجدتا مناخا رائعا جدا وفضاءات مميزة في المشهد المسرحي السعودي، وقرأ جانبا من كلمة المؤلف التي تضمنت سؤال العرض وثيمته التي تكاثفت حول «ماذا لو» وصراع الإنسان مع ذاته، لتنطلق بعدها المداخلات الذي بدأها الدكتور محمد سلمان من البحرين بتنويه لفعالية الفنانين عبدالرحمن المزيعل وسامي الزهراني، وإلى اللعبة المسرحية التي نهضت على السؤال والإجابة عنه، فهل يجب أن يكون للعبة المسرحية زمان ومكان وهدف أم إنها تبدأ وتنتهي من دونهما، كما تحدث عن اشتغال المخرج على ما يمكن تسميته بصندوق الأراجوز بشكل مبدع وبوعي واضح حتى في تحويل الصندوق إلى سفينة مجنحة أشبه بالطائرة، فيما لم يستسق الموسيقى والمؤثرات التي وصفها بالمقحمة في بعض الاحيان.

من جهته، قال د.سعيد كريمي من المغرب: هناك تناغم وانسجام بين صناعة أو كتابة النص المسرحي ونص العرض الذي كتب أصلا برؤية إخراجية استباقية ليأتي هذا العمل بشكل متكامل على مختلف المستويات، عمل يعيد الاعتبار للممثل باعتباره سيد الخشبة، حيث استطاع المخرج برؤيته الثاقبة أن يفجر طاقاته على مستويات مختلفة ومتباينة مثل الغناء والرقص والتعبير الجسدي، كما أن النص المسرحي يحضر بقوة على أساس غير كلاسيكي معهود، ولكنه نص متحرر يمكن استبدال مقاطع فيه دون أن يحدث أي ارتباك داخل النص وهو يتماهى مع اللعبة وموضوعه، الذي يمكن أن نصنفه في إطار ما يعرف بالسايكودراما، كذلك تحضر المأساة السوداء تراجيي- كوميدي هناك ضحك وفي الوقت نفسه مأساة حقيقية من خلال هذه التحولات خروج الممثل من شخصية ودخوله لشخصية أخرى، هذا التماهي والتلاعب يدل على أن هناك رؤية إخراجية حاضرة مع عمق في الكتابة الدرامية، وهذا ما جعلنا نشاهد عملا مسرحيا فيه نوع من الجدلية بين الستاتيكا والديناميكة بين التحول والثبات تؤدي الى فضاء أنيق. وكانت للفنان البحريني عبدالله ملك مداخلة قال فيها: لا يجرؤ أي شخص أن يتناول نصا لفهد ردة الحارثي إلا إذا كان متمكنا من أدواته الثقافية الفنية، فرغم كل هذا التيه والتنافر وهذه الرمزية والسريالية وكثير من الأمور الغرائبية في النص إلا أنك تجد نفسك مأسورا مندمجا طوال العرض أمام مؤديين كانا كأنهما يعزفان وليس يمثلان، قدما لنا عرضا جميلا متكاملا كان خلفه مخرج واع ومتمكن من أدواته، وفعلا لم تكن هناك أية مجانية في أي من تفاصيل العرض المسرحي كل شيء موجود مدروس وفي مكانه.

وشكر المؤلف المتداخلين جميعا ووضح بعض القضايا التي التبست ورد على سائر الأسئلة التي طرحت، موضحا ومفسرا، وبدوره شكر المخرج المتداخلين وأكد أنه سيأخذ منها ما يفيد العرض بكل تأكيد.

------------------------------------------------
المصدر : حسين السنونة  - اليوم 

“نجيب حبيقة الحلقة الموؤودة في تاريخ المسرح العربي” د. محمد المديوني

مجلة الفنون المسرحية

“نجيب حبيقة الحلقة الموؤودة في تاريخ المسرح العربي” د. محمد المديوني 

صدر للاستاذ الباحث والناقد الدكتور محمد المديوني، كتاب “نجيب حبيقة الحلقة الموؤودة في تاريخ المسرح العربي”، عن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة، ضمن سلسلة دراسات. ويتألف من 237 صفحة، يسلط فيه الضوء المديوني، على مدى أهمية الثغرات المنسية والعميقة التي تركها خلفه تاريخ المسرح في الوطن العربي، دون اشارة، وإن كانت موجودة هذه الأخيرة، فبشكل خجول، ولا تشفي الغليل العلمي. حلقات فارغة، ثاغرة، ناقصة، لم يبال بها أو تم تجاهلها، ربما عن قصد أو غير قصد، رغم اهميتها الكبيرة، ورسوخها القوي في تمفصلات تاريخنا المسرحي.
إن هذا الكتاب يجعلنا نشكك بالمسلمات التي اصبحت مع مرور الزمن مثل ثوابت مقدسة، يصعب لمسها أو الاقتراب منها، ولكن يوما بعد آخر، نكتشف ان هناك مغالطات كبيرة ارتكبت، واسماء عديدة حذفت او فرضت علينا وهي خالية من الوجود (مثل، قصة ريادة يعقوب صنوع للمسرح المصري الكاذبة، التي اكتشفت مؤخرا من قبل الدكتور سيد علي اسماعيل). وهذا الامر لا يشمل مسرحنا العربي فقط وإنما الغربي أيضا، الذي ظل موهوما ولفترة طويلة بالنظرية الشعرية لأرسطو، التي تم تفكيكها مؤخرا من قبل الاستاذة والباحثة المتخصة بالمسرح اللاتيني ” فلورانس دوبون “، في كتابها الموسوم (ارسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي)، الذي تقول من خلاله بما معناه، إن أرسطو، قد اخترع مسرحا بلا خشبة، دون آلهة، دون موسيقى، وموجه للقراء فقط، ولم يبق من التراجيدية سوى النص الموجه في المقام الأول للقراء. في حين ان المأساة اليونانية كانت اولا وقبل كل شيء، أداءً طقسيا وجزء لا يتجزأ من سياق مسابقة موسيقية، وليس نوعا أدبيا.
ابتدأ مشروع المديوني هذا من الدرس الأكاديمي مع طلبته، ليصبح في النهاية كتابا يحمل حقائق تاريخية جديدة ومفاجئة، لا تقل أهمية عن غيرها من الحقائق المعروفة، ولكن للاسف قد تم تجاهلها. ولكن على الرغم من تقادم الزمن، ها هي تنبثق اليوم وتخرج إلى الضوء، في صورة كتاب يطعن بشكل مباشر بكل ما هو مسلم به من تاريخ مسرحي وافتراضي علمي في مسرحنا العربي. لا سيما ان كتابات محمد يوسف نجم ويعقوب لانداو، قد اطرت ونظمت عملية تفكيرنا بالمسرح العربي بالطريقة التي شاء لهما ان تكون، وجعلت الاكاديميين والممارسين للمسرح ، ينغمرون فيها، دون فحص ومساءلة ولا تشكيك لما جاء فيها من معلومات.
بدأت رحلة البحث والتقصي عند الدكتور محمد المديوني، انطلاقا من مقالة حول (فن التمثيل) صدرت في مجلة المشرق سنة 1899، أراد من خلالها أن يقف وطلبته على (المفاصل التي قامت على أساسها الممارسة العربية لهذا الفن وارتسمت من خلالها التنويعات التي عرفتها نتاجاته(صفحة 5)، وهذا ما قاده منهجيا، بدعوة طلبته بالعودة الى الوراء حيث المصادر، وإلى كتابي محمد يوسف نجم ويعقوب لانداو(المسرحية في الادب العربي الحديث ،studies in the Arab theatre et cinema)، اللذان أرخا للمسرح العربي ونشأته.
وفي سياق ما اعتمده هذان الباحثان، اكتشفت، يقول المديوني، مقال نجيب حبيقة في قائمة المراجع المذيلة لكتاب محمد يوسف نجم، وفي البيبليوغرافيا التي اوردها يعقوب لاندوا في احد مقالاته، وبعد ذلك في كتابه (صفحة 9). إن تضارب واختلاف احالات الباحثين في اشارتهما لطبيعة نص نجيب حبيقة ( إن كان مقالا واحدا أو مجموعة مقالات) قد لفت انتباه المديوني وأثار لديه العديد من الأسئلة المحيرة، التي لا يمكن أن يجيب عليها سوى العثور على النص الأصلي. ولكن كيف السبيل إلى ذلك، والنص صادر في بيروت عام 1899؟. إذن، لا بد من ابتداء رحلة بحث وتنقيب في اروقة الارشيف وجرارات ذاكرته القديمة، وهذا الأمر كما نعلم، لم يكن سهلا او هينا كما هو الحال الآن بفضل المكتبات والمواقع الرقمية. وبعد العثور على مقال نجيب حبيقة (فن التمثيل)، والإطلاع عليه اكتشف المديوني سر الالتباس والغموض، في بحثي محمد يوسف نجم ويعقوب لاندوا، الكامن في عدم اطلاع هاذين الباحثين المعتمدين في كتابة تاريخ مسرحنا العربي، على المقال بحلقاته الستة، وهذا بحد ذاته، ما احدث للمديوني صدمتين معرفيتين، يمكن اختصارهما هنا: ( في تقصير الباحثين الجامعين معا واشتراكهما في التمويه المعرفي وإعطائهما معلومات تقريرية توهم بإطلاعهما عليه التي لا تترك للقارئ مجالا لاحتمالات خارجة عما أثبتاه). (صفحة 108). بالإضافة الى أن كلما ذكر اسم المؤلف (غالبا ما يكون في اطار كلام عام لا يعكس معرفة فعلية بما أنجز؛ وإن أشير إلى المقال فكثيرا ما يكون ذلك بصورة لا تدل على اطلاع فعلي على ما قام عليه؛ وإن عول على ما ورد فيه ضُمن شيءً من متنه في هذا المقال او ذاك فلا يذكر عنوان المقال ولا صاحبه)(صفحة 35). إن مظاهر الجهل والتجاهل لما ورد في مقال (فن الممثل) الذي تتوفر فيه كل سمات الريادة، استوقف المديوني وجعلته يطرح العديد من الاسئلة التي اثارت في شكلها ومضمونها، اكثر من اشكال حول مصداقية استنتاجاتهما، وزعت في نفسه اليقين (بأن حلقة اساسية من حلقات التاريخ للمسرح العربي قد طمس طمسا ليس غريبا عن الوأد)(9). بحيث صار يتعامل الدكتور المديوني مع هذا المقال عند حديثه عن مسارات المسرح العربي، باعتباره نصا من بين النصوص المؤسسة للمسرح العربي لا يقل (اهمية عن موقع نص الخطبة التي قام بها مارون النقاش عند عرض مسرحية البخيل سنة 1847، مؤكدا من خلال ذلك على ريادة مسرحية ثانية تلي ريادة النقاش) (10). وهذا بحد ذاته، خطب رائع وانتصار للأمانة العلمية التي كادت ان تطمر وتغيب لو لا رحلة البحث والتقصي عن الحقائق التي كان مسكوتا عنها. لا سيما أن الناظر(في هذا النص يقف على استيعاب لأهم مقومات الدراماتورجيا بمعناها الفرنسي وعلى معرفة بالأسس التي قامت عليها إنشائية التأليف المسرحي معرفةً لا يجد لها ما يضاهيها في عصره وفي عقود كثيرة لحقت به) (صفحة 11 ).
انطلاقا من مقال (فن التمثيل) استطاع الدكتور محمد المديوني، أن يلملمّ اشلاء قطعة (البزل) المبعثرة الاوصال والمموهة التي اخفى ترتيبها واحد من اهم التمفصلات التاريخية التي يمكن ان تستقرأ الصلة السوية بين اللغة العربية وأهلها وبين مقولات فن الشعر لأرسطو، و(امتداداتها لا في المستوى المعرفي فحسب، وإنما على صعيد الفعل المسرحي ذاته، خاصة وأن الشروط التي كانت غائبة في عهد الاسلاف قد أضحت حاضرة، بين الناطقين بهذا اللسان في العصر الذي كان يعيش فيه) (ص 11). من خلال عملية التدقيق الرصين والحثيث، في الاحالات وعناوين الآثار والجداول، والشواهد المقتبسة في مقال نجيب حبيقة، استطاع المديوني أن يحدد تواريخ نشرها وضبط ارقام الصفحات التي وردت فيها تلك الفقرات، لتثبيتها في هوامش تصاحب المقال المنشور في فصل (تحقيق فن التمثيل) من هذا الكتاب ابتداء من صفحة 105 وما يليها.
ولم يتوقف محمد المديوني عند هذا التحقق، وانما اضاف مباحث اخرى ركز فيها على أهمية النص نفسه بالنسبة للمسرح العربي والعاملين في حقوله، ومدى سلبية عملية تجاهله وانعكاساها على الحقيقة العلمية والفنية، من خلال موقعة حبيقة ونصه في الدراسات المعنية بالمسرح (ص34)، وبنية (فن التمثيل) والوعي بالريادة (ص59)، الذي ضمنه ابواب، تحدث فيها في موضوع تأليف الرواية التمثيلية، وادارة التمثيل، والجهاز المصطلحي في مقال (فن التمثيل) (ص72)، والوعي بالمصطلح ومسالك ابتداعه (ص75) ثم تناول المنجز المصطلحي الحبيقي وذهول الباحثين والمؤرخين (ص82)، وإلى اخره من المباحث التي اعاد من خلالها المديوني الامور إلى نصابها، بعد ان اخذ بحق نجيب حبيقة ومقاله الذي تجاهله البحث العلمي!. ثم يختم محمد المديوني مقدمة كتابه قائلا: ( أنشر “فن التمثيل”، في كتابـي هذا، وأُوجِّهه ـــ بالدرجة الأولى ـــ إلى الباحثين في المسرح العربي، مؤرّخين ومنظِّرين ونُقَّــادًا، ولا أقْصِــد من ذلك، أنَّ ما ورَد فيه لا يعني مُجْمَلَ المُثقّفيـن والقُـرّاء؛ وإنّما أَذهب إلى أنّ البَاحثين في المسرح العربي معنِيُّـون بالنظر فيه والتفاعل معه التفاعلَ الذي يَروْنَـه، فلا سبيل إلى تجاهله، بعد اليوم، وقد أضحى في متناولهم وعلى أحسن حال).

محمد سيف
كاتب ومخرج مسرحي عراقي، باريس
muhamadsef@hotmail.com

مسرحية 'ألهاكم التكاثر' حكاية الإنسان من الولادة إلى العبودية

مجلة الفنون المسرحية

مسرحية 'ألهاكم التكاثر' حكاية الإنسان من الولادة إلى العبودية

من أصعب أشكال الفنون التمثيل الصامت أو ما يسمى “البانتومايم”، حيث يعتمد هذا الفن كل العناصر المسرحية من مؤثرات وحتى من وقفات الصمت المقصودة، غير أنه يخلو من الجانب الحواري والملفوظ عدا الآهات، ولكنه يقدم خطابا فنيا يحث الجمهور على تتبع عناصره وتمثّل معانيه.

على مدى يومي السبت والأحد 11 و12 فبراير الجاري قدمت قاعة الفن الرابع بالعاصمة التونسية عرضا مسرحيا راقصا بعنوان “ألهاكم التكاثر”، من إنتاج المسرح الوطني التونسي، كوريغرافيا وإخراج نجيب خلف الله.

بداية لا يمكننا الحديث عن محتوى العرض قبل الوقوف على عتبته، ألا وهي العنوان المثير الذي اختاره خلف الله لعمله؛ “ألهاكم التكاثر”، وهو مقتبس من النص المقدس؛ القرآن. وسنكتشف في ما بعد عمق العنوان وارتباطه الوثيق بمحتوى العرض، وحتى بالسياق الذي وردت فيه أولى آيات السورة “أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ/ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ”.

يفتتح العرض بنص بالعربية، يقدم مدخلا إلى اللوحات الراقصة التي ستعقبه، نص نثري قريب من الشعر، يحكي باقتضاب مسار الإنسان الذي يشق أكداسا من الأيام، وما تخلفه الحياة اليومية فيه وفي جسده وروحه، من فوضى وعبودية، من ألم وفرح، هذا الإنسان الذي يتوقف هو نفسه عن إنتاج آلامه ومسرّاته.

ثلاثة ممثلين وأربع ممثلات، ولا ندري هنا ربما كان اختيار تقديم العرض من خلال سبعة عناصر له صلة بما تسرده الأجساد عن يومياتها، يوميات تقودها الخطوات والأيدي أمام موسيقى تبدو رتيبة، أو أريد لها ذلك، حيث يهيمن على موسيقى العرض مقطع قصير من عدد ضئيل من النوتات يتكرر مهما تغيرت الرقصات، ولا يتغير إلا في مفاصل العرض التي تحمل تحولا، ولكن حتى التصفيق والضرب على الخشبة والأنفاس والآهات، كلها من باب الموسيقى التي أعطت للعرض مسحة أخرى من الوحدة.

من خلال أجساد الراقصين يمكننا أن نقرأ الحكاية، حكاية الإنسان؛ ذكرا كان أم أنثى، في محاولة تحرره وفي استكانته، في فوضاه، في خطواته وهو يمضي إلى “أين”، حيث يتحرك الراقصون بداية بشكل منتظم ثم تغزوهم الفوضى، ليتقدموا بعد ذلك في كتلة واحدة تتمزق، لتلتئم، وفي بعض اللوحات الأخرى نجد عددا أقل من الراقصين، ونجد حتى الثنائيات خاصة بين الذكر والأنثى.

حكاية الإنسان ليست حكاية واحدة بل هي متشعبة ومتداخلة ومتضاربة أحيانا، وهذا ما وجدناه في العرض؛ التعانق والذوبان والحب، الخصام والسقوط والموت، الخوف أيضا، والانبعاث، المرأة التي تقحم رأسها في ظهر رجل، لا ندري إن كانت تتأمله من الخلف وتعلم أسراره أو أنها تكتشف ما بداخله أم أنه هو من يحجبها ويبقيها في ظهره، تأويلات كثيرة لمعانٍ كثيرة حاول العرض تقديمها بشكل أو بآخر.

ربما كانت أكثر حركة تكررت في العرض هي أن يضع أحد الممثلين أذنه على بطن إحدى الممثلات، بعد لوحة سابقة تكون أشبه بالالتحام، لتليها حركة النبض التي تنطلق باليدين من البطن إلى أعلى، أعلى حيث لا يتوقف الراقصون عن النظر، أعلى حيث فكرة السماء والخلق.

هو التكاثر الإنساني في ظل أيام تتفاقم وتجعل من كل عمق سطحا، وتجعل من الحياة البشرية فوضى ناعمة، بلا عمق أو رؤيا، كما أن التكاثر هو الزاوية التي وقع حشر الجسد البشري فيها، ليكون استهلاكيا وحيوانيا في إنتاجه، لا عنصر إبداع وتحرر بل عنصر يدور بين الولادة والاستهلاك، والاستعباد، والموت.

نجح العرض المسرحي الراقص “ألهاكم التكاثر” في تقديم لوحات راقصة مميزة نقلت حكاية الإنسان المعاصر ويومياته في قالب رمزي عميق، ولكن لاحظنا تفاوتا في مستوى أداء الممثلين الراقصين وتباينا في إتقانهم للحركات خاصة في اللوحات الجماعية، ولكننا لا ننسى أن نلفت إلى النجاح في الإضاءة التي جاء أغلبها خطوطا متقاطعة أعطت العرض أبعادا أخرى مختلفة، في تقسيماتها وتداخلاتها.

-------------------------------------------------
المصدر : محمد ناصر المولهي - جريدة العرب

جلسة شهادات النقاد والمسرحيين لتجاربهم المسرحية فى مؤتمر المسرح بالمنوفية

مجلة الفنون المسرحية

جلسة شهادات النقاد والمسرحيين لتجاربهم المسرحية فى مؤتمر المسرح بالمنوفية

خلال جلسة شهادات النقاد والمسرحيين فى تجاربهم المسرحية بمؤتمر المسرح الأول بثقافة المنوفية " مسرح الأقاليم تاريخ وتحديات "والذي عقد أمس السبت 11فبراير2017 بنقابة المحامين برئاسة خالد راشد و بحضور الدكتور سيد خطاب رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة والدكتور عواد أحمد على سكرتير عام مساعد بالمحافظة وأحمد درويش رئيس إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي والأستاذ صبري عبد الرحمن مدير عام ثقافة المنوفية ولفيف من القيادات التنفيذية والثقافية بالمنوفية، أوضح الدكتور محمد رفعت الناقد المسرحي أنه بدأ تجربته المسرحية بالمنوفية فى عام 1966 بحضور إحدى بروفات فريق مسرح كلية الآداب، فى مسرحية شقلبان إخراج يوسف النقيب وتأليف سعد حجاج وأسند إليّه دور "وائل" كأحد الأدوار الرئيسية والهامة في المسرحية.

مشيرا إلى أن يوسف النقيب من المخرجين الذين يصبغون أداء الممثل بجزء من ذاواتهم ولا يترك الممثل إلا وقد وصل إلى حد، وأكد الدكتور محمد الروبي الناقد المسرحي أن لمسرح الثقافة الجماهيرية أهمية وضرورة يزدادان بمرور الوقت؛ وفقا لتحديات تتعرض لها مصر الآن ومنذ سنوات طوال موضحا أنه علينا أيضا أن نعترف بأن بنية هذا المسرح "فكراً وتقنية" لابد أن يعاد النظر فيها من أجل أن تواكب مستجدات العصر، ولنسعى إلى عودة المؤتمر العلمي لمسرح الثقافة الجماهيرية الذي شهد دورتين ثم اغتاله بعض من يرون أن العلم يتناقض مع المسرح.

وأشار المخرج المسرحي الأستاذ طلعت الدمرداش أن المسرح اقتحم طفولته منذ الصغر وحبه وشغفه له فى الثامنة من عمره فى استخدام الدكك الخشبية والملاءات والألوان المائية مستعرضا مسيرته الشاقة والممتعة فى المسرح من مشاركته فى العديد من المسرحيات وحصوله على جوائز عديدة تقديرا لإعماله حيث حصل على جائزة أحسن ممثل ومخرج فى مسرحية الغول عام 1971 وأحسن مخرج فى مسرحيتى أغنية على الممر والغريب والعديد من الجوائز فنى مسيرته المسرحية واختتم المؤتمر بفقره فنية رائعة للفنانان أحمد اللولى وسيد جابر. 

----------------------------------------------
المصدر : أحمد رمضان متولي-  بوابة الفجر 

بيار جعجع ينقل إلى المسرح «لغته الأم» وعالمه الصامت

مجلة الفنون المسرحية

شكّل مصمّم الرقص بيار جعجع، حالة استثنائية على مسرح المدينة في بيروت حيث افتتح عرضه الخاص الرسمي الأول بعنوان «اللغة الأم» (تنفيذ وإضاءة وديكور محمد فرحات). فالشاب (36 سنة) الذي بدأ تدريباته على الباليه الكلاسيكي والباليه جاز وهو في الثانية عشرة من عمره، كانت الإشارة لغته الأم اذ ولد أصمّ.
اتجه الى لغة الرقص في المراهقة حيث وجد ضالته، وبعد الباليه دخل معترك الرقص المعاصر حيث وجد فسحة أرحب للحرية الفنية الإبداعية. ثم رقص مع فرق فولكلورية محلية كبيرة من بينها «كركلا» التي أسسها الراقص اللبناني عبد الحليم كركلا عام 1968. كما شارك في استعراضات غنائية راقصة للمغنية اللبنانية هبة طوجي.
وأصبح اليوم مدرباً للرقص المعاصر في مدارس محلية عدة ناقلاً موهبته الفريدة إلى أشخاص من مختلف الأعمار.
هذه الرحلة الصعبة في حياة الشاب الطموح الذي يعيش في بلدّ يهمّش الى حدّ كبير ذوي الحاجات الخاصة، سواء من قبل المجتمع أو من قبل الدولة، أراد بيار جعجع تجسيده عبر جسده المرِن في «اللغة الأم».
العرض المنفرد الذي أمتع الحضور، يقدم رسم صورة راقص أصمّ، استطاع أن يطوّر تدريجاً قدرة جزئيّة على السّمع، وقد وجد في الرقص المعاني الجوهريّة للتعبير. وفيه حقق جعجع حلماً كبيراً راوده منذ الصغر بالوقوف منفرداً أمام جمهور كبير في بيروت. العرض الذي صمّمه جعجع وكتبه وأداه منفرداً، يدمج بين لغة الإشارة والرقص المعاصر تدخل فيه الموسيقى الحية لتروي علاقة جعجع مع الإيقاع والكلمة والإشارة. تتداخل حركات الرقص النابضة مع الخطاب الإيمائي، ومع الألعاب البهلوانية على خشبة المسرح، وعروض فيديوات سردية (فيديو جاد طنوس)، والموسيقى التجريبية التي يؤديها كل من شريف صحناوي (الغيتار الكهربائي) وطوني عليّة (الباص).
على رغم بدئه رحلة الراقص باكراً، بيد أنه لم يكن قادراً على سماع الموسيقى بسبب ولادته أصمّ أبكم. ولكنه كان يشعر بها وكان في تلك الفترة يستخدم جهازاً بدائياً يوضع في الأذن ويجعل الأصوات أكثر وضوحاً. وفي مدرسة متخصصة للصمّ (وهي من المدارس القلة في لبنان) تعلم كيف يطور حاسة السمع ليصبح أيضاً أكثر قدرة على الكلام والنطق بجمل مفهومة.
العرض المؤثّر والحميم، صفّق له الجمهور طويلاً لقدرة الراقص على اختراق عالمه الصامت وإخراج كواليسه إلى الناس عبر الفن بإتقان، خلال ساعة من الوقت.

------------------------------------------
المصدر : الحياة 

د.عقيل مهدي :البت في قضية الريادة ابتعدت عن الحساسيات المناطقية والدينية والعقائدية السياسية

مجلة الفنون المسرحية


تشخيص لجنة التحكيم كان سليما ومتزنا ومنصفا للطرفين الرياديين النقاش ودانينوس
البت في قضية الريادة ابتعدت عن الحساسيات المناطقية والدينية والعقائدية السياسية 
الهيئة العربية للمسرح تقوم بخطوة حاسمة على المستوى التاريخي والتوثيقي المتميز 

حاوره – عبد العليم البناء 

شهد مهرجان المسرح العربي (دورة عزالدين مجوبي)بنسخته التاسعة التي أقامتها الهيئة العربية للمسرح هذا العام في مدينتي وهران ومستغانم الجزائريتين بين العاشر والعشرين من شهر كانون الثاني 2017 الندوة التحكيمية الموسومة (مناظرة الريادة في النص المسرحي المنشور بين ابراهيم دانينوس ومارون النقاش ) بين كل من د. مخلوف بو كروح من الجزائر ود.سيد علي اسماعيل من مصر وقد أتت هذه المناظرة استتباعا للمناظرة الاولى التي جرت ضمن اشغال الملتقى الفكري لمهرجان المسرح العربي بدورته السادسة في الشارقة 13 كانون الثاني 2014 بين الباحثين المشار اليهما آنفا اللذين توقفا عند مسألة ريادة النص المسرحي العربي بين مارون النقاش في مسرحية (البخيل) وابراهم دانينوس في مسرحية (نزاهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق) .
المناظرة عقدت وسط حضور اكاديمي رفيع وقد أدارها الاديب الكبير الدكتور واسيني الاعرج وبمشاركة د. يوسف عيدابي منسقا بينما تشكلت اللجنة المحكمة برئاسة الدكتور عقيل مهدي من العراق ود.عزالدين بونيت من المغرب ود. محمد المديوني من تونس ، وبغية الوقوف على حيثيات هذه المناظرة المهمة والفريدة من نوعها والتي مثلت احدى المحطات المهمة في مسار وعمل الهيئة العربية للمسرح وهي تواصل تصديها لتأصيل وتفعيل المسرح العربي بكل تمظهراته توثيقيا وتاريخيا وابداعيا كانت لنا هذه الوقفة من الحوار مع الاستاذ الدكتور عقيل مهدي للوقوف على قرارات لجنة التحكيم والاسباب التي دعتها لاتخاذها بعيدا عن الاهواء والعواطف وبما يرقي بها الى طرق البحث والجهد الاكاديمي المتعارف عليه وبما ينسجم والظروف الذاتية والموضوعية لقضية الريادة ..
*في ضوء مناظرة ريادة كتابة النص المسرحي .. ما الذي يمكننا تأشيره من حقائق ؟
- ترأست لجنة التحكيم مع زملائي الدكتور محمد المديوني والدكتور عزالدين بونيت وتوصلنا الى ضرورة القيام بعقل جمعي يشمل ما يعرف ب(التجريح والتعديل) الخاص ، بمعرفة السياق التاريخي (الخارجي)للنص ، والوصول الى تحليل (معنى) النص، ومقاربته بروح علمية، وموضوعية ، تبتعد عن التورط في المغالاة المفرطة ،ما بين تأكيد (أصالة) النص ،والمؤلف، ومابين رفضهما وتهميشهما بالكامل.
قطعا كانت قرارات لجنة التحكيم ، متزنة ،ولم تأخذ جانبا (متطرفا ) مابين المتناظرين ، وهما د. سيد علي إسماعيل ، ود. مخلوف بو كروح ،إنما ذهبت الى ضرورة ، التمييز ما بين (ديانة) المؤلف والوضع الايديولوجي السياسي (الصهيوني) ، وما قد تحقق حقا من منجز ريادي في كتابة النص المسرحي للرائدين، مارون النقاش ومسرحية ( البخيل) وابراهام دانينوس ومسرحيته ( نزاهة المشتاق وروضة العشاق في بلاد طرياق بالعراق) الذي حدد تاريخ كتابته عام (1847) بافتراض سبقه (لسنة ) واحدة عن مارون النقاش . 
خلصت اللجنة الى ضرورة التثبت عمليا من تأريخ النشر ودعت الى تشكيل فريق من المتخصصين مستقبلا للنظر في ( الريادة) المسرحية في مجالات (النقد) و(التمثيل) و(الإخراج) وسواها من أنشطة معرفية تخص الجانب الفني ،والجمالي للعمل المسرحي وبروح البحث الاكاديمي ، والنزاهة العلمية المنشودة .
اللجنة أقرت (بوجود النص) في (أرشيف) دول غربية ولم يقدم (عرضا ) مسرحيا في الجزائر .
*وما الذي قمتم به من خطوات عملية على الصعيد الشخصي؟
- كما اتضح من السؤال، إن البت في قضية الريادة قد ابتعدت عن الحساسيات المناطقية والدينية والعقائدية السياسية .وكان من حظنا المعرفي وخطوتنا الخاصة بالتجريح والتعديل على نص ابراهام دانينوس ،أن وضعت كتابا عن هذه التجربة بمائة صفحة من القطع المتوسط وفيه الكثير من البينات على طبيعة النص الدرامية وافتقاده الى الممارسة الاخراجية التطبيقية التي لم تصل الى مرحلة (تركيب) الدرامي ، مع المسرحي مما يعطي أرجحية نص مارون النقاش(البخيل) على نص (ابراهام)، خاصة ان مارون قدم مسرحيات أخرى مثل : (النائم اليقظان) ، أو (أبو الحسن المغفل)،و(هارون النقاش)، وسواها، وقام بإخراجها، والتنظير لها.
*وهل ترى أن ما خرجت به اللجنة من قرارات قد حققت المطلوب ؟ وما السبيل الى تشخيص الريادة الحقيقية لاسيما ان البعض دعا الى تولي مؤسسات بحثية رصينة للقيام بهذه المهمة؟
- نعم استطاعت اللجنة بكل اقتدار أن لا تنجر الى عصبيات خارج نطاق المشكلة البحثية المطروحة والخاصة (بسبق نشر النص) لكل واحد منهم وثبت أن نص مارون النقاش كما جاء في كتاب (أرزة لبنان) كان يقع في زمن متقدم وقدم عرضا مسرحيا في دار مارون النقاش نفسه واحتوى نصه على حرفيات درامية ومسرحية ناضجة على مستوى الحكاية والحوار والشخصية والصراع والجو العام وكذلك على مستوى (جماليات) العرض، وقوانين المسرح ، ومصطلحاته. كان التشخيص سليما ومتزنا ومنصفا للطرفين الرياديين .
* وكيف تنظر لخطوة المناظرة أصلا وبعدها التاريخي والتوثيقي من لدن الهيئة العربية للمسرح ضمن سلسلة خطوات نوعية كاالمؤتمر الفكري والورش ومسابقات التأليف المسرحي للكبار والصغار وغيره؟
-اليوم تقوم الهيئة العربية للمسرح ، بخطوة حاسمة ،على المستوى التاريخي والتوثيقي المتميز، واختارت بدراية واضحة نماذج من اساتذة المسرح المعروفين بالنزاهة والانصاف وكان القرار الذي اعتمدته اللجنة قد توقف عند ما حققه مارون النقاش من أصالة فنية وابداعية، واضحة ومتميزة من تجربة ( البخيل) لموليير وأفاد من موروثنا القومي وبالأخص عبقرية الف ليلة وليلة وحكايانا العربية واشعارنا وصياغة الحانها بعيدا عن العنعنات والادعاءات الفارغة العقيمة.
إن النسخة (التاسعة) للهيئة العربية الخاصة بالمسرح ،قامت بصياغة مشروع متكامل يضم النظري مع العملي ،او التطبيقي الجامع لهما، ووضعت الذهنية الاخراجية والتأليفية والنقدية والورش الفنية والمسابقات والمناظرات على محك الواقع المسرحي المترامي الابعاد، كما خلصت لاختيار افضل العروض حسب ( معايير) لجنة تحكيم النصوص ،واتضح جليا الفرق ما بين الفرقاء في عملية فهمهم للمقدس، أو مقدار وارجحية المواقف الحرة ،او الخروج من قوقعة بعض المفهومات المندرسة . وللأسف انزلق ،البعض ،الى تهييج عواطف معينة انفعالية ليذهب بها بعيدا عن مظانها الاصلية ،واقحامها على الفضاء الجمالي الفني المسرحي الذي ينظر الى الرؤية الفنية لا الى الاجتهادات السياسية ،او الفقهية الخارجة عن (موضوعة ) المسرح والمسرحية. 
*اذا انتقلنا الى المهرجان بشكله العام وديمومة واستمرارية دوراته وتنوع أماكن انعقاده في البلدان العربية ما الذي يمكن تأشيره هنا؟
- أجد من الضروري توزيع امكنة المهرجان العربي القادم ،في بلدان عربية مشرقية ومغربية، لكي تؤتي ثمار هذه العروض والبحوث والورش ،ويفيد منها جمهورنا العربي ،وبروح تفاعلية تنشد الحق والخير والجمال ،ولا تخسره في دروب ضيقة فاقدة للصدقية ،وبعيدة عن هدفها الحقيقي في اثراء الوجدان العربي الجماهيري ، وهنا ينبغي الحرص على مسار الهيئة العربية للمسرح ،ونزاهتها ،وتكريمها للمبدعين أينما كان تواجدهم ،وهم يصنعون حلمنا العربي مسرحيا ،وبلغة رصينة ومتعة وفرح حقيقي.
*وكيف تنظر لمشاركة المسرح العراقي عروضا وباحثين واكاديميين واعلاميين؟
-التغطية الاعلامية والبحوث الرصينة وعروض المسرح العراقي بالاخص، توافرت فيها شجاعة الطرح ،وتمثل الاطروحة الفنية ( التجريبية ) من خلال مجاميع من الممثلين ، وبعضهم من المتمرسين في المسرح ، مع مجموعة ناشطة وموهوبة، وجلها من شباب المسرح، إذ تم التأكيد على الممثلات اللواتي ستنفتح امامهن الفرص الإبداعية القادمة ، كما تكرست طاقة الممثلة د. سهى سالم في عرض ( يارب) مع زميلها فلاح إبراهيم ،وإخراج مصطفى الركابي ،وتأليف علي الزيدي. ولا ننسى الدور الصامت للمثلة زمن الربيعي ، أو ما أنجز على صعيد السينوغرافيا ،ومقدمة العرض الخاص بالممثل سنان العزاوي. كذلك ما كان لجرأة الفنان صميم حسب الله يحيى ،من تثمير لرمزية العنف الذي استباح عراقنا والعالم العربي ،وما تمثله المجموعة الجانحة من بعض السياسيين العصابيين ،وما يتركوه من آثار ورضات وتدمير في أجساد ضحاياهم في السجون والمعتقلات، مما يعكس خراب ضمائرهم البوليسية الفاشية ،وذهابهم مع حماماتهم الشريرة الواقعة بين قبضتي السادية والمازوكية ،حيث الحلقة المقفلة ما بين تدمير الذات بنزعة إجرامية مرذولة ، مما يسبب لدى المتلقي ضربا من العذاب والتمزق في موقفهم مما يعرض أمامهم .
*وما الذي اثار انتباهك في مجمل برامج وانشطة وفعاليات المهرجان؟
- مما يثير الانتباه حقا هو تفاوت قدرات الممثلات بشكل أخص، والممثلين بشكل عام ، وكذلك تكريم الرائد والمخرج التونسي المعروف توفيق الجبالي، وهو أمر يدعو للفخر، كما تمتعنا بالمرونة الجسدية وجماليات الإخراج والسينوغرافيا، كما في العرض الكويتي، والنص من اخرا ج الكاتب الكويتي الموهوب (علي الحسيني) ومن تأليف العراقي عبد الأمير شمخي ،وهي خطوة جمعت في نصف القلعة بين الشعبيين الشقيقيين ،وهما ينظران بروح مقدامة نبيلة للمستقبل الآمن للبلدين ،واللافت هو هذا الكرنفال الباذخ الاناقة في تاريخ مسرحنا العربي المعاصر.
*كلمة أخيرة..
- للانصاف نشيد بالاستقبال الرسمي في الجزائر، والاشراف الرئاسي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة ،هذا من جانب المعنى الرمزي والمادي لهذا النشاط القومي المسرحي ،وكذلك ما يقدمه الشيخ (سلطان القاسمي) من جهود مشرفة وكريمة، ومن رعاية وحب للمسرح العربي ،وما بذله الأخ إسماعيل عبد الله ،ود. يوسف عيدابي ،وغنام غنام، من جهود عملية ولوجستية متميزة ،وكذلك لما قدمته الهيئة العربية للمسرح من معارض للكتب والنشريات، وتنسيق الجهود ما بين (وهران) الباهية ومدينة (مستغانم) ،والوقوف عند الشهداء من المسرحيين الجزائريين ،وشهداء الاعلام والصحافة ،كلها تدعو الى الاعتزاز بأهل الجزائر والشارقة والبلدان العربية كافة.



الأحد، 12 فبراير 2017

المسرح مابعد الحداثي: خلخلة القناعات وتعليق المعنى

مجلة الفنون المسرحية

المسرح مابعد الحداثي: خلخلة القناعات وتعليق المعنى

عواد علي 

الثقافة المسرحية العربية شهدت في السنوات الأخيرة سجالا فكرياً حول مفهوم 'مابعد الحداثة' ومرجعياتها بشكل عام في المسرح، والمظاهر والرؤى التي أفرزتها تجاربها في المسرح الغربي.

رغم أن أعمال تيار مابعد الحداثة، في الفنون بشكل عام، تراوغ محاولات التصنيف والتحديد دائماً، فإن المسرح مابعد الحداثي هو، ببساطة شديدة، ذلك المسرح الذي يقوم على خلخلة القناعات، وتقويض القواعد والفرضيات العقلانية التي طرحتها الحداثة، واستحالة تحديد المعنى، والتلاعب الواعي بالصور الخيالية، وأنماط تصوير الواقع، وبالرموز والمعاني، واستخدام فن الكولاج، وتدمير استقلالية العرض المسرحي. وقد ظهر بتأثير من أساليب الفن، أو التصميم المعماري مابعد الحداثي، وسمات “المفارقة” “والدلالات المتناقضة” في السرد الروائي، وتقنياته التي كسرت الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية، وبين التاريخ والرواية، وكذلك من نظرية رقص مابعد الحداثة وتجاربه التي تطورت في فترة ستينات القرن الماضي.

لكن بعض نقاد المسرح في الغرب، وخاصةً باتريس بافيس، يرى أن مفهوم “المسرح مابعد الحداثي” مفهوم غامض، فاقد الذاكرة، سريع الزوال، يتسم بعدد من النزعات، أبرزها:


◄ نزعة اللاتسييس: إن مابعد الحداثة تستوي في نظر بعضهم بلاتسييس الفن، وغياب منظور تاريخي، وعودة لقوة المحافظين الجدد الذين يرحبون بتطوير العلم الحديث مادام هذا يتخطى مداه ليحرز تقدماً تقنياً ونمواً رأسمالياً، وينصحون بسياسة نزع الفتيل من المضمون المتفجر الخاص بحداثة ثقافية، أو إبقاء السياسة بعيدة ما أمكن عن متطلبات التبرير الأخلاقي-العلمي.


◄ نزعة الإحكام والشمولية: إن التحدي في وجه العمل الفني، كشمولية، لم يصبح نصيراً لمابعد الحداثة، وقد لاحظت نظرية بريشت في المسرح الملحمي أنه “ليس ثمة ما هو أصعب من قطع عادة معاملة عرض ككل”، لكن هذا التفكيك لا يمكن أن يتحقق إلاّ عندما يصبح المرء معتاداً على إعادة مركز العمل وإكماله ووضعه في وهم الشمولية.


◄ نزعة إفساد الممارسة بالنظرية: لكي يجري تذوّق العرض المسرحي بافتراض أنه لا يمكن استيعابه أو تفسيره، لا بد من فهم طريقة أدائه لوظيفته، وهكذا كانت الشخصية المجردة والمبدئية والمنهجية لكثير من العروض، أو التمييز بين أداة الإنتاج والتلقي، وبين النشاط التأويلي الذي يقوم به المتلقي. إن فن مابعد الحداثة يستخدم ويعيد استثمار النظرية في إنتاج المعنى قي كل مكان وكل لحظة في الإخراج، ويصبح النص والإخراج العمود الفقري في الممارسة الدالة، ويشقان سلسلةً من المسارات تتناقض ويتقاطع بعضها مع بعض، ثم تنفصل مرة أخرى رافضةً دلالةً شاملةً أو مركزيةً.

وبناءً على ذلك فإن مسرح مابعد الحداثة، حسب بافيس، يرفع النظرية إلى مرتبة النشاط العابث، ويقترح القدرة على إعادة تمثيل الماضي بدلاً من التظاهر بإعادة خلقه وامتصاصه كميراث وحيد. وفي ضوء هذه النزعات يمكن اعتبار الفرق بين الحداثة ومابعد الحداثة المسرحية كما يأتي: لم تعد مابعد الحداثة تشعر بالحاجة إلى إنكار أي دراماتورجيا، أو رؤية عالم (كنقيض لمسرح العبث مثلاً)، إنها تعطي لنفسها مهمّة إحداث تفكيكها الخاص كطريقة لتجسيد نفسها لا في تراث شكلي أو موضوعي، بل في وعي ذاتي متأمل للنفس، ومن ثم بأدائها لوظيفتها كما لو أن كل الأشكال والمضامين قد فقدت أهميتها بالنظر إلى الوعي بالأداء الوظيفي والتلفظ. أما العلاقة بين مسرح مابعد الحداثة والميراث الكلاسيكي فإنها تمضي، ليس عن طريق التكرار أو رفض المضمون، بل من خلال ابتكار نوع من العلاقة التي يمكن مقارنتها بذاكرة كومبيوتر.

مسرح مابعد الحداثة، حسب بافيس، يرفع النظرية إلى مرتبة النشاط العابث، ويقترح القدرة على إعادة تمثيل الماضي بدلاً من التظاهر بإعادة خلقه وامتصاصه كميراث وحيد
من أبرز أشكال المسرح مابعد الحداثي ما اصطلح عليه بـ”المسرح مابعد الدرامي”، في منحاه العام، وتفرعاته العديدة مثل “مسرح الهيستيريا الوجودي” الذي أسسه ريتشارد فورمان في نيويورك، وهدفه مسرحة عمليات التفكير في مجموعة من الصور عالية التعقيد لإنتاج مسرح تجريدي يقوم المشاهد فيه بممارسة الاستغراق الذهني وسط هيستيريا وجودية تطلقها الصور المتلاحقة، في حين يقف الممثلون مجرد متحدثين خلف إطارات لإيصال الأفكار! وكذلك أعمال زميله روبرت ويلسون التي تميزت بكونها خاليةً من أيّ بناء سردي، ومفتقدةً إلى أيّ نقطة يمكن اعتبارها بدايةً أو نهاية فعلاً أو ردة فعل، شيئاً من خطاب مكتوب أو شفاهي.

إن هذا الشكل المسرحي ينهض على التشظي والتنافر والتقويض انطلاقاً من مفهوم جاك دريدا للطريقة التي تعمل بها اللغة، ولوظائف العلامات ونسق عملها (عبر علاقات الاختلاف والإرجاء التي يستحيل معها تحديد معنى الدوال بصورة نهائية). وهو أيضا وليد التفتت الاجتماعي للمجتمعات المعاصرة، والتشابك العالمي للأسواق ووسائل الإعلام، حسب توصيف الفيلسوف الفرنسي ليوتار للوضع مابعد الحداثي.

لقد نظّر لمفهوم “المسرح مابعد الدرامي” الباحث والناقد المسرحي الألماني هانز- تيز ليمان (أستاذ الدراسات المسرحية في جامعة غوته بفرانكفورت) عام 1999 في كتاب له بالعنوان نفسه لخّص فيه عدداً من الخصائص والسمات الأسلوبية التي ميزت المسرح الطليعي منذ أواخر الستينات من القرن الماضي. ورغم أن المفهوم ليس جديداً بشكل جذري (إذ أن المسرحي الأميركي ريتشارد شيشنر استخدم المصطلح أول مرة عام 1970 لوصف الأحداث)، فإن ليمان طوره ليصبح نظريةً شاملةً.


تجارب عالمية

منذ بداية ثمانينات القرن الماضي ظهرت عروض مسرحية تدور في فلك النماذج الفنية التي أتت بها مابعد الحداثة، مثل: العروض التي قدمها المخرج والكاتب الكندي (الصيني الأصل) بنج تشونج (1946 -) في الولايات المتحدة الأميركية، والتي اتسمت بـالتنافر والتشظي، وتوظيف وسائط فنية متعددة تطرح كل واحدة منها قضية منفصلة. وعروض المخرجة الأميركية اليزابيث ليكومبت (1944) مع فرقتها “ووستر”، ابتداءً من عام 1978، التي جمعت بين عناصر، صوتية وبصرية، شديدة الاختلاف والتباين، مستقاة من مصادر متنوعة (أعمال درامية، وأفلام سينمائية) في كولاج مسرحي مثير، يدمر أفق التوقعات المعتاد. والعروض الأخيرة للفنانة الأميركية جوان جوناس (1936-)، التي تتناول قصصاً مألوفةً، وأساليب وأنواعاً فنيةً معروفةً، وتوظّف عدداً من الوسائل المتنوعة بطريقة تبدو وكأنها تتعمد تدمير قدرة هذه الوسائل والأساليب على الانتظام والتآلف في وحدة فنية كلية.


نحن والمسرح مابعد الحداثي

شهدت الثقافة المسرحية العربية في السنوات الأخيرة سجالاً فكرياً حول مفهوم “مابعد الحداثة” ومرجعياتها بشكل عام في المسرح، والمظاهر والرؤى التي أفرزتها تجاربها في المسرح الغربي، وعلاقتها بالتصوّرات الفلسفية والأحداث والتحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها المجتمعات الغربية، والتيارات الفنية التي تنضوي تحتها، وجذورها في تجارب بعض المسرحيين المتمردين وتنظيراتهم. وقد نظم مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، في سياق هذا السجال، ندوةً رئيسةً عام 2004 بعنوان “المسرح في زمن مابعد الحداثة”. ومن بين الآراء والتصورات التي يستند إليها ذلك السجال:

المخرج العراقي صلاح القصب من رواد "مسرح الصورة"

1 - إن مصطلح “مابعد الحداثة” لا يوجد أكثر غرابة وفوضى واضطراباً وتشويشاً وضلالاً وغموضاً منه في تاريخ الحركة الفنية والأدبية العالمية، والدليل على ذلك، حسب أصحاب هذا التصور، كثرة المسمّيات التي أطلقت عليه، مثل: “مجتمع الاستعراض” طبقاً لجي ديبور، و”المجتمع الاستهلاكي”، كما وصفه هنري لوفيفر، و”مجتمع مابعد الصناعي”، الذي صكه دانييل بل، و”ما بعد الاقتصادي”، حسب هيرمان كاهن، و”مابعد المادي”، طبقاً لرونالد انجلهارت. لكن هذه المسميات التي يستشهد بها هؤلاء المسرحيون هي لمفكرين سوسيولوجيين واقتصاديين، لا لمنظرين أو باحثين مسرحيين، حاولوا تخطي مفاهيم علم اجتماع الحداثة ونظرياته، وقاموا بتأويل أعمال ماركس، وتكريس التوجه الكوني (العولمي)، والإفادة من ثورة المعلوماتية، وبشّروا بمجتمع خالٍ من الطبقات والثقافات المهيمنة (مجتمع الموجة الثالثة)، وبنهاية الأيديولوجيات الكبرى.

2 - إن الحداثة نوع من الشكوكية تجاه ما وراء السرد، إذ تضع في الصدارة ما هو غير صالح للتقديم في التقديم نفسه، ويوضع الفنان أو الكاتب المابعد حداثي في موقع الفيلسوف، فالنص الذي يكتبه، والعمل الذي ينتجه لا يكونان محكومين، أساساً، بقواعد مسبقة، ولا يمكن أن يحكم عليهما على وفق حكم معين.

ويتسم هذا التصور بكونه تصوراً عاماً وبدهياً لطبيعة العمل المسرحي مابعد الحداثي، من دون أن يوضح كيفية خرقه للقواعد المسرحية المتعارف عليها. وإذا كانت تلك ميزته الأساسية، فإن عشرات الأعمال الفنية التي تصنف ضمن حركة الحداثة قد فعلت ذلك منذ أكثر من نصف قرن.

3 - إن المسرح مابعد الحداثي له تاريخ صلاحية محدد، فهو يتنكر للمسرحيات الكلاسيكية، ويتميز بكونه ضد المعنى، ومن أهم سماته: “الكولاج”، و”البارودي”، و”المحاكاة التهكمية”، وإلغاء الفواصل بين الثقافة العليا وثقافة الجماهير وخلط فنونهما معاً، ويركز على ثقافة تتسم بعدم التماسك والتشظي حين يردد مريدوه أن العالم بلا معنى، وأنه مشتت ومتجزئ. وعلى النقيض من ذلك يعد المسرح الكلاسيكي مسرحاً خالداً، لا تنتهي صلاحيته، ويفصل بين الثقافة الرفيعة والثقافة المنحطة.

ومن غير أن ننحاز إلى المسرح مابعد الحداثي يمكن الرد على أصحاب هذا التصور الأخير بملاحظتين أساسيتين أولاهما: أنهم يتناسون أن الكثير من النصوص الكلاسيكية نجحت في العروض المسرحية المعاصرة بفضل القراءات الجديدة لها، سواء المتشظية أو غير المتشظية، والرؤى الإخراجية الحداثية، أو مابعد الحداثية التي صاغتها، والأنماط المختلفة لتلقيها، ومن ثم فإن تلك النصوص اكتسبت صلاحيةً جديدةً بفعل إعادة إنتاجها بوصفها مواد أوليةً، أو خامات قابلةً لاكتساب خصائص مغايرة لطبيعتها الأولى في المختبرات والمشاغل الإخراجية، وفعاليات القراءة والتلقي. أما الملاحظة الثانية فهي أن مصطلح “المعنى” عندهم يفتقر إلى الدقة، أو يشوبه اللبس، فمابعد الحداثة لا ترفض ما يوحي إليه الخطاب الأدبي أو الفني من مدلولات تنتجها إمكانيات التأويل، بل ترفض المدلول المركزي أو الشامل الذي يقترحه منتج الخطاب، وتحل محله عدداً لا نهائياً من المدلولات التي يشكّلها القارئ أو المتلقي، وتدعو إلى تعليق المعنى بدلاً من تحديده، وذلك لأن الخطاب الأدبي أو الفني، من وجهة نظرها، يشق، في ممارسته الدالة، سلسلة من المسارات تتناقض ويتقاطع بعضها مع بعض، ثم تنفصل مرة أخرى رافضة دلالةً قارةً أو مغلقةً.


تجارب عربية

قُدّمت في المسرح العربي تجارب عديدة يمكن إدراجها في سياق المسرح مابعد الحداثي، نذكر منها، تمثيلاً لا حصراً، بعض تجارب المخرج العراقي صلاح القصب، المعروفة بـ”مسرح الصورة”، مثل: (عزلة في الكرستال، الحلم الضوئي، وأحزان مهرج السيرك)، وعروض المخرج الأردني محمد بني هاني (أحلام مقيدة، الثقب الأسود، وسمفونية وحشية)، ومجموعة من تجارب المخرج البحريني عبدالله السعداوي مع فرقة الصواري (سكوريال، الكمامة، الرهائن، القربان، الكارثة، والساعة 12 ليلاً)، وبعض عروض المخرجة الأردنية مجد القصص، مثل (سجون، بلا عنوان، وأوراق الحب).

يُعد صلاح القصب رائداً في هذا الاتجاه، فتجاربه التي تابعناها منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي تقوم على شبكة من التكوينات الجسدية، والأشكال الحركية والإيمائية والسينوغرافية المركبة، الغامضة، المصممة على وفق علاقات إيحائية متغيرة، تصاحبها إيقاعات صوتية بشرية مختلفة، كالتمتمات، والصرخات، والتأوهات، والهمهمات. وتستغني أحياناً عن الحوار استغناءً تاماً، أو تكتفي بالقليل الجوهري منه لإعلاء الجانب البصري في العرض. إن من أبرز ما تميزت به هذه التجارب:


1 - عدم ترابط الأفعال المسرحية، وتقاطع حلقاتها باستخدام أسلوب الهدم والبناء المتكرر للفعل، أو الحافز الواحد، بحيث لا تنمو الأفعال نمواً طبيعياً.


2 - التوكيد على أنماط السلوك التي يفرزها اللاشعور عند الشخصيات، لذا تبدو مفتتة، شعورياً ووجودياً، وعلامات قابلة للتكرار، والموت والانبعاث.

المسرح مابعد الحداثي له تاريخ صلاحية محدد، فهو يتنكر للمسرحيات الكلاسيكية، ويتميز بكونه ضد المعنى، ومن أهم سماته: “الكولاج”، و”البارودي”، و”المحاكاة التهكمية”، وإلغاء الفواصل بين الثقافة العليا وثقافة الجماهير

3 - ابتداء لوحات العرض من شكل فوضوي وقلق وملتبس وانتهائها إلى شكل منتظم ومستقر قابل للتأويل والاستنطاق.


4 - نزوع لوحات العرض إلى أن تكون حلماً متدفقاً يثير الدهشة بغرائبيته، وكشفه عن المسكوت عنه، والمطمور في داخل الإنسان.


أحزان مهرج السيرك

في عرض “أحزان مهرج السيرك”، الذي أعده عن سيناريو سينمائي قصير للكاتب والشاعر الروماني ميهاي زامفير، جرّد القصب اللوحات المسرحية من ملامحها الأيقونية، مقدِّماً تجربةً ذات أجواء غريبة تتداخل فيها مستويات عديدة من أشكال التعبير البصري السيريالي والفانتازي والرمزي، في نسيج شديد الكثافة، تفتقر فيه اللقطات والصور إلى الحد الأدنى من المعقولية، فلا وجود لأيّ حبكة، ولا استمرارية للفعل، ولا زمان وفضاء تاريخيين، بل ذاتيان ونفسيان، حيث تبدو معظم المرئيات والكائنات في فضاءات سحرية وحلمية، مقتطعةً من سياقها الطبيعي، موضوعةً في مواقع اعتباطية مدهشة، متنقلةً بحركات سائلة كما لو كانت كائنات أسطوريةً.

--------------------------------------------
المصدر : جريدة العرب


فرنسا: مسرحية "اللاجئان" عين على المنفى من الداخل

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption