أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الاثنين، 8 مايو 2017

الكتابة المسرحية الجديدة: صورٌ.. بلا تصورات

مجلة الفنون المسرحية

الكتابة المسرحية الجديدة: صورٌ.. بلا تصورات

د. حسن يوسفي


تجدر الإشارة، بدءا، إلى أن مفهوم “الكتابة المسرحية الجديدة” يبقى مفهوما نسبيا ومتحولا بتحول زاوية النظر إليه، ذلك أن هذا التوصيف بقدر ما ينطبق على آخر ما أفرزته التجارب المسرحية الشبابية العربية اليوم، بقدرما ينطبق على تجارب سابقة استطاع أصحابها أن يجددوا في مفهومهم للكتابة حسب ما أملته عليهم سياقاتهم الذاتية والموضوعية. وأذكر هنا ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ تجربتين إحداهما غربية والثانية عربية.
ففي المسرح الغربي، عندما ظهرت كتابات مسرح العبث أو اللامعقول في المشهد المسرحي الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية، اعتبرت بمثابة حساسية جديدة في الكتابة المسرحية قياسا إلى ما كان سائدا آنئذ من تصورات حول المسرح كان في طليعتها النموذج البريشتي. من ثم نفهم الشراسة التي ووجه بها تيار العبث من لدن النقاد البريشتيين الذين كانوا يتحلقون حول مجلة “المسرح الشعبي”، وفي طليعتهم رولان بارت وبرنار دورت، الذين اعتبروا هذه الكتابة الجديدة بمثابة خلخلة لكل المفاهيم التي كانت الساحة الفرنسية تعتبرها أسسا قوية للمسرح ما بعد الحرب. لكن هذه الكتابة العبثية نفسها سرعان ما أصبحت عندما ظهر جيل يرنار ماري كولتيس وفيليب منيانا وفالير نوفارينا وميشال فينافير وجان لوك لاكارص وغيرهم، بمثابة كتابة تقليدية.

المسرح الحميمي

وفي المسرح العربي، ما كتبه المرحوم سعد الله ونوس في آخر أيام حياته يمكن تصنيفه باعتباره كتابة مسرحية جديدة. فنصوص من قبيل “طقوس الإشارات والتحولات” و”الأيام المخمورة” و”بلاد أضيق من الحب” وغيرها، هي بالقياس إلى مسرحياته السابقة كـ”الفيل يا ملك الزمان” أو “الملك هو الملك” أو “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” أو “سهرة مع أبي خليل القباني”، هي نصوص مجددة على مستوى الشكل والمضمون. فهي نقلة من مسرح القضايا الشمولية إلى مسرح الذات، من المسرح الموضوعي إلى المسرح الحميمي، من مسرح التورية والتقية إلى مسرح الكشف والتعرية وصدمة الحداثة، ومن مسرح جمالية التمثيل إلى مسرح جمالية التعبير.
صحيح أن تجديدا كهذا تم داخل سياق تجربة إبداعية متجانسة لكاتب مسرحي كان ما يزال يؤمن بالوضع الأدبي للنص المسرحي، وبالتالي راكم تنويعات كتابية داخل التجربة الواحدة، إلا أن ما أفرزته من نصوص يبقى عنوانا على تبلور متخيل مسرحي جديد، وبالتالي فهي تجربة جديدة في الكتابة تتصل بمرحلة مغايرة في مساره الإبداعي وسمها هو نفسه بمرحلة الانغسال من الأوهام.
من ثم، يبدو لنا من غير الممكن إطلاق مصطلح “مسرح جديد” على التحولات التي طالت الكتابات الجديدة في المسرح، قياسا إلى ما حدث في مجال الرواية مثلا، ذلك أن توصيفا من قبيل “الرواية الجديدة” هو تعبير عن تيار روائي ظهر في فرنسا خلال خمسينيات القرن الماضي، وكان له منظروه الذين بلوروا تصورات حول الجنس الروائي تتجاوز مفهوم الرواية التقليدية شكلا ومضمونا، وكتبوا أعمالا سردية تستوحي هذه التصورات. ومن بينهم ألان روب كريي وكلود سيمون وناتالي ساروت وجان ريكاردو الذين أسهموا جميعا في صياغة ما عرف بـ”نظرية الرواية الجديدة”. لكن ما يروج اليوم بيننا ونتواطأ على تسميته كتابة مسرحية جديدة يفتقر إلى هذا السند النظري المتجانس والنسقي مقارنة مع موجة الرواية الجديدة. فالكتابة الروائية الجديدة نسق، لكن الكتابة المسرحية الجديدة شذرات.
وعليه فعندما نتحدث اليوم عن الكتابة المسرحية الجديدة فإننا بالضرورة نتحدث عن فسيفساء من النصوص ظهرت في مراحل مختلفة، لا يجمعها تصور متجانس للمسرح، ولا تسندها نظرية مسرحية واحدة، وإنما يخلق التقاطع بينها تلك الرغبة في كتابة المسرح بطرق مغايرة لما كان سائدا، وهي الرغبة التي لم تعد حكرا اليوم، على الكتاب وحدهم، بقدر ما أصبحت هاجسا لدى الدراماتورجيين والمخرجين وحتى الممثلين.
من ثم، تبدو استعارة “الشهب الاصطناعية” التي اختارها الباحث الفرنسي ميشال كورفان من أجل وصف ما سمي بـ”الكتابات المسرحية الجديدة” في الفضاء الفرنسي والفرنكفوني، استعارة تنطبق - في تقديرنا - بشكل كبير على ما آلت إليه الكتابة المسرحية الجديدة، اليوم، في العالم العربي، بما أفرزته من تنويعات في سجلات الكلام وعوالم التخييل المسرحي وتقنيات الكتابة.
ولعل ما يميز الكتابات الجديدة، اليوم، هو تحول السياق الجمالي العام الذي يؤطر التجربة المسرحية برمتها، لاسيما في ضوء تأثير عاملين أساسيين في إبداعية المسرح وإنتاجيته هما:
ـ بروز إبداعية المخرج وترسيخ سلطة ما يعرف بـ”صناعة الفرجة”.
ـ استعمال التكنولوجيات الحديثة في الإبداع المسرحي.

سلطة المؤلف

إن هذا السياق الجديد وما أفرزه من تقويض لسلطة المؤلف، خلخل الأسس التي تقوم عليها التجربة المسرحية، حيث بات واضحا أن التعاطي مع هذه التجربة ضمن دائرة المفاهيم والتصورات التقليدية التي تجعل من المسرح “أدبا دراميا” أو ضربا من “الكتابة النصية” التي من شأنها إفراز ما يعرف بـ”الأعمال الخالدة”، أصبح جزءا من الماضي، ذلك أن الثقافة المسرحية الجديدة بدأت ترسخ منظورا مختلفا إزاء المسرح يعتبره بمثابة فضاء لـ “صناعة الفرجة” أولا، مما جعل قضية “النص” قضية نسبية يمكن التعاطي معها، إبداعيا، بنوع من المرونة والانفتاح، وحتى اللامبالاة أحيانا، ما دام النص لم يعد هو المكون الأساسي الذي تنهض عليه الفرجة المسرحية.
نستحضر في هذا السياق، مثلا، ما فعله المخرج العراقي جواد الأسدي مع بعض “النصوص الخالدة”، ومنها “هاملت “ لشكسبير، حيث عمل على إعادة كتابة معاكسة للمسرحية عنونها بـ”انسوا هاملت”، وذلك من منطلق قناعته باعتباره مخرجا مهووسا بما يصنع الفرجة أولا. هذا الهوس الذي جعله يؤكد جازما “إن الولاء للنصوص يجعل منها نصوصا ميتة، ومحكومة مسبقا بالاسوداد على يد المخرجين التنفيذيين أو الكتاب الشغوفين بالمنفدين للنصوص بحرفيتها”. (1).
من ثم، فهو لا يتوانى عن التعبير عن رغبته في “الإطاحة بالنصوص المقدسة واللعب بأبهتها وجلالها “حسب تعبيره، وهذه العمليات هي من صميم ما يعتبره هو كتابة جديدة، يقول: “إن موضوع الكتابة الجديدة، نصا جديدا أو إخراجا مختلفا صار مفهوما سواء لحركة النقد المسرحي في العالم أو بالنسبة للمتفرجين المرتهنين إلى وعي تأريخاني للأدب بكل أنواعه، في حين مازال هذا الأمر يخلف عند عدد كبير من العرب آثارا سلبية تعيد المسرح إلى موازين عتيقة وبالية خصوصا في عقول عدد كبير من الفنانين والأدباء أصحاب النظرة المركزية الثابتة المتمركزة في بؤرة أحادية لا تقبل الشك، ولا تريد اللعب بأبهة النصوص ولا بجلالها حيث إنهم ما زالوا يتعاملون مع النصوص المنزاحة عن النصوص أو مع الإخراج المنزاح عن النصوص تحفة أو أيقونة لتزيين البيوت” (2).
إن نموذج الأسدي مجرد صيغة من صيغ متنوعة لصناع الفرجة في المسرح العربي الذين اختاروا التعاطي مع الكتابة المسرحية من منطلق مغاير إلى حد المغالاة أحيانا، ولاسيما منهم الجيل الجديد الذي فتح عينيه على الثورة الرقمية بكيفية جعلته يقتنع أن السينوغرافيا، ولعب الممثل، والتقنيات المسرحية الحديثة؛ كلها كفيلة بإنجاز ما لا يحققه النص مهما كانت درجة بلاغته المسرحية. وأصبح المفهوم الجديد الذي يؤطر تجاربهم المسرحية هو ما يسمى بـ “الدراماتورجيا الركحية” التي بات الاشتغال في إطارها عنوانا على ما سماه صديقنا الدكتور خالد أمين بـ”المنعطف الفرجوي” في المسرح العربي، وهو المنعطف الذي يسنده سياق ثقافي كوني انعكس على تجاربنا العربية، يقول:”لقد روج العديد من النقاد والمتتبعين للشأن المسرحي العربي فكرة مفادها وجود (أزمة النصوص الدرامية)، وسطوة الاقتباس والتوليف المسرحي والإعداد الدراماتورجي، كنوع من الهروب إلى الأمام في الكثير من الإبداعات العربية المعاصرة والشبابية منها بخاصة. لقد ارتفعت العديد من الأصوات في مشهدنا النقدي منتقدة العروض المسرحية المعاصرة التي يكون فيها النص مجرد ذريعة لما يمكن اعتباره بنية تركيبية لكتابة محددة بشكل مسبق، والحقيقة هي أن الممارسة المسرحية في الوطن العربي متفاعلة بشكل أو بآخر مع تحولات صناعة الفرجة المسرحية على المستوى الكوني، وذلك نتيجة لما تسميه المفكرة الألمانية إيريكا فيشر بـ”تناسج ثقافات الفرجة”. فلم يعد المسرح ذلك الفن الهامشي في عالمنا العربي اليوم، بل أصبح تلك الاستعارة الثقافية الممتدة في الحياة اليومية، متأثرا هو الآخر بالوسائط الأخرى التي أضحت شديدة البروز في حياتنا اليومية”. (3)

البرج العاجي

لقد بات طبيعيا أن تنعكس هذه الثقافة الجديدة على المشهد المسرحي برمته، وبالتالي، على موقع الكاتب الدرامي فيه. فالواضح أن صورة الكاتب المسرحي المقيم في برجه العاجي الذي يرسل خطابه دونما اكتراث بمآله في المشهد المسرحي قد انتهت، ذلك أن “الكاتب (اليوم) هو ابن وضحية، في آن واحد، للثورة التي منحت السلطة للمخرج المسرحي. إنه هنا في وضعية تبعية. وأعماله المسرحية التي هي هشة على العموم، بخضوعها لغربلة الإخراج المسرحي، غالبا ما تتم ملاءمتها، خلطها، وطمس ملامحها. لم يعد المؤلف ذلك الإله المقدس، بل هو بالأحرى بمثابة عامل، العامل المتخصص في النص L’ouvrier spécialisé du texte”. (4)
إن التحول الذي طال وضع المخرج في السيرورة الإبداعية المسرحية خلال القرن الماضي، الذي جعله ينتقل من وضعية المنفذ لتعليمات المؤلف إلى مبدع له حقوقه في التخييل والتعبير بلغته الخاصة، وبالتالي في التصرف في نصوص الآخرين حسب ما تمليه عليه حساسيته الفنية ومنظوره الجمالي وتصوره للعمل المسرحي، قد أثر بشكل واضح على وضعية النص المسرحي وطرق كتابته.
من ثم، فطقس الكتابة نفسه خضع لنوع من إزالة القدسية Démystification، لاسيما وأن النص أصبح في خدمة العرض وليس العكس. لذلك، فلا عجب أن نلاحظ، اليوم، كيف توارت أسماء المؤلفين الذين كرسوا مسارهم الإبداعي للكتابة الدرامية وبدأت نصوصهم تتحول شيئا فشيئا لتصبح جزءا من الذاكرة المسرحية، أي تحفا أدبية للقراءة وتخليد تجارب السابقين. فلم يعد لأعمال توفيق الحكيم أو يوسف إدريس أو نجيب سرور أو أحمد الطيب لعلج أو عز الدين المدني أوعبد الكريم برشيد أو سعد الله ونوس أو غيرهم كثير ذلك الحضور القوي في مشهدنا المسرحي. وبالمقابل أصبحنا نقرأ نصوصا لمخرجين كجواد الأسدي وفاضل اجعايبي وغيرهم، وكذا لجيل من الشباب المسرحيين العرب الذين تتألق تجاربهم بين الحين والآخر في هذا المهرجان المسرحي أو ذاك والذين تمتزج تجاربهم بمواصفات الكاتب والدراماتورج والمخرج والممثل في تجربة مسرحية واحدة، لأنهم يكتبون لأنفسهم ويقومون بالاشتغال على ما يكتبون فوق الخشبة.
لقد تقوضت سلطة “الكاتب” بهذه الصيغة التقليدية لتحل محلها سلطة “الدراماتورج” الذي يبيح لنفسه التصرف بحرية، وبمغالاة أحيانا، في نصوص الآخرين بدعوى أن الكاتب يحسب حساب الحقل، لكن الدراماتورج يحسب، بالأحرى، حساب البندر، وشتان ما بين الحسابين، ما دام الأول خاضعا لمستلزمات الأدب الدرامي، في حين أن الثاني مسكون بهواجس الفرجة وإكراهات التمسرح. وطبيعي أن تتمخض عن هذا التباعد بين الموقعين، علاقة جفاء من لدن الدراماتورجيين، وبالتالي، المخرجين إزاء “النص الدرامي” نفسه، بحيث لم يعد ينظر إليه باعتباره المنطلق الوحيد لخلق تجربة مسرحية، ذلك أنه أصبح “بالإمكان مسرحة كل شيء”(5) حسب مقولة أنطون فيتز Vitez الشهيرة. وعليه فعملية الإعداد الدراماتورجي بإمكانها أن تنصب على نصوص ومرجعيات ومواد ليست مسرحية بالضرورة. فالرواية والشعر ونصوص مدونة الأسرة وشهادات الأمهات العازبات والحكي بمختلف مظاهره؛ كل هذه النصوص أصبحت قابلة للمسرحة بعد خضوعها للعملية الدراماتورجية التي هي جوهر الإبداعية المسرحية في تصور أغلب الفاعلين ذلك في التجربة المسرحية المغربية.
إلا أن المثير للانتباه في التجربة العربية للتعاطي مع هذه الإمكانية المتاحة لمسرحة كل شيء، هو سقوطها في بعض الحالات، في مطب “إمكانية مسرحة اللاشيء” “Faire théâtre de rien”. لذلك، فلا نستغرب الخيبة الكبيرة التي أصابت المشهد المسرحي إزاء أعمال مسرحية لم يستطع مبدعوها ملاءمة نزوعاتهم الفنية، بل ونرجسياتهم، مع طبيعة المتلقي العربي.
وإذا كان هذا الواقع المسرحي الجديد قد أفرز عينة جديدة من المبدعين الذين يكتبون أو يعدون دراماتورجيا لحسابهم الخاص، وهي العينة التي يمكن أن نسميها بالمخرجين ـ الكتاب أو المخرجين ـ الدراماتورجيين، فإنه، من زاوية أخرى، قد غير مفهوم الكتابة نفسه، بحيث لم يعد ممكنا، اليوم، الحديث ـ عندما يتعلق الأمر بالمسرح ـ عن “كتابة درامية Ecriture dramatique”، وإنما بالأحرى عن “كتابة من أجل الخشبة Ecriture scénique”.

الكتابة الجديدة

فإذا تأملنا هذه الكتابة الجديدة، يمكننا أن نلاحظ أنها أفرزت نصوصا غير قابلة للنشر، وبالتالي للقراءة. إنها ضرب من الكتابة العابرة التي تنتهي صلاحيتها بنهاية العرض وتوقف ترويجه. ولعل هذا ما يفسر ربما لماذا ضاقت مساحة نشر النصوص المسرحية في وسطنا الثقافي، وأصبح النص هو “أعز ما يطلب” في دائرة الإبداع المقروء. وهي ظاهرة مثيرة، بل ومفارقة. وموطن المفارقة يكمن في كون تعدد الأعمال المسرحية في كل موسم وتعدد المهرجانات، لم يفرز أدبا دراميا غنيا قابلا لأن يترسخ في ذاكرة المسرح العربي، بقدر ما أفرز نصوصا مقتبسة أو معدة دراماتورجيا أو مكتوبة من أجل العرض وليس القراءة، وبالتالي فهي ذات صلاحية محدودة في الزمان والمكان.
إن الكتابة الجديدة في المسرح، بهذه الصيغة، أصبحت كتابة ضد الذاكرة، وضد الخلود. لذا فلا عجب أن نفتقد، اليوم، نماذج منها يمكن أن تندرج ضمن خانة “الأعمال الخالدة”، وبالتالي، نخشى أن تتحول هذه المرحلة في تاريخ المسرح العربي إلى حلقة مفقودة بالنسبة للأجيال اللاحقة لأنها لم تترك آثارا مكتوبة تدل عليها.
صحيح أن الإضافات الجديدة الذي رسخها المخرجون/ الكتاب والدراماتورجيون على صعيد جماليات الكتابة تشي بإبداعية ملفتة للانتباه، لاسيما على مستوى اللغة التي أصبح هاجس التواصل مع وجدان المتلقي أحد رهاناتها الكبرى، مما يفسر، ربما، العودة القوية للغة المحكية المحلية في العروض المقدمة، وكذا على مستوى الموضوعات حيث المزاوجة بين مسرح الذات ومسرح العالم، واتساع دائرة الحكي والبوح والمونولوج، وتنويع السجلات المسرحية ما بين الكوميدي والجاد، والتفاعل مع تجارب طليعية في الكتابة المسرحية تنتمي إلى الريبرتوار الغربي. ولعل هذا ما يزكي استعارة “الشهب الاصطناعية” التي انطلقنا منها في الحديث عن الكتابة المسرحية الجديدة، ذلك أنها تنطبق على هذه الفسيفساء من النصوص التي قدمت عروضها على خشبة المسرح العربي خلال العقد الأخير.
وأفضل في هذا السياق، أن أتحدث عن التجارب المغربية التي أعرفها جيدا وسبق لي أن كتبت عن بعضها. فمنذ أن بدأت تقتحم المشهد المسرحي طلائع خريجي “المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي”، لاحظنا تحولا عميقا في التعاطي مع الممارسة المسرحية بالمغرب، ذلك أن جيل الشباب من الخريجين أصبح يفضل التعامل مع التجربة المسرحية من منطلقات معرفية جديدة كان من نتائجها البارزة تغير النظرة إلى النص المسرحي، والانفتاح اللا مشروط على الريبرتوار الغربي واقتباس نصوصه أو العمل على إعدادها دراماتورجيا، وبروز جيل من السينوغرافيين الذين يضعون لمساتهم الواضحة على جماليات العروض المسرحية، وكذا جيل من الممثلين الشباب الذين يمارسون المسرح من منطلق الاطلاع الواسع والمتنوع على النظريات الغربية في مجال التمثيل.
كل هذا انعكس بشكل واضح على الكتابة المسرحية لاسيما وأن الجيل الجديد لم يجد ما يجذبه في التجارب الكتابية السابقة للرواد باعتبارها نصوصا تقليدية تطغى عليها اللمسة الأدبية ولا تستجيب لتطلعاتهم التي يتحكم فيه هاجس صناعة الفرجة.
في هذا السياق يمكن أن نستحضر أعمال كل من فوزي بن السعيدي، عبد المجيد الهواس، بوسلهام الضعيف، حسن هموش، ادريس الروخ، محمود بلحسن، كريم الفحل الشـرقاوي، عبد اللطيف فردوس، بوسرحان الزيتوني، بوحسين مسعود لطيفة أحرار وخالد جنبي وغيرهم كثير. فالكتابات المسرحية التي أبدعها هؤلاء صيغت أساسا من أجل الاستعمال الخاص وعلى مقاس التجربة الخاصة لكل واحد منهم وتصوره الجمالي المميز للفرجة المسرحية، لذلك رأينا من وجد ضالته في كتابة تستند على مرجعيات غير مسرحية بالضرورة كشهادات الأمهات العازبات أو نصوص مدونة الأسرة أو الرواية أو الشعر أو فن الملحون، وذلك بإعدادها دراماتورجيا والعمل على مسرحتها، كما وجدنا من جرب موهبته في كتابة مسرحية جديدة تتسع فيها دائرة البوح والحكي والإشراقات الشعرية إما في إطار أعمال مونودرامية أو جماعية. كما وجدنا من ارتمى في أحضان الكتابة المسرحية الجديدة في الغرب، وفي فرنسا على وجه الخصوص، حيث النصوص التي تعالج موضوعات الطابو المثيرة في سياق كتابة شفافة حميمية وكاشفة وصادمة أحيانا وفي قوالب درامية غير تقليدية فيها مزيج من الاستبطان الداخلي والمونطاج والكولاج والمقطعية كما يسندها أحيانا نوع من التقعير أو التفكير الذاتي في الكتابة نفسها في إطار ما يعرف بـ “الميتامسرح”(6). إن هؤلاء الكتاب الجدد” لم يعودوا “ساردي حكايات”، وإنما هم كتاب يستحضرون كثافة الكتابة. ففي نصوصهم تسقط مبادىء السرد والتشخيص ونظام السرد. يتوصل من خلال ذلك إلى “استقلالية للغة”. فاللغة لا تبدو باعتبارها حورا بين الشخصيات وإنما تصبح “تمسرحا مستقلا””(7).

أجناس جديدة

لقد كان طبيعيا أن تفرز هذه التجارب الكتابية الجديدة أجناسا جديدة من المسرح، غير تلك التي كانت سائدة في سياق المنظورات الكلاسيكية المستندة إلى المنظور الأرسطي. في هذا الإطار برزت مسارح لا تؤمن بالحدود بين الأنواع الدرامية كالتراجيديا والكوميديا وغيرها، وأصبحنا إزاء ما سمي بـ “المسرح الحميمي” و”مسرح الغرفة” و”مسرح اليومي” و”مسرح الأطروحة” و”المسرح الشذري أو المقطعي”. وتداخلت في هذه الأنواع من المسرح سجلات الواقعي والذاتي والسياسي والشعري والكروتسكي وغيرها.

في خضم هذا المشهد، وخارج إطار هذه “الجوقة” من الدراماتورجيين الجدد، ثمة من فضل العزف أو الأداء المنفرد والمتميز، سواء على صعيد العلاقة مع الكتابة نفسها، أو على مستوى الخيارات الجمالية المتحكمة في هذه الكتابة. ونقصد هنا، بالأساس، تجربتين متميزتين لكاتب مسرحي شاب هو الزبير بن بوشتى، ولكاتب ومخرج وممثل معروف هو الفنان عبد الحق الزروالي.

فالأول من الأسماء الاستثنائية التي ما تزال تؤمن بأهمية “الكتابة الدرامية” وبالجدوى من إبداع نصوص مسرحية جديدة صالحة للقراءة وللعرض في آن واحد، بل يمكن الذهاب بعيدا في النظر إلى هذه التجربة باعتبارها تجسيدا لصيغة متميزة في الكتابة الجديدة تستند على متخيل مسرحي تتحكم فيه العلاقة مع الفضاء والانتماء للتاريخ، وبالتالي، فهو يؤسس لكتابة “مسرحية محكمة الصنعpièce bien faite”، مفكر فيها، وقائمة على أساس قراءة خاصة للمكان والذاكرة. ولعل نصوصا مثل: “يا موجة غني”(Cool، و”النار الحمرا”، و”للاجميلة” و”زنقة شكسبير” و”لقدام لبيضا”Pieds blancs، ثم “طنجيتانوس” تؤكد باشتغالها على فضاء طنجة بأبعاده المختلفة، هذه الحقيقة. إن الزبير من بين آخر الأسماء في سلالة المؤلفين الدراميين الآيلة للانقراض في “زمن سطوة الدراماتورجيا”.

أما بخصوص الثاني، أي عبد الحق الزروالي، فيمكن نعت تجربته في الكتابة، على الأقل في تجلياتها الأخيرة، بكونها “كتابة التمسرح الذاتي”، فهي كتابة من حيث كونها إعادة بناء لنصوص حتى ولو لم تكن مكتوبة أصلا من أجل المسرح (المواقف والمخاطبات للنفري، روايات جلبيرت سينويه وأنطونيو كالا...). إن اشتغال الزروالي عليها متميز عن عمل الدراماتورجيين الذين ذكرناهم، لأنه لا يقوم بإعداد دراماتورجي للنصوص الممسرحة بقدر ما يقوم بإعادة كتابتها لحسابه الخاص، وهنا يتدخل العنصر الثاني الذي سميناه “بالتمسرح الذاتي”، فحسابات الزروالي المخرج والممثل صاحب الأداء المونودرامي الفردي حاضرة بقوة في طريقة بنينة النص وتوزيع متوالياته، وهي حسابات لا تسقط من دائرتها مفاجآت الفرجة ولا منتظر العرض، وبالتالي يبقى هامش الارتجال والتصرف في النص قائما حسب ظروف العرض. ولعل العودة إلى أعماله الأخيرة (9) تؤكد ذلك، ومنها: “كدت أراه”، “الأسطورة”، “ رماد أمجاد”، ثم” نشوة البوح”.

هذه التجارب وغيرها، مما لم نشر إليه، تؤكد أن النظرة إلى النص المسرحي قد تغيرت بفعل تأثير هواجس صناعة الفرجة وبروز الاهتمام بمكوناتها المختلفة لدى المسرحيين العرب، كما أن اكتشاف سحر الدراماتورجيا، والحرية في التعاطي مع مصادر الفرجة التي ليست نصوصا مسرحية بالضرورة، قد أسهم في الكشف عن نقلات فنية وحساسيات جمالية جديدة.

لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: خلف هذا البريق العابر لفرجات لا تسندها نصوص قابلة للخلود، ما الذي يتبقى من هذه “الكتابة من أجل العابرEcriture pour l’éphémère” لتأسيس ذاكرة للمسرح العربي؟

الهوامش:

1 - جواد الأسدي ـ انسوا هاملت، حصان الليلك: نصوص درامية - دار الفارابي - الطبعة الأولى 2000- ص 10.

2 - نفس المرجع- ص 11/12

3 - خالد أمين- المسرح ودراسات الفرجة- منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة- سلسلة دراسات الفرجة 14- الطبعة الأولى 2011- ص 57

4 - Jean – Pierre Thibaudet – Théâtre Français contemporain – Ministère des affaires étrangères – adapt – Déc. 2000- p 16.

5-Jean -Pierre Ryngaert- Lire le Théâtre Contemporain -DUNO Paris 1993- p 50

6 - انظر مقاربتنا لظاهرة “الميتامسرح” في: حسن يوسفي- المسرح في المرايا: شعرية الميتامسرح واشتغالها في النص المسرحي الغربي والعربي- منشورات اتحاد كتاب المغرب –الطبعة الأولى الرباط - يونيو 2003

7 - الزهرة مكاش [في] مسارات وتجارب في المسرح المعاصر- منشورات مجموعة البحث في المسرح والتنشيط الثقافي- كلية الآداب والعلوم الإنسانية – أكدير2007 – ص 44

8 - نعتبر هذه المسرحية إبداعا لجنس مسرحي جديد سميناه “دراما البحر”. انظر كتابنا: حسن يوسفي- ذاكرة العابر: عن الكتابة والمؤسسة في المسرح المغربي- منشورا ت فرع آسفي لاتحاد كتاب المغرب- دار وليلي للطباعة والنشر- الطبعة الأولى 2004- ص 81

9- انظر دراستنا عن هذه الأعمال في: حسن يوسفي – قوة الروح التي يخلقها المسرح: بصدد التجربة المسرحية لعبد الحق الزروالي – مجلة عمان، عدد 142، لبنان 2007، ص. 22.


-----------------------------------------------------------

المصدر : جريدة الاتحاد 

الممثل كبنية تشكيلية ودورها فى صياغة الفضاء المسرحى

مجلة الفنون المسرحية

الممثل كبنية تشكيلية ودورها فى صياغة الفضاء المسرحى

راندا طه 

يتميز العرض المسرحى (الحركى والتمثيلى )عن باقى الفنون فى نوعية العلاقة الخاصة والحية والمباشرة بينه وبين الجمهور . ويعتمد العرض المسرحى - راقص كان أو تمثيلى - كلياً على الحركة والإشارة والإيماءة سواء أكان العرض ينهض على حوار ثنائى يتبادله ممثلان أو كان إيمائياً صامتاً (بانتوميم)* ، فالممثل هو الأداة التى يوصل بها المؤلف والمخرج الرؤى والمعانى والأفكار والانفعالات إلى الجمهور . وبالرغم من وجود ثلاثة نصوص أساسية في مجال المسرح هم : نص المؤلف ونص المخرج ونص المتلقي، إلا أن المخرج الكريغرافى المعروف "جاك ليكوك  Jacques Lecoq" ** تحدث عن نص جديد هو نص الممثل؛ لأنه (الممثل) يكتب نصه عن طريق الحركة والجسد مستعملاً في ذلك طاقته التشخيصية الذاتية وذكاءه الفردي الخاص، وعبقريته الحدسية في توليد الحركات الإبداعية المناسبة لسياقات التمثيل والتشخيص الدرامي. فالممثل - من وجهة نظر "ليكوك"- يكتب بجسده في الفضاء المسرحي مثلما يكتب المؤلف المسرحي بقلمه على صفحة بيضاء، كما أشار "ليكوك" إلى أن أي حركة نقوم بها تحمل معنىً ما، سواء كنا نقصد ذلك أو لانقصده، وكذلك أن الدافع الجسمي- دافع الحركة والتعبير الحركي- هو من الأمور الملازمة على نحو أصيل لتفكيرنا وانفعالاتنا وأداءاتنا بشكل عام  .
الممثل ليس مجرد كتلة متحركة ثلاثية الأبعاد, فلقد أصر "ألكسندر تايروف" على أن حركة الممثل أكثر أهمية مما ينطق به  ، فمن خلال تشكيله لحركته يتولد تكوين مبتكر من داخل نفسه وتخرج منه إضاءات شعرية ومعانٍِ رمزية تأخذ المتلقى إلى المتعة البصرية بقدر ما تأخذه إلى تفصيلات العمل والغوص في ذاتية التكوين، فالممثل أشبه بالبنية التشكيلية النحتية التى يصوغها المخرج كيفما يشاء من خلال حركته وما تخلقه من تكوينات وخطوط.
يستخدم الممثل أوالراقص فن التعبير الحركى (الراقص و التمثيلى) ، وهو ذلك الفن الذى يستخدم الجسد الخارجى للممثل أوالراقص لتجسيد سلسلة من التحولات الروحية والنفسية التى تمر بها شخصية معينة . ويمكن النظرللرقص المسرحى كعلاقة رباعية قائمة بين المؤدى – الراقص (مصدر الطاقة التواصلية فيها) ، والجمهور ويتواجد العنصران السابقان فى عنصرى الزمان(وهوالإحداثى الرأسى كمجال للايقاع) وعنصر المكان (وهو الإحداثى الأفقى كمجال للحركة) ، ويجذب المؤدى والراقص انتباه الجمهور إليه من خلال مايتخذه الراقص من أوضاع وما يقوم به من التحولات . كما أن الممثل كبنية تشكيلية ونحتية لها كتلة لونية تشغل فضاءً مسرحياً يتشكل بإستمرار من علاقة الممثل الحركية مع الفضاء المسرحى الأشبه بسطح اللوحة التشكيلية والتى تتفاعل مع الإضاءة لإعطاء عدد من التأثيرات الضوئية مختلفة الملامس والسطوح والظل والنور للبنية النحتية للممثل ، كما قد تعيد الإضاءة بزوايا محددة تشكيل الكتلة ثلاثية الأبعاد للممثل.
يؤدى الممثلون شخصيات غير حقيقية ، التى تبدأ فى تَكَشُّف ماهيتها عندما يبدأ العرض ، وتصبح الشخصية التى يؤديها الممثل جزءاً من ذاته الديناميكية  . و من خلال التوترات التى تنتاب جسم الممثل أمام أعين المصاحبة لها  ، وقد يتحرك بشكل أفقي ليعنى الانطلاق بسرعة، ويتحرك رأسياً لأعلى للتعبير عن التصاعد والتحرر، و يتحرك فى مسارات مائلة أو منكسرة بطريقة أو بأخرى كما في مشاهد المعارك أو للتعبير عن العقبات التي تصادف الأبطال ، كما أن الحركة المنكسرة قد تعنى الاضطراب أوعدم التوازن ، وقد توحى حركة تراجع الممثل إلى الخلف والتى تقلل من تركيز الإنتباه إليه بعدم الأهمية أو بقصد إخفاء شيء ما ، أما التقدم نحو الأمام فقد يقصد منه التركيز على الشخصية وإبراز تفاصيلها بوضوح .
تتنوع حركات الممثل وأوضاعه / الراقص ، وقد يتحول الممثل فى حركته إلى بديل عن وحدة الديكور، أو يصبح كوحدة اكسسوار مكملة لتشكيل المجاميع فوق المنصة  ، ويتحرك الممثل حركات متعددة ولا نهائية ، وقد ينوع الممثل بين عدد من الحركات لتوليف منظومة حركية منسقة تقول ما لا يستطيع الحوار قوله . ويحدد الممثل أوضاع جسمه فى فراغ المنصة ، وفى علاقته بالممثل الآخر قرباً أو بعداً أو قد يتميز وضع الممثل بالامتداد لتحقيق السيطرة والقوة على المحيطين، أو يتقلص منكمشاً لإحساسه بالوهن أوالخضوع لمن معه فى المشهد أو لمرض أصابه . وقد  تشكل حركة الممثلين تكوينات مختلفة تتجمع فيها الشخصيات المسرحية بشكل منظم أو عشوائى حول إحدى الشخصيات التى  تبدو كبؤرة إشعاع تثير انتباه المتفرجين، وقد تشكل تموجات جسم الممثل مع باقى تموجات أجسام الممثلين الآخرين أشكالاً كموج البحر ، أو تصبح تشكيلاته أثاثاً ، أو يكون أداؤه حركياً صامتاً يعبر مثلاً عن فتح باب وهمي   .
 ويحقق الممثل جذباً لانتباه المتلقى من خلال وعيه بطبوغرافية المنصة ، محدداً نقاط القوة والضعف فيها بالإضافة لسيطرته على المكان دون إخلال بدرامية اللحظة ، ودون جَورٍ على ما ليس له – إذا لم يكن هو مركز اللحظة الدرامية ، وتتفاعل الكتل ثلاثية الأبعاد – وفقاً لرأى "أدولف أبيا"- والمبنية وفق أصول معمارية ذات مستويات متدرجة مع حركات الممثل للتعبير عن قدراته التعبيرية، وتتحول وحدات الديكور لوحدة تشكيلية تتألف من الخطوط الأفقية والعمودية والمائلة وتؤلف الجو المسرحى ، كما ذكر "أبيا" : "إِن الجو المسرحي يتألف من عدد صغير من الخطوط الأفقية والعمودية والمائلة يتم التنسيق الفنى فيما بينها" . وتتفاعل كل العناصر السابقة مع حركة الممثل أو الراقص لتجسد اللحظات والمعانى المختلفة فى العرض المسرحى. كما وقد تتضاد أو تتقاطع خطوط التشكيل للمنظر مع خطوط الكتلة النحتية للممثل لإحداث معانى التصادم والخلاف ، كما قد تتلاقى أو تتوازى خطوط المنظر مع خطوط الممثلين تشكيلياً لتقوية المعانى التى يطرحها العرض . وقد يكشف التناسب بين الفضاء المسرحى وما تشغله كتلة الممثل من حيز فى أثناء حركته قياساً للفضاء المسرحى عن معانى مختلفة . كما تلعب الإضاءة والموسيقى والمؤثر الصوتى والاكسسوار والملابس دورها فى تأكيد لحظة درامية كمفتاح لفهم المتلقى لتجسيد الممثل لشخصية فى دورها المسرحى، وتكشف العلاقة بين حركة الممثل فى المكان والزمان المسرحي عن طبيعة العرض المسرحى .أعين المتفرجين تتشكل مفردات تعبيرية من خلال إيماءته والتفاتاته أو وقوفه و جلوسه ، وتتفاعل تلك الحركات مع بعضها مكونة نغمة مركبة ، وتتميز حركات الممثل/الراقص بخصائص أساسية ستة هى : الاتجاة والقوة والسرعة والاستمرارية والتوقيت والكمية ، ومن خلال المعنى الخاص لكل من العناصر السابقة فى علاقته ببقية العناصر الأخرى يتحدد المعنى العام للحركة . و يرتبط اتجاه الحركة دائماً بشخصية ما من حيث الاقتراب أو الابتعاد عن نقطة مثيرة لاهتمام المتفرج  ، مما يجعل المتفرج يدرك نوعية قوى الدفع المتفاعلة فى الموقف . كما تساعد سرعة حركة الممثل على إدراك المتفرج للموقف ولحقيقة الشخصية ، فالحركة السريعة تثير حيوية المتفرج وانطلاقه النفسى والفكرى أكثر من الحركة البطيئة التى قد توحى بالخمود أو التأمل المتأنى فى الأفكار والتوجهات المعينة، والإيقاع السريع للحركة قادر على توليد إيقاع مماثل داخل المتفرج ، فى حين يوحى الإيقاع البطىء للحركة بالوقار،أما عنصر الاستمرارية فيتحدد بطول الحركة واستمرارها سواء فى الزمان أو المكان ، وترتبط استمرارية الحركة بطول الجملة المسرحية ، بمعنى أن طول الحركة يتواكب ويتوازى مع طول الجملة ، وقد يحرص معظم المخرجين على قصر طول الحركة وحدتها حتى لا يصاب المتلقى بالملل، إلا أن الحركة البطيئة قد توحى بأحاسيس الراحة والتناغم أو بأجواء الحلم والشاعرية. وطول الحركة رهن بالمسافة بين الممثلين أو بين الشخصية المتحركة والجماد الثابت ، كما يرتبط توقيت الحركة بتوقيت الجملة ، ويؤثر عدد الحركات الموجودة فى كل تتابع زمنى على حدة على قوة العرض ، فقد تكتسب بعض العروض مزيداً من القوة نتيجة وجود عددٍ  ضخمٍ من الحركات بها ، وأحياناً قد يفقد العرض كثيراً من معناه نتيجة للعدد الضخم من الحركات ، ويثير العدد الضخم من الحركات الإحساس بالطاقة والحيوية والسرعة اللاهثة والإثارة والعنف، وقد توحى العروض التى تقل فيها الحركة بالركود والتشتت والإكتئاب والضياع  .
تؤدي التكوينات المتكلفة للممثلين أو الراقصين  إلى نتيجة سلبية بسبب غلبة الصنعة، أما التكوينات البسيطة التي لا تخلو من تجديد فتلفت الانتباه لها بشكل واضح وصريح. كما تتفاعل التكوينات الحركية للممثل وعلاقتها بالملابس وإطار الصورة المسرحية ومحتوياتها. ويرتبط معنى حركة الممثل بحركات الممثلين الآخرين معه على المنصة، كذلك ترتبط حركته بقطع الأثاث وبفتحات الجدران ، وذلك يعنى أن حركات الممثل فى فضاء المنصة عبارة عن سياق من التفاعلات مع ما يحيط به  . وقد لا تمثل المنصة بالنسبة للمصمم والراقص - فى بعض العروض- إلا ساحة للرقص أمام خلفية مناسبة للايماء ، أما الزمن- فليس الزمن الدرامى المتعارف عليه فى المسرح وإنما يمثل مساحة أخرى وهمية يجرى تقسيمها بالتناسب والتوافق مع حركة الراقص فى المكان  .
تُستَخدَم حركة الجسم كأداة للتعبير والتوصيل بين الممثل والجمهور ، وتجسد الحركة الأفعال والدوافع لهذه الأفعال بمختلف درجاتها ، ومن خلال الحركة يستطيع المتفرج أن يعرف الأفكار فى ذهن الشخصيات ونياتهم  . والحركة بالنسبة للجسم عبارة عن منظومة متكاملة لابد أن تستجيب كل عناصرها للانفعال ، وإن اختلفت درجات الاستجابة . وتجذب الحركة انتباه المشاهدين من خلال الاقتراب من بقعة إضاءة مثلاُ ، أوبمفاجأة المتفرج بإيقاع مختلف ومتناقض. ويتحدد المعنى فى العرض من خلال حركة الممثل فى تعامله مع خطوط جسمه التشكيلية وخاصة فى بعدها الرأسى والمتعلقة بـ" الرأس / الرقبة/الجذع/الأطراف" وعلاقتها فيما بينها أو بغيرها فى الفراغ المسرحى (رأسى / أفقى) . وقد يحدد الممثل تقنية حركية ما ، فإذا عَبَر الممثل منصة المسرح من كالوس لآخر مثلاً بينما ينظر خلفه مذعوراً فيُعبِّر ذلك عن كونه مطارداً، أما إذا تحرك على المنصة فى دوائر مغلقة فيُعَبِّر عن وقوعه فى مأزق . ويبتكر الممثل عدداً من الحركات للتعبير عن مشاعره ، فقد يتحرك جيئة وذهاباً مرات عديدة للتعبير عن القلق أو عدم الاستقرار أو الصعود والهبوط لدرجات السلم ، أو عدم إكمال الجملة المنطوقة مع الحركة 


المصادر والهوامش 
---------------------
  صالح سعد،ميتافيزيقا الحركة. :دراسات فى الدراما الحركية والرقص، الهيئة العامة لقصور الثقافة،1995، ص13
* اصطلاحاً "البانتوميم" مشتق من الكلمة اليونانية (Pantomimus) تطلق على المواقف الصامتة في المسرحيات الحديثة ويقوم بالتعبير عنها بحركات الممثلين الجسدية التي لا تصاحبها الكلمات وقد شاع في العصر الحديث (التمثيل الإيمائي) مرادفاً لمصطلح "البانتوميم".
  - نبيل راغب.فن العرض المسرحى . الشركة المصرية العالمية للنشر- لونجمان.1996.ص127
** جاك ليكوك  Jacques Lecoq: (1921-1999) ممثل ومخرج ورياضي وكوريغرافي، و يعتبر من أهم المخرجين المعاصرين الذين أرسوا الإخراج المسرحي على أساس الواقعية الجسدية وشعرية الحركة، واهتم بفن الجسد وبلاغة الحركة ومسرح الألعاب البدنية والرياضية. ومن ثم يتميز مسرحه بالديناميكية الأدائية ودراسة الإشارات اللفظية والإيماءات الصامتة والكوريغرافيا البصرية والمايم التجريدى ، أوجد نظرية جسدية تسمى بالواقعية الجسدية التي تستند إلى تطويع الجسد بطريقة ديناميكية لينسجم مع إيقاعات الموسيقى وجماليات السينوغرافيا المشهدية.
  - شاكر عبد الحميد، الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد:360، فبراير 2009م.
  - محمد غنيمى هلال . الثقافة وأجهزتها بين الكم والكيف.مجلة الكاتب العدد 25. ابريل 1963.دار التحرير للطبع والنشر .القاهرة. ص12
  صالح سعد، ميتافيزيقا الحركة :دراسات فى الدراما الحركية والرقص، الهيئة العامة لقصور الثقافة،1995، ص14-24
  جوليان هيلتون . اتجاهات جديدة فى المسرح.ترجمة أمين الرباط .مركز اللغات والترجمة اكادمية الفنون.1995م.ص21

  نبيل راغب. فن العرض المسرحى .ص145
  - الممثل والدور المسرحى. ص142
  نبيل راغب. فن العرض المسرحى.الشركة المصرية العالمية للنشر-لونجمان. 1996. ص154
  رضا غالب.الممثل والدور المسرحى . أكاديمية الفنون .2006.ص143
  المرجع السابق. ص190
  المرجع السابق. ص157-190
  المرجع السابق . ص213
  المرجع السابق . ص156

  .نبيل راغب .فن العرض المسرحى.الشركة المصرية العالمية للنشر-لونجمان.1996.ص107
  نبيل المرجع السابق. ص120-123
  المرجع السابق. ص120-123
  المرجع السابق. ص155
  صالح سعد، ميتافيزيقا الحركة. :دراسات فى الدراما الحركية والرقص، الهيئة العامة لقصور الثقافة،1995، ص15
  نبيل راغب، فن العرض المسرحى.الشركة المصرية العالمية للنشر-لونجمان.1996 . ص150-151
  المرجع السابق. ص 150-155
  رضا غالب.الممثل والدور المسرحى . أكاديمية الفنون .2006.ص143-146

الأحد، 7 مايو 2017

المخرج المسرحي الهادي بوكرش: "مشروعي الاشتغال على روايات أحلام مشتغانمي ركحيا"

"إبرام اتفاقية ما بين المسرح الوطني والمعهد العالي لفنون العرض"

بوعلام سعيداني محافظ المهرجان الوطني للمسرح النسوي الجامعي : "نسعى للارتقاء نحو طبعة مغاريبية"

إعداد القصص والروايات في المسرح العراقي

مجلة الفنون المسرحية

إعداد القصص والروايات في المسرح العراقي / فيصل ابراهيم المقدادي   

فيصل ابراهيم المقدادي

هناك مسرحيات وتمثيليات روائية مأخوذة عن قصص أو روايات جرى مسرحتها اوتطويعها لهذه المجالات، الا ان هذا يتطلب جوابا واضحا على الاسئلة الهامة التالية بعد قراءة النص وهي :
1. كم عدد المشاهد المختلفة في الرواية التي تحولت الى مسرحية اوتمثيلية في مشهد واحد؟
2. هل يشمل العمل الابداعي المسرحي المعد على مشاهد واحداث لم تكن موجودة في الرواية؟
3. هل الذروة واحدة في كل من العمل المسرحي اوالقصة؟
4. هل من رأيك ان العمل المسرحي المعد (مبني) اساسا على الاصل الذي اعدت منه؟ واذا كان الامر كذلك فلماذا؟
واولى خصائص قدرة المؤلف على استكشاف المادة الدرامية ذخيرته من المعرفة بالجمهور (الناس) وسلوكه وبصيرته القوية بكل ما يحيط به وبهم ثم خياله الحي .
وعلى الكاتب المسرحي ان يتذكر وعلى الدوام بانه يكتب عن قوم معينين وعن تجاربهم لجمهور من الناس لهم تجاربهم الخاصة وعمل الكاتب الدرامي هوان يزاوج بحيوية بين تجارب شخصياته المسرحية وبين تجارب جمهوره وان يربط بين هذه وتلك برابطة السمات المشاركة العامة التي يخضع لها كلا الطرفين، جاء في كتاب البصائر والذخائر :
(ينبغي ان تعلم ان من اراد خطابه البلغاء على طريقة الادباء ومجاراة الحكماء على عادة الفضلاء، احتاج ضرورة الى تقديم العناية باصول الاساس وحفظ فصول هي الاركان، ولن ينفعها تقديمها دون احكامها، كما لا يجدي عليه حفظها دون عرفانها، فمن اوائل تلك العناية جمع برد الكلام، ثم الصبر على دراسة محاسنه، ثم الرياضة بتاليف ما شاكل كثيرا منه اووقع قريبا اليه، وتنزيل ذلك على شرح الحال الا يقتصر على معرفة التاليف دون معرفة حسن التاليف، ثم لا يقف مع اللفظ وان كان بارعا وشيقا حتى يغلي المعنى غليا، ويتصفح المغزى تصفحا ويقضي من حقه ما يلزم في جكم العقل ليبرأ من عارض سقم، ويسلم من ظاهرة استحالة ويعتمد حقيقته اولا ثم يوشيه ثانيا، ليترقرق عليه ماء الصدق ويبدومنه لألاء الحقيقة، ولن يتم ذلك حتى يتجنب غريب اللفظ ووحشيه ومستكرهه وبدويه، وينزل عن ربوة ذي العنجهية واصحاب اللوثة وارباب العظمة بعد ان يرتقي عن مساقط العامة في هجر كلامها ومرذول تاليفها) حيث يضع شروطا محددة لتحقيق الاسلوب البليغ والحكيم تتلخص في :
1. العناية باصول واركان البلاغة وتقديمها محكمة عميق الدراية بها .
2. التدقيق في الالفاظ واختيار الجميل منها .
3. تنزيل اللفظ على المعنى المقصود دون ان يغريه اللفظ الجميل ويقف عنده فيقع في سقم وشكلية لا قيمة منها .
4. وبعد التاكد من مطابقة الصورة للمضمونة، يعود لتشويه ماابدعه فيحذف اللفظ الغريب المستكره، كي لاينعزل في اسلوبه مع ذوي العنجهية والترفع الكاذب، وهم المتحذلقون، ولا ينغملر في اساليب التاليف الرخيص الذي يمارسه العامة والمتطفلون على البلاغة .
ان الحذر ضروري جدا خاصة من الايغال العفوي في موسيقى الكلمات خاصة تلك التي تجعلها شديدة الطنين والجرس، وبعدها عن جدية المعنى وجلال الحكمة والفلسفة المقصودة احيانا والانتباه الى ان لغة المسرحيات يجب ان تتميز في تنويع العبارات رغبة في استعمال اقصى مالدى المؤلف من مخزون الكلمة. و(سلاسة الطبع لاتعني التلقائية العفوية، بل لابد من ثقافة ودراية لجميع القواعد والاصول، والبلاغة هي (الصدق في المعاني مع ائتلاف الاسماء والافعال والحروف واصابة اللغة وتحري الملاحة المشاكلة برفض الاستكراه ومجانية التعسف) وبلاغة النص حسب: (الامتناع والمؤانسة ج 1 ص9) هومركب من اللفظ اللغوي والصوغ الطباعي والاستعمال الاصطلاحي ).

أهمية إعداد وعرض المسرحية الجيدة

(ان عددا من  قصص وروايات: جليل القيسي ومحمد خضير ومحي الدين زنكنه جديرة بالمسرحة)
اهمية المسرحية الجيدة :
1. التأثير الايجابي في افكار الجمهور .
2. التأثير الايجابي في قناعة الجمهور .
3. ماتضيفه المسرحية من خبرة حياتية جديدة وتعميق مفاهيمها للحياة .
4.     اغناء تفكير الجمهور واثارة الشعور لديه عن طريق الصورة اللغوية الخاصة ويرتبط هذا بالالهام والعبقرية الفنية الخاصة بالمؤلف والمخرج .
5. يعبر المسرحي عن تجربته وفهمه العام للحياة بصدق عن احوال المجتمع وبهذا يحقق ذاته في الجماعة سعيا للتاثير فيهم وكسب رضاهم ووسيلته الى التاثير وهذا الكسب يحدث فيما يعنيهم يتاثر بالمجتمع ثم يحاول التاثير فيه كما بالنسبة لغالب مسرحيات : ( طه سالم ونور الدين فارس ) وبذلك يختلف عن (المسرح التجاري) الذى يخضع للارادة الانية للناس و(لمردود شباك التذاكر) ويترك المجتمع يدور في نطاق ذاته دون ان يضيف اليه اية قيمة جديدة. وهذا ماحصل في العراق (ايام الحرب العراقية الايرانية) حيث قدمت المسرحيات التجارية التي نقلت ثقافة الغجر والمتعة الرخيصة للمسرح والتاليب (ضد الفرس).
6. تظهر اثار المسرح في المجتمع بما يقدمه اليه من قيم جديدة تساعد على تغييره وتشكيله، ومثالها مسرحيات :
1 - فرقة المسرح الفني الحديث  وعروض مسرحيات :
1-اني امك يا شاكر
2 - ماكوشغل
3 - ست دراهم
4 - انا ضمير المتكلم 
5 - الشريعة
6 - الخان
7 - النخلة والجيران
وما قدمة اساتذة معهد وكلية الفنون- في الستينيات والسبعينيات من قرننا الماضي :
1 - هملت
2 - يوليوس قيصر لشكسبير
3 - القرد كثيف الشعر ليوجين اونيل
4 - كلكامش وغيرها ..
 2 – ما قدمته فرقة المسرح الشعبي وفرقة مسرح اليوم :
   1 - اشجار الطاعون
   2 - الغريب
   3 - العطش   والقضية
   4 - البيت الجديد
   5 - فيتروك ... وغيرها
 7. موقف المؤلف المسرحي والمخرج من المجتمع  بالتأكيد ان للمسرحي فرديته  لكنها تتحقق ايضا بوجود المجموعة  وله عبقريته المبدعة وما يبدعه المسرحي ويخلقه لا تكون له قيمة الا بما ستتركه من اثر في المجموعة  فالمسرحي بشكل عام قيمة  انسانية اجتماعية حتى لوتقاطعت مع ارادة الانظمة الظالمة  وهناك امثلة عديدة  في تاريخ المسرح الروسي (بوشكين وعدم رضا القيصر على مسرحياته منع العديد من مسرحيات  فرق المسرح الفني الحديث بالعهد الملكي وحكم حزب البعث.. الخ. محاولة الانظمة الظالمة شراء مسرحيين ومحاولة توضيب عروض مسرحية ومخرجين لصالح الحاكم.....الخ) كما حصل مع مسرحيات: الفرس وزبيبة والملك.... وغيرها...


الكاتب والمخرج المسرحي.. علاقة متوترة

مجلة الفنون المسرحية

عندما يتناول مخرج ما مسرحية لعرضها، ما الذي يمنع الكاتب من حضور البروفات المسرحية؟ وعندما يحضر الكاتب سيجد المخرج نفسه في موقف حرج لأنه قد يغيّر بعض الجمل أو يعدّلها وفق خطته الإخراجية. لكن لماذا الحرج طالما هو الذي يقود السفينة إلى فضاءات النجاح عبر توزيع الأدوار على الممثلين رغم وجود الكاتب الذي لن يكون ربان هذه السفينة الآن على الإطلاق ولا هو صاحب السلطة المطلقة التي يجب أن يكون فاعلاً فيها بطرق مختلفة؟‏‏ اذا كان الكاتب المسرحي شخصاً معروفاً مثل ديفيد ماميت أو نيل سيمون أو توم ستوبارد، فسلطته وفاعليته محصورة في كثير من الأحيان بمناقشات مستمرة بينه وبين المخرج حول ما يحتويه النص من إشارات وحوارات ومواقف وحالات وحتى إرشادات إخراجية متفق عليها والتي يمكن للمخرج الاستفادة منها أو لا، وإذا كان المخرج يتعامل مع كاتب جديد، عندها قد يفكر في ترتيب المشاهد واستبدالها بحيث تكون أكثر فعالية في العرض.‏‏ أول شيء يدركه المخرج هو أن العديد من الكتاب المسرحيين الجدد لا يفهمون العملية التي تحول النص المسرحي إلى فن العرض المسرحي عبر مجموعة من الناس الموهوبين، مثل الممثلين والمصممين السينوغرافيين والدراماتورج وما إلى ذلك، والذين يعيدون تشكيل المادة الأصلية إلى فعل وأداء حركي ومناظر مسرحية. في بعض الأحيان، قد يجري المخرج تغييراً في رؤية الكاتب الأصلية ومقولته لتحقيق أمر ما يكون لصالح العرض، ما يؤدي إلى استياء الكاتب، لكن هناك بعض الكتاب يجدون صعوبة التخلي عن صورة مسرحية في النص والذهن، إن لم نقل استحالة التخلي عنها، والذين يصرون على توالد الصور التي تشكلت أول مرة في خيالهم عند كتابة النص بشكل ملموس.‏‏ أنا لا أرى أن فقدان الصورة/ المشهد يتطلب تغيير طبيعة العمل الأصلية وروحه، إلا أن فعل التفسير/ التأويل يفتح الأبواب على مفاهيم جديدة وإثارة أسئلة عن ماهية الكاتب وإبداعه. لكن إذا كان الكاتب يعترف أن نصه يتحول من نوع أدبي إلى نوع آخر فني/ مرئي، فلكل نوع أدواته وشروطه ومتطلباته تنجر إلى حالة الفوضى في بداية الأمر ثم تنتظم في إطار رؤية المخرج.‏‏ من الضروري أن يحضر الكاتب العديد من بروفات القراءة مع الممثلين والجلوس معهم إلى الطاولة الحوار لقراءة النص المقترح معاً، وبدوره يقدم الكاتب أكبر كمية من الاستفسارات والمعلومات والمعرفة للمجموعة كما أنه يمكن أن يقدم لكل حركة معان متعددة ومفتوحة، وأن يكون لديه فرصة للرد على الأسئلة بحيث يقدم للممثلين معاني واضحة من دون غموض، وينبغي أن يمنعهم من حضور البروفات الخاصة بينه وبين المخرج، قد يبدو هذا غير مستساغ، لكنها عملية ناجحة.‏‏ يبدأ الممثلون البحث عن الخطوط الدرامية وأفعال الشخصيات تبريراً لصياغة تحركاتهم على الخشبة، ولا يستطيعون اقتراح أي شيء إذا كان الكاتب موجوداً لأنهم ليسوا متأكدين فيما إذا كانوا يدركون أن حالة الفوضى أو التشكيل الحركي مؤقتة أم لا، وستتغير هذه الحالة كلما استمرت البروفة، ومن الضروري التأثير على جزء من عملية البحث والعثور على طريقة وأسلوب التمثيل، وهم مدركون بشكل مؤلم لحقيقة أن كل شيء في حالة فوضى، حالة الفوضى تسبق خيارات حاسمة من قبل المخرج الذي من شأنه أن يضبط العمل ويطبع عليه بصمته الإبداعية الخاصة.‏‏ ذات مرة كانت المسرحية جاهزة للعرض، وكان ينبغي دعوة الكاتب المسرحي إليها لحضور البروفة الأخيرة «الجنرال» ومشاهدة العمل في حالته البدائية، في هذه الحالة ستتكون لديه فكرة بالطريقة التي يتحرك فيها الممثلون واستخدام مكونات العرض الأساسية، وإذا كانت لديه اعتراضات قوية على هذه الطريقة، فمهمة المخرج شرح وجهة نظره له باعتباره الصوت المدافع عن العمل للتعبير عن الرؤية الإخراجية وتحركات الممثلين عندها سيحصل المخرج على انطباع حول كيفية الانتقال من حالة المسرحة إلى حالة الإبداع.‏‏ إن غياب الكاتب عن البروفات يعطي مبرراً قوياً لاستكشاف الموضوعات والمواقف التي لا تقدر بثمن والتي ربما تكون على خلاف مع مقولة الكاتب، وتكون ردود أفعاله وثيقة الصلة بتلك المرحلة، ويتعين على المخرج النظر فيها في هذه اللحظة، حيث يلهم الكاتب نفسه لتغيير وتعديل أو حذف أو إعادة النظر فيما كتبه عندما يقدم المخرج فرصة لمواجهة المشاكل مع النص، ومن ناحية أخرى تكون فترة البروفة غير واردة في الزمن.‏‏ إن المخرج والكاتب يقيمان العمل بصراحة بحيث يتفقان أو يختلفان على تحويل مقترحات النص الأدبي إلى عرض مسرحي منسجم أو متقارب في رؤية واحدة لتصور الشكل النهائي للمنتج. فصدق المشهد من قبل الطرفين قد يوفر فرصة كبيرة لتقديم عمل مشترك وناجح بينهما، وفي الوقت نفسه يقدم كل واحد البراهين والمبررات لمعالجات النص في محاولة لاستيعاب الطريقة الجديدة في الكتابة والتمثيل وشكل العرض.‏‏ ورغم انتقادات الكاتب المسرحي على العرض ودفاع المخرج عنه، يجب أن تنتقل هذه المناقشات والانتقادات إلى الممثلين ليتمكنوا من معرفة تأثير العرض على المتفرج بأسلوبهم الخاص. لا يستطيع الكاتب تعزيز عدم ثقة المخرج بنفسه وبالآخرين من اكتشاف فجائي عندما يستجيب الممثلون لملاحظات الكاتب بدلاً من الاستجابة لملاحظات المخرج، وهذا ليس غروراً بقدر ما هو تحدٍ، فالكاتب ببساطة لا يملك لغة العرض وليست لديه خبرة تقنية وقد لا يعرف معالجة المشاكل التي تظهر أثناء البروفات مع الممثلين والمصممين، بعكس المخرج الذي تكون لديه الجرأة في معالجة الإشكاليات ومتابعة الخطوط الدرامية والمشهدية البصرية/ السينوغرافية، وبالتالي فالكاتب المسرحي يجب ألا يتدخل في عمل المخرج ولا في آلية التواصل ويبقى متفرجاً لأن هناك مهمات منوطة لكل فاعل في العرض بالاتفاق مع الجهة المنتجة.‏‏ ربما يكون الكاتب المسرحي على معرفة بإبداء الملاحظات للممثلين حول خطأ الأداء وصوابه وليس حول أسلوب الأداء أو طريقة التعبير، فهو عادة لا يستخدم المفردات العادية ولا خلفية مسرحية لمعرفة كيفية تصحيح ذلك. باختصار لا ينبغي أن يقدم سلسلة من الأوامر في عملية الإنتاج، وفجأة يتم تدمير كل ما قدمه المخرج كما أنه يبث القلق إلى الممثلين السينمائيين والمخرجين الجدد وحصول نتائج عكسية واضطرابات مميتة لنوايا الكاتب المسرحي والمعالجة الخاصة به.‏‏ عندما أخرجت الثلاثية التي كتبها موراي تسيغال في لندن «في الواقع كان هذا أول إنتاج احترافي للكاتب» كان الكاتب متوتراً يصعد ويهبط في الممر الخلفي للخشبة يفرك يديه ويتمتم في قلق وتهيج مع ممثليّ العمل، لدرجة أن الممثلين أنفسهم اشتكوا لي بأنهم لا يستطيعون معرفة ما يجري والقيام بالبروفة لأن الكاتب منزعج جداً من أدائهم، فشرحت ذلك للكاتب للمحافظة على الروح المعنوية للممثلين ثم منعته من حضور البروفات اليومية حتى يجهز العرض تماماً. كان هذا في بداية مهنة السيد تسيغال الكتابية بلا شك. أعتقد أن هذا التصرف لا يشجع أي مخرج على تقديم مسرحيته على الخشبة، ولكن كان خياري بسيطاً، إما أن يبقى الكاتب والممثلون ليتحول العرض تدريجياً إلى حالة فوضى سيئة أو أن يخرج الكاتب من المسرح ثم أستأنف العمل، لم يكن لدي أي تردد في اتخاذ قراري الثاني.‏‏ دُعيت إلى إخراج مسرحية في ولاية كاليفورنيا الأمريكية. كنت أعرف الكاتب ومسرحيته، وكانت المسرحية بحاجة إلى إعداد، فجهزتها للعرض بشكل جدي، وكنت أعرف مشكلة الكاتب لأن لي تجربة سابقة معه، فاضطررت إلى إجراء تعديلات وحذف بعض المقاطع بسبب الإنتاج. ولتفادي تكرار هذا الوضع اتفقت معه أن هذا الإجراء بسبب قلة التمويل فوافق مباشرة من دون تذمر. وأنا من جانبي جعلت البروفة في وضع مريح، وذلك بعد القراءات الأولى التي من شأنها أن يترك البروفة على أن يعود إليها عندما يتطور العمل، يتقبل الكاتب أخلاقيات العمل على مضض.‏‏ أثناء البروفات عملت على اقتصاديات الدلالة من النص لحماية العرض من حالة الفوضى المفرطة من قبل الممثلين الذين كانوا حريصين على المحافظة على سير البروفة كما يجب أن تسير. يمكنني القول إن العرض لاقى قبولاً من قبل الكاتب والجمهور على حد سواء، لكن تلك كانت حالة فريدة من نوعها، عادة، تبدأ البروفات مع اختصار النص بالفعل وصولاً إلى الخشبة، في هذه الحالة، كان الأداء مع بعض التجاوزات بحاجة إلى ضبط التشكيل الحركي الذي يتعين تقييمه بعناية قبل اتخاذ قرار الاختصارات والتعديلات بحيث يكون العمل الفني مغلفاً من الخارج بوشاح النجاح.‏‏ العمل مع الكاتب المسرحي الذي اختاره المخرج لتقديم مسرحيته على الخشبة هو دعوة إلى وليمة فاخرة، بشرط ألا يفسد هذا التعاون البروفات والتي تنعكس سلباً على الجهة المنتجة وعلى الجمهور الذي دفع ثمن البطاقة.‏‏

-------------------------------------------------------
المصدر : تشارلز مارو/ ترجمة: سناء عرموش

السبت، 6 مايو 2017

جماليات التكوين الحركى فى العرض المسرحى

مجلة الفنون المسرحية


 جماليات التكوين الحركى فى العرض المسرحى

راندا طه

يرى جوليان هيلتون Julian Hilton[1]  أن العرض المسرحى هو نتاج لثلاثة عناصر : المؤدى والفضاء المسرحى والزمن، ويستبعد هيلتون عنصرالنص من العناصر السابقة وذلك لوجود بعض أنماط من العروض كالعروض الأدائية التى لا يوجد لها نص مكتوب . والعرض المسرحى شكل متسلسل يتسم بالديناميكية والحركة المستمرة فى الزمن، ويختلف العرض المسرحى عن السينمائى فى كون العرض المسرحى منفتحاً على المشاركة الحية للجمهور[2].  كما أن العرض المسرحى عالم مختلف بأبعاده وتصميمه وألوانه ، يقوم فيه المخرج بالتجريب والمغامرة من خلال أدواته وخبراته ، ومن خلالها يشكل مفاهيمه الخاصة . والعرض المسرحى هو فى جوهره صورة مرئية وصوتية، فالصورة لابد أن تقول شيئاً ولابد أن يكون لها شكل متميز وتكوين مقصود فكرياً وجمالياً ترتاح له العين وتستوعب معانيه ، ويتكون العرض المسرحى من سلسلة من الصور المتتابعة ذات المغزى المتسق الذى يحكى قصة من خلال تكوينه المحدد بإطار معين [3].

وتطرح العروض المسرحية رؤى جديدة ومبتكرة تظهر كـصور Images بصرية وتكوينات يقوم المتلقى بتأويلها  Interpretation وتفسيرها بأشكال متعددة. ويعتمد التكوين المسرحى على عناصر عديدة منها عنصر بالغ الأهمية وهو الحركة وذلك لاعتماد العرض المسرحى بالأساس عليها، ولولا الإيهام بالحركة ما كان المسرح. والحركة – فى جوهرها- هى التعبير المباشر المحسوس عن مبدأ الصيرورة أو التحولات (ميتامورفوسيس metamorphosis)، أو هى فى معنى آخر الرسم على إحداثيى الزمان والمكان، كما اعتبرها الفلاسفة  التعبير الحقيقى عن استمرار الحياة من خلال الصراع ، واتخذت الحركة فى التكوين المسرحى مكانة متعاظمة فى المسرح العالمى المعاصر كما فى أعمال جروتوفسكى، بيتر بروك وآرين منوشكين[4] .

ولكل عرض مسرحى تكوين حركي تشكيلي تتداخل فيه التكوينات والمفردات  من خلال حركة الممثل ، والعناصر والإضاءة والتى تخلق فى مجملها مفهوماً تشكيلياً جمالياً عند المتلقى[5] . والتكوين المسرحى الحركى مساحة لا متناهية من التغير والتشكل يشعر بها المتلقى من خلال لفت انتباهه بإعادة التكوين والتشكيل. وللتكوين الحركى جماليات ترتبط بالكتلة واللون والفراغ والموسيقى وكافة العناصر بشكل عام وتشكل نسقاً خاصاً مترابطاً يؤثر في الجمهور ، وأحياناً يرتبط التكوين المسرحى الحركى بالفنون التشكيلية إلا أنه يبقى دائما مرتبطاً بالجوانب التذوقية التي لاتخضع لقانون أو قاعدة. ولكل سينوغرافى أو مخرج وجهة نظر خاصة به ، وذلك قد يسبب صعوبة في بلوغ المعنى الشامل للتكوين – ربما برغم سهولة فهم التكوين – عند ذلك يمكن إدراك التكوين بتأمل الانسجام الحادث بين العناصر المختلفة التى تشكله. يتحدد نجاح أى تكوين مسرحى بتوافر عناصرعديدة هى: الوحدة والتنوع والاتساق والتضاد والتوازن والتأكيد فى بناء التكوينات المتتابعة والتى تظهر فى تتابع سريع لصياغة التكوين المسرحى ، ولابد من توافر التناسب فى التكوين مع مساحة المنصة ، وخلق التكوينات ذات القيمة التشكيلية الجمالية والموحية، وترتيب التكوينات فى تتابع يثير ذهن المتلقى ، وإذا لم يستطع المخرج أن يوائم بين عناصره وبين خصائص المنصة التى يجرى عليها العرض  أو بحدوث نقص فى العناصر السابقة ، تتأثر الاستجابة المرجوة للجمهور ويفشل المخرج فى توصيل المعنى، أو يتسبب فى تشتيت ذهن الجمهور مهما كان التكوين جميلاً .
كما أن تكرار أنماط التكوين قد يصيب الايقاع بالملل، فالتكوينات المقسمة لنصفين من الشخصيات - على سبيل المثال- أو ترتيب الشخصيات على مسافات متساوية يصيب المتفرج بالآلية والتشتت إلا فى العروض التجريبية التى قد تلجأ لتلك التكوينات للإيحاء بضياع الانسان المعاصر . كما أن "الوحدة unity " بدون تنويعات متتابعة سرعان ما تفقد قدرتها على التأثير على المتفرج . أما الاتساق فيزيد الاحساس بالوحدة فى التكوين ، فمن خلاله تتداخل العناصر وتتفاعل لتكوين الشكل المميز  . ويضفى" التضاد contrast" الحيوية على التكوين ، فالتضاد قد يكون فى اللون والديكور والملابس وحتى فى الحوار ، أوالتضاد بين مختلف الأفكار والتوجهات ، كما أن التضاد فى الحركة المسرحية يبرز الصراع الدرامى ، وبدون التضاد يتحول التكوين من كيان ديناميكى متفاعل إلى وضع استاتيكى راكد . 

ومن عناصر التكوين المسرحى الأخرى : "الاتزانbalance " والذى يتكون من قوى" الشد tension" و"الانجذاب"attraction، وتعتمد درجات الشد فى التكوين المسرحى على المسافة بين الأشكال ، أو فى العلاقة بين الممثل والعناصر المشهدية والأثاث ، أما قوة الانجذاب أو الجاذبية فتؤثر على الاتزان وذلك بوضع أحد عناصر المنظر ثقيلة الوزن بشكل يتدلى فى المشهد مما يعطى إحساساً بالسقوط يؤدى بدوره للاحساس بعدم الاتزان . كما يمكن تصنيف الاتزان لنوعين هما : الاتزان المادى والاتزان النفسى. فالاتزان المادى يتم من خلال تعادل توزيع كتل التكوين على المسرح ، أما الاتزان النفسى فمن خلال تعادل قوى متضادة ومتصارعة غير ملموسة مادياً ، وتلك الطاقات النفسية تمنح الإحساس نوعاً من الوزن والكتلة وتتجسد فى الحركة والصوت والحديث والضوء واللون ، ويؤثر افتقاد الصورة المسرحية للتوازن بالسلب على العرض . كما يؤثر عنصر التأكيد على التكوين المسرحى ، وذلك من خلال اختيار المخرج مثلاً للشخصية التى ترتكز عليها أنظار الجمهور ، وينتقل التأكيد ويتغير بالضرورة من شخصية لأخرى مع تطور المشهد فى العرض، ومن خلال استخدام الأوضاع الجسدية والمساحات والمناطق والمسطحات والمستويات يؤكد المخرج على المعنى المطلوب. أما "الايقاع rhythm " فمن خلاله تُحَدَّد النسبة ما بين حجم المشهد المسرحى بالنسبة للمقياس الانسانى كما قد تصمم مشاهد ضخمة فى قياسها بالنسبة لحجم الممثل  ، ويؤثر الايقاع على وحدة التكوين من خلال التكرار المنتظم المتتابع والمتنوع دون أن يصيب المتلقى بالملل . 

أما الإحساس بالوحدة فيعد القيمة النهائية التى يسعى إليها المخرج فى عرضه ، ويعتمد الإحساس بالوحدة على التفاعل الايجابى بين العناصر السابقة (التنوع والاتساق والتضاد والتوازن والتأكيد والايقاع)، ويمكن تحديد عنصر الوحدة بكونها تعنى التفرد والاكتمال ، فكل تكوين هو وحدة متكاملة من خلال الاختيار الصحيح والترتيب والتكثيف، فكل عنصر فى التكوين يؤدى معنىً مطلوباً فى الصورة  .

وكل العناصر السابقة مهمة للحركة كما للتكوين فالحركة بطبيعتها لغة بصرية ذات قيمة تعبيرية غير محدودة ، فصورة الحركة تنطبع فى شاشة المخيلة – بعكس الحوار الذى يحتاج ليقظة ذهنية وقدرة على الحفظ والاسترجاع- فالحركة قادرة على جذب العين والتمسك بها ، وتثير تشويق المتفرج وتبرز عوامل الصراع الدرامى والتعبير الحسى عن الانفعالات والمشاعر .

يُطلق مصطلح الحركة على التتابع ما بين عمليتى الاختفاء ثم ظهور وإعادة صياغة تكوين جديد ، والفترة الزمنية التى تحتلها الصورة على المنصة رهن بمدى أهميتها وثقلها وقوة الدفع الكامنة فيها، وعندما تتوقف الحركة وتلزم الشخصيات مواقعها يتكون للصورة معنى من خلال التكوين الذى تحتوى عليه. وتشكل عناصر التكوين وحدة عضوية وجمالية أمام المشاهدين لا تنفصل عن المعنى أو المضمون الفكرى للنص المسرحى  . ويمكن تحليل تتابع الحركة المسرحية من خلال : ظهورصورة يعقبها اختفاء مع صياغة تكوين جديد ثم ظهور صورة .....إلخ  .

المصادر:

1 - جوليان هيلتون . اتجاهات جديدة فى المسرح.ترجمة أمين الرباط .مركز اللغات والترجمة اكادمية الفنون.1995م.ص33
2 - جوليان هيلتون . اتجاهات جديدة فى المسرح.ترجمة أمين الرباط .مركز اللغات والترجمة اكادمية الفنون.1995م.ص19-20
3- نبيل راغب فن العرض المسرحى ..الشركة المصرية العالمية للنشر-لونجمان.1996.ص104
[4] - صالح سعد،ميتافيزيقا الحركة. :دراسات فى الدراما الحركية والرقص، الهيئة العامة لقصور الثقافة،1995، ص11- 24
4- صالح سعد،ميتافيزيقا الحركة. :دراسات فى الدراما الحركية والرقص، الهيئة العامة لقصور الثقافة،1995، ص11- 24

  - نبيل راغب . فن العرض المسرحى . الشركة المصرية العالمية للنشر- لونجمان.1996.ص108

  - نفس المصدر.ص110

 - نفس المصدر.ص110

  - نفس المصدر.ص111

  نفس المصدر.ص113

  ننفس المصدر.ص108-109

  نفس المصدر.ص115

  نفس المصدر.ص104

 -W. Oren Parker. Scene Design & Stage Lighting. 2nd Edition. 1964. p60-61

 - W. Oren Parker. Scene Design & Stage Lighting. 2nd Edition. 1964. p62

سينما.. "مسرحية" كاظم النصّار كوميديّا الظلال القاتمة

مسرحية هاري بوتر تعرض في نيويورك عام 2018

مجلة الفنون المسرحية

مسرحية هاري بوتر تعرض في نيويورك عام 2018


تعرض مسرحية “هاري بوتر آند ذي كورسد تشايلد” التي تسجل نجاحاً كبيراً جدا في لندن، في ربيع العام 2018 في برودواي، على ما أفاد المنتجون على موقعهم الإلكتروني.
ويبدأ عرض المسرحية في نيويورك في 22 أبريل (نيسان) 2018 في “ليريك ثياتر” أحد مسارح برودواي، الذي سيرمم للمناسبة.

وتعرض المسرحية التي تظهر هاري بوتر وقد أصبح أباً لثلاثة أطفال وموظفاً في وزارة السحر، في مسرح “بالاس ثياتر” في لندن راهناً.

ومسرحية “هاري بوتر آند ذي كورسد تشايلد”، مؤلفة من قسمين يستمر كل واحد منهما ساعتين ونصف الساعة تقريباً ينبغي أن يشاهدا في اليوم نفسه.

وحازت المسرحية في مطلع أبريل عدداً قياسياً من جوائز المسرح البريطانية، بنيلها 9 مكافآت “أوليفر أواردز”.

ورحب النقاد بالمسرحية التي تلقى نجاحاً جماهيرياً أيضاً، وبطاقاتها محجوزة بالكامل حتى نهاية يوليو (تموز) 2018.

وتحدث مجريات المسرحية بعد 19 عاماً على الأحداث الواردة في كتاب “هاري بوتر اند ذي ديثلي هالوز” الجزء السابع والأخير من السلسلة الناجحة التي ألفتها البريطانية جاي كاي رولينغ.

وبيعت أكثر من 450 مليون نسخة من الأجزاء السبعة لسلسلة هاري بوتر منذ صدور الكتاب الأول في العام 1997، وترجمت أجزاء السلسلة إلى 79 لغة وحولت إلى 8 أفلام.

----------------------------------------------
المصدر : موقع 24

مسرحيات سعودية في مهرجان الطفل والعائلة الثاني في الخبر

مجلة الفنون المسرحية

مسرحيات سعودية في مهرجان الطفل والعائلة الثاني في الخبر

المخرج السعودي طلال الرمال يُرجع ابتعاد المسرحيين عن مسرح الطفل وعدم اهتمامهم به إلى تكاليفه الباهظة في الاحتياجات الضرورية للديكور والملابس والأغاني وغيرها.

تستمر فعاليات مهرجان الطفل والعائلة الثاني بمدينة الخبر السعودية، في تقديم نشاطات ثقافية وفنية متنوعة، حتى الجمعة 5 مايو 2017، جاء منها عرض مسرحية للأطفال قدمتها جمعية الثقافة والفنون في حائل، من تأليف وإخراج طلال الرمال، ومسرحية “جنون بشر”، تأليف وإخراج جميل الشايب، بالإضافة إلى الأركان التفاعلية التي يقدمها الفنانون والفنانات في معرض واحة الفنون من مختلف الفنون البصرية، ومسرح عروض الأطفال المواهب.

وصف المؤلف والمخرج طلال الرمال مسرح الطفل بالمختطف بعد انتهاء عرض مسرحيته “أوليس في بلاد العجائب”، والسبب يعود في رأيه إلى ابتعاد المسرحيين عن مسرح الطفل وعدم اهتمامهم به وبتعزيز دور الطفل فيه، أما السبب الآخر فيرجع إلى تكاليفه الباهظة في الاحتياجات الضرورية للديكور والملابس والأغاني وغيرها.

وأضاف الرمال أن من مشاكل مسرح الطفل أيضا فرق الأطفال التي تحاول أن تعلم الطفل أمورا لا تناسب عمره، ولا تشبع حواسه، مما يجعله ضائعا ومشتتا وغير مقبل على المسرح.

وأكد الرمال أن مسرح الطفل يحتاج إلى دعم وتبنّ حكومي يهتم به للمساعدة في تطويره، ولكي يصبح كباقي مسارح الدول المتقدمة، مؤكدا أن الطفل في المملكة هو نفسه الطفل الذي لديه احتياجات في باقي دول العالم.

وأبدى الرمال إعجابه الشديد بتخصيص مهرجان خاص يجمع الطفل والعائلة وقال “إن الطفل يملك حواس ويريد إشباعها، ومن أكثر الحواس التي يحتاجها الطفل حاسة الخيال حيث يمتلك الطفل خيالا عميقا يجب الاهتمام به، وهذا الاهتمام لمسته في مهرجان الطفل والعائلة 2017”.

الرمال: مسرح الطفل يحتاج إلى دعم وتبنّ حكومي يهتم به للمساعدة في تطويره، ولكي يصبح كباقي مسارح الدول المتقدمة، مؤكدا أن الطفل في المملكة هو نفسه الطفل الذي لديه احتياجات في باقي دول العالم
بدورها اعتبرت الفنانة والمخرجة البحرينية وعضوة لجنة التحكيم في عروض مسابقة الطفل المسرحي في المهرجان غادة الفيحاني أن إشراك الطفل في جميع الفعاليات الثقافية جزء هام وفاعل في تنمية المواهب والجوانب التربوية لدى الطفل لأنه يسهم بشكل فاعل في تعديل سلوكيات الطفل.

وأكدت الفيحاني على ضرورة البدء بالأساسيات الصحيحة في التعامل مع الطفل، موجهة رسالة إلى المخرجين بعدم وضع الطفل في ديكور ضخم، لأنه يقيده على المسرح، ويعتبر من أكثر العوائق التي تواجه الطفل في التمثيل على الخشبة.

وعن الاختلاف بين الأجيال قديماً وحديثاً قالت الفنانة “إن الشيء المميز في كل الأزمنة ويستحيل غيابه مهما تطورنا مع الطفل هو الجرأة والعفوية، موضحة أن بعض المسرحيات تكون قديمة إلى حد ما ولا تتماشى مع مستوى عقل الطفل، لذا يتجه الكثير من الأطفال في الوقت الحالي إلى المسرح التجاري، وهو ما يجب أن ننتبه إليه، إذ علينا أن نواكب مستوى ذكاء الطفل”.

“معاريس التاريخ” كذلك يعد من أهم برامج المهرجان هذا العام، وهو يقدم شخصيات مختلفة للأطفال. من مجالات الرياضة والإدارة والفن والعلوم. وقد قدم الجميع كمادة معدة للأداء الفني، كتبها الكاتب المسرحي عبدالباقي البخيت. وقد تم التركيز في هذا العمل على مقتطفات التحدي والإصرار والإرادة لكي يتفاعل معه المتلقي مع مراعاة الفوارق العمرية لدى الجمهور المتلقي. وأول “معاريس” المهرجان هو الشاعر عبدالله علي الجشي، الذي قضى نصف عمره في العراق والنصف الآخر في القطيف.

وحين عاد الجشي إلى مسقط رأسه شارك في إيجاد التربة الخصبة لتكوين الحركة الأدبية وإذكاء النهضة الشعرية والأدبية.

-------------------------------------------------
المصدر : جريدة العرب


9 دول تشارك في مهرجان ليالي المسرح الحر بالأردن

مجلة الفنون المسرحية

9 دول تشارك في مهرجان ليالي المسرح الحر بالأردن

المهرجان يحتفي بالممثلة الكويتية حياة الفهد والممثل المصري سامح الصريطي، ويقيم ورشة تمثيل يشارك فيها نحو 120 شابا وفتاة من هواة المسرح.

وتشارك تسع فرق مسرحية عربية وأجنبية في الدورة الـ12 من مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي الذي يقيمه الأردن في الفترة من 13 إلى 18 مايو الجاري.

وتقام دورة هذا العام على مسارح المركز الثقافي الملكي والجامعة الأردنية وتضم فرقا من الأردن ومصر وتونس والكويت وسلطنة عمان وفرنسا وبولندا والمكسيك وتشيلي.

يقدم في الافتتاح العرض الأردني “ظلال أنثى” لفرقة المسرح الحر، من تأليف هزاع البراري وإخراج إياد شطناوي.

وقد قال علي عليان مدير المهرجان في مؤتمر صحافي “هذا العام وصلنا إلى 280 عرضا مسرحيا للمشاركة في المهرجان، استطعنا أن نختار 18 عرضا قبل أن نصل في النهاية إلى ثمانية عروض فقط”.

وأضاف “نحن لا نخضع لأي ضغط من أي جهة كانت في وضع برامجنا سواء في الندوات أو ورش العمل أو استقطاب العروض المختارة، بل نضع نصب أعيننا فقط جودة المنتج”.

وتابع “في اختيار العروض لا نلتفت إلى أي وساطات كما أن هناك لجنة المشاهدة وضبط الجودة التي تجلس وتتشاور وتتناقش وتتفق وتختلف، لتصل في النهاية إلى الأفضل والأجدر بالعرض في الأردن”.

ولجنة تحكيم المهرجان في هذه الدورة برئاسة المخرجة الأردنية سوسن دروزة وعضوية الناقد السعودي سامي الجمعان والمخرج المصري ناصر عبدالمنعم والمخرج الفلسطيني فؤاد عوض والمخرج والأكاديمي الأردني مخلد الزيودي. بدورها قالت أمل الدباس رئيسة اللجنة العليا للمهرجان في المؤتمر الصحافي “جذب الدعم كان تحديا كبيرا. يبدو أن هناك مشكلة في الإيمان بدور المسرح ودور الفن بشكل عام”.

وأضافت “نتمنى من خلال السلطة الرابعة ‘الصحافة’ الترويج الإعلامي لهذه الدورة حتى تؤثر في المجتمع ويعلم صاحب القرار ومؤسسات المجتمع المدني أن الخطاب الفني والخطاب الثقافي يؤثران في المجتمع أكثر مما يؤثر الخطاب السياسي”.

وتابعت قائلة “نحتنا بالصخر حتى نصل إلى الدورة الثانية عشرة من المهرجان التي نتمنى أن تليق بمستوى الأردن ومستوى المسرح في الأردن. نتمنى في الدورات القادمة أن يكون الدعم أكبر لهذا المهرجان الذي يضع المسرح الأردني والمهرجانات في الأردن على الخارطة الدولية”. ويحتفي المهرجان هذا العام بالممثلة الكويتية حياة الفهد والممثل المصري سامح الصريطي كما يكرم الممثل زياد أبوسويلم والممثلة نادرة عمران والمغني رامي شفيق من الأردن.

وتحمل ندوة المهرجان الرئيسية عنوان “المسرح والموسيقى” ويشارك فيها أكاديميون ومتخصصون من مصر ولبنان والمغرب. كما يقيم المهرجان ورشة تمثيل بعنوان “جسدي لغتي” بمشاركة نحو 120 شابا وفتاة من هواة المسرح والمبتدئين يقدمها المخرج التونسي معز القديري.

ويختتم المهرجان في الثامن عشر من مايو بعرض فني لفرقة أوسكار بمرافقة المغني رامي شفيق تليه مراسم توزيع الجوائز على العروض الفائزة.

----------------------------------------
المصدر : جريدة العرب 

الفنان عمر المعمري: المسرح العماني يعاني

مجلة الفنون المسرحية

الفنان عمر المعمري: المسرح العماني يعاني

عمر بن محمد المعمري، ممثل ومؤلف ومخرج مسرحي عماني، بدأ حياته المسرحية في عامه الرابع عشر في عمل مسرحي مدرسي حمل عنوان «ليلى والذئب»، ثم توالت الأعمال المسرحية لينتسب بعد ثلاث سنوات إلى فرقة مسرحية متخصصة، ويؤسس مع زملائه مؤسسة إعلامية مهتمة بمواهب الشباب قدمت عدّة أعمال مسرحية نالت إعجاب الجمهور. كان ل «الخليج» الحوار التالي معه للوقوف على تجربته ومشواره كمخرج ومؤلف مسرحي.

بعد كل هذا المشوار الحافل، كيف ترى المسرح اليوم؟

أرى أنّ العمل المسرحي لا يزال بخير بفضل الجهود الشخصية المبذولة من قبل بعض الفنانين الكبار والشباب، ولكن بالرغم من ذلك فالمسرح لا يزال دون الطموح، وهنا أشير إلى أنّ انتشار الفضائيات وسيطرة الأعمال الدرامية ذات الإنتاج المكلف على المشاهدين، تعد السبب الرئيسي في تراجع المسرح في عُمان وفي المنطقة عموماً، وأيضا عدم تواجد الثقة بالفنان العماني وبقدرته على الإبداع تلعب دوراً أيضاً في تراجع المسرح عن دوره كأبٍ للفنون.

معروف عنك تفضيلك للكوميديا، لماذا؟

بالفعل المسرح الكوميدي هو النوع المفضل لدي لأنه أثبت قدرتي على التواصل مع الناس أكثر من غيره، وذلك من خلال الدعابة التي أقدمها أثناء طرحي لقضايا مهمة، وهي وسيلة لإيصال الرسالة في قالب محبب للمشاهدين.

ما الذي يحتاجه المسرح اليوم حتى يخرج من كبوته ويتطور؟

المسرح العماني يعاني ويحتاج إلى الاهتمام بالمستوى بعيداً عن الأشكال الفنية المقحمة والشعارات والبحث عن أشكال فنية المهم فيها غرابتها. وأريد أن أشدد على أهمية العودة إلى الأرض باعتماد الأشكال المبنية على أساسيات الفن الواقعية، لأن الواقع هو الأساس، فعلينا إذاً أن نتمسك بمفهوم الصدق الفني، سواء كان على صعيد التمثيل أو الإخراج. وأرى أنه من الصعب على المسرح أن يتطور ويأخذ دوره الطبيعي في المجتمع من دون اهتمام الجهات المسؤولة عن الثقافة والفن ومؤسسات الدولة بشكل عام. وأنا أشعر بالأسف لعدم اهتمام الجهات المعنية في عمان بالمسرح.

فالمسرح في أي بلد هو عنوان الحضارة وعندما يهمل المسرح تأخذ المجتمعات بالانهيار، ولا يمكن لأي مؤسسات أخرى أن تلعب الدور الذي يمكن أن يؤديه المسرح بما يحمل من مضامين ورسائل أخلاقية وثقافية مهمة وبأساليب قريبة للناس ومؤثرة فيهم بشكل أكبر ومباشر.

إلى أي مدى ترى أن الفنانين مخلصين للمسرح في عمان؟

هذه نقطة في غاية الأهمية، وسأجيب عنها باقتضاب يلخص كل ما يمكن أن يقال، فرغم معاناة الفنانين العمانيين من سوء الاهتمام بهم ورغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وافتقادهم الدعم لنشاطاتهم المسرحية، ما زالوا يتمسكون بالمسرح ويخلصون له لعل وعسى أن يتغير الحال وهذا يحسب لهم بحق، فلولا هذه التضحية والإيمان بما يفعلون كان المسرح سينقرض منذ سنوات طويلة.

ما هي أكبر الصعوبات التي يواجهها المخرج عند التصدي لأي عمل اليوم؟

أرى أن المسرح لعبة جميلة تشبه كرة القدم، تتحرك الشخصيات هنا وفق رؤية المخرج على الخشبة، ويركض اللاعبون هناك تحت تعليمات المدرب على العشب الأخضر، فيصنع المخرج نجاحه من صالة الجمهور لا الجوائز.

ما هي مؤسسة فكرة، حدثنا عما قدمته؟

«فكرة» هي مؤسسة تضم نخبة من الموهوبين ليدعم كل شخص الآخر بما يملكه من موهبة، وقدمت خلالها مجموعة من الأعمال المهمة منها «قبل أن يذوب الجليد»، «جزيرة الموت»، وحالياً تعمل شركة فكرة للإنتاج الفني على الانتهاء من المشاهد الأخيرة للفيلم السينمائي «الداده».

ما هو طموحك؟

أتمنى أن يتألق المسرح العماني وأطمح بأن أشاهد كل فنان مسرحي مكافح ناجح، فنجاحه هو نجاحي، والمسرح أسرة وليس فردا، وإذا أردنا أن يكون لدينا مسرح حقيقي يجب أن نعمل بروح الفريق ونسعى إلى بناء جيل مسرحي على صعيد الممثل والمتلقي أيضاً، فالمسرح بلا جمهور لا يستطيع البقاء والجمهور يحتاج إلى أعمال مسرحية قادرة على التعبير عنه لكي يتخذ قراره بالذهاب لحضور مسرحية. إنه طريق طويل ولكنه واعد وبهمة المسرحيين العمانيين لا بد وأن نصل.

-----------------------------------------------------------
المصدر : الخليج 

انظر إلى الوراء بغضب: كيف حرر جون أوزبورن اللغة المسرحية



مجلة الفنون المسرحية
جون أوزبورن (يمينا) وكينيث هايج أمام المسرح الملكي سنة 1956


جون أوزبورن 




انظر إلى الوراء بغضب: كيف حرر جون أوزبورن اللغة المسرحية

ترجمة :  فيصل كريم

  هذه مقدمة للطبعة الجديدة من مسرحية أوزبورن “انظر للوراء بغضب” والصادرة من الكلاسيكات الحديثة لدار نشر فابر في الثالث من أبريل/نيسان 2015. كتاب مايكل

بيلينجتون “أعظم مائة مسرحية ومسرحية: منذ القدم وحتى الزمن الراهن” وصدر في الثالث من سبتمبر 2015.


العرض الأصلي لمسرحية “انظر للوراء بغضب” في المسرح الملكي في لندن سنة 1956، ويبدو كينيث هايج (يمينا) بدور جيمي بورتر ثم هيلينا هيوز وآلان بيتس وأخيرا ماري أوري
نشرت شركة المسرح الإنجليزي إعلانا مبوبا في “جريدة المسرح” صيف سنة 1955 يعلن فيه عن فتح باب التقدم لعرض مسرحيات جديدة. وكان الإعلان يمهد الطريق لتدشين نشاط الشركة في خشبات المسرح الملكي، الذي لا يتصف بالفخامة، والواقع في ميدان سلون في لندن. فانصبّت العروض المسرحية كاستجابة للإعلان بأعداد هائلة، حيث انهمر ما لا يقل عن سبعمائة وخمسون نصا مسرحيا.

مايكل بيلنجتون 
غير أن المشكلة أن معظم تلك النصوص لم تكن سوى محض هراء: فكانت إما نصوصا مبتذلة من مؤلفين هواة، أو، حسب وصف طوني رتشارد، الذي شغل منصب المدير المساعد لشركة المسرح الإنجليزي، “مجرد نثر فارغ وتافه”.


لكن برز فقط نص على سطح تلك الكومة المتراكمة من النصوص، وهو العنوان الذي أثار كثيرا من الفضول: “انظر للوراء بغضب” لممثل شاب مغمور يدعى جون أوزبورن. قرأ جورج ديفاين، مؤسس الشركة وأول مدرائها، المسرحية على مكتبه في منزله المطل على ضفة النهر في منطقة هامرسميث وشعر فورا بأهميتها الواعدة. فأخذها إلى رتشاردسون الذي كان يستأجر شقة في الطابق العلوي، وقد أُعجب الأخير كثيرا بالنص. فالتزم الرجلان بإنتاجها كمسرحية في الموسم الأول للمسرح الملكي سنة 1956.

لكن من هو جون أوزبورن بالضبط؟ اتخذ ديفاين قرارا غير مألوف بأن يكتشف هوية أوزبورن على حقيقتها، فعزم على تتبعه حتى مخبأه. فتبين له أن المؤلف عاش في صندل بحري متهالك يتخلله التسريب ويرسو قرب جسر تشيزويك، وتشارك فيه مع زميل له بالتمثيل يدعى أنطوني كرايتون. وهكذا، اضطر ديفاين إلى استعارة قارب وتجديفه بنفسه حتى يصل إلى مسكن أوزبورن حيث كان المد مرتفعا في عصر ذلك اليوم من شهر أغسطس/آب سنة 1955. فطفق يطرح عليه الأسئلة بحماس غامر، فعلم أن أوزبورن ما هو إلا ممثل يبلغ من العمر 26 عاما ومعسر شق طريقه بعناء بين المسارح المحلية، وقد كتب جزءا من مسرحيته “انظر للوراء بغضب” جالسا على مقعد قابل للطي عند مرفأ موركامب بعيد انفصاله عن زوجته الممثلة باميلا لاين. عرض ديفاين لأوزبورن بنهاية تلك العصرية مبلغ 25 جنيها استرلينيا كعقد اختياري لمدة سنة كحقوق لعرض مسرحيته. وما لم يدركه أيا من الرجلين أنهما بذلك ساهما بصناعة تاريخ المسرح.

بيد أن أوزبورن كان عليه أن ينتظر فرصته، فشركة المسرح الإنجليزي لم تتولَ إدارة المسرح الملكى إلا في أبريل/نيسان من سنة 1956. أما مهمة الشركة فتمثلت بكل وضوح في تكوين كتلة مسرحية موازية لتلك العروض الصغرى المتكدسة التي تُقدم في الجانب الغربي من لندن (وست إند) لمسرحيات بريطانية جديدة يُماط عنها اللثام والكشف للجماهير عن أفضل الأعمال القادمة من الخارج. وقد أراد ديفاين أيضا، بعد أن زار قبيل ذلك مسرح بريخت “برلينر إنسيمبل”، أن يغير طابع المسرح البريطاني وأسلوبه تغييرا شاملا. فنمط المشاهد التصويرية الباذخة كان في طريقه إلى النبذ.

أما المكانة التي قُصدت لهذا المسرح فكانت، على غرار نموذج بريخت، تنضح بالإضافة والحدة والجمال. كما أنها أخذت توجها جنسيا مبطنا وسعيا لتخليص المسرح البريطاني من طابعه المتعارف عليه في التكلف والتفخيم؛ وهو إنجاز حققه فريق من المخرجين المساعدين الذين تصادف أن جميعهم من مثليي الجنس سرًا. إلا أن المسرح الملكي لم يحدث ثورة بين ليلة وضحاها.

 قُدم العرض الافتتاحي في أبريل/نيسان 1956 لمسرحية لأنجوس ويلسون بعنوان “أحراش التوت” The Mulberry Bush وهي مسرحية لائقة بالطبقة الوسطى لروائي موقّر ولم تترك كثيرا من الإثارة المرجوة. أما المسرحية الثانية فكانت لآرثر ميلر بعنوان “البوتقة” The Crucible ونالت نجاحا أكبر من سابقتها لكنها لم تكشف كثيرا عن سياسة المسرح الملكي. ثم في الثامن من مايو/آذار 1956، قُدّمت مسرحية “انظر للوراء بغضب” Look Back In Anger في عرضها الأول. ويعدّ هذا يوما سطرته كتب التاريخ لكنه، طبقا لشهادة أوزبورن في مذكراته “شبه رجل محترم”، لم يكن ثمة سوى شعور قليل آنذاك أن أمرا هائلا قد حدث. ولم يحز ذلك اليوم على مكانته كتاريخ أسطوري إلا لاحقا. وفي حقيقة الأمر، لم تنحُ التقييمات النقدية للمسرحية في الصحف اليومية نحوا كارثيا كما تشير الحكايات الخرافية المسرحية. فتقييمات الجرائد المسائية للتايمز والديلي تلغراف ولندن كانت جميعها سلبية تجاه المسرحية حتما. إلا أن فيليب هوب والاس، في جريدة مانشيستر جارديان، استحسن العمل بشيء من التحفظ فقال “أرى أنهم أخيرا يمتلكون كاتبا مسرحيا ذو إمكانيات مبشرة”، أما جون باربر في جريدة الديلي إكسبريس فأخذه الحماس الكبير (فوصف المسرحية بأنها “انفعالية وغاضبة ومحمومة وعصيّة” لكنها أيضا “صغيرة، صغيرة، صغيرة”)، أما ديريك غرانجر في جريدة الفانينشال تايمز فاتسم رأيه بمزيج من الإعجاب والفطنة حيث صرح قائلا “يجب أن يتجاوز تأثيرها إلى أبعد من حالة التحول الفردي المعزول والشاذ كما في مسرحية (في انتظار غودوه)”. غير أن الورطة تمثلت بعدم ترويج أو بيع جريدة الفانينشال تايمز لتذاكر كثيرة. وقد شعرت بلمسة تعاطف مع نقّاد النسخ المسائية، فأنا أعلم مدى صعوبة مسرحية غيرت معادلات اللعبة المسرحية واستيعابه ووصفها وتقييمها أمام المواعيد النهائية للنشر التي لا ترحم. لكن في يوم الأحد التالي، تغير الاتجاه العام تماما. حيث كتب كينيث تينان تقييما نقديا باقتباسات كثيرة في جريدة الأوبزيرفر يجعل من أوزبورن بوضوح تام ناطقا باسم الشباب الساخط وأعلن إعلانا مدويا قائلا “إنني أشك أن بإمكاني أن أحب أحدا لا يرغب برؤية مسرحية انظر للوراء بغضب”. أما هارولد هوبسون في جريدة صنداي تايمز فكان أكثر تحفظا، لكنه لقب أوزبورن بأنه “كاتب ذو مستقبل واعد ورائع”.

ومع أن تينان وهوبسون أطلقا تصريحاتهما الإيجابية، إلا أن المسرحية لم تنل مكانتها كأكثر المسرحيات بروزا فورا. لكن حدثان اثنان منحا المسرحية زخما جديدا. أولهما أن تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عرض ملخصا مدته 18 دقيقة للمسرحية وهو ما جعل شباك التذاكر يُحاصر ويكتظ. أما ثانيهما فكان بقرار مدير تحرير دار نشر فابر الشاب تشارلز مونتيث بأخذ إذن أوزبورن لنشر المسرحية مجزّأة ومن النادر أن تنال نصوص مسرحية مثل هذا النوع من المنزلة والرسوخ. بل إن مونتيث كتب لأوزبورن بعد مضي فقط شهر من ليلة العرض الافتتاحي قائلا “لم أتمتع كثيرا في المسرح كما تمتعت بتلك الأمسية منذ وقت طويل”، ومضى طالبا منه إن كان مهتما بالتأليف الروائي. لم ينجم عن ذلك الاستفسار أدب قصصي، لكن كانت هذه هي البداية لعلاقة طويلة ومتواصلة جمعت بينهما، حيث استمرت فابر بنشر جميع أعمال أوزبورن التالية. واتسمت تلك اللحظة بالأهمية الكبيرة كذلك إذ نشأت من خلالها فكرة احتلال النصوص المسرحية دورا حيويا في مشاريع دور النشر. أستطيع أن أدافع عن أهمية ذلك بحكم أنني مازلت أمتلك نسخة مطوية الصفحات من الطبعة الورقية الأصلية لمسرحية “انظر للوراء بغضب”. ويمكنني أيضا أن أشهد بالتأثير الذي تركته المسرحية. كنتُ طالبا بمدرسة ميدلاندز وأبلغ السادسة عشر من عمري حين عرضت المسرحية أول مرة، لكني أصبحت مشغول البال جدا بالعمل نفسه وكذلك بظاهرة مؤلفي “مسرح الغضب الشبان” الذين يفترض أن تلك المسرحية مثلتهم. لقد كتبتُ سابقا عن وقوفي خارج المسرح الملكي للتفرج على المسرحية في أحد عروضها الجديدة سنة 1957، وكيف أنني حدّقت بوجوه المغادرين من أول عروض يوم السبت لملاحظة مدى التغيير الذي قد يظهر على محياهم إثر تلك الفعالية المسرحية.



أدى رتشارد بيرتون دور جيمي بورتر في النسخة السينمائية من مسرحية “انظر للوراء بغضب” سنة 1959 التي أخرجها طوني رتشاردسون

لكن ما هي أسباب ترك مسرحية “انظر للوراء بغضب” كل ذلك التأثير الذي أحدثته؟ السبب الأول، والأبرز وضوحا، أنها وضعت قدرا كبيرا من إنجلترا الخمسينيات على خشبة المسرح. فمن خلال ذروة التعبير العاطفي البليغ لشخصية جيمي بورتر –و”ليس التعنيف اللفظي” كما يصرّ أوزبورن- تعالج المسرحية مسائل الجنس والطبقية والدين والسياسة والصحافة وذلك الشعور لبلد يختنق بثقافة سلطوية رسمية. وما أدركه قليل منا آنذاك أن أوزبورن، إلى جانب التسليم بتذمرات جيمي وبكائياته، يشعر بتعاطف خفي مع والد زوجته العقيد ريدفان، وهو من الطبقة العليا وبقايا رجالات الحكم البريطاني للهند. فأليسون، زوجة جيمي، تخبر أباها “إنك مجروح لأن كل شيء قد تغير، وجيمي مجروح لأن كل شيء ظل على حاله.” أظنها نصف محقة في ذلك، فبينما يحزن العقيد الاستعماري على الجنة المفقودة للحقبة الإدواردية، يتسم جيمي بالغضب والرومانسية والحنين لعالم لم يعرفه قط. لقد اُحتفي بالمسرحية في الخمسينيات من القرن العشرين على أنها وثيقة اجتماعية بالدرجة الأولى، فهي بمثابة برهان معبر خير تعبير عن شباب يشعر بالاغتراب. ثم نُظر لها على أنها دراسة ستريندبيرغية* عن الزواج المنغمس بمتاهة الحب والكراهية. لكنني أميل أكثر فأكثر إلى أن الثورة الحقيقية التي حققها أوزبورن تكمن في تحرير اللغة المسرحية. فأوزبورن قد كتب بنفسه عن اليأس الذي انتابه كممثل شاب عند محاولة فهم حوار سومرست موم واستيعابه فقال عنه إنه “حوار بليد وميت لا يُحفظ، ومتزعزع كمطاط صناعي،” وهي عبارته النموذجية عندما يريد أن يكيل اللعنات. ومن الناحية الأخرى، نجد أن لغة أوزبورن تنضح بالحياة بكل تشويقها وتستلهم مصادر متنوعة، بدءا من الصرامة الأخلاقية على نمطية بونيان** (لاحظ التشديد على كلمات مثل “النار” و”الدم”)، مرورا بتكرار الأصوات المنتظمة والرتيبة لقاعة الموسيقى والصراحة الجنسية لـ دي إتش لورنس. لقد برهن أوزبورن أن النثر المسرحي قابل لتحقيق شاعريته الغريزية، ومن بين الكتّاب المنتفعين من ذلك التنوع هارولد بينتر وجون آردن وبيتر غيل. وقد نشأ واقع فوري جراء النجاح الذي منحته مسرحية “انظر للوراء بغضب” إلى المسرح الملكي، حيث أسبغت عليه مركزا محوريا في الثقافة البريطانية، وشجعت الأجيال المتعاقبة للتحول نحو التأليف المسرحي. فثمة أسماء لامعة كانت معاصرة لأوزبورن، كآرنولد ويسكر وآن جيليكول.

وفي المقابل ظهرت أسماء أخرى كانت ثمارا لعقود أحرقها الطموح المسرحي الذي أشعله أوزبورن بيده، مثل كرستوفر هامبتون وهاورد برنستون. من اليسير السخرية من المفهوم الصحفي “شباب غاضبون” أو “مسرح الغضب”، (وهي عبارة عفوية صاغها بازدراء مسؤول الصحافة في المسرح الملكي). لكن مما لا جدال فيه أن مسرحية “انظر للوراء بغضب”، عبر بداهتها المتوهجة وحدتها القاسية وثرائها اللغوي، عملت على تغيير المسرح البريطاني. وأقتبس هنا كلمات آلان سيليتول الذي يقول “لم يسهم جون أوزبورن بالمسرح البريطاني؛ بل أعدّ قنبلة كبرى اسمها “انظر للوراء بغضب” ثم فجّر معظم أجزائها علينا. أما شظاياها فقد استقرت كل منها في مكانه بطبيعة الحال، لكن هذا المكان لن يعود على وضعه الذي كان عليه أبدا.

* نسبة إلى أوغست ستريندبرغ: وهو كاتب وروائي مسرحي سويدي هام في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين

** نسبة إلى جون بينان: وهو كاتب وواعظ إنجليزي عاش في القرن السابع عشر .
تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption