أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الخميس، 11 مايو 2017

المسرح والعلوم الإنسانية

مجلة الفنون المسرحية

المسرح والعلوم الإنسانية

د. محمد عبد الرحمن الشافعى

تحتوى العلوم الانسانية على مجموعة من التخصصات التى تناولت حياة البشر وفكرهم ونشاطهم وكيفية حياتهم، ومن ضمن هذه العلوم: الفلسفة، التاريخ، الجغرافيا، علم النفس، القانون،السياسة وغيرهم الكثير؛ كذلك الفنون بشكل عام والدراما أوالمسرح بشكل خاص، ربما لأنه فن شامل على الكثير من الفنون الآخرى، أو لأنه غريزة إنسانية عرفها الإنسان منذ بداية وجوده لتفسير لغز حياته، وربما هو أكثر الفنون تعبيرا، أو لأنه يتطور مع التطورات الاجتماعية.
كما أنه من الصعب أن نجد مجتمعا بلا مسرح، سواء كان هذا المجتمع متقدما أو متأخرا، متشددا دينيا أو متفتحا ومتطلعا لأفكار جديدة ومختلفة، المسرح موجود داخل كل المجتمعات ومخاطبا لكافة الطبقات. إذن فقد حرص المسرح على مر التاريخ أن يحافظ على وجوده ضمن هذه المجموعة المرتبطة بالحياة الاجتماعية وأن ينافس العلوم الآخرى، وأصبحت فنون وأداب المسرح من ضمن المقررات الدراسية للكثير من التخصصات الجامعية المختلفة كمادة ثقافية إنسانية فى شكل أدبى تحتوى على معلومات تاريخية وخبرات حياتية وآخرى سيكلوجية، فأصبحت دراسة الدراما موجودة ليس فى المعاهد المتخصصة لفن التمثيل فحسب، بل أصبحت من المواد الأساسية فى بعض تخصصات كليات الأداب والعلوم الاجتماعية والانسانية، فدراسة النصوص المسرحية تطلعنا على العديد من الثقافات الآخرى من عادات وتقاليد تجعلنا نقبل ثقافة الآخر ونحترمه، بل إن دراسة الدراما أمتدت لتصل فى بعض الدول المتقدمة إلى المعاهد والكليات العسكرية لما تحتويه من صراع وتكتيك ومواقف سياسية وخلافه. كذلك مشاهدة الأعمال المسرحية يعد جانبا ثقافيا يثرى المشاعر الوجدانية ويهذبها لما فيه من جماليات التمثيل والموسيقى والمناظر والإضاءة والتقنيات المختلفة. ونحن هنا بصدد المسرح الحقيقى سواء على مستوى النص أو مستوى العرض، هذا المسرح الذى يحترم ذكاء ومشاعر جمهوره ويطور منهما. فأصبح من الضرورى أن يعطى للفن المسرحى المكانة الذى يستحقها،وكما يقول «لوركا» الشاعر والكاتب الأسباني: «إن المسرح من أكثر الوسائل تعبيرا، وأفيدها فى بناء البلاد؛ كما أنالشعب الذى لا يساعد مسرحه، ولا يشجعه، شعب محتضر إن لم يكن قد مات.»

---------------------------------------------
المصدر : الأهرام 

الأربعاء، 10 مايو 2017

ندوة تناقش جماليات السينوغرافيا في المسرح بـ رابطة الكتاب

مجلة الفنون المسرحية

ندوة تناقش جماليات السينوغرافيا في المسرح بـ رابطة الكتاب


أكدت ندوة نظمتها لجنة المسرح والدراما في رابطة الكتاب الاردنيين مساء الأحد، ان «السينوغرافيا في المسرح» هو كل ما يراه ويسمعه المشاهد من مؤثرات عدا النص والممثلين.

وقال استاذ علم الجمال في جامعة فيلادلفيا، الدكتور مروان العلان، إن السينوغرافيا هي فن تنسيق الفضاء المسرحي والتحكم في شكله بهدف تحقيق أهداف العرض المسرحي الذي يشكل إطاره الذي تجري فيه الأحداث.

وبيّن في الندوة التي أدارها الدكتور فراس الريموني ان السينوغرافيا هي فن تصميم عرض المسرحي وصياغته وتنفيذه، وتشكيل المكان المسرحي، أو الحيز الذي يضم الكتلة، والضوء واللون، والفراغ، والحركة، وانها محاولة إعادة بناء الواقع الخارجي بصورة مصغّرة ذات مدى محدود ومكان مقيّد.

ولفت إلى ان السينوغرافيا تحتاج إلى دراية كبيرة بمجالات التشكيل والهندسة المعمارية والنحت والـغرافيك والحفر، مبينا ان الفضاء المسرحي هو المكان الذي على الممثل ان يتحرك فيه لأداء عمله وهو الزمان الذي يتاح للممثل ليمكنه أن يؤدي دوره.

وتابع العلان انه لكل مسرح، سينوغرافيا خاصة به تحكمها مجموعة موضوعات لا يمكن الخروج عليها كالمساحة وطبيعة الفضاء وامتداداته في الجهات المختلفة، كما ان لكل مسرحية ما يخصها من سينوغرافيا تتطلبها طبيعة المسرحية وزمانها وفكرة المخرج التي يودّ إيصالها، مثلما تعتمد على مدى توافق السينوغرافيا مع معطيات المسرح والمسرحية والتي تساهم بتسجيل نقاط نجاحها.

وبيّن ان المخرج الحداثي في التجارب المسرحية الاخيرة، عمل على الاستغناء عن السينوغرافيا أو تقليل قيمة حضورها وأهميتها مكتفيا بأقل القليل فيما اكتظت مسرحيات ما قبل ذلك بسينوغرافيا كادت تطغى على قيمة المسرحية وأداء ممثليها خصوصاً في المسرح الشكسبيري والروماني.

وراى أن هناك عوامل عديدة تعزز من حضور جماليات السينوغرافيا وتتمثل بأنها كلما اقتربت من الواقع وجاءت مختصرة واخرجت المشاهد من فكرة المقارنة بين واقعيْن واعطت للممثل مساحة اوسع للتعبير، وأحدثت توحيدا لذهن الممثل وذهن المشاهد في متابعة الأحداث، حملت قيمة جمالية اكبر وتأثير اعمق، لافتا إلى اهمية اتساع مدارك فني السينوغرافيا وتعدد مواهبه.

وقدم المخرج فراس المصري في الندوة، عرضا بصريا لعدد من العروض المسرحية والاحتفالية التي نفذها كسينوغراف، لافتا إلى العناصر الجمالية ودلالاتها وتساوقها مع العرض المسرحي في عناصر السينوغرافيا المختلفة.

ولفت الفنان حاتم السيد في مداخلة له الى غياب المتخصصين في فن السينوغرافيا في الاردن.

-----------------------------------------------
المصدر : بترا

“زنوج” جان جينيه والحديث عن ثقافة اللّون

مجلة الفنون المسرحية

“زنوج” جان جينيه والحديث عن ثقافة اللّون

يارا بدر

كتب جان جينه (1910-1986) في مُقدمة مسرحيته “الزنوج” سنة (1955):
“ذات مساء، طلب مني أحد الممثّلين كتابة مسرحية تقوم بأدائها فرقة من السّود. فتساءلت ترى من هو، بل وما هو اللون الأسود؟ وقبل كل شيء، أيّ لونٍ هذا؟”( 1) وهكذا كانت المسرحية.

فرقة من السّود يقودها المدير وتستحضر الراوي، تقدّم عرضها إلى مجموعة ملكية من البيض. العرض أشبه باحتفال طقسيّ يؤدّيه الزّنوج وهم يقتلون البيض، والآن في هذا العرض سيُعيدون تمثيل جريمة قتل أحد الزنوج “فيلاج” لامرأة بيضاء “ماري” لكي يحاكمهم البيض، الممثّلون على المستوى الملكي، وجمهور البيض في الصالة. ولكن يجب الانتباه إلى أنّ هذا العرض هو إعادة تقديم لأفعال تجري يومياً، وفي رحلة انتقال الحدث من الواقع إلى الخشبة تلوّنت التراجيديا فاتخذت في العرض الذي يرويه النص طابع المحاكاة الساخر. ومنذ البداية سنفرّق بين عرض المسرحية (فعل العرض المتكرّر لمسرحية “الزنوج”)، وبين عرض النصّ (سنسمّيه العرض الداخليّ). إذ أنّ الحديث عن هذا النصّ هو حديث عن عدّة مفاهيم مسرحية: المَسرحَة، الكرنفالية، التمثيل واللعب، وأخيراً وليس آخراً ثقافة اللون، وكلّ من هذه المفاهيم يقوم بالاستناد إلى مجموعة نقاط في النصّ، تترابط لتعكس ثقافة الزّنوج وتؤسّس لشكل بناء دراميّ جديد، قلمّا نراه خارج مسرحيات جينيه، العصيّ على التصنيف داخل حدود مذهب أو تيّار مسرحيّ محدّد بذاته، من المسرح الطقسيّ وحتّى العبث سنجد ملامح لجينه.

الطقس من الرقص إلى القناع:

يغلب على العرض الداخليّ الطابع الطقسيّ بما ينسجم وثقافة الزنجيّ الممزوجة بالتّاريخ والأرض، فهناك حلقة الدخان حول النعش المُفترض، وهناك اللّغة والمفاهيم التي ترسم نمط الحياة وأساس الفعل، كذلك الأغاني والرقص، حيث كلّ ما في هذا الطقس يرسم ملامح بدائيّة الزنجيّ المرتبطة أساساً بالطبيعة، بأفريقيا. ويغدو الطقس نفسه احتفالاً باللون الأسود. يقول “فيلاج”: «لقد علّمني الرقّ، وعلّمتني العبودية الرّقص والغناء»( 2).

الرقص في النصّ وسيلة فنية يُعيد جينه توظيفها، إذ يغدو هذا الرقص بمجمله حركة فاعل على الخشبة، عبر الأثر الذي ترسمه في سياق تطوّر الحدث. فحين يبدأ العرض الداخليّ للفرقة، طقس الزنوج العنيف، ترتفع وتيرة الحركة لدى الممثلين وتغدو رقصاً، هو رقص حتى الإثارة- التي تصل حدود التوهّج، والغناء. هو غواية، وسيلة، لحظة قوّة ولحظة ضعف. يقول “فيلاج” في موقع مختلف:
«لقد كان عليّ لكي أغويها وأجعلها تقع أسيرة حبّي أن أرقص رقصة ليلة العرس حتى تهاويت من الرقص في النهاية ومتّ. ربما تخلّلت هي جسدي في تلك اللحظة التي كنت أستريح فيها من رقصتي أو أثناءها»( 3).

بذات الإيقاع الموسيقيّ لأجساد الراقصين، حيث تتناوب السكينة والصخب، تناوب الزنوج لعب الأدوار، فهذا الممثل الذي مثّل الشخصية “س” لا يلبث أن ينتقل إلى دور الشخصية “ع” من شخصيات الحكاية التي يعاد استحضارها في زمن العرض الداخليّ. مما يسمح لكل ممثل أن يلعب أكثر من شخصية، وأكثر من دور، وصولاً إلى ألعاب الاحتفال الكرنفاليّ القروسطيّ، أو المسرح الإليزابيثي، حيث يلعب الرجل دور امرأة. بما تتضمنه هذه اللعبة من إعلان مباشر عن المسرحة في الأداء. فلإعداد الرجل الزنجيّ الذي يؤدي دور “ديوف” للعب دور امرأة بيضاء، تحضر الفرقة الأدوات اللازمة بأمر من “فيليستيه”: “منضدة عليها باروكة شقراء وقناع كرنفال مصنوع من الورق المقوّى، يُمثّل وجه امرأة بيضاء ممتلئة الوجنتين ومبتسمة الشفتين، وإبرتيْ “تريكو” بهما جزء مشغول من “بلوفر” ورديّ اللون، وبكرتيْ صوف وإبرة “كروشيه”، وقفّازين أبيضين»(4 ).

يتمّ على الخشبة إلباس “ديوف” كلّ الزينة اللازمة لتمثيل دور ماري أمام الجمهور، الذي يُطلب من أحد أفراده لاحقاً الصعود والمشاركة في الطقس المسرحيّ، وهي العملية التي تكشف الكواليس المسرحية ومُجمل اللعبة التي يتم بواسطتها إعادة استحضار الشخصية من الماضي إلى حاضر الخشبة (هنا… والآن).

في الوقت ذاته الذي يُغيّر فيه “ديوف” هيئته ليزدوج في أدائه المسرحي، تقوم “بوبو” بإحضار علبة الطلاء وإعادة دهن وجه “فيلاج” باللون الأسود، وهو ما يعيد على القارئ والمتلقّي صرخة النص وسؤاله الأساسيّ: من هو الأسود؟
يُحدّد جينه ومنذ البداية – عبر ملاحظاته الإخراجية- جميع الشخصيات في النصّ من السّود، إلا أنه يعود مرّة ثانية إلى التراث المسرحيّ، ليُعيد استخدام تقنية القناع المعروفة من أيام الاحتفال الكرنفالي، حيث تتنكر بعض الشخصيات بهيئة حاشية البلاط البيض وهم جمهور العرض الداخلي، أمّا البعض الآخر أي ممثلو هذا العرض، فإنهم يظهرون بلونهم الأسود، وهو لون الصبغة أو الجسد. هذا التنكر باستخدام القناع، يحوّل العرض إلى احتفال طقسيّ تنكّريّ، حيث يُساعد التنكّر الممثل على إخفاء شخصيته الحقيقية لينتقد ما يُريد بحريّة داخلية أكبر من جهة، ولكي يُعبّر- من جهة ثانية- عن كل سًُفليته أو دونيته المرتبطة بالفكر الأوروبيّ لأولئك الذين يُقدّم لهم العرض (الحاشية أو جمهور الصالة).

المستويات اللغوية:

أمام تقسيم حادّ كهذا، لا يبقى سوى اللغة عاملا وحيدا قادرا على إضفاء التميّز اللونيّ والدّلاليّ لكلّ شخصية من الشخصيات، ولكلّ مجموعة على حدة.
تظهر فاعليّة اللغة في انتقال مهمّة الرّاوي من شخص إلى آخر، ممّا يؤكّد معرفة الجميع للحكاية مُسبقاً. إذ حتى أفراد الحاشية يُشاركون في هذه العمليّة. في البداية يكون “فيلاج” هو الراوي لما حدث معه، ثم تطالبه “بوبو” بأن يدخل غرفة “ماري”- المفترضة خلف ساتر تقود إليه مجموعة من السلالم- ليقوم بواجبه، ولاحقاً يُخبر الحاكم صديقه القاضي ما يُفترض أنه يحدث في غرفة “ماري”، وهو ما لا يُرَى على الخشبة إذ تخفيه الكواليس.
وهكذا يُنتج شكل الكتابة بتلويناته المختلفة تعددّية في الأصوات، وتنوّعاً في أشكال الخطاب. إلا أنّ طبيعة اللغة التي تختلف جذرياً بين خطاب الممثلين الزنوج وخطاب ممثلي البلاط تنحو باتجاه دلالات أكثر تميّزاً. إنّ ارتباط لغة الزنوج القويّ بصور أفريقيا الجمالية يُحيل إلى روحية عميقة لدى الزنوج، وهي لغة تحمل مفردات قاسية وشتائم ولكنها تنجح في رسم طقسيتها الخاصة:

في خطاب شعريّ تتلوه “بوبو” نجد ما يختصر جوهر الفرق بين الزنجيّ والأبيض، ولكن من ثقافة الزنجيّ، كما تكشف اللغة القادمة من عوالم الشخصية الداخلية ووطنها الأصليّ عن قوة وحرارة لا يُمكن تجاهلهما، هي قوة وحرارة مرتبطة بإفريقيا وبالإنسان الإفريقيّ.
بوبو: العفن والنتانة يُخيفان الآن، أليس كذلك؟ إنها “الأبخرة التي تتصاعد من أرضي الإفريقية. أودّ أنا بوبو، أن أطفو بمؤخّرتي فوق أمواجها المتلاطمة! لتحملني بعيداً روائح الجيفة والرمم! (لأفراد البلاط) وأنت أيها الجنس الباهت اللون المعدوم الرائحة، أنت أيها الجنس المحروم من روائحنا الحيوانية، المحروم من نتانة مُستنقعاتنا…”)(5).
كذلك، تبوح الأغاني بكم ٍ من الحزن والوجع المخبّإ خلف الكلمات القذرة والصلابة الوحشية التي يحاول الزنجيّ حماية نفسه بها، ولكنها – كاللغة- تحافظ على شعريتها العالية حتى وهي ترسم صورة صراع لأجل البقاء. على سبيل المثال، نجد في الصلاة التي تتلوها “فيرتي” و”نيج”، إعادة إنتاج للمُقدّس الذي يتمّ تكسير صورته السابقة، لصالح مُقدّس نابع من قسوة الألم، ومن اللون الأسود، هي صلاة تتلو تفاصيل حكاية كل زنجيّ وتختصر عالماً كاملاً من الذكريات التي عرفها الزنوج:

“- فيرتي: أيها الشاحبون: كمخاط مسلول.
 أيها الشاحبون: كلون براز المصاب بالصفراء.
 أيها الشاحبون: كالمحكوم عليه بالإعدام.
 أيها الشاحبون: كالإله الذي يعظمونه كل صباح.
 أيها الشاحبون: كالسكين الذي يشق ظلام الليل.
 أيها الشاحبون: بلون الغيرة.
 إنني أحييكم جميعاً، أيها الشاحبون”(6 ).

هكذا يُمكننا أن نقرأ في صيغة هذه اللغة حضور الروحيّ وامتزاج التفاصيل الصغيرة، حتى الأعماق، بالطبيعة الإنسانية المتلونة بروائح أفريقيا. صور مُجرّدة تحيل إلى أمور مَعيشة، لينتج هذا المزيج شعرية عالية وقدسية خاصة بهذه اللغة. لغة تلائم، قبل كل شيء، طبيعة الطقس الذي يتمسك به الزنوج كشكل ثقافيّ فنّيّ يُعبّر عن خصوصيتهم.
في مقابل هذا الثقل الروحيّ تحضر لغة البيض كلغة أرقام، تدور حول استثماراتهم وثرواتهم في الأراضي الأفريقية، تعبر فيها بعض كلمات الجمال أو الورود، ولكنها كلمات باردة، حيادية لا تكتسب أيّة خصوصيّة. هي لغة تعكس بالدرجة الأولى الفكر الاستعماريّ للأبيض، بمنظوماته الأيديولوجية، الدينية منها والاجتماعية، التي بررت له التفوق على الزنجيّ الأدنى مرتبة إنسانياً وفكرياً حسب وجهة نظر الآخر، لأنه وكما يقول المبشّر الدينيّ الأبيض:
“- المبشر: لا تفقدي الثقة يا سيّدتي. إنّ الله أبيض.
 – الخادم: تبدو واثقاً من نفسك وأنت تقول ذلك..
 – المبشر: لو لم يكن كذلك أكان سمح بالمعجزة الإغريقية؟ منذ ألفي عام والله أبيض. يأكل فوق غطاء مائدة ابيض، يمسح فمه الأبيض بمنشفة بيضاء، يلتقط اللحم الأبيض بشوكة بيضاء. ويُشاهد الثلوج البيضاء وهي تتساقط.” )(7).
 تعكس هذه الصورة نموذجاً للفكر الأوروبي الاستعماري، الذي يتصوّر الفكرة الإلهية (الله) كرجل أبيض أرستقراطي من جهة، ومن جهة ثانية فإنّ الرجل الأبيض الأوروبي هو مؤسّس الحضارة الفكرية وهو مشابه لله – المعبود والخالق- باللون. لينسحب السؤال من : ما هو اللون الأسود؟ حتى حدود: ما هو اللون الأبيض؟
 البنية الفكرية للنص:

المسافات بين اللونين، والثقافتين، يبرزها جينه في تفاصيل الطقس، القناع، اللغة، وهي جميعها عناصر لعب مسرحيّ يعيد ترتيب التفصيل والحكاية في شكل قراءة جديدة، المسرحة التي تتيح للمتلقي بناء رؤيته النقدية أو إيجاد المسافة النقدية ممّا يقدّم له. ليستطيع التساؤل فعلاً عن ماهيّة كلّ لون وكلّ ثقافة!
يقوم هذا النص على اللعب المتداخلة، مُحطّماً أيّ وهم يقينيّ بالحقيقة، طارحاً أسئلته الإشكالية حول خصوصيّة المسرح، وطبيعته وماهيّته. وهنا ينوس الجواب بين الكلمة والفعل، وصولاً إلى البنية الفكرية التي تعكس المسَرحة الموجودة في النص إشكالياتها. فهذه المسرَحة التي أسسّت لشكل البناء الدراميّ الذي رأيناه تفترض علاقة داخل بخارج، حيث يمثل الداخل الخشبة المسرحية، والخارج هو الكواليس، والجمهور، وعالم البيض الذي يُنكر عليهم إنسانيتهم. في لعبتهم هذه ينجح الزنوج في سحب البيض إلى فضائهم المكانيّ- المفترض- ليقوموا في الوقت ذاته بشكل من أشكال الفعاليّة في الخارج.

كذلك فإنّ المسَرحة التي تبدو كشكل كتابة وبناء مسرحي، تعكس مفهوم القتل كشكل وجود بالنسبة للزنجيّ، الذي فقد كل حقوقه وأشكال وجوده الأخرى، باستثناء ما سمح له المستعمر الأبيض بالاحتفاظ به، وهو قليل جداً، كالكراهية بديلاً عن الحبّ المحرّم

على الزنوج، كالبدائية والعنف والتشبه بالحيوانات التي يتسلى البيض باصطيادها. وهكذا لم يبقَ للزنجي إلاّ الإعلاء من شأن هذه الملامح البشرية البسيطة، ليُنتج قوة يستمدّ بقاءه واستمراره منها. الإعلاء من شأن وحشيته وعنفه، وحيوانيته، ليمتزج أكثر باللون الأسود والعنف حتى غدا القتل شكل وجود إنسانيّ في سعيّ الزنجي للامتزاج بالظلام النهائيّ المشعّ، ليشكّل ثقافةً مضادّة يستطيع من خلالها مواجهة المستعمر العنصريّ الأبيض على أرض أفريقيا.
“- فيليستيه: ما أدراني، بل ومن أنا؟
إنّ الألوان تضنيني… أأنت هنا يا إفريقيا بأردافك المتقوّسة وسيقانك الطويلة. إفريقيا المستاءة المتذمّرة المحكومة بالحديد والنار. إفريقيا ذات الملايين من العبيد الملكيين. إفريقيا المنفية. أيتها القارة التي يجرفها التيار، هل أنت هنا؟ إنك تتلاشين رويداً رويداً وتتقهقرين نحو الماضي وروايات الغرقى ومتاحف المستعمرات وأعمال العلماء، ولكنني أستدعيك الليلة لحضور حفل ٍ سرّيّ (تنظر داخل أعماقها) إنها كتلة من الظلام الدّامس والكثيف والخبيث تحبس أنفاسها وإن كانت رائحتها النفّاذة تفوح رغماً عنها. هل أنتم هنا؟ لا تغادروا خشبة المسرح دون أن آمركم بذلك. ليُمعن المشاهدون النظر إليكم. ينساب منكم خدر عميق شبه مرئيّ ينتشر ليسحر من حولكم ويبهرهم تماماً…”)(8).

قليلة هي النصوص في تاريخ المسرحي العالمي التي طرحت الثقافة موضوعاً لها، وجينه في العديد من نصوصه يطرح هذه الإشكالية، إنما يتفوّق هذا النص في دقة توظيف تقنياته من جهة، وفي كثافته من جهة ثانية، فهو واحد من أصغر نصوصه عموماً.
سؤال جينه عن اللون الأسود هو سؤال عن هذا الإنسان وعن هذه الثقافة، ثقافة اللون الأسود التي تواجه ثقافة اللون الأبيض، تاريخياً في ظل منظومات الاستعمار وحاضراً في ظل مفاهيم العولمة وما بعد الكولونيالية. هذا التصادم بين الثقافتين ليس خفياً كما في معظم نصوص الغرب – المُستعمِر- وإنمّا هو تصادم صريح يعلن شكلياً وفكرياً عن الثقافة الاستعمارية، إذ يختار للطبقة الحاكمة مستوى ًَ على الخشبة أعلى من مستوى الزنوج، الذين يواجهون بيض الصالة من الجمهور في مأساتهم وروائح ثقافتهم، وجوهر هذه الثقافة هو الطقس ولغته. إلا أنّ الطقسيّة التي يعمد جينه إلى الإيحاء بها طوال وقت العرض، تتكشف في النهاية عن طقسية زائفة، وكأنها- في حدّ ذاتها- محاكاة ساخرة لقداسة الطقوس الدينية. وما يقُدّسه العرض هو الإنسان الذي يستمدّ وجوده وماهيته من لونه، عندما يكون اللون هوية وثقافة، وليس من الله. اللون هنا تحديد ماهيّة وجود بالنسبة للزنجيّ، “نيج: (في انتشاء) لوني! ما أنت إلا نفسي!”(9).


الهوامش:

 1 – جان، جينه: الزنوج، ص 62.

 2- المرجع السابق نفسه، ص 70.
 3 – المرجع السابق نفسه، ص 71.
 4 – جان، جينه: الزنوج، ص 72.

5- جان، جينه: الزنوج، ص 65.
 6 – المصدر السابق نفسه، ص 73.

 7- جان، جينه: الزنوج، ص 66.

 8- جان، جينه: الزنوج، ص 76.
 9 – جان، جينه: الزنوج، ص 64.

المصدر : موقع الأوان

فنون الأداء كما يراها العالم النفسي البريطاني جلين ويسلون

مجلة الفنون المسرحية

فنون الأداء كما يراها  العالم النفسي البريطاني جلين ويسلون

محمد الظاهري

إنه من اللطيف والمفيد، بالإضافة الى انه من النادر في نفس الوقت ان تجتمع في شخص مهارات متعددة واختصاصات مختلفة ليقوم بتوظيفها في مجال واحد، لتكون مخرجاته النظرية والمادية ذات قيمة وفائدة احترافية متميزة. البريطاني جلين ويسلون بالاضافة الى كونه عالما نفسيا متمكنا، فهو مغن اوبرالي وممثل مسرحي وسينمائي ومخرج للعديد من المسرحيات التمثيلية، يقدم من خلال كتابه Psychology for Performing Artists «سيكولوجية فنون الأداء» ـ قام بترجمته الى العربية الدكتور شاكر عبد الحميد ضمن سلسلة «عالم المعرفة» والتي يصدرها المجلس الوطني للتقافة والفنون بالكويت ـ رؤية ودراسة نفسية تجميعية على فنون الأداء ممثلة بالأداء الأوبرالي، والمسرحي، ومن ثم التلفزيوني، واخيرا الأداء السينمائي، وهو الى جانب ذلك يسلط الضوء في احيان كثيرة على العملية الإخراجية التي تصاحب هذا الأداء وتأثيره على الصورة النهائية له وللعمل الفني بصورة عامة، فدلالة الأداء في كتابه اكثر شمولية من المعنى التقليدي واللغوي للكلمة، فهي تتعداها الى التمثيل والإخراج والتصوير بالإضافة الى الموسيقى والمؤثرات البصرية والصوتية.
ويتطرق ويلسون في كتابه الى العديد من الموضوعات والعمليات النفسية التي تصاحب الأداء الفني ابتداء من ذات المؤدي وحتى المتلقي للمادة الفنية، فهو يحاول قبل ذلك في الفصلين الأولين من كتابه التأسيس والتأصيل وإيجاد الرابط بين الفن كأداء تقني وبين التعبير الإنساني كعملية نفسية مصاحبة له، باعتبار الأداء الفني هو نتيجة فسيولوجية لنوعية خاصة من العمليات السيكولوجية التي يعيشها الانسان ويستطيع المؤدي التعبير عنها من خلال عملية تقنية يستقبلها الجمهور حسب موافقتها واحتياجاتهم النفسية، وهذه الاحتياجات قد افرد لها ويلسون فصله الثالث حيث يتحدث حول التوحد الذي يعيشه الجمهور مع العمل الفني وردود الفعل المتوقعة نتيجة له.

بعد ذلك ينتقل جلين ويلسون لينحو منحى اخر اكثر تقنية وعملية في الفصول المتبقية من الكتاب، ابتداء من تطرقه للاتجاهات التي رافقت الأداء الفني عبر تاريخه الطويل، وتسليطه الضوء على اهم مدرستين في ذلك وهي المدرسة التقنية الكلاسيكية المسرحية المرتبطة بالمدرسة الفرنسية «ديلسارتيه» والمدرسة الخيالية الواقعية المرتبطة بأسلوب ستانيسلافسكي وستراسبيرج، ليقدم بعد ذلك دراسة عملية حول اعداد الممثل اعدادا احترافيا تبعا لكلا المدرستين الخيالية والتقنية.

وتكمن الأهمية التي تحيط بكتاب جلين ويلسون في تطرقه الى واحدة من اهم القضايا في صناعة الفن، على صعيد المسرح والسينما على حد سواء، فعلى الرغم من الجانب التنظيري الذي قد يوهم به عنوانه إلا انه لم يغفل الجانب التطبيقي والعملي لدى صناعة المؤدي والممثل المحترف.

------------------------------------------------
المصدر : الشرق الأوسط 

'الساكن' مسرحية مغربية أبكت الشاعر وأضحكت الجمهور

مجلة الفنون المسرحية

'الساكن' مسرحية مغربية أبكت الشاعر وأضحكت الجمهور

يعد الضحك من ركائز المسرح الفودفيلي، الذي يقوم على شخصيات متضادة تتعايش باختلاف طبائعها وخصائلها وتتصارع، لتخلق دراما ضاحكة. وقد نجح المخرج المغربي حسن هموش في مسرحيته الأخيرة “الساكن” في تحويل قصيدة درامية عن حادثة حقيقية إلى عمل فودفيلي تعمق من خلاله الجمهور المغربي في الحكاية وعِبَرها من باب الضحك.

حققت مسرحية “الساكن” المغربية حضوراً متميزاً بين المسرحيات المغربية، التي عرضت في موسم 2017. وعرضت “الساكن” في العديد من المدن المغربية كطنجة ومراكش والدار البيضاء، وأخيراً عرضت على مسرح محمد الخامس بالرباط.

المسرحية من إعداد وإخراج حسن هموش، ومقتبسة من قصيدة “الدار” للشاعر المغربي الزجلي سيدي قدور العلمي (1742ــ1850). وقد بذل أعضاء فرقة مسرح تانسيفت جهوداً كبيرة في السنة الماضية عند تحضيرهم لعرض المسرحية في عمليات ارتجال متكررة للنص، فتمت إضافات كثيرة على النص وحذف منه، ليصل هموش إلى النسخة الأخيرة التي عرضت أمام الجمهور.

مثل أدوار المسرحية كل من نورا السقالي وسامية أقريو ونورا القريشي وأحمد ديدان ومحمد الواردي، ولحن موسيقاها محمد الدرهم، فيما أنجز سينوغرافيا العمل طارق الربح، بدراماتورجيا لمسعود بوحسن، وملابس لسناء شدال.


البكاء والضحك

تحكي مسرحية “الساكن” قصة الشاعر العلمي الذي أبدع العديد من قصائد الملحون، وتروي تفصيلات الحياة في القرن الثامن عشر بالمغرب، التي دونها بدقة في قصيدته “الدار”، وهي بالدارجة المغربية، تنقد كذلك تردي الأخلاق في عصره، وقدرة المحتالين على خداع الشرفاء أمثاله، وسرقة أملاكهم.

قصيدة “الدار” التي اقتبس منها العمل تسرد حادثة حقيقية وقعت للشاعر وقد تمت فيها سرقة داره من قبل محتالين. وجاءت تسمية المحتالين في العرض؛”عبد الحق” و”الزاهية”، اللذين أخرجاه من الدار، فاضطرّ إلى الانتقال من مكناس إلى مراكش.

وفي مراكش قرر أن يفضح المحتالين بقصيدة زجلية، قال في أحد مقاطعها، الذي يتكرر طوال القصيدة “وآش ما عار عليكم يا رجال مكناس ــ مشات داري في حماكم يا أهل الكرايم”، والمقطع يعني “عار عليكم يا رجال مكناس، تُسرق داري، وأنا في حمايتكم، وأنتم أهل الكرامات؟”.


عرض فودفيلي عن حياة المغاربة قبل قرن ونصف القرن
بالرغم من الجو الدرامي الذي بثه الشاعر في قصيدته إلا أنَّ ذلك كان مبعث ضحك متواصل للجمهور، مما أصاب الشاعر من حيف، ولما حمله النص من مفارقات ونكات وأغنيات خفيفة. وتحولت ثيمة النص من دراما خالصة إلى كوميديا تصل إلى حد الخروج عن سياق القصيدة، لتؤلف عقدة لا علاقة لها بقصيدة “الدار”، ولا بمؤلفها. ويعود هذا إلى اختلاف الأمزجة والأذواق لدى الناس وقد مضى على كتابة القصيدة أكثر من قرن ونصف القرن.

القصيدة من البداية إلى النهاية عبرت عن الظلم والإجحاف اللذين تعرض لهما الشاعر، ويظهر في مقطع منها وهو يقطر حزناً ومرارة بسبب ما وقع له، وقد كتب قصيدته باكياً، كما يذكر في أحد أبياتها، من شدة الظلم والحيف اللذين تعرض لهما، وهو يتساءل عند مغادرته مدينته مكناس ليبحث عن أجناس (ناس) آخرين، لا يعرفهم، فيندم على فراقه لخلانه وهيامه عن بيته ووطنه، ليسكن في المدينة التي تعرض فيها للاحتيال. ويتوعد الشاعر من احتالوا عليه، في جو يثير الضحك كما قدمته المسرحية.


تآلف بصري

قدمت مسرحية “الساكن” قصة الشاعر الحزينة بعرض “فودفيلي” (اجتماعي) مغربي، أضحك الجمهور وكان قد أبكى مؤلفها قبل قرن ونصف القرن، فالحدث الحزين صار في عصرنا مدعاة للفكاهة، والتندر على الضحية المغفل. وهذا بالطبع جاء بسبب اختلاف منظومة الأذواق والأفكار والقيم خلال قرنين.

أراد المخرج حسن هموش أن تنتهي المسرحية نهاية سعيدة بالرغم من المفارقات والأحداث الفرعية الحزينة فيها. فأضاف شخصيتين تتسمان بالحيلة الواسعة، والمقدرة على رد الصاع صاعين للمحتالين، الجانيَيْن، اللذين سرقا الدار. والمنقذان هما خديجة، أخت الشاعر سيدي قدور، والمفضل زوجها. واستطاعا أن يستردا الدار من سارقيها، بعدة حيل ابتكراها، وأفرحا الشاعر بإعادة داره إليه من سارقيها. وعندها تتصاعد النغمات الموسيقية المرحة، ويعلو الغناء والرقص الاستعراضي، وبذلك تنتهي المسرحية نهاية سعيدة على طريقة المسرح الفودفيلي.

وقد كان المخرج أميناً لهذا النوع من المسرح، فعرض: مقدمة وعقدة وحلا. وبالرغم من بساطة حبكة المسرحية الدرامية، فإنَّ ما أسبغه الممثلون والمخرج، وبقية العاملين على العرض من جهود أثراه كثيراً؛ فقد رأى الجمهور فنوناً بصرية متكاملة، بداية من الإضاءة، مرورا بالديكور البسيط المعبر، وصولا إلى السينوغرافيا المؤدية إلى غرض إكمال التأثير الدرامي. وقد جاءت سينوغرافيا العرض بسيطة توزعت على الخشبة، كحواجز من أعواد القصب مغطاة ببُسُط، ويمكن تحريكها على مساحة خشبة المسرح. ووزعت زرابيّ ملونة ذكّرت بفنون النسيج الأمازيغي القديم، استخدمت فيها ألوان الطبيعة لتجميل الواقع، وأضافت إليه مسحة من البهجة. كما تم استخدام مؤثرات سمعية، من موسيقى وأغان أبدع ألحانها الفنان محمد الدرهم.

استطاع المخرج هموش أن يمزج في العرض بين الأغنية الخفيفة والحوارات والمفارقات، لخلق الكوميديا. وقدم الممثلون أفضل ما عندهم من إمكانيات فنية، لإنشاء المزيج الدرامي الكوميدي، ولتصوير حياة الناس قبل قرن ونصف القرن. ومن الواضح أنَّ الارتجال الجماعي للنص أضفى عليه الكثير من النكات والأمثال المغربية التراثية، والتعليقات المعاصرة، التي ذكرت الجمهور بما يحدث في الواقع الحالي، وما في الواقع من أشرار ومحتالين يستخدمون المكر، ويستغلون طيبة الناس وجهلهم بالقوانين، وشعارهم سيء الصيت “القانون لا يحمي المغفلين”، للحصول على ما ليس من حقهم.

كما ساهمت سناء شندال في إغناء العرض باختيارها للأزياء التراثية التي تذكرنا بمئات السنوات من الإرث الحضاري المغربي.

------------------------------------------
المصدر : فيصل عبدالحسن - العرب 

تأسيس ”المركز المغربي للمسرح وفنون الأداء”، إقليم الرشيدية، المملكة المغربية

مجلة الفنون المسرحية

تأسيس ”المركز المغربي للمسرح وفنون الأداء”، إقليم الرشيدية، المملكة المغربية

تم بحمد الله اليوم الثلاثاء 09/05/2017 ابتداء من الساعة السادسة مساء بالجرف إقليم الرشيدية من مقر دار الشباب الجرف تأسيس: ″المركز المغربي للمسرح وفنون الأداء .‟المسرح، السينما، الموسيقى، الفن التشكيلي، فنون الفرجة الشعبية، التلفزة، الإذاعة،……..
المركز يتكون من 13 عضوا منهم دكاترة و طلبة باحثين في الماستر والإجازة، من مختلف التخصصات.(اللغة العربية، علم الاجتماع، اللسانيات، التاريخ.، اللغة الفرنسية، الفلسفة…..) من أرفود والجرف والرشيدية….

المكتب المسير للمركز:
ـ الرئيس: الصديق الصادقي العماري(المسرح وفنون الفرجة)
ـ نائبه الأول: عادل كرومي (اللغة العربية)
ـ نائبه الثاني: رشيد الزعفران(الفلسفة)
ـ الكاتب: عثمان عثمان(اللغة العربية)
ـ نائبه الأول: عليوي عبد العالي
ـ نائبه الثاني: سعيدة الكراب
ـ الأمين: عيساوي محمد
ـ نائبه الأول: بوطاهري عبد العالي
ـ نائبه الثاني: اسماعيل الكراب
* المستشارون:
ـ صابر الهاشمي(اللسانيات)
ـ اسماعيل شاكري
ـ أمال مسعودي
ـ خالد بوز

موقع المركز:
http://cmtasj.blogspot.com
على الفايسبوك:
https://www.facebook.com/groups/C.M.T.A.S
..............................................
عن

*الصديق الصادقي العماري
212648183059+

يشتغل بمهنة التدريس
باحث في علم الاجتماع و الأنثروبولوجيا
.المسرح وفنون الفرجة بالكلية المتعددة التخصصات الرشيدية
.مهتم بقضايا التربية والتكوين و سوسيولوجيا التنمية
.مدير و رئيس تحرير مجلة كراسات تربوية-الرشيدية
.رئيس جمعية الشباب للتربية والدراسات والأبحاث الاجتماعية-أرفود
.كاتب عام المركز المغربي للتأهيل والإنصات-أرفود
.فاعل ومكون و ناشط جمعوي
.رئيس منتدى القراءة و البحث العلمي-أرفود
رئيس منتدى القراءة و البحث العلمي-الريصاني
.عضو المكتب الوطني للمنظمة المغربية للصحافة الإليكترونية-فاس
.أستاذ مرشد بالمؤسسات التعليمية-الرشيدية
مراسل صحفي، مقدم برنامج: فنون الفرجة الشعبية، بإذاعة صوت ورززات
.مؤلفاتي المتواضعة:
        -التربية والتنمية وتحديات المستقبل:مقاربة سوسيولوجية
        -البنيات الأسرية و تأثيرها على التحصيل الدراسي للتلميذ:دراسة ميدانية
        -إشكالية إدماج تلاميذ التربية غير النظامية في المدرسة الإبتدائية
        - سوسيولوجيا التمايز وأشكال التدبير المعقلن
..مواقعي..................... 
كراسات تربوية
www.korasat.com
..............
منتديات كراسات تربوية
www.korasatform.com
..................
نحن على الفايسبوك هي:
https://www.facebook.com/sadiki.amari.seddik

مهرجان حقي الشبلي للفنون المسرحية الدورة 29 في معهد الفنون الجميلة بغداد

مجلة الفنون المسرحية

مهرجان حقي الشبلي للفنون المسرحية الدورة 29 في معهد الفنون الجميلة بغداد

ياسين ياس 

مسرحيات متعددة شاركت في مهرجان حقي الشبلي للفنون المسرحية الدورة 29 في معهد الفنون الجميلة بغداد/ الدراسة الصباحية الذي أقيم مؤخرا تحت شعار (من اجل الكلمة الصادقة والحركة المعبرة). وتضمن حفل الافتتاح عرض مسرحية (أولاد الخايبة) تأليف عبد النبي الزيدي اخراج امير موسى عباس والمسرحية تتناول المعاناة والهموم اليومية التي تعيق تحقيق الاحلام والامنيات والبحث عن إرادة الحياة ومواجهة الصعاب. هذا ما أكده المخرج امير موسى عباس وأضاف (فكرة العمل تتناول أيضا ما تبقى من الحروب واستمرار الظروف الصعبة التي نعيشها من دمار وخراب وتتناول المسرحية أيضا عدة بيئات منها بيئة السجون والمستشفيات والشهداء والآباء الذين تركوا الأبناء حيث اصبحوا ضحية المجتمع). واكد (الضحية الثانية هي زوجة الشهيد والظروف الصعبة التي تمر بها الزوجة من خلال تربية الأبناء كونها أصبحت المعيل الوحيد لهم رغم الظروف الصعبة التي يمر بها المجتمع). وعن هذه المسرحية تحدث الفنان عزيز جبير قائلا (المسرحية هي صرخة احتجاج ضد الواقع المؤلم والرديء الذين نعيشه كون المخرج هو الصوت الكاشف للحقيقة والمنقذ لها) وأضاف (معظم الحوارات هي متنفس لهؤلاء الشباب للتعبير عن الحقيقة وانعكاساتها كونها تعطي المدلولات والصراع اليومي وهو جزء أساسي من المسرحية وبالتأكيد الكاتب عبد النبي الزيدي يمتلك الجرأة في الحوار حيث استطاعوا ان يحققوا ما يريد قوله النص). وتحدث عن المسرحية الناقد محمد جبار حسين قائلا (كان العرض يوحي لنا بأننا غارقون لكن المعجزة للخروج من هذا الجحيم الأرضي حيث استطاع المخرج ان يحلق بنا على مستوى المعالجة من خلال سينوغرافيا العرض وتقديم صور ومضات مؤثرة تكشف عن عمق التأزم من خلال المسك بتفاصيل الحياة اليومية كأدانة لهذه المرحلة من خلال البناء الدرامي للشخصيات) وأضاف (المسرحية ارتقت نحو تحقيق عاملين هما الترقب والتوقع ومتابعة الاحداث باثارة تامة وإعطاء فسحة تأملية للمتلقي لمتابعة احداث المسرحية وبذلك يكون المخرج قد هيمن وجذب المتلقي نحو اهداف العرض برمته حتى النهاية). مسرحية (أولاد الخايبة) تأليف الكاتب عبد النبي الزيدي اخراج امير موسى عباس تمثيل علي فلاح وسندس علي ومساعد مخرج مرتضى علي. وتضمن حفل الافتتاح عرض مسرحية (انتظار) على قاعة عزيز جبر للفنون المسرحية ومسرحية (نهاية اللعبة) على المسرح الدوار، فيما تم في اليوم الثاني عرض مسرحية (فردوس مر) ومسرحية (سيردون) على المسرح الدوار. وشهد اليوم الثالث عرض مسرحية (ليش) على قاعة عزيز جبر ومسرحية (الدرس) على المسرح الدوار ومسرحية (حفرة).


الثلاثاء، 9 مايو 2017

طلبة معهد الفنون الجميلة يقدمون مسرحية "بغداد والشعراء والصور"

" هنا بيروت " مسرحية لبنانية تتصدى للصراعات الطائفية والمذهبية بقوة الشبان

" القبو " علي المسرح الكبير بمكتبة الاسكندرية تحت رعاية مشروع بريمير للانتاج المسرحي السكندري بالاسكندرية - مصر

" يوم ان قتلوا الغناء " بنجاح ساحق علي مسرح الطلعية بمصر لمدة اسبوعين

ظاهرة المحسوبيات و الشلليات في الأوساط الثقافية و الفنية..

مجلة الفنون المسرحية

ظاهرة المحسوبيات و الشلليات في الأوساط الثقافية و الفنية..

تحقيق : هايل المذابي 


ليس هناك خطر يهدد المؤسسة الثقافية و الفنية في الوطن العربي مثل رواج و زخم ثقافة المحسوبية، و لعل القول بأن هذه الثقافة مقتصرة على مؤسسات أخرى بما فيها المؤسسات السياسية و غيرها دونا عن الثقافة لرقي و وعي من يعملون بها هو أمر يحتاج إلى إعادة النظر فالرديء المتسيد للمشهد الفني الثقافي يثبت عكس تلك المقولة و يؤكد أنه ليس للقائمين على المؤسسات الفنية و الثقافية أي وعي بمخاطر هذه الظاهرة بل إن لها رواج كبير فمصطلح العصابة سائد جدا و ثقافته تمارس كامل صلاحياتها على حساب تهميش المثقف و الفنان ذو الموهبة...
النشر الصحفي أيضا في مجال الثقافة تسوده هالة سوداء جراء هذه ممارسة ثقافة المحسوبية على الكتاب بشكل يدعو للتأسف على ما صار إليه حال الثقافة العربية... 
في هذا التحقيق تأكيدات على أن المهرجانات الثقافية و الفنية قائمة على هذه الممارسة و قد خلصنا إلى أسباب و رؤى متعددة حول هذه الظاهرة و التي نضعها بين أيديكم ... 
المتحدثون: 
بسمة حمدي
محسن النصار
عبدالرحمن الغابري
عبدالجبار خمران
عباس الحايك
محمد سيد مصطفى 
نصر سامي
كاظم نعمة اللامي

الاثنين، 8 مايو 2017

مقاربة بين سيد البنائين والآنسة جوليا

مجلة الفنون المسرحية

مقاربة بين سيد البنائين والآنسة جوليا

صباح هرمز 

إذا كانت تجمع بين هاتين المسرحيتين بعض الصفات، فهي أثنتان . جنوح الشخصيات فيها لحب العظمة.. والحلم.ولنبدأ من الصفة الثانية التي هي الحلم. إذ بدون استثناء تحلم كل الشخصيات في كلتا المسرحيتين، ابتداءً من سولنس وهيلدا وآلين والطبيب والمهندس وراجنر وكايا ، في سيد البنائين لأبسن، الى الآنسة جوليا وجان الخادم وكريستين الطباخة، في الآنسة جوليا لسترندبيرغ. وإذا كانت كريستين تحلم الزواج بخطيبها جان، فإن جوليا تحلم بالرقص معه، وجان الطائش ببلوغ المرتبة الاجتماعية التي تتبوأها جوليا. وسولنس ببناء الأبراج في أعلى البنايات، وهيلدا في تحقيق حلم سولنس، وراجنر في إيجاد عمل مستقل، يقوم هو بإنجازه، وهكذا بالنسبة للشخصيات الثانوية الأخرى.
وحلم جوليا وجان، يناقض الطبقة التي ينتميان إليها، ذلك أن جوليا الأستقراطية لا تستمتع بأيّ سلام، ولن تحس بأية راحة إلا بعد أن تستقر على الأرض، بعكس جان الخادم الذي يريد أن يصل الى أعلى، الى القمة تماماً، حيث يمكنه أن ينظر متطلعاً الى الريف تحت نور الشمس. ما معناه أن جوليا، ترغب أن تنسلخ من طبقتها وترتمي في أحضان الطبقة الفقيرة، وجان أن ينسلخ هو الآخر من طبقته، ويرتمي بعكسها في أحضان الطبقة الأرستقراطية، وهذا الحوار الدائر بينهما حول الحلم أدلّ نموذج على ذلك.
الآنسة جوليا: ها أنا أثرثر معك عن الأحلام! تعال – لنصل الى الحديقة.
جان: يجب أن ننام على تسع زهرات من أزهار منتصف الصيف الليلة يا آنسة جوليا وحينذاك ستتحقق أحلامنا. 
وسولنس البناء قبل أن يمتلك مكتباً لرسامي الخرائط، لم يكن ثرياً، عندما كان يعمل في نفس هذا المكتب، تحت إمرة المهندس المعماري (بروفك)، والد راجنر الرسام الذي يأبى سولنس أن يبني (راجنر) البيت الريفي للأسرة التي راقت لها الرسومات التي أعدّها لهذا الغرض. 
إن منحى سولنس الطبقي، يختلف هنا كلياً عن منحى جان وجوليا، ذلك أنه في الوقت الذي كان يحلم فيه أن يتخلى عن طبقته، وينتمي الى الطبقة البورجوازية، وتحقق له ما أراد، يقف كالمرصاد أمام راجنر، حائلاً دون تحقيق هدفه الحلمي، بشطريه المهني – التقني – والاقتصادي. خوفاً من أن تهيمن الأفكار الحديثة في الفن المعماري على الأفكار القديمة، وهو بذلك سوف يفقد الموقع والمكانة اللذين كان يتمتع بهما، لأصحاب الفكر القادم. ويتضح هذا المعنى أكثر في هذه الجملة التي يطلقها سولنس لهيلدا التي تمثل الجيل الجديد: (لا، لا، لا، الجيل الجديد، أنه يعني القصاص، أنه يأتي كأنه يمشي تحت راية جديدة، مبشراً بتحول الحظوظ).
ولكن سرعان ما أنفرط عقد هذا الوئام بين جان وجوليا ليتحول الى صراع الدم الأرستقراطي، ضد دم العبيد. مثله مثل الصراع القائم بين سولنس وبروفك حول منح الأول، حرية العمل لراجنر أن يشتغل بصورة مستقلة، ولم يدع أن يتحقق حلم الأثنين معاً، حتى عندما كان الأب يلفظ أنفاسه الأخيرة.
ومثلما تتجاوز هذه الأحلام حدها عند جوليا وجان الى ممارسة العملية الجنسية، بتقديم جوليا ذراعها الى جان، ويسيران باتجاه الحديقة، في إشارة الى حدوث هذه العملية، وتعزيزها بدعوة جوليا لترى ما في عينيّ جان، كذلك يحدث نفس الشيء بالنسبة لسولنس وهيلدا.
هيلدا: هل جئت وطوقتني بذراعيك؟
سولنس: نعم جئت.
هيلدا: ثم أدرت رأسي للخلف؟
سولنس: للخلف جداً. 
هيلدا: وقبلتني؟    
سولنس: نعم. . لقد فعلت.
هيلدا: مرات كثيرة؟
سولنس: كما تشائين.
وكما أن سولنس لم ينتبه الى هيلدا في أول لقاء بها، لأنها كانت صغيرة وفي الثانية عشرة من عمرها، كذلك لم تنتبه جوليا الى جان، عندما كان يأتي مع والده الى مزرعة والدها التي كان يعمل فيها، لأنه كانت صغيرة كهيلدا أيضاً. وكلاهما جان وهيلدا يذكران شيئاً عن جوليا وسولنس، ولكنهما لا يبوحان به.
سولنس :هل تحلمين كثيراً؟
هيلدا: نعم ! ! أكاد أحلم على الدوام. 
 سولنس : وبماذا تحلمين أكثر الليالي؟
هيلدا: لن أنبئك هذا المساء.. وربما نبأتك عن ذلك في وقت آخر.
جوليا : أوه قل لي – أريدك أن تقول لي.
جان: لا، لعلي لا أستطيع. في وقت آخر ربما.
مرض جان بسبب عدم استطاعته نيل الفتاة التي أرادها مرة، تتقارب حكاية هيلدا التي راحت تلوح بعلمها المرفرف لسولنس، وهو في أعلى البرج، حتى أوشكت أن تسبب اختلالاً في توازنه. وجوليا لأنها لا تعرف الفتاة  التي مرض جان من أجلها، وعندما تسأله عنها، يرد : أنت. وتباغت هيلدا سولنس بنفس أجابة جان، بأنها كانت هي تلك الفتاة الشيطانة التي كادت تفقد توازنه.كما تتقارب شخصية سولنس مع شخصية الأب في مسرحية بنفس العنوان لسترندبيرغ،  من حيث ذكائهما، ودفع زيجاتهما لهما نحو المرض، أو سعيهما ليشعرا بذلك، ولكن زوجة الكابتن (الأب) بطريقة خبيثة، وزوجة سولنس بحسن نية. وبقصد إشعاره بأنها ليست غبية وعلى علم بكافة علاقاته. أما زوجة الكابتن فبدافع سوقه الى الجنون، لفرض سطوتها مثل هيدا جابلر لأبسن على أفراد أسرتها والمحيطين بها. وكلتا الشخصيتين يتمتعان بذكاء خارق في المهنة التي يمارسانها، سولنس في بناء الأبراج للبنايات العالية، والكابتن كرجل من رجال العلم الموهوبين.
ولعلَّ الذكاء الذي يتمتع به سولنس، مقابل الشيطنة التي يتحلى بها جان، يقودانا الى السمة المشتركة الثانية التي تجمع بين مسرحيتي سيد البنائين والآنسة جوليا، ألا وهي سمة العظمة. (والقرن التاسع عشر كان زمن العظمة الفردية، كما يقول صلاح عبدالصبور، والرجل العظيم هو الذي يمتاز على الآخرين . .)(9).
وقد أكتسب الأثنان هذه العظمة من خلال قدرة سطوتهما على الآخرين، سطوة سولنس على المكتب الهندسي لبروفك الذي كان فيما مضى، يعمل مساعداً له، ثم سطوته على مشاعر (كايا) خطيبة راجنر أبن بروفك، ومن بعدها على هيلدا. لتدفعه كل هذه النجاحات، لأن يضاعف تفوقه، في المجال الذي يعمل فيه، وهو بناء الأبراج في البيوت ألأكثر ارتفاعاً من السابق. 
أما جان عبر سطوته على جوليا، هذه السطوة التي لم يتخيلها حتى في ألذ وأمتع لحظات أحلامه، لا لأنه خادمها ويطيعها كالكلب فقط، وأنها تنتمي الى الطبقة الأرسقراطية، وهو الى العبيد، وإنما أيضاً، وكما يصفها سترندبيرغ: (بأنها  نصف إمرأة، وكارهة للرجال، إنها فتاة عصبية، تشعر بكبرياء وإن كانت على استعداد لكبت هذا الشعور في سعيها المحموم وراء إشباع ولعها بالأثارة الحسية)(10). وهاهي تقر نفسها بذلك في أجابتها على سؤال جان: ألم تحبي أباك يا آنسة جوليا؟ 
جوليا: نعم كثيراً جداً. لكن كان عليّ أن أكرهه أيضاً، لا بد أنني كنت أكرهه دون أن أدرك هذا. أنت تعلم أنه علمني أن أكره جنسي – أن أكون نصف أمرأة ونصف رجل.
فسطوة جان على مثل هذه النمرة، ليس بالأمر الهيّن، وأي كائن كان سوف يشعر بالتفوق، وتميزه عن الآخرين، سيما إذا عرفنا بأنها هي التي تقوده الى مغازلتها وممارسة الجنس معها.(وأحد الخدم هو الذي أوحى لسترندبيرغ بشخصية جان، لأنه أظهر له بوضوح بأنه لا يفكرفيه كشخص أفضل منه شخصياً)(11)، موظفاً إياها على لسان جان وهو يخاطب جوليا على هذا النحو: نعم، بالنسبة إلي. فأصلي أفضل من أصلك..

-------------------------------------
المصدر : جريدة المدى 

مقارنة بين مسرحيتي الأشباح والبجعة لأبسن وستنبيرغ

مجلة الفنون المسرحية

مقارنة بين مسرحيتي الأشباح والبجعة لأبسن وستنبيرغ

صباح هرمز 

اذا كانت مسرحية البجعة، قد كتبت عام 1907، فان مسرحية الأشباح، كتبها أبسن عام 1881، أي قبل البجعة بستة وعشرين عاما. وكلتا المسرحيتين يدور موضوعها حول السقوط في أحضان الرذيلة. ففي الأشباح الأب مع الخادمة، وانتقال هذه اللوثة الى الابن، وفي البجعة الأم مع صهرها.

وعلى الرغم من أن الرذيلة في البجعة، أقوى من الأشباح، أو هكذا تبدو للوهلة الأولى، لممارستها من قبل شخصين، تحرم عليهما هذه العلاقة،  وقوتها تظهر في هذا الجانب فقط الذي لا يخلو من المراوغة والتلاعب بالمشاعر ودغدغة العواطف، فان هذه القوة في الأشباح، تتسم بمصداقية أكثر، لنأيها عن غلو سترندبرج في ربط العلاقات. وتصويرها من قبل أبسن، اتساقا والنهج الذي يتبعه  في مسرحياته الأخرى، ألا وهو الأسلوب الاسترجاعي، هذا الأسلوب الذي يعيد الأم والقس الى ماضي الأب، عبر الرذيلة التي يمارسها الابن ( الآن)، أي ظهور صورة  الأب في ابنه.  
يقول عبدالله عبدالحافظ بهذا الخصوص: وقد وضع أبسن هذا الصراع في اطار فني رائع اعتمد فيه سواء في تسلسل الأحداث أو المناظر على الطريقة الاسترجاعية (6).  
رجينا:أوزفولد! أجننت! اتركني!
مسز الفنج:( تجفل في فزع) آه!
ماندرز: (غاضبا) ما الذي يحدث يا مسز؟  ما هذا؟
مسز الفنج: (بصوت أجش) الأشباح. الاثنان في المشتل- يعودان! 
هذه الواقعة هي ذاتها  التي حدثت عندما كان الكابتن الفنج يغازل خادمته (والدة رجينا). كما أن الأب في الأشباح، يأتي ذكره،( بالرغم من عدم ظهوره)، على لسان  الشخصيات على امتداد المسرحية، محتلا مساحة لابأس بها، وموقعا مؤثرا لا، وبل فاعلا وجوهريا في نمو وتطور أحداث المسرحية، بعكس الأب في البجعة، فقد ترك سترندبرغ هذين الدورين، ( احتلال المساحة، والموقع المؤثر للأم).
كما يبدو لي ثمة تناص بين الأشباح والبجعة، وأن تأثيرات الأولى واضحة في الثانية، وتأتي أولى هذه التأثيرات في حصر شخصيات البجعة بخمس مثل الأشباح. واذا كان قد أجرى سترندبرغ من تغيير في مسرحيته، مقارنة بالأشباح، فان هذا التغيير لم يتعد حدود الشخصيات، وذلك بالاستعانة بشخصيتي الصهر والابنة، بدلا عن شخصيتي القس ماندرز والنجار أنجستراند. ليلعب شخصية الصهر الدور الذي لعبه الأب  في الأشباح مع الخادمة جوانا، وهو مع أم زوجته. واضافة الابنة في البجعة، لم يأت بجديد، وجاء بسبب ايجاد المسوغ لاقامة الصهر في منزل الأم، وبالتالي ربط علاقة معها. وأقول لم يأت بشيء جديد، ذلك أن دورها لم يقتصر أكثر من شكواها على تصرفات والدتها، واكتشاف خيانة والدتها لها مع زوجها، وهذان الأمران، أداهما الابن كذلك، ولكن ليس كشقيقته  متأخرا، وأنما رغم المرض الذي يعاني منه، منذ صغره، من بداية المسرحية. وهذا يعني أن اضافة هذه الشخصية، لم تأت الا تابعا لزوجها.
أما الاختلاف الجوهري الذي أجراه سترندبرغ  على شخصية الخادمة في مسرحيته عن مسرحية أبسن، في ظهورها بمظهر المربية العجوز، وليس اللاهثة وراء نزواتها، جعلها أقرب الى شخصية القس ماندرز في الأشباح، وهي تبدي حرصها واهتمامها بصحة وسلامة الابن والابنة، وتفضح تقصير الأم تجاههما وتجاه زوجها، مذكرة الأم بين حين وآخر بماضيها الكالح معهم. ولكنها، بعكس القس تغادر المنزل قبل نهاية المشهد الأول، وغادره القس قبل نهاية المسرحية بقليل. ولكن رغم قصر دورها، فقد استطاع المؤلف، أن يمنحها التأثير الذي لعبه القس في الأشباح.
وبقدر ما استطاع الصهر أن يلعب الدور الذي لعبه الأب في الأشباح، بنفس القدر لم يستطع أن يلعب دور الابن في نفس المسرحية، ذلك أنه مثل الأب، كان غرضه خسيسا، بينما غرض الابن نبيل. والأغراض النبيلة، كما يقول غوتيه، لا تؤخذ بالوسائل الخسيسة. لذا فقد أناط سترندبرغ دور الأب بالأشباح للصهر، ودور الابن في نفس المسرحية للابن (فريدريك). ولعل قول الأم لصهرها:( لكم تشبه الآن زوجي، وأنت تجلس على كرسيه الهزاز)، أدل نموذج على ذلك، بينما تأتي هذه الجملة، أو ما يقاربها على لسان القس ماندرز وهو يخاطب مسز الفنج، ردا على قول أوزفولد، عثوره على غليون والده:( عندما ظهر أوزفولد في المدخل والغليون في فمه بدا لي وكأن والده عاد الى الحياة من جديد). وكلتا الجملتين، جملة الأم في البجعة، وجملة القس في الأشباح، يستحضران ماضي الأب في صورة الابن والصهر، أي أن كليهما يسيران على خطاه الآن، في هذه اللحظة.  
ومثلما أحدث ستريندبرغ، تغيرا جذريا في شخصية الخادمة، كذلك فقد أحدث نفس التغير في شخصية الأم، من رزينة وهادئة وحكيمة في الأشباح، الى ماكرة ومتهورة وخائنة في البجعة. وجعلها أقرب في نرجسيتها، واستبدادها برأيها، الى شخصية (هيدا) في مسرحية (هيدا جابلر) لأبسن. وهي بعد أن تبلغ درجة اليأس، تطلب من ابنتها أن  تعيش معها ومع شقيقها كخادمة، ويعد هذا الانحدار السريع والمباغت من برجها العالي،  بمثابة انتحار هيدا، أن لم يكن أسوأ منه، بعد انسداد كل الأبواب بوجهها.
وليس من باب الصدفة، أن تبدأ كلتا المسرحيتين بجو عاصف وومطر. وتوحيان من خلال جوهما العاصف والممطر الى نفس المعنى. فاذا كان في الأشباح، توحي جملة رجينا: ( أنه مطر شيطاني لعين)، الى موقفها السلبي من زوج أمها ( أنجستراند)، ولا تطيق رؤيته، لما يرافقه من شر. فان جملة:( أغلقي الباب رجاء، من الذي يعزف الموسيقى؟) التي تلفظها الأم في البجعة، توحي هي الأخرى الى موقفها السلبي من ابنها، ولا تطيق رؤيته. ليعمد المؤلفان هنا الى التعبير عن نزعة  الشخصيات من المعنى الكامن وراء الكلمات. فهدف رجينا من ايقاف أنجستراند، حيث هو، ليس لتساقط المطر منه على أرضية الغرفة، وانما لعدم ازعاج أوزفولد، لايقاظه من نومه، وهو يحدث صوتا نشازا بقدمه العرجاء، وهذا الصوت النشاز يوازي صوت الموسيقى الذي تسمعه الأم في البجعة، الصادرة من عزف الابن، والمنبعثة من رائحة الكربونيك والأغصان المحروقة التي تكرهها، لا لأنها قد حرمتها على ابنها وابنتها فحسب، وانما أيضا في نهاية المسرحية، تختنق برائحة الكربونيك والأغصان المحروقة. 
وتمتد هذه المقاربة الى اصابة كلا الابنين، في الأشباح والبجعة بلوثة الأب، وليس من باب المصادفة أيضا، مثل بداية المسرحيتين بجو عاصف وممطر، أن يعاني كلاهما من هذا المرض، بعد عودتهما من الخارج. فردريك نادبا حظه العاثر الذي بفعل الخلافات العميقة بين أبيه وأمه، ساقه هذا الحظ الى مربية، يرافقها الى منزل أختها التي كانت تتعاطى الدعارة، ليشاهد هناك كل شيء بأم عينيه. وأوزفولد مثل فردريك، بعد عودته من باريس، يشكو من نوبة صداع في رأسه. 
فردريك: أنا لم أرضع أبدا من حليب الأم، كنت بعهدة احدى المربيات، وكان علي أن أرضع من قنينة. وحينما كبرت قليلا، صرت أرافقها الى منزل أختها التي كانت تتعاطى فيه الدعارة، حيث رأيت مشاهد حافلة بالأسرار يستبيحها للصغار مربو الكلاب فقط. . .
أوزفولد: بعد زيارتي الأخيرة هنا وعودتي ثانية الى باريس بفترة قليلة – عندئذ بدأت أشعر بآلام غاية في العنف في رأسي – غالبا في مؤخرة رأسي، على ما يبدو، كما لو أن حلقة حديدية محكمة قد ثبتت بمسمار حول عنقي وفوقه تماما.
ونتيجة الخوف الذي يقع فيه أوزفولد، جراء تحذيره الطبيب من مواجهته للنوبة مرة ثانية، لأنها ستؤدي الى نهايته، يفضي به هذا الخوف الى الجنون. وفردريك لا يقل جنونا عن جنون أوزفولد، ولكن لافساح أبسن مساحة أوسع لحركة أوزفولد، قياسا بحركة فردريك المحدودة، حدا لأن تبرز هذه العاهة لدى الأول أكثر من الثاني. وعلى الرغم من ذلك، فانها تظهر من بداية المسرحية لدى  فردريك، ويتأخر ظهورها لدى أوزفولد.

وعملية التناص بينهما هذه، تتضح أكثـر، في اقتباس البجعة جملة من الأشباح،  تعبر عن لب المسرحية، ان لم تكن هذه الجملة كل المسرحية، وهذه الجملة تأتي في الأشباح على لسان مسز الفنج، وفي البجعة على لسان الأم. ومع أن الجملة الأولى طويلة، والثانية قصيرة، غير أن كلتيهما تعبر عن نفس المعنى، وما يضاعف ذلك هو بالاضافة الى ذلك ورود كلمة الأشباح على لسان الأم في مسرحية سترندبرغ، مع أن هذه الكلمة هي عنوان مسرحية أبسن.

مسز الفنج: أنني خائفة لأنه في أعماق نفسي شيء أشبه بالشبح لا أستطيع الفكاك منه أبدا.عندما سمعت رجينا وأوزفولد هناك بدا لي وكأنني أرى أشباحا. أنني أكاد أظن أننا جميعا أشباح. . .
الأم: احذري (بعد برهة) أثمة شخص يمشي هناك؟
مارجريت(الخادمة): لا ليس هناك أحد.
الأم: أترينني كمن يخاف الأشباح؟
والأشباح هنا، وفي كلتا المسرحيتين، رمز للماضي الذي  تخشى منه مسز الفنج، وكذلك تخشاه الأم، لأنه امتداد للحاضر، فما كان يحدث بالأمس، يحدث اليوم. وكلتاهما تشاهدان صورة ابنيهما في شبح أبويهما، وقد عادا الى الحياة من جديد. ويهدف أبسن من الماضي، كل تراكمات العادات والتقاليد البالية والسائدة في المجتمع النرويجي. 
ويعلق عبدالله عبدالحافظ على حوار مسز الفنج قائلا: (هذه صرخة عقل يحتج على كل أشكال الاعتقاد التي لا تقوم على المنطق، وعلى الأشباح التي تعيش في الظلام وتبطش بالضحايا الأبرياء)(7). 
ويستطرد:( ولعل هذا التزمت في هذا المجتمع النرويجي الصغير هو الذي دفع كثيرا من النرويجيين الى الهجرة لباريس والى أمريكا حيث جو الحرية وحيث ينعم الأنسان ببهجة الحياة).  
في كلتا المسرحيتين أيحاءات كثيرة، تأتي  في البداية، وتتحقق في النهاية، وأبرزها ما يحل بفردريك وأوزفولد، لاصابتهما بمرض الزهري الذي ينتقل بالوراثة الى الأبناء عن طريق الأب. ولكن كليهما لم يلقيا حتفهما، أو بقيا على قيد الحياة،  فسيان كلا الأمرين، عن طريق هذا المرض، وأنما كان هذا المرض سببا لجنونهما، وهذا الجنون هو الذي آل ما آل اليهما . فردريك  بإحراق المنزل، وأوزفولد سعيه في شرب السم. اذن أن هذا المرض، وأن يبدو وراثيا، غير أنه لايخص فردا واحدا، وأنما كل المجتمع. بدليل أن كل الناس من وجهة نظر مسز الفنج والأم، تتحول الى أشباح، لذا فإن هذا المرض، ما هو الا وسيلة لبلوغ الغاية الأسمى، وهي رفض كل الأفكار والعادات والتقاليد البالية للمجتمع النرويجي جملة وتفصيلا. هذا بالنسبة لمسرحية الأشباح. أما بالنسبة لمسرحية البجعة، فان الغاية الأسمى، هي التصدي لخيانة المرأة لزوجها وابنتها، وظلمها لأسرتها ككل، وابراز هاتين الحالتين، عبر حرمان ابنها وابنتها وقبلهما والدهما من الأكل والملبس الجيدين، ودفء الحطب في برودة الشتاء الجليدية، وتوظيفهما في احراق المنزل.
وبالتعويل على وصف الفصل الأول لمسرحية الأشباح، والمشهد  الأول لمسرحية البجعة، وبتفكيك رموز هذين الفصلين، وجدنا بدلا من أن يسود التقارب بينهما، يشطرهما التباعد الى خطين متوازيين، يبدو من الصعب، أن يلتقيا في نقطة معينة، الأول بانفتاحه على المستقبل، يشوبه بقسط وافر من التفاؤل، والثاني بالولوج في دهاليز الأغصان المحروقة ورائحة الكربونيك الطافحتين بالتشاؤم. فغرفة حديقة فسيحة لها باب في الحائط من جهة اليسار، وبابان في الحائط من جهة اليمين، بالاضافة الى انفتاح الغرفة على مشتل للزهور، وله حيطان زجاجية كبيرة، وفي الحائط الأيمن للمشتل باب يفضي الى الحديقة، فمثل هذا المنظر المنفتح بأبوابه ونوافذه على العالم الخارجي، لا بد أن يحتوي، أو يريد أن يحتوي على شخصيات، تتسم ولو بجزء ضئيل من الأمل في الحياة. وشخصية أوزفولد هو هذا النموذج.  بدليل أن الكلمة الأخيرة التي أطلقها في نهاية المسرحية، كانت : الشمس. 
بينما المنظر الذي يتكون من باب واحد للشرفة، وصالة جلوس تفضي الى صالة أخرى للطعام، وأريكة مغطاة بغطاء أحمر، وكرسي هزاز... فكل مفردة من هذه المفردات، تشكل بحد ذاتها علامة من علامات التشاؤم التي تنتظر مستقبل شخصيات المسرحية. ولعل احتراق الثلاثة في نهاية المسرحية، الأم وابنها وابنتها في آن، يؤكد ذلك. لنفهم أن أبسن يتبع في الفصول الأولى في مسرحياته طريقة العرض، مع تقنية اقتران البداية بالنهاية. وسترندبرغ يتبع التقنية الثانية أيضا، ولكن ليس  بتجزئة العناصر الدرامية الثلاثة كلا على حدى، كما يفعل أبسن، وانما بخلطها في تركيبة متماسكة معا.
وفي المنظر الثاني للأشباح، تجري الأحداث في نفس الغرفة. الا أن تعزيزه بجملة ( لا يزال الضباب يخيم على المنظر العام)، جعل المؤلف ينحو هذا الفصل، منحى (العقدة)، وأغلب الظن، أن هذه الجملة جاءت، امتدادا للفصل الأول، حيث كان المطر يهطل.
بينما يخلو  المشهد الثاني للبجعة من أي وصف أو شروحات. وهذا يعني أنه كالمشهد الأول، أن عناصره الدرامية تسير على نفس الوتيرة. ولكنه في المشهد الثالث، ومع صوت ارتجاج الباب، وطرقات متسارعة عليه من قبل الصهر، هذه الطرقات التي تذكرنا بمسرحية ماكبث لشكسبير، نفهم من خلالها، أن عقدة مسرحية البجعة قد بدأت. وفي المشهد الرابع أن هذه العقدة تتطور، عبر هبوب رياح عاتية، يسمع صفيرها من النوافذ والمدفأة، والباب الخلفي ينصفق، ليذكرنا هو الآخر بمسرحية الملك لير لشكسبير أيضا. وفي المشهد الخامس والسادس، عزف موسيقى في الخارج، وفي السابع، يدخل الصهر وفي يده عصا غليظة، أشارة واضحة الى أنه سيتعامل مع أم زوجته بشكل فظ. وفي المشهد الثامن، توقف الأم الكرسي الهزاز، ويدخل الابن ثملا، لتوحي المفردة الأولى على القلق، والثانية على جرأة التطرق للمواضيع الحساسة، وتوجه الأم نحو النافذة في المشهد التاسع، وتفتحها تنظر بعيدا، تتراجع بعد وهلة الى الغرفة حيث تأخذ مسافة استعدادا للقفز، لكنها تعدل عن قرارها حين تسمع ثلاث طرقات على الباب، وأذا كانت النافذة تشكل عالمها الخارجي الذي تتوق من خلاله أن تعيش بحرية، فأن الغرفة التي هي في داخلها ، تشكل عالمها المحاصر بقيود محكمة.
وهي بين الاثنين، بين ضميرها الذي يؤنبها، ويدفعها الى الانتحار، وبين توقها للحرية، المتمثلة بطرقات على الباب، لتنقذ هذه الطرقات حياتها، تختار الأخيرة.
وهنا يلجأ سترندبرغ الى استخدام تقنية الاسترجاع كأبسن، من خلال استحضار  صورة الابن على هيئة والده، وهي تقول: من هناك؟ ما الذي يجري؟ ( تغلق النافذة) أدخل ! هل هناك أحد . أنه نفسه وهو يعدو في حقل التبغ، ألم يكن ميتا؟
. . . . 
وفي منظر الفصل الثالث للأشباح، يعود المؤلف، مانحا أياه مواصفات الفصل الأول نفسها تقريبا، أقول تقريبا لأن شابته بعض روح التشاؤم، ولكن ليس بغلبة هذه الصفة على التفاؤل، بل بالعكس، بغلبة الأخيرة على الأولى. وجاء هذا الفصل كذلك، اتساقا مع تطورات أحداث المسرحية التي قادت أوزفولد المحب للحياة، التفكير في الانتحار. مثله مثل الأم في البجعة، واقعا تحت وطأة الشعوربتأنيب الضمير في أصابته بهذا المرض، ظنا منه أنه المسؤول الوحيد عنه والذي ألحق الأذى، ليس برجينا فقط، وأنما بالمجتمع ككل. 
وتكمن روح التشاؤم في هذا الفصل فقط في جملة ( في الخارج ظلام)، وتعقبها جملة، تحتوي على قدر ضئيل من الأمل: (باستثناء وميض خافت من النار ينبعث من خلفية المسرح).
أما التفاؤل فيمكن ملاحظته في هاتين الجملتين: ( كل الأبواب مفتوحة) و( لا يزال المصباح مضيئا على المنضدة.)

--------------------------------------------
المصدر : جريدة المدى 

«الغرفة الحمراء» لسترندبرغ: الكاتب الشاب يفضح الأساتذة

مجلة الفنون المسرحية

«الغرفة الحمراء» لسترندبرغ: الكاتب الشاب يفضح الأساتذة

أبراهيم العريس 

ترى مَنْ مِن البشر، والمثقفين خصوصاً، لم يحلم بأن ينتفض يوماً في وجه رؤسائه أو أصدقائه، أو في وجه عدد كبير من الناس ليقول لهم رأيه فيهم، بكل صراحة ومن دون خوف على عمل أو قلق من رد فعل؟ لقد كُتبت روايات وحُقّقت أفلام حول هذا الموضوع أو ما يدنو منه، لكن الواقع ظل بعيداً جداً من هذا: إذ نادراً ما نسمع حكاية من هذا النوع. لكنّ في تاريخ الأدب السويدي، كتاباً ربما يكون منسياً بعض الشيء اليوم، خطّه قلم شاب في الثلاثين من عمره، سيحقق لاحقاً في حياته شهرة كبيرة ويصبح الأب الشرعي للمسرح السيكولوجي الحديث، ليس في السويد - وطنه - وحده، بل في أوروبا والعالم كله. إنه أوغست سترندبرغ، صاحب المسرحيات الكبيرة التي أثّرت في ابسن وتشيكوف ثم في سينمائيين كبار من أمثال انغمار برغمان ووودي آلن. أما الكتاب فعنوانه «الغرفة الحمراء»... وهو ليس مسرحية، مع أن معظم كتابات سترندبرغ كانت مسرحيات. وليس رواية، حتى وإن قُدّم غالباً بوصفه رواية، بل إنه كتاب أدبي شاء المؤلف الشاب - في ذلك الحين - أن يقدم فيه صوراً أدبية لعدد كبير من أعلام الفكر والصحافة والمجتمع في مدينة استوكهولم. فأتت الصور قاسية ساخرة، لتثير زوبعة في وجه الكاتب، لم تهدأ إلا لاحقاً حين بدأت مسرحياته تُمثل وصار، بدوره، علماً من أعلام الكتابة في بلده. وعلى رغم مسرحياته وشهرته، ظل سترندبرغ يقول دائماً أنه إنما يدين الى تلك «الغرفة الحمراء» بالاعتراف العام الذي قد صار من نصيبه.
> إذاً، أصدر سترندبرغ ذلك الكتاب وهو في الثلاثين. وهو كان قبل ذلك، ومنذ تجاوز سنوات مراهقته وقرر أن يمتهن الكتابة، كان خاض كل أنواع الكتابة، من صحافة وقصة ومسرحية ونقد، لكن دائماً من دون طائل... والأهم من هذا - طبعاً - أن تلك التجارب التي خاضها وضعته على تماس تام، مع الكثير من شخصيات تلك البيئة وذلك الزمن... وهو إذ اكتشف أن أياً منهم ليس على استعداد لدعم أي موهبة أدبية شابة تحاول أن تستعين به، كشف عورات أولئك الناس... فاستخدم قلمه اللاذع لشن حرب ضدهم. وكان كتاب «الغرفة الحمراء» «مدفعيته» الثقيلة في المعركة. وقد زاد من فاعلية كتابه أن كل الذين كتب عنهم فيه وصورهم، إنما كانوا ملء الأسماع والأبصار، وكان ذكر اسم أي واحد منهم على غلاف الكتاب كافياً لانتشار الكتاب. وهكذا بضربة معلم، تمكن أوغست سترندبرغ من أن يضع اسمه مع الكبار: بل في موقع الساخر من الكبار.
> في «الغرفة الحمراء» إذاً، صفحات وصفحات تصور الرسامين والكتّاب والمسرحيين وحتى العلماء، كاشفاً أسرار شخصياتهم، متوقفاً عند نقاط ضعفهم... حتى من دون أن يلجأ الى أي أكاذيب وافتراءات، ما أنقذه من أن يصل الى القضاء. كل ما في الأمر هنا، أنه جمع الحقائق المعروفة ليلقي الضوء الساخر عليها وعلى خلفياتها، من دون أن يأبه بمكانة أي من الذين كتب عنهم... ومن هنا، انفجر الكتاب كالقنبلة، وصار الكاتب أشهر شخصية أدبية في استوكهولم بين ليلة وضحاها... وكان ذلك بعد أسابيع من التقديم الفاشل لواحدة من أولى مسرحياته، «المعلم أولوف»، التي - مع هذا - ستظل واحدة من مسرحياته الأكثر فشلاً، حتى وإن كان النقاد والباحثون سينظرون إليها لاحقاً على أنها الأكثر قوة في أعماله.
> في الوقت الذي كان سترندبرغ منهمكاً في كتابة «الغرفة الحمراء»، كان يعيش موزعاً بين رغبته في أن تعترف الأوساط الأدبية به - وهو اعتراف كان يرى أنه تأخر كثيراً! - وبين شعوره بأن اهتمامه الأول في حياته يجب أن يكون اهتماماً فنياً وذا مستوى. ومن هنا، حين صاغ صفحات ذلك الكتاب وفصوله، حرص على أن يجعل من موضوعه وسيلة لفرض مكانة لنفسه في استوكهولم الثقافية، ومن أسلوبه دليلاً على تميزه في البعد الفني لعمله. وإذا كان حرص على شيء منذ البداية، فإنه حرص على أن يبتعد من أي نفحة عاطفية أو «ذاتية المنحى» في ما يكتب... وهو نجح في هذا أيضاً، حتى وإن كان الكتاب كله ذاتياً في نهاية الأمر. ولعله يكفينا هنا، أن نقف عند بعض تعبيراته كي ندرك درجة السخرية المرّة التي تملأ هذا الكتاب. فمثلاً، حين يتحدث سترندبرغ عن الصحافة، يقول أنها لا تفتأ «تحطم القلوب مثلما يحطم المرء البيض»، وهو يتحدث عن المسرح بصفته قناعاً يخفي خلف أبهة الملابس والديكورات بؤس الممثلين وجوعهم. وإذ يذكر الأحزاب السياسية في طريقه، يقول أن «الأحزاب، من أجل الائتلاف في ما بينها، تتنازل وتتنازل حتى تندمج جميعاً، في نهاية الأمر، في لون رمادي لا طعم له ولا لون». أما حين يصل الى الحديث عن الرسم بصفته الأول بين الفنون الجميلة، فإنه يبرهن كيف أن رسامي زمنه يزعمون، بادعاءاتهم الضحلة، أنهم يقفون فوق السلة التي يتجابه في داخلها، و «في شكل ودي للغاية»، أكاديميون ومضادون للأكاديمية قطعت رؤوسهم جميعاً من قبل.
> على رغم أن سترندبرغ لم يكتب «الغرفة الحمراء» كمسرحية في البداية، فإنه مع ذلك حرص على أن يعطي النص عنواناً ثانوياً هو «مشاهد من حياة الأدباء والفنانين»... ومن هنا، ما نلاحظه من أن هذا العمل قد قدم لاحقاً، على شكل مشاهد مسرحية... ولقد ساعد على هذا أن الكاتب، أصلاً حين كتب العمل، ملأه بالحوارات، حيث أن معظم النصوص والانتقادات جاءت في حواريات تخيل وجودها بين أصحاب العلاقة أنفسهم... حوارات إذ كان في الإمكان تشبيهها بشيء فإنما بالحوارات التي تملأ مسرحيات أوسكار وايلد ويسودها تصوير مدهش للجهل والنفاق الاجتماعي والتكاذب المشترك بين البشر... ذلك النوع من البشر. إنها، هنا لدى سترندبرغ، حوارات حادة قاطعة، تصور على الفور، ومن دون الحاجة الى عودة لقراءة ثانية، نساء متحذلقات، صحافيين لا وازع ولا ضمير لديهم، بوهيميين كاذبين، يجعلون لأنفسهم صورة خارجية فوضوية لكنهم يعيشون حياة مترفة. ولا ينسى الكاتب في طريقه أن يتحدث عن قساوسة جشعين ليس الدين بالنسبة إليهم سوى طريق الى المكسب والجاه... أما الناشرون فحدث عنهم ولا حرج: إنهم مجرد تجار، في رأي الكاتب، لا يقرأون حتى الكتب التي ينشرونها وتدر عليهم أموالاً طائلة. الكل تحت قلم سترندبرغ كاذب مدّع... ولأنهم كذلك لا يريد الكاتب أن يرحمهم. إنه هنا أشبه بالمغني - الشاعر جاك بريل، وقد آل على نفسه أن يقول الحقيقة في وجه من تعنيهم، مع فارق أساس يكمن في أن بريل، كثيراً ما جمل نفسه بين الذين يوجه إليهم الانتقادات، بينما نلاحظ كيف أن سترندبرغ ميّز نفسه بتغييبها عن ذلك الحفل الكتابي الفاضح. مهما يكن، حجة الكاتب في ذلك هي أنه، حين صاغ ذلك النصّ الفريد، في زمنه، كان لا يزال نكرة... مجرد موظف بسيط في المكتبة الوطنية يحاول جاهداً أن يشق لنفسه طريقاً.
> صدر «الغرفة الحمراء» عام 1879، ومنذ صباح اليوم التالي صار أوغست سترندبرغ (1849 - 1912) واحداً من أشهر الكتّاب في استوكهولم. طبعاً أحس يومها، بأن شهرته لم تأته من الطريق الذي كان يفضّل: أي من طريق مسرحياته، لذلك نراه من فوره ينصرف، إذ أحسّ بأنه صار مقبولاً، الى كتابة مسرحياته الكبرى وإصدارها واحدة بعد الأخرى، من «سوناتا الأشباح» الى «الطريق الى دمشق» و»الأب» و»الآنسة جوليا»، وغيرها من أعمال كبيرة كان أهم ما فيها أنها مكنت أوغست سترندبرغ من فرض حضوره ككاتب مسرحي كبير، ودفع الكثيرين الى الكف عن الحديث عن «الغرفة الحمراء»، ذلك الكتاب الذي لعنته الحياة الثقافية في استوكهولم لعنة أبدية، وكان لا بد لها أن تنساه قبل أن تجعل لصاحبه مكانة أساسية وكبرى في رحابها.


----------------------------------
المصدر :  الحياة 

مسرحية تصحيح ألوان على خشبة القباني… عمل يرسخ مقولة إن ذاكرة الإنسان من صنعه هو

مجلة الفنون المسرحية

مسرحية تصحيح ألوان على خشبة القباني… عمل يرسخ مقولة إن ذاكرة الإنسان من صنعه هو


دمشق-سانا

مسرح الديودراما القائم على ثنائية الرجل والمرأة وعرض الفصل الواحد خيار عاد إليه مجددا الكاتب سامر محمد إسماعيل في عرضه الجديد الذي ألفه وأخرجه بعنوان “تصحيح ألوان” والجاري عرضه حاليا على خشبة مسرح القباني.

العرض الذي أنتجته مديرية المسارح والموسيقا “المسرح القومي في وزارة الثقافة يعتمد على توليفة من الفنون البصرية التي أراد إسماعيل استخدامها لتحقيق أكبر قدر من التفاعل والتأثير لدى جمهور الصالة مثل استحضار أغان معينة ووضع موسيقا خاصة بالعرض واستخدام شاشة إسقاط في قلب الخشبة واستثمار الإضاءة إلى أقصى حد ممكن كما كان الفن التشكيلي حاضرا كجزء من الديكور الأساسي للعرض وحتى الرقص الحركي كما في المشهد الأخير.

وتلعب الموسيقا دورا محوريا في “تصحيح ألوان” منذ البداية فالعرض يبدأ بمقطع من قصيدة معاذ الله للشاعر السوري الكبير نزيه أبو عفش التي غناها في ثمانينيات القرن الماضي الفنان المعتزل فهد يكن وأراد من توظيفها مؤلف ومخرج المسرحية وضع نخبة ثقافية ظهرت في تلك الحقبة ضمن سهام نقده.

إضافة فضاءات جديدة إلى العرض لم تتوقف على توسيع خشبة القباني فحسب بل تعداه إلى استثمار قطع صغيرة مثل صناديق الكرتون المقوى المحشوة بالأغراض الشخصية والكتب لتكون جزءا من مقولة العرض ككل في إدانة مثقفين حملوا متاعهم وسافروا خارج البلاد في ظل الأزمة الراهنة.

وقصة العرض التي تدور حول الصحفية “رشا.. مايا” والكاتب الانتهازي جابر ابراهيم تخرج من نطاق الحوار الصحفي المفترض مع كاتب حصل على جائزة من دولة خليجية لروايته الأخيرة إلى مكاشفة حادة تدفع الكاتب للاعتراف بسرقة رواية والد الصحفية والتسبب في سجنه.

وكان الحوار المكتوب الذي بدا عفويا لأبعد الحدود واداء الممثلين في العرض “يوسف المقبل ومريانا معلولي” هما العلامة الفارقة في تصحيح ألوان وساعد على ذلك النمط المتسارع في تقلبات الشخصيتين تناسبا مع سير الأحداث وتنامي الحوار ولا سيما أن المسرحية هي عرض ممثل بالدرجة الأولى.

النهاية المأساوية غير المتوقعة بدءا من كشف رسائل الحب بين والدة الصحفية والكاتب لنكون أمام خيانة مزدوجة بحق الصديق والزوج أظهرت مقولة العرض بأن ذاكرة الإنسان هي من صنعه هو لا مرآة حقيقية عن الماضي الذي سيدفنه الكاتب عندما يضع جسد الصحفية المنهارة في حقيبة سفر.

يشار إلى أن عرض “تصحيح ألوان” هو ثاني تعاون لمديرية المسارح والموسيقا مع الكاتب اسماعيل بعد عرض ليلي داخلي الذي قدم لأول مرة عام 2013.

ويضم فريق العمل في مسرحية “تصحيح ألوان” تأليف وإخراج.. سامر محمد إسماعيل وتمثيل.. يوسف المقبل ومريانا معلولي وحضور خاص للفنان أيمن زيدان ولوحة العرض.. الفنان بديع جحجاح وأغنية سليمى بصوت الفنان وضاح إسماعيل ودراماتورج.. لؤي ماجد سلمان ومخرج مساعد.. بسام البدر وسينوغرافيا.. أدهم سفر وديكور.. زهير العربي وتصميم إضاءة .. نصر الله سفر وموسيقا.. رامي الضللي ورسم حركي.. محمد شباط ومشرف تقنيات.. بسام حميدي ومساعد مخرج.. رامي سمان وأزياء ومكياج.. سهى العلي ومديرة منصة .. إيفا إسماعيل.


جمعية المسرحيين بالشارقة تنتخب مجلس إدارتها الجديد للدورة "2017 – 2019"

البطوسى يكتب التاريخ الحقيقي لكليوبطره .. ويطلق أول مونودراما شعرية "وثائقيَّة" في تاريخ المسرح ..

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption