أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأربعاء، 6 مايو 2020

“ماذا، أين”.. مسرحية من فصل واحد لصموئيل بيكيت

 “ماذا، أين”.. مسرحية من فصل واحد لصموئيل بيكيت


ترجمة: د. إقبال محمدعلي - الكتابة 

تم عرض هذا العمل لأول مرة، على خشبة مسرح (هارولد كلرمان Harold Clurman)، نيويورك، في حزيران، 1983.
كما قامت دار نشر (Faber & Faber) بطبع العمل لأول مرة، في لندن عام 1984 
الشخصيات:
 (BOM) بُوم،(ْBIM) بيم،(ْBEM) بِمْ،(BAM)بامْ
 بامْ و في، شخصية واحدة.BAMو (V)
توصيات بيكيت:
– الشخصيات: يجب ان تكون متقاربة الملامح، قدر الإمكان.
– الملابس: بدلات طويلة رمادية.
– الشعر: طويل رمادي.
 – رأس V: يكون على شكل مكبر صوت صغير عند الرقبة.
من صالة العرض يمكنك رؤية، بقعة على شكل مستطيل بمساحة 2×3  متر في أعلى يمين خشبة المسرح. تسلط عليه إضاءة خافتة، محاط بظلام دامس. أسفل يسار المسرح، إنارة خفيفة على ظِل وجه  V.
________________________________
ظلام كامل، تسلط الأنارة على V. (صمت)
V – نحن آخر خمسة.
    الآن و سنبقى.
    حل الربيع.
   الوقت يمضي.
    بداية المشهد ستكون دون حوار.
    سأفتح الإنارة. 
يسلط الضوء على بقعة المستطيل (P)
يقف بام في الفتحة رقم3 بغطرسة، يقف بوم، عند الفتحة 1 مطأطأ الرأس. صمت
  لا يعجبني هذا الدخول.
  سأطفيء الإنارة.  يطفئ الضوء المسلط على بقعة المستطيل.
سأعيد المشهد……………..
  نحن آخر خمسة.
حل الربيع.
 الوقت يمضي.
  سيكون المشهد صامتاً.
  سأشعل الإنارة.
يسلط الضوء على بقعة المستطيل بام لوحده يقف مطأطأ الرأس عند الفتحة رقم 3…صمت
   ممتاز………………..
  أنا وحدي.
 حل الربيع.
الوقت يمضي .
 المشهد صامت
يظهر”بوم” في النهاية.. يختفي” بوم”،ثم يعود إلى الظهور مرة اخرى
 ( يدخل و يخروج الممثلون دون حوار)……
 (يدخل بوم من الفتحة N و يقف بغطرسة امام رقم 1 المطأطأ الرأس… صمت
يدخل بيم من الفتحة E  ويقف  بغطرسة أمام رقم 2 المطأطأ الرأس…صمت
يخرج بيم من الفتحة يتبعه بوم.
يدخل بيم من الفتحة E و  يقف بغطرسة امام 2 المطأطأ الرأس .. صمت
يدخل بم من الفتحة N و يقف بغطرسة امام 1 المطأطأ الرأس … صمت
يخرج بم من الفتحة N يتبعه بيم … صمت
يدخل بم من الفتحة N و يقف بغطرسة امام رقم 1 المطأطأ الرأس..صمت
يخرج بام من الفتحة W يتبعه بِمْ.. صمت.
يدخل بام من الفتحة W و يقف بغطرسة،امام رقم3 المطأطأ الرأس). صمت.
    جيد
  سأطفئ الإنارة ( يعم الظلام بقعة المستطيل).
   سأبدأ من جديد…..
    نحن آخر خمسة
    حَل الربيع.
   الوقت يمضي.
   سأشعل الإنارة…( يسلطها على بقعة المستطيل)
بام يقف وحده عند مدخل الفتحة رقم 3مطأطأ الرأس (صمت).
  جيد….
    أنا وحدي.
    حَلَ الربيع.
    الوقت يمضي.
سيرافق المشهد حوار…
أخيرا، يظهر بوم.. يختفي بوم، ليعود إلى الظهور مرة اخرى..
 ( يدخل بوم من الفتحة  Nو يقف  بغطرسة امام رقم 1 المطأطأ الرأس )
 بام: حسناً؟
بوم: (يطأطأ رأسه طوال المحادثة) .. لا جديد.
بام: ألم يقل شيئاً؟
بوم: كلا.
بام: هل سلمته الشغلة؟
بوم: نعم.
بام: لم يقل شيئاً؟
بوم: كلا.
بام: هل أنتحب؟
بوم: نعم.
بام: صرخ؟
بوم: نعم.
بام: توسل طالباً الرحمة؟
بوم: نعم.
بام: لكنه، لم يقل شيئاً؟
بوم: كلا.
V:هذا ليس جيداً …عليّ إعادة المشهد، مرةً أخرى…..
بام: حسناً؟
بوم: لا جديد
بام: لم يَقُل شيئاً؟
V:  عظيم………
بوم: كلا.
بام: هل سلمته الشغلة؟
بوم: نعم.
بام: لكنه لم يقل شيئاً؟
بوم: كلا.
بام: هل انتحب؟
بوم: نعم.
بام: هل صرخ؟
بوم: نعم.
بام:هل توسل طالبا الرحمة؟
بوم: نعم.
بام: لكنه لم يقل شيئاً؟
بوم: كلا.
بام: لِمَ توقفت؟
بوم: لأنه مات.
بام : لم تتمكن من انعاشه؟
بوم: حاولت.
بام: حسنا ؟
بوم: لم أستطعْ. صمت
بام: أنت تكذب( صمت) لقد أخبرك( صمت) إعترِف انه أخبرك ( صمت)
ستستلم الشغلة إلى ان تعترف.
V: جيد……….
يظهر بيم في النهاية.
(يدخل بيم من الفتحة E بغطرسة و يقف امام رقم 2 المطأطأ الرأس)
بام: ( موجها الكلام لِبيم)، هل أنت حُر؟
بيم: نعم.
بام: خذه خارجاً، و سلمه الشغلة حتى يعترف؟
بيم: بِمَ يعترف؟
بام: أنه اخبرهُ.
بيم: أهذا كل شيء؟
بام: نعم.
V: المشهد سيء، عليّ ان اعيده مرة أخرى……………..

بام: خذه خارجا و سلمه الشغلة، حتى يعترف.
بيم: بِمَ يعترف؟

بام: بأنه أخبره.
بيم: أهذا كل شيء؟
بام: نَفِذ ما سمعت.
V: جيد……………….
بيم: أهذا كل شيء؟
بام: نعم.
بيم: هل اتوقف؟
بام: نعم.
بيم: جيد.. (يلتفت لبوم)، أتبعني.
(يخرج بيم من الفتحة E يتبعه بوم).
V: جيد…………………………………
انا وحدي
حلّ الصيف.
الوقت يمضي
يظهر بيم  أخيراً.. ثم يعاود الظهور.
( يدخل بيم من االفتحةE و يقف بغطرسة امام رقم 2 المطأطأ الرأس )
بام: حسناً؟
بيم : (يبقي مطأطأ الرأس طوال اللقاء).. لا شيء.
بام: لم يقُل  شيئاً؟
بيم: كلا.
بام: سلمته الشغلة؟
بيم: نعم.
بام: لكنه لم يقُل شيئاً؟
بيم: كلا.
V: هذا ليس جيداً.عليّ ان أبدأ المشهد من جديد……………
بام: حسناً؟
بيم: لا شيء.
بام: ألم يقل أين؟
V: جيد………………….
بيم :أين؟
V: آه!
بام: أين.
بيم: لا.
بام: سلمته الشغلة؟
بيم: نعم.
بام: و لم يقلْ أين؟
بيم: كلا.
بام:هل أنتحب؟
بيم: نعم.
بام: هل صرخ؟
بيم: نعم.
بام: هل توسل طالبا الرحمة؟
بيم: نعم.
بام: لكنه لمْ يقل أين؟
بيم: كلا.
بام: لم توقفت؟
بيم: لأنه مات.
بام: و لمَ لَمْ تُسعِفه؟
بيم: حاولت.
بام: حسناً؟
بيم: لم استطع.( وقفة)
بام: هذه كذبة.(صمت.. لقد أخبرك أين.( صمت) اعترف انه اخبرك أين (صمت) ستستلم الشغلة حتى تعترف.
V: جيد…………….
في النهاية، ( يظهر بِمْ في الفتحة N  و يقف بغطرسة امام رقم 1 المطأطأ الرأس).
بام: (يوجه الكلام لبِمْ).. هل أنت حُر؟
بِمْ: نعم.
بام: خذه خارجاً و سلمه الشغلة حتى يعترف.
بِمْ: بِمَ يعترف؟
بام: أنه، أخبره أين؟
بِمْ: أهذا كل شيء؟
بام: نعم.
V: لم يعجبني المشهد.عليّ ان اعيده من جديد………………….
بام: خذه خارجا و سلمه الشغلة، حتى يعترف.
بَمْ:  بِمَ يعترف؟
بام: ان الأخر،أخبره أين.
بَم: أهذا كل شيء.
بام: عليك ان تعرف أين.
V: جيد……………………
بِمْ: أهذا كل شيء؟
بام: نعم.
بِمْ: هل أتوقف؟
بام: نعم.
بِمْ: جيد( يخاطب بيم) اتبعني…. ( يخرج بِمْ من الفتحةN يتبعه بيم)
V: جيد………….
انا وحدي.
حل الخريف.
الوقت يمضي.
يظهربِمْ في بداية المشهد، يختفي ثم يعود للظهور…
(يدخل بِمْ من الفتحة  N ، ينظر بغطرسة إلى رقم 1 الذي يقف امامه، مطأطأ الرأس).
بام: حسناً؟
بِمْ: (يبقي مطأطأ الرأس حتى نهاية المشهد) لا شيء.
بام: ألم يخبرك أين؟
بِمْ: كلا.
V: و هلم جرا……….
بام: كذِبْ ( صمت).. لقد أخبرك أين( صمت) ..أعترف انه اخبرك، أين…(صمت) ستستلم الشغلة حتى تعترف.
بِمْ : بِمَ يَعترِف؟
بام:أنه أخبرك أين.
بِمْ: أهذا كل شيء.
بام: و أين.
بِمْ: أهذا كل شيء؟
بام: نعم.
بِمْ: هل أتوقف؟
بام: نعم. أتبعني.( يخرج بام من الفتحةW، يتبعه بِمْ)
V: جيد………………………..
حَلَ الشتاء.
الوقت يمضي.
سأظهرفي نهاية  المشهد ثم أعاود الظهور مرة أخرى….
( يظهر بام من الفتحة W ، يقف بغطرسة امام رقم 3 المطأطأ الرأس).
V: جيد….
حَلَ الشتاء.
الوقت يمضي
في النهاية عليّ ان أظهر.
ثم أعود للظهور.
 (يظهر بام في الفتحة W يقف بغطرسة امام رقم 3 الذي يقف امامه مطأطأ الرأس)
V  : جيد……………………….
    أنا وحدي
   الآن و سأبقى.
  حَلَ الشتاء.
  انتهت الرحلة.
 الوقت يمضي.
 و هذا كل شيء.
لا شيء يمكن فعله، سوى ترك الوقت يمضي.
سأطفئ الإنارة………………
)تتلاشى الإنارة عن بقعة المستطيلP-… تتلاشى الإنارة عن V……….يعم القاعة الظلام) .

لم ينس بيكيت، مآسي سنوات الحرب و ما خلفته من حالات ضياع و لاجدوى في نفوس الملايين من البشر. لم ينس سنوات الرعب و الخوف، سنوات العمل السري حين كان عضواً فعالاً في حركة المقاومة السرية الفرنسية، بعد إحتلال هتلر لفرنسا. أساليب الدمار القتل و التعذيب التي انتهجتها الفاشية، تركت في ذهنه، اسئلة داخلية مكتومة لم يستطع الفكاك منها حتى نهاية حياته.” في انتظار غودو”، عكست حالة الأستلاب و القلق، التي خرج منها انسان ما بعد الحرب.
“ماذا أين”…حين سألوا بيكيت عما  كان يفكر به وهو يكتب هذا العمل القصير الذي لا يتجاوز أربع صفحات، أجاب: “أنا نفسي، لا أعرف ماذا عنيت. إنها مجرد موضوع”.
يذكر المنتج والتر اولمان: ان بيكت قام، بتكييف،سبعٍ من مسرحياته القصيرة عام ،1966بناء على رغبة التلفزيون الألماني في شتوتكَارت انتاج هذه العروض. تم اخراج هذه الأعمال على خشبة مسرح سوود دويجةSudeutscher”. عام ،1983سألوا بيكيت ان كان لديه اعمال جديدة… اخبرهم المخرج الألماني وولتر آسموس Walter Asmus، أنه قام بتكييف مسرحية بيكيت ” ماذا أين” لإخراجها للتلفزيون.بدء بيكيت مناقشة خطوات هذا العمل مع خبير التصوير، جيم لويس Jim Louis و المخرج وولتر آسموس.في المقابلة مع وولتر آىسموس يقول: عندما عاد جيم إلى ألمانيا فهمت منه، ان فكرة بيكيت كانت قائمة،بتقديم العمل كأي عرض مسرحي آخر، أي دخول وخروج الشخصيات كاملة على الخشبة، لم تكن هناك فكرة تعتيم الوجوه. عندما ذهبت إلى ألمانيا أقترح بيكيت ان تلبس الشخصيات الأربعة غطاء رأس يغطي الرقبة ايضاً، أو فينة أو الطربوش…. اثناء النقاش، أثارت أنتباهي جملة لم يكملها: “فكر بالوضع  السياسي في تركيا… كانت هناك علامات استفهام عن عمليات القتل و التعذيب في تركيا، وضع الأرمن ، قضية الأكراد .. إلخ إلخ. ما ذكره كان أشبه بِ”البيان السياسي” و المناقشة عكست  بعض ما كان يدور في ذهنه من هموم.
“ماذا، أين “…كانت واحدةً من المسرحيات القصيرة، العديدة، المصبوغة بسوداويتها التي كتبها بيكيت في السنوات الأخيرة من حياته.الحوار في مشاهد (ماذا) يتكرر في مشاهد(أين ). الإستجواب و التعذيب لا نراهما بل نسمع بهما على لسان الشخصيات لإنها( تحدث خارج المسرح). نستشف من الحوار ان المشاهد تنتهي بجريمة قتل. “ماذا و اين”، تستخدمان كأداة قتل، لقضية وهمية يختلقها V)،بام (… و ندرك من الحوار أيضاً، ان هذه الشخصية تمتلك منصبا كبيراً… كأن تكون، ديكتاتور أو مدير مخابرات عسكرية أو رئيس مافيا ارهابية. شخصية تستمتع، تتفنن، في خلق قضية خيانة وهمية بين رجاله، لا توجد إلا في ذهنه المريض يصبح ضحيتها ثلاثة من رجاله. الأوامر، لا تسمح لمن يقوم بالتحقيق، التساؤل عن ( الجريمة).. لأن التساؤل عن الجريمة، سيصبح جريمة بحد ذاته. الدكتاتور من صومعته (يروي ) و يعطي الأوامر بصوته الرتيب من خلال المايكرفون وفق أحداث مرسومة في مخيلته، مستخدما فصول السنة الأربعة لتنفيذ،عملية القتل.. تعاقب الفصول و جمالها لا يحركان احاسيسه أو يثيران اهتمامه..يبدو ان لا شيء يحرك هذا الكائن غير التفكير و المراقبة و الأشراف على تنفيذ،عملية القتل. تمثل المسرحية مدى الطغيان الوحشي الذي يساهم فيه القتلة أنفسهم في تدمير دائرة العنف و القمع.
بام: هل انتحب؟
بوم: نعم.
بام: هل صرخ؟
بوم: نعم.
بام:هل توسل طالبا الرحمة؟
“كان بيكيت مخرجا مسرحياً ذكياً.يرى شخصياته برؤيةٍ لا يراها الآخرين… اشباح مهمشة، مستلبة. يقول أسموس:” وجود بيكيت بيننا اثناء التدريبات كان”هِبةً” ثم اصبح ضرورة .. تعلمنا منه كيف نتخلص من كل ماهو فائض عن الحاجة، و اختزال تفاصيل لسنا بحاجة إليها”… العمل المسرحي المرفق الذي اخرجه آسموس،كان تكملة أمينة لما كان يجري في ذهن، المعلم الكبير.

26/01/2020

الاثنين، 4 مايو 2020

دراسة مونودراما الرسم بالعهر للمؤلف(عمار نعمة جابر)

مجلة الفنون المسرحية

خلخلة البياض وتعتيم في اللوحة الّتي ترسم الانسان.
دراسة مونودراما الرسم بالعهر للمؤلف(عمار نعمة جابر).

د. زينب لوت

توطئة:
يكتب المؤلف (عمار نعمة جابر) النص المونودرامي (الرسم بالعهر) في أفق بياني تصاعدي يتسعُ للاحتواء الشعوري وفهم ذهنية المُتَّلقي في توجيه الخطاب والتَّأثير في محيط التلقي، كما ينعكف التخاطب بين الأنا وذاتها لتهشيم الحقائق وفتق مجالها وتفتيت ذلك الاحساس المخبوء المعدم، حيث يبحث الانسان في الفن عن معالم مشتركة تكون مدفونه وفي حالة اندثار وتخفي للظهور إلى السطح لكن يكون برزوها وجلاءها متصلاً بالعبقرية التي تجسد الخواء المجهول والفراغ الموحش الأكثر ارتباطاً بالعالم المنعدم والموجود في نفس الوقت حيث تبلغ ذروة الجمالية في إنتاج النص المونودراما عندما تلامس ما هو ملازم للخفاء أو ما يبحث بداخلنا عن فهم دقيق وتصوير أدق خاضِع للمجاز البلاغي فيحتويه عالم المتَّخيل ويصُوغ  بدائل الوجود بوجودية تتعلق بالعرض الانفعالي الذي يحرك الذاكرة والفن في الأخير ليس هو ليس وليد لاوعي الكاتب بل هو استقراء الفنان للاوعي المتلقي وتكوين نص يترجم هذا لاشعور ويستحضر دوافعه وصوره لذلك يكون الارتباط في مونودرما ( الرسم بالعهر) صاخباً يحملُ نزيف إنسان رسمته اللوحة.
1- أنسنة اللوحة في مونودراما (الرسم بالعهر)
استخدم الكاتب (عمار نعمة جابر) فكرة اللوحة كي يرسمُ القوانين الاجتماعية ويُقيم البنيات المختلفة للتفكير السلبي المسيطر على الذهنيات التي تسيطر على الأنظمة الفكرية والقيم فيرسم المحظورات والمحرمات و التصرفات وقواعد الجماعة في تصنيف وتضيق وتشييد قوانينها وبواعثها وتسير مقاييسها حسب الرؤى المحصورة والمتطرفة، والّتي وصفها بالزوايا الضيقة ، كما يضع الانحناءات وهو يتحدث عن التكتلات اللونية والخطية فوق بياضها عبث يفوق قدرتها ويفتك مساحتها دون أن يكون لها قرار الانفلات معادلة درامية بين النص وما وراء التقاطعات التي تضعها الحركة في فضاء العرض تأويل مستمر يفيض بالمعاني حيث تكون اللوحة ضحية وفي نغس الوقت تتحملُ ضحايا أفكار تحصرها الألوان والخطوط التي ترضى بوجودها داخل البياض "باتت القيم الفكرية للمصطلح الدرامي تضعنا أمام انفتاح تأويلي لمحدودية الإشكالية اللغوية لذلك المصطلح ولأن المسرح بطبيعته (إشكالي) لاشتغاله في قراءات لا حصر لها تنفتح على منافذ متعددة في ذهن المتلقي، وهذا سر انسيابية المسرح وتجدده باعتباره مشروعاً متطوراً ومتغير الملامح"(محمود أبو عباس، المونودراما ، مسرحية الممثل الواحد،  تجارب المونودراما في المشهد المسرحي العربي، العبيكان الرياض، المملكة العربية السعودية ط/1، 2010، ص09) انتهاك اللوحة هي انتهاك آخر للإنسان وانتفاء وجوده من خلال اختزال قيم حريته، واختلال الأشياء من حوله حيث تتقاطع كيفيات الرؤية ولكنها تقعُ أسيرة ما ينجرف داخل الجماعة الاجتماعية والجماعات الكونية المرتبطة في مسارات التقوقع الصلب أمام التغير.
2- مونودراما الرسم بالعهر:
 تكريس الألفاظ الصادمة للمتلقي تؤكد بعد الرؤية أو اختلاف المرئي بل يكون حالة استعداد للتصريح بوجود اختلال ما في المصطلحات التي يكتنزها الانسان كما أنه تعمد الكاتب (عمار نعمة جابر) زعزعة الصور العالقة والمتجذرة، وتحقيق بُعد تأملي أو تأمل للأبعاد في محور أحادي، تُثير المونودراما فنياً بواقع الحركة التي يؤديها الجسد الواحد لتماثلات متعددة ولمواقع مشتتة وحوار يتداخل ويتفاعل بدرجات متفاوتة بين الحزن والفرح والأسى...، تصبح المشاعر قيمة تدريجية تتسرب فيها القيم الشعورية بالسخرية أو الفكاهة أو الدرامية وأحيانا الحركية ما يعكس قدرة الموهبة التمثيلية ويحيل لعالم الانسان بتناقضاته الظاهرة والباطنة والفن عامة يستتر خلف استبطان عميق للذات ليصبح الظاهر الجمالي فوق الخشبة ويجعل المظاهر العامة أشكالاً ذات رموز تختلف عن واقعها وتتشكل في الحوارات مع الأنا التي تعكس لوحة كثيفة الألوان لفنان يتحد بعالمه "استطاع الممثل تقليص المسافة ما بين انتقاله من شخصية إلى أخرى عبر الصوت والجسد"(سمير أغا حيدر، تنوع إداء الممثل في عروض المونودراما، مسرحية بقعة زيت، أنموذجا، مجلة كلية التربية الأساسية، المجلد :24،العدد 200، 2018،ص.633)  والذات في مجالها الذي يختبر استعداداته في الاقناع والتوجيه او تحريك البؤر العالقة في ذهن المتلقي(الجمهور) ومقاربة مسافة التواصل للخطاب الآني والفهم المحقق جمالياً وبصفة تأثيرية لا تفسد أفق الانتظار، كما للكاتب (عمار نعمة جابر) تجربة خصبة في تدوير النماذج بكثافة وبرمزية تقعُ في بلاغة العرض وتبليغ الخطابات بتنوعها وسلاستها.
3- خلخلة التعتيم وانزياح التفاصيل:
حين نحاول القبض على التفاصيل تبدوا اكثر زئبقية ومموهة، حيث الجدل قائم في الحديث وفي أنصاف الحديث الذي يكون معلوما أو مستلزما عند المتلقي"(لوحة بيضاء كبيرة في عمق المسرح، الرجل يقف أمام اللوحة ويديه الى الخلف ، نحن نسمع حديثة فقط ، وظهره للجمهور طوال الوقت ، لا نعرف ملامحه مطلقا . تنتشر على جانبية طاولات عليها مجموعة من الفرش ، والالوان ، وأدوات للرسم)" (مونودراما الرسم بالعهر) تكتنف اللوحة الكبيرة منطقة تتشبع بواقع المؤلف (عمار نعمة) فتلامس إنسانا يضيق عليه الكون ويعيد بناء قامات تتعالى من النماذج للأفكار الاجتماعية وأشكال تصوير سُلطوية الحريات التي شبهها بالظلال والانحناءات الخاضعة لمواقف الانسان وهي تعتيم هذه الحرية لتصبح اللوحة مثقلة بهذا العبء دون أن تكون لها قدرة القرار بل تكمن في قدرة التّحمل فينقلُ أحساسها:" مرير أن يمارس على اللوحة المسكينة ، أشكال السلطة ، وهي لازالت عاجزة عن القبول ، أو الرفض ، فسلطة هذا الظل تحيل اللوحة الى ظل آخر جديد ، شبح يشبه الظل الأول . ببغاء يردد نفس الكلمات ، نفس الألوان ، نفس الانحناءات . في النتيجة ، ستصبح نسخة من هذا اللون الرمادي ، من هذا الشكل المتسلط ، تكرر ذات القصيدة التي القاها هذا الداكن"(مونودراما الرسم بالعهر)  تتأزم اللوحات المكتنزة في مخيال الكاتب (عمار نعمة جابر) لدرجة التضخم والتدافع الكبير لمآسي الانسان مع وجوده وتحس أنها حالة تمزيق لشرنقة لا تزالُ تكبرُ معنا بمفهوم المؤلف وهو ما يشيره في المونودراما متعالية الأصوات المتعددة الأدوار في ذات واحدة تجرِفُ مأساة الكائن حيث لا يكون إنسانا بل هو اللوحة ذاتها في قوله: "حيث يحدد للوحة ما يجب أن تكون ، طوال سنين عمرها . ما يجب أن تفعل ، وما لا يجب أن تفعل . ما يجب أن تلبس ، وما لا يجب أن تلبس . ما يجب أن تأكل ، وما لا يجب أن تأكل . تحدد شكل التصرفات ، والمحظورات ، والمحرمات ، والقواعد ، والأنظمة ، والجماعات ، و ، و" (مونودراما الرسم بالعهر) تتسم المونودراما بإشكالية كبيرة تتخذ من عوالم البؤس الثقافي مسافة تنظير للخطاب هو الحاجة السيكولوجية لإدماج الذات للقيود السلوكية والعادات  القاصرة والقارة كما يكشف مشهد الأم المستضعفة " على اللوحة ترسم الأمكنة بدون اختيارها ، فتتشابك التفاصيل بلا اختيار منها ، وتحدد فيها زوايا العتمة ، ومناطق الضوء ، ومساقط الحياة ( يتحرك الى طاولة أخرى ، يلتقط فرشاة رسم صغيرة ، يرسم شبح لعباءة امرأة ، بخطوط ضعيفة ) كل ما قد يكون في اللوحة من مواضع الضعف ، وغلبة العاطفة ، ورهافة الحس . عادة ما تكون سببه عباءة سوداء بحجم الأم . عالم مستضعف ، وسط السلطات المتقاطعة في اللوحة" (مونودراما الرسم بالعهر) الأمومة تشخيص من عالم المرأة وحدود مواقعها، تتعدد الثنائيات في مونودراما (الرسم بالعهر) بين الحصر والانفتاح، والموجب الذي ينمو في كنف السالب ويرتفع إيقاع اللغة لتمزيق الكنه المستتر خلف المجهول من عبارة ( العهر) فهل هو العهر القصدي في محيلة المتلقي؟  وما مقصديته؟ وبذلك ندرك خلال عرض فكري كشف عهر يتصل بالسلوك الذي ينمو في وسط غير سليم لكنه يؤثر سلبا في كل موازين الحياة، ومن ذلك تنتمي الايحاءات الخارجية الى العناصر المماثلة لها في الفكر لفتح مجال تكوينيا في تجذيف الحقيقة التي تعبثُ داخل رؤيا العالم.

الأحد، 3 مايو 2020

مسرحية البديل في المسرح الملكي إلفيركيت في ستوكهولم

مجلة الفنون المسرحية 
مسرحية البديل في المسرح الملكي إلفيركيت في ستوكهولم

*عصمان فارس - ايلاف

هذه المسرحية عرضت قبل إغلاق المسارح بسبب جائحة كورونا ، كم نحن نحتاج الى الصبر والتحلي بروح المحبة وعدم إتخاد القرارات الجائرة بحق الاخرين ، وإحترام مشاعر الامومة الحقيقية وهي أساس الحب الخالص والنقي، نحتاج لهكذا نصوص ومسرحيات لتجاوز حالة العنف والرعب . مسرحية البديل تناسب الأطفال من جيل ١٠ سنوات وفوق وتناسب الفتيات والفتيان وتناسب الكبار أيضًا ، تاليف الكاتبة سلمى لاغرلوف ١٨٥٨-١٩٤٠حصلت على جائزة نوبل في الأدب عام ١٩٠٩ شاركت بنشاط في مساعدة اللاجئين . قصة البديل هي قطعة فنيّة من الأدب السويدي ، تعرض لنا شخصية الترول وهو كائن خيالي من الفلكلور والأساطير الإسكندنافيّة . تقول الأسطورة بأن الترول القزم هو كائن صيّاد عادةً ما يعيش في الجبال أو الكهوف في عائلات صغيرة ، وهي كما يصفها الأدب الإسكندنافي كائنات غير مفيدة لبني البشر في الفلكلور الإسكندنافي ، بدأت هذه الكائنات تتخذ صفات خاصة بها، وتُصوَّر في الغالب على أنها كائنات غير مسيحيّة معادية للبشر وتشكل خطرًا عليهم. واختلفت المصادر في رسم صورة الترول إذ يظهر أحيانًا ككائن قبيح المظهر وغبيّ ، وفي أحيانٍ أخرى يبدو ويتصرّف كبني البشر تمامًا. عودةً لقصة البديل والتي تطرح العلاقة بين بني البشر وهذه المخلوقات الخيالية الترول، تبدأ القصة بوصف الكاتبة للصعوبات التي واجهها زوجان آدميّان حتى رُزقا بطفل جميل غالٍ على قلبيهما ، وكيف أنهما خلال تجوالهما في الغابة على ظهر الحصان ، يقع الطفل من يدي أمه على الأرض، فتنتهز أنثى الترول الأم كانت تختبئ خلف الأشجار الفرصة لتبديل الطفل الآدمي بطفلها ، الترول الصغير البشع، وتنتبه الأم البشرية لوقوع ابنها بعد فوات الأوان ، تعود لتبحث عنه، فتجد الترول الطفل مكانه ، قلبها لا يطاوعها بتركه وحيدًا في الغابة ، فتأخذه معها إلى البيت ولا تتوقف عن رعايته ، بالرغم من معاداة الجميع لها ولومهم وتحريضهم على الصغير وأولهم زوجها ، إضافةً للصعوبة في تربية الترول الذي يختلف كثيرًا بطباعه وصفاته عن بني البشر. تواظب الأم على 
الاعتناء بالترول وتعامله باعتباره ابنها الجديد ، ينمو الترول ويكبر أمامها، وولكن قلبها يتمزق بين شوقها وحنينها لابنها الضائع, ولوم زوجها وكلّ من حولها لها على إخلاصها لهذا الكائن، ومرارة حياتها الجديدة وهذا الطفل البشع الأقرب للوحش منه للطفل. تعرض القصة في نهايتها، القدرات الفوق طبيعيّة للترول الأم على معرفة ما يحصل لابنها الترول حتى عن بُعد، وكيف أنها في كل مرة كانت تنوي قتل هذا الطفل الآدمي ، كانت الأم الآدمية تنقذ طفلها من خطر كبير فتتراجع عن مخططاتها ، تتفجّر الأزمة عندما يملّ الزوج من هذه الحياة ويهجر زوجته فارًّا إلى الغابة ، حيث تعطي الكاتبة صورة للأب التقليدي المجرّد من الرحمة ومشاعر الأبوّة ، فيظهر على أنه كائن ظالم وقلبه بارد ، يتخلّى عن زوجته ويتهمها بالإهمال على كافّة الأصعدة فهي تهمل طفلهما وتوقعه في الغابة ، ثم تهتم بالترول وتهمل زوجها والمجتمع بأسره ، عندما تتمرّد على العادات والتقاليد وتتعالى بأمومتها إلى أبعد الحدود . تقول الخرافة أن الأم إن قامت بقتل طفل الترول فسيعود لها ابنها الحقيقي ، وتقول التجارب أنه سيعود ميتًا لأهله فماذا ستفعل؟ وكيف ستتصرف بالمواقف الصعبة التي تتعرض لها ؟ وكيف ستنتهي هذه القصة ؟. قصة مظلمة عن الاغتراب ومحاولة إيجاد الذات بين المتصيدون والناس, ١٣ سنة وصدمة البديل الام مكروهة ومحتقرة من قبل جميع سكان القرية. المزارع الذي ترعرع معه بالكاد يقف لرؤيته. زوجة المزارع التي تحميه لكنها تتوق إلى طفلها الحقيقي الجميل الذي تم استبداله بساحر قبيح وهو عبارة عن قزم
مسرحية البديل من إخراج توبياس ثوريل عمل مخرجآ مابين كلا من الأوبرا والمسرح . في آنا كارنينا ، زفاف فيغارو والكراسي ,البديل هو النص الأكثر شهرة في ترول والناس وأبرز قصة . زوجان شابان يحصلان على ابنهما الصغير مقابل ساحر. يريد الأب أن يترك القبيح في الغابة ، لكن الأم تشفق عليه وتعيده إلى المنزل . الفكرة هي أن الساحر سيبدأ بعد ذلك لإنقاذ طفلها وإعادة الطفل البشري. لكن المرأة ترفض : لم يصب بأذى. مما يجعل الرجل يتهمها بعدم رغبتها في استعادة ابنها. لسنوات عديدة تكافح المرأة من أجل حماية تبادل منابر زوجها القاتلة وازدراء العالم. وأخيرًا ، يجبرها الرجل على الاختيار بينه وبين الساحر ، وعندما لا تستطيع المرأة التخلي عن الطفل ، يذهب الرجل. في الطريق عبر الغابة يلتقي ابنه. أفرج القزم الصبي. لماذا ؟ عندما ضحت الأم بما هو أكثر قيمة بالنسبة لها من الحياة ، ا لا يمكنك أن تأخذ عينيك من حيث تقف هناك في الفتحة على شكل القمر في فستان زهري ناعم ورقيق وشعر متجعد. خلفها تندفع سماء الليل من خلالها ، سيجرؤ التبادل في النهاية على اتخاذ خطوة إلى العالم . وعندما تغني مايا الأغنية الشعبية الجبال والوديان فإن القلب يريد أن ينفجر. هذا هو واحد من العديد من التفسيرات الرائعة في التبادل لسارا بيرغمارك إلفغرين على الدراما الشابة من إخراج توبياس ثوريل
لأنه من غير الممكن لعب البديل تمامًا وفقًا سلمى لاغر لوف قصتها القصيرة ، في حد ذاتها بالفعل في شكلها الأصلي قصة مؤثرة بقوة. يفقد المزارع وزوجته طفلهما عن طريق الخطأ وعندما يعودان لاستلامه وصل الساحر واستبدل الصبي بطفله
إن المغزى من قصة لاغرلوف القصيرة هو القاعدة الذهبية العالمية التي تنص في المسيحية "مهما كان ما يريد الناس أن يفعلوه من أجلك يجب أن تفعله من أجلهم أيضًا". عندما يعامل الآباء البشر الطفل القزم بشكل جيد يشعر القزم بذلك ثم يعاملون الطفل البشري بشكل جيد. عندما تنقذ الأم أخيرًا الساحر من لهيب منزلها المحترق هذا هو الدليل النهائي على حبها الإيثار. وفي تلك اللحظة تتم مكافأتها بعودة طفلها إلى المنزل حتى في القصة القصيرة . هذا غير صحيح في الدراما الشابة هناك أكثر عنفًا وتعقيدًا. تنصح جوما الحكيمة ميا بنسون الآباء المضطربين المحبة بشدة ماريا سالوما والكوليستر أندرياس روثلين سفينسون بضرب طفل القزم بشدة أنه يبدأ في النزيف , ثم هناك فرصة أن يشعر القزم بالذنب والندم ويعود مع الطفل الذي سرقه ,لكن الأم تتوقف عن الإساءة له بأي صورة من صورْ الإساءة
مسرحية البديل
بقلم سارة برجمارك إلفرين
بعد سلمى لاغرلوف
إخراج توبياس ثوريل
السينوغرافيا والأزياء
ماجدولينا أوبري
موسيقى فريدا جوهانسون
تصميم الإضاءة إلين روج
دراماتن ، الفركت
مدة العرض ساعتان مع استراحة واحدة

الترول هم فئة من الكائنات في الأساطير النوردية والفلكلور الاسكندنافي. وصفت هذه الكائنات في المصادر النوردية القديمة بأنها تسكن في الصخور المعزولة والجبال والكهوف ، وهي تعيش معا في وحدات عائلية صغيرة ، ونادرا ما تساعد البشر أو تكون مفيدة لهم. في الفولكلور الاسكندنافي اللاحق، أصبح لكائنات الترول وجودها الواضح في الحكايات، حيث يعيشون بعيدا عن مساكن البشر، وهي ليست مسيحية، وتعتبر خطرا على البشر. يختلف مظهرها اختلافا كبيرا بالاعتماد على المصدر؛ قد يكون الترول قبيحين وبطيئي الفهم، أو قد تبدو أشكالهم وتصرفاتهم مثل البشر تماما دون وجود خاصية غريبة فيهم ويرتبط الترول أحيانا بمعالم وتضاريس معينة ، وفي بعض الأحيان يمكن تفسيرها بأنها تشكلت من ترول تعرض لأشعة الشمس. تم تصوير هذه الكائنات في الثقافة الشعبية الحديثة في مختلف البرامج الإعلامية
يشير مصطلح القزم في الأساطير الإسكندنافية القديمة ، ولكن غالبًا ما يتعلق بالعمالقة. على سبيل المثال ، تسمى الكراهية "لص القمر في السحر". لذلك افترض البعض أن المتصيدون كانوا ببساطة عمالقة من البداية. حقيقة أن القصص عن العمالقة في آيسلندا تذكرنا 
بقصص المتصيدون السويدية تشير إلى ذلك. في نسخ القرن التاسع عشر للحكايات الخرافية النوردية القديمة ، غالبًا ما كان يُطلق على العمالقة المتصيدون. أنه خلال العصور الوسطى ، تم استخدام كلمة القزم لكل شيء من العمالقة والمخلوقات الجبلية ، إلى السحرة ، والدببة ، والخنازير السحرية ، والأشخاص طويل القامة بشكل غير طبيعي واسود ، وأنصاف الآلهة الوثنية ، والروح الشريرة ، والشبح ، أو الشيطان. وبعبارة أخرى ، مفهوم عام لما اعتبر كائنات شريرة يمكن أن يختلف القزم بشكل كبير في الحجم والمظهر والمزاج. في بعض الأحيان قيل أن القزم يشبه إلى حد كبير البشر وأحيانًا مختلف تمامًا. بالإضافة إلى القزم كان هناك عمالقة يعتقد أنهم انقرضوا في جنوب السويد يقال أن المتصيدون انقرضوا وتم طردهم من المسيحية. من الشائع أيضًا أن تكون لديهم قوة خارقة ويمكن أن تكون ضخمة مثل العمالقة. من الشائع في وسط السويد أن يكون المتصيدون متشابهين مع البشر ، وقد يكون من الصعب التمييز بينهم. قد يكون لديهم قوة كبيرة ، ولكنهم أكثر تميزًا بقدرتهم على الاستحضار. إنهم يعيشون في المغارات تحت كتل متحركة أو في الجبال حيث خزنون ثروة هائلة. لقد طردتهم الكنائس والمسيحية من السهل ، لكنهم كانوا لا يزالون يعيشون في الغابات في شمال السويد المتصيدون والعويل ، وهناك مفاهيم في بعض الأحيان مترادفة تم استخدام مصطلح القزم في أماكن مختلفة لكائنات مختلفة ، اختلفت مخلوقات الطبيعة المماثلة الأخرى عن القزم في أنهم أرادوا العيش بمفردهم والعري في البحيرة . يعيش القزم اجتماعيًا ويُنظر إليه على أنه غني بالذهب ، على الرغم من أنه قد يرتدي المنصات. يعيش القزم حياة خارج سياج الكنيسة المسيحية ، وبالتالي فقد اعتبرها ضائعة مع القيم الأخلاقية التي تعتبر بشكل حاد مختلفة قد تكون الأمثلة عند اكتشاف بديل ، أي أن القزم قد استبدل طفله  بطفل بشري. كانت إحدى الطرق لتجنب ذلك هي التهديد بقتل الطفل أو تعميده خاصة أن النساء معرضات لخطر القزم. يمكنهم من بين أمور أخرى المخاطرة بالقبض عليهم . من المسلم به أن هناك فرصة للعودة ، ولكن بعد ذلك تغير الموقف
العقلي. كانت هناك عدة طرق للتخلص من القزم. تم اعتبار أجراس الكنيسة لتخويف القزم ، مثل تور ومطرقته ، وبالمثل يخشى القزم الفولاذ أو الفضة ، لذلك كان من الجيد وجود سكين عند المغامرة في غابة القزم . يبدو أن بعض المتصيدون حساسون لضوء الشمس وقد تحجروا عندما ضربتهم الأشعة وهو ما يفسر سببآ لعدم رؤية الاقزام . ولكن إذا شعرت برائحة الطعام أو التبغ يمكن سماعهم وهم يعملون أو ينادون أبقارهم دون أن يتمكنوا من تحديد مصدر الصوت ، على المرء التمييز بين الكائنات التي تسمى المتصيدون والأشخاص الذين كانوا يعتبرون من السحرة .

*مخرج وناقد مسرحي السويد

قراءة في كناب " المسرح والهويات الهاربة .. رقص على حد السيف " للدكتور خالد أمين

الجمعة، 1 مايو 2020

برتولت بريشت - الشاعر الذي أضاء الزمن المظلم

مجلة الفنون المسرحية

مشهد من مسرحية اوبرا القروش الثلاثة 

برتولت بريشت - الشاعر الذي أضاء الزمن المظلم

برتولت بريشت كان له حضور كبير في العالم العربي في الستينات باعتباره رائداً مسرحياً، غير أن أشعاره ظلت مجهولة إلى حد ما. الآن بات بإمكان القارئ الاطلاع على ترجمة شاملة لأشعاره صدرت حديثاً. ولكن ما راهنية شعر بريشت اليوم؟
برتولت بريشت في شبابه 

برتولت بريشت كان له حضور كبير في العالم العربي في الستينات باعتباره رائداً مسرحياً، غير أن أشعاره ظلت مجهولة إلى حد ما. الآن بات بإمكان القارئ الاطلاع على ترجمة شاملة لأشعاره صدرت حديثاً. ولكن ما راهنية شعر بريشت اليوم؟

لم يؤثر كاتب في المسرح الألماني مثلما فعل برتولت بريشت (1898 – 1956)، ولم يجدد أحد في المسرحيات الألمانية شكلاً وموضوعاً مثلما فعل رائد المسرح الملحمي. لم ينحصر تأثير بريشت على المنطقة الألمانية فحسب، إذ ترجمت أعماله إلى معظم لغات العالم، وكان خلال الأربعينات والخمسينات من أكثر الكتاب حضوراً على خشبة المسرح العالمي. كما كان بريشت - المعروف عربياً بـ"بريخت" - حاضراً بقوة في العالم العربي خلال ستينات القرن الماضي. آنذاك انتشرت ما يشبه "حمى بريشت" في أنحاء المنطقة العربية، فأصابت أكثر من مترجم تنافسوا على نقل عدد كبير من مسرحياته، مثل "الاستثناء والقاعدة" و"دائرة الطباشير القوقازية" و"الأم شجاعة" و"غاليليو". أما مسرحية "أوبرا القروش الثلاثة" فقد تم اقتباسها في أكثر من بلد عربي، ونذكر مثلا مسرحية "ملك الشحاتين" للشاعر المصري نجيب سرور، ومسرحية "عطوة أبو مطوة" للكاتب المصري ألفريد فرج.

قصائد بريشت في العالم العربي
ولكن ماذا عن الشاعر بريشت الذي يعتبر من أبرز الشعراء السياسيين في المنطقة الألمانية؟ لقد توارى بريشت الشاعر في العالم العربي خلف الكاتب المسرحي اليساري، ولذلك تأخر الاهتمام بشعره بعض الشيء. وكان المترجم وأستاذ الفلسفة عبد الغفار مكاوي من أبرز من عرّفوا القارئ العربي بأشعار بريشت، وهو قام قبل سنوات بجمع القصائد المبعثرة في المجلات وأعاد طباعتها في كتاب بعنوان "هذا هو كل شيء"، صدر عن "دار شرقيات" بالقاهرة.

والآن، بات بإمكان القارئ العربي الاطلاع على "مختارات شعرية شاملة" لبرتولت بريشت، صدرت عن "دار الجمل"، وقام بإعدادها وترجمتها عن الانكليزية أحمد حسان. من بين نحو ألف قصيدة اختار حسان 325 قصيدة من مختلف المراحل الشعرية لدى بريشت لتقديمها للقارئ، وهو يقول عن هدفه من هذه المختارات في حديث لـ "دويتشه فيله": "كان هدفي أن أقدم الشاعر كله، بكل اتساع أفقه الشعري. في المجموعة هناك قصائد سياسية مباشرة، وقصائد كفاحية وتحريضية، كما أن هناك قصائد حب وتأمل وقصائد في الطبيعة. كان طموحي هو تقديم مختارات شاملة لبريشت."

"إلى الأجيال المقبلة"
أي زمن هذا
الذي يكاد يُعد فيه الحديث عن الأشجار جريمة
لأنه يتضمن الصمت على العديد من الفظائع؟

بهذه الكلمات لخص برتولت بريشت مأساة جيله، وتراجيديا الشعر في زمن الحرب. استُدعي بريشت للتجنيد خلال الحرب العالمية الأولى، فخدم في مستشفيات الجيش، وهناك عايش عن قرب أهوال الحرب، ومن هذه التجربة نبع رفضه التام لكل الحروب. توقف بعد ذلك عن دراسته في كلية الطب وترك مسقط رأسه أوغسبورغ متوجهاً إلى برلين، عاصمة الثقافة والفن في أوروبا في العشرينات. وفي برلين انطلق نجم بريشت كاتباً مسرحياً، فنشر أول أعماله بعنوان "بعل" عام 1920، وبعد ثلاث سنوات نشر مسرحيته الكوميدية "طبول في الليل" وفيها نقرأ جملته التي وجهها للجمهور بعد ذلك في أكثر من عمل، وهي: "لا تحملقوا هكذا برومانسية." أعقبت ذلك مسرحيات عديدة، منها: "قائل نعم، وقائل لا" و"الاستثناء والقاعدة" و"ازدهار وسقوط مدينة مهاغوني". ولكن سرعان ما يصل هتلر إلى الحكم في ألمانيا، وهكذا تبدأ في حياة بريشت رحلة المنافي التي أخذته من برلين إلى براغ إلى باريس إلى موسكو إلى الدانمرك وإلى السويد. هذه الرحلة المريرة تحدث عنها بريشت في قصيدته المشهورة "إلى الأجيال المقبلة" حيث قال:

"أنتم يا من ستعقبون الطوفان
الذي غمرنا
حينما تتحدثون عن إخفاقاتنا
تذكروا كذلك
الزمن الحالك
الذي أفلتم منه.
فقد مضينا نبدل بلدا ببلد أكثر مما نبدل حذاء بحذاء."

استقر المقام بالشاعر في الولايات المتحدة، غير أن حملة المكارثية طالته عام 1947، فعاد إلى أوروبا، ثم استقر في برلين الشرقية. وفي عام 1956 رحل الشاعر ورائد المسرح الملحمي بعد حياة قصيرة، غزيرة الإنتاج، عميقة التأثير.

قد يبدو شعر بريشت أحياناً سياسياً مباشراً يقف على النقيض تماماً من جماليات الشعر الحديث الهامس، فماذا يضيف إلينا اليوم؟ أحمد حسان يعتبر في مقدمته أن بريشت – رغم كل هذه السنين – "ما زال قادراً على إثارة الدهشة لدى جمهور آخر". وعن هذا الجمهور المختلف يقول في حواره مع "دويتشه فيله": "كنت متهيباً أن يحاكم الناس بريشت قبل أن يقرأوه، لاسيما وأن الاهتمام بالسياسة بات منحسراً الآن بشدة. غير أني لاحظت إقبالاً كبيراً على شعر بريشت من الشبان تحديداً، وهو اهتمام ينطلق من شعره وليس من مواقفه السياسية". هناك أسباب كثيرة تجعل عمل "هذا المبدع الكبير – وفي مركزه شعره – قادراً على البقاء كما تمنى رغم تغير الظروف وروح العصر"، يقول حسان في تقديمه للمختارات، وبترجمته الشاملة يدعو المترجم القارئ العربي إلى إعادة اكتشاف بريشت شاعراً إنسانياً جميلاً.

مصدر النص: dw.de- الإعداد والتحرير: المركز الألماني للإعلام

الخميس، 30 أبريل 2020

مسلسل احلام السنين .. اضاع الحلم الذي كنا نحلم فيه !!

مجلة الفنون المسرحية

مسلسل احلام السنين .. اضاع الحلم الذي كنا نحلم فيه !!

*عدي المختار :


بداية لا بد ان اسجل اعتراضي على مثل هكذا اعمال، لم يجتهد فيها الكتاب والمخرجون العراقيون على طول تاريخ الدراما العراقية، ليخرجوا لنا اعمالاً كبيرة، تبقى خالدة في ذاكرة المتفرج العراقي والعربي هذا من جهة. ومن جهة اخرى لان الدراما العربية اليوم تطورت كتابياً واخراجياً اكثر بكثير من ذي قبل، حتى بات المشاهد العربي لا تهمه مثل هكذا اعمال او تستهويه، وبالتالي في مثل هكذا اعمال ننتجها ونحن نفقد منذ اول لقطة عاملين مهمين (عمل متكامل + تسويق درامي)، ومع هذا لا بد ان يكون لنا راي كمتفرج عراقي، يطمح بدراما عراقية حقيقية، حتى ولو بعد حين. ـ وكجنوبي ـ أرى في مثل هكذا اعمال، اساءة للجنوب.

 المشكلة التي لا بد ان نقف عندها طويلا هي ان كل الاعمال الدرامية التي تناولت حياة اهالي الاهوار في جنوب العراق  لم تخرج من رحم كتاب ابناء هذه المناطق اطلاقا, بل كل الذين كتبوا عنها هم ابناء المدينة الذين يسمعون بها ولربما يزورنها للنزهة احياناً, لم يكن احد منهم ابن الهور ومحنته واحلام البسطاء الفطريين فيه، وهذا ما يتضح جلياً بحكايات المسلسلات واللغة الجنوبية الهجينة التي يكتبها كتاب الدراما، والتي تترنح ما بين لغة الريف والبداوة، وهذا دليل واضح على انهم ليسوا ابناء هذه المناطق، وغير قادرين على تقديم واقعها بشكل حقيقي.

فضلا عن ان من كتبوا هذه المسلسلات، يكتبون بروح المتحضر الناقم على الريف، وتقاليد العشيرة التي يصفونها بلا شعور بالرجعية، لذلك اساء البعض من كتاب الدراما ممن حاولوا الدخول لعالم الجنوب، دون ان تكون رئتهم معبأة برائحة تلك المناطق بشكل يؤهلهم ليكونوا انعكاسا لواقعهم الجميل والمر احياناً, وبشكل او باخر فهم اساءوا للتاريخ الشعبي وتراث هذه المناطق وحقيقة الحياة فيها. ولنا امثلة كثيرة من هذه المسلسلات التي سبق وان انتقدناها ونبهنا صناع الدراما الى ضرورة كتابة واقع هذه المناطق عبر احترام تاريخها وعدم المساس بها لضرورات درامية. هذا لا يعني ان فيها يكمن العدل والخير كله، لا بالتأكيد، لكن ليس بهذا السوء الذي تقدمه الدراما العراقية بمنهجية تخريبية، معلنة تتجدد كل مع سباق رمضان الدرامي؛ فالتوزان الدرامي في خلق صراع حقيقي في الكتابة يجعل المتلقي يفهم ان ليس كل زعيم قبيلة ظالم مثلا؛ فهنالك في القصة زعيم اخر لا يظلم عنده احد، وهكذا, والا انا اسأل سؤالا مهما:اعطوني مسلسلا دراميا واحداً على طول تاريخ الدراما العراقية، قدم شيخ العشيرة كما يجب، وكما هو في الحقيقة: الانسان الحكيم، العادل الذي يفكر طويلا كي لا يظلم؟!

لماذا ما زالت تعشعش في رؤوسنا فلسفة الرقيب التي كانت توجه بضرورة ان يقدم ابن الريف اما مجرما او عميلا وقاسيا، وجب قتله، او مهرجا للضحك عليه على خشبات المسارح؟ هل تحكم اماكن الريف فقط هذه الصراعات المستنسخة من الدراما الصعيدية؟ هل فكر هؤلاء الكتاب يوما بمعالجة قضايا اهم، مثلا الجانب السياسي والنضال في تلك المناطق وقضايا الحب والرصاص، بعيدا عن الاساءة لرموز العشيرة ورجالات الدين؟ طبعا، للانصاف باستثناء مسلسل (سنوات النار) و(امطار النار) اللذين كان فيهما هم حقيقي لابراز تاريخ مهم من حياة الاهوار، ايام النضال السياسي فيه ابان حكم ((البعث)) للعراق.

ولكي اكون موضوعي في الطرح، اسجل هنا ملاحظاتي عن مسلسل احلام السنين، تأليف شوقي كريم حسن، واخراج  علي ابو سيف، وبطولة الكبير محمود ابو العباس، ومجموعة من الفنانين لصالح قناة (MBC عراق)، ورب سائل يسأل لماذا الان التقييم، قبل ان تحط الحلقة الاخيرة اوزارها؟ الجواب هو ان الكتاب واضح من عنوانه لذا اقول:

فيما يخص النص فمع كل احترامي لكاتب العمل الا اني ارى فقرا واضحا للنص، فهو يعكس قصة مملة وفجة، اعتدنا على استنساخها من دراما الصعيد في مصر، والتي يكون فيها العمدة هو الظالم، وهو الناهي والآمر وسط  صراعات كبيرة، الا ان ما يميز دراما الصعيد تعدد الخطوط الدرامية في المسلسل، بعكس ما قدمه لنا مسلسل احلام السنين الذي تدور احداثه في فلك شيخ العشيرة وظلمه للناس, وهنا ووفقاً للدلالات الزمنية المفتوحة للمسلسل، فأن الكاتب وقع في اشكالية كبيرة كبقية من كتبوا عن هذه المناطق، بتقديم شيوخ العشائر كمحور شر وكأنما مخطط له في الدراما العراقية الاساءة لشيوخ العشائر وترسيخ تصور نمطي عنهم لدى المتلقي العراقي والعربي بانهم دعاة شر وظلم (لا حظ ولا بخت)، بلهجتنا العراقية الدارجة. فالشيخ هنا ظالم لا يحترم ابناء عشيرته، ولا رجال الدين حتى. ويمضي خلف نزعاته العدوانية ودائم التقريع للقاصي والداني بالفاظ غير محببة.

وهنا نسأل، أيضا، لماذا يسمى شيخ العشيرة بصاحب (البخت)؟ وعلينا هنا ايضاً ان نوضح: في الحقب الزمنية التي قصدها المسلسل، لا يتسلم المشيخة الا اصحاب العقول الحكيمة واغلبهم كانوا يطلق عليهم (فريضة)، تحل عنده كل المشاكل، فضلا عن ان السيد الذي ينتمي الى آل بيت النبوة (عليهم السلام)، او رجل الدين يكون لدى الشيخ والقرية محط احترام وتقدير، ولا يسير خلف الشيخ في تلك الفترة، بل دائما ما يقدمه الشيخ عليه بالسير او الاكل للتبرك به. والدليل ان نشب صراع ما بين قبيلة واخرى حالما يخرج هو ببيرغه، يقف الرصاص، وهذا متداول الفعل حتى يومنا هذا. لو كان الزمن ما بعد التسعينات، لربما نقول ان السلطة منحت مشيخات لمن لا يستحقها، وبالتالي نعم هناك نوعية من هؤلاء الشيوخ.اما ذلك الزمن الذي قصده المسلسل، فهذا مستحيل، ومن يسمع بالشيوخ الاقطاعيين فليقتفي اثر حياتهم، فهم منحوا مقاطعات من الحكومة آنذاك لزراعتها، ولا يتعدى ظلمهم متابعة الجهد والعمل والتعب دون التدخل في حياة الناس الخاصة. اذن ماذا نكتشف هنا؟ الجواب ببساطة: الدراما العراقية في كل مرة تقدم شيوخ العشائر بطريقة معيبة جدا، لا تليق بهم وبتاريخهم. هذا لا ينفي وجود البعض منهم، قد اساء لمشيخته، لكن تتبعه جيداً، لا تجده ممن تولى المشيخة قديما بل من مشيخات الصدفة التي منحتها السلطة في التسعينات. وكنا نتمنى في كل مسلسل عن الاهوار، ان يعدل الكتاب كفة الميزان، ويطرح شخصيات ـ بالمقابل ـ مختلفة وهذا يعني انها تعطي انطباعا عن ان ثمة شيخا حقيقيا واخر لا، بدلا من النظر بعين واحدة وبأحكام مسبقة عن المشيخة والريف، لا تنسجم مع الواقع الحقيقي لهما.هذا لا ينفي وجود البعض منهم، قد اساء لمشيخته، لكن تتبعه جيداً، لا تجده ممن تولى المشيخة قديما بل من مشيخات الصدفة التي منحتها السلطة في التسعينات. وكنا نتمنى في كل مسلسل عن الاهوار، ان يعدل الكتاب كفة الميزان، ويطرح شخصيات ـ بالمقابل ـ مختلفة وهذا يعني انها تعطي انطباعا عن ان ثمة شيخا حقيقيا واخر لا، بدلا من النظر بعين واحدة وبأحكام مسبقة عن المشيخة والريف، لا تنسجم مع الواقع الحقيقي لهما.هذا لا ينفي وجود البعض منهم، قد اساء لمشيخته، لكن تتبعه جيداً، لا تجده ممن تولى المشيخة قديما بل من مشيخات الصدفة التي منحتها السلطة في التسعينات. وكنا نتمنى في كل مسلسل عن الاهوار، ان يعدل الكتاب كفة الميزان، ويطرح شخصيات ـ بالمقابل ـ مختلفة وهذا يعني انها تعطي انطباعا عن ان ثمة شيخا حقيقيا واخر لا، بدلا من النظر بعين واحدة وبأحكام مسبقة عن المشيخة والريف، لا تنسجم مع الواقع الحقيقي لهما.

وفي الحكاية الفاظ لا تنسجم مع الريف اطلاقاً، فابن الريف في الفترة الزمنية التي حددها الكاتب لا ينطق كلمة (انجب) وخاصة شيخ العشيرة لان كلمة (هوس او اش) كانت تكفي آنذاك لفرض هيبته، التي ترتعد منها القلوب هيبة وخوفاً، فهل هي خطط منهجية لتقزيم رموز المجتمع امام المشاهد العربي؟ اين الكتاب عن اسماء عشائرية مهمة، قارعت الاحتلال العثماني والبريطاني، وكل الحكومات الطاغية على طول تاريخ العراق السياسي المضطرب؟

كما اني اطالب الكاتب بمراجعة موضوع القطار، لسببين؛ الاول، في الفترة الزمنية التي يتحدث عنها، لم يكن هناك قطار في مناطق الاهوار، الا في القرى القريبة من المدن الكبيرة. كما انه لم يطلق عليه عند ابناء الريف بكلمة بل (الريل), والكثير الكثير من الكلمات والاجواء التي غابت عن مخيلة الكاتب، وهو معذور بذلك، لانه ليس من مكة ليدري بشعابها. اما المرأة في الجنوب يا سيدي المؤلف، فلها احترامها الكبير، ولم تهن اي امرأة في تاريخ الجنوب كله في مضيف، كما قدمتها حضرتك، او تجلس في مضيف بفصل. المرأة لها مكانتها وحشمتها, وادعوك الى زيارة الجنوب والعيش فيه لتتعرف إلى نسوة نعدهن علامات بارزة في تاريخ الجنوب والريف، فلماذا كل هذا التقزيم في الدراما العراقية، دوما لرموز الجنوب؟! فأي رسالة تريدون ان تبروقها للاخر عن المستوى الموهوم الذي تطرحونه عن جنوبنا الاصيل؟!وهل تعرف يا سيدي الكاتب مدى التضحيات التي قدمها الجنوب وابناء الاهوار ايام ((البعث)) وايضا في ملاحم الدفاع عن العراق بمواجهة ((داعش))؟! ولو انصت احدكم قليلا خلال التصوير لاستمع الى الانين الموجع الذي كان ينساب من بيوتات الطين التي ودعت احبتها شهداء.    أما الاخراج فمع كل تقديري واحترامي لمخرج العمل، الا اني وجدت الكثير من الهفوات التي لم تخلق المتعة والفرجة الجمالية لدى المتلقي، وهو يشاهد عملا دراميا، لم يأت بجديد في الايقاع والصورة؛ ففي عالمنا العربي بات اليوم كل مخرج له لون خاص في الاخراج، وبتنا نعرف هؤلاء المخرجين من المشاهد الاولى، حتى وان لم نقرأ اسماءهم في تتر المسلسلات. هذا لان المخرج العربي اجتهد كثيراً في ان يضع له بصمة بصرية في اخراج الصورة للناس، حتى انك ترى في كل مشهد من اي مسلسل عربي صورة جمالية او لوحة بصرية، تم الاعتناء بفضائها، لينسجم مع الاداء وعمق الحوار. وهذا ما يغيب عن معظم مخرجينا العراقيين (للاسف).طبعاً باستثناء المخرج الراحل عدنان ابراهيم والمخرج المتجدد حسن حسني، فلهما خطان واضحان في الاخراج، يميزهما عن اقرانهم المخرجين. وهنا لا بد ان اوضح المشاكل التي وقع فيها المخرج بعين المتلقي البسيط:

- غياب تام لملامح المخرج في عملية الاخراج بصورة عامة؛

- رتابة في ايقاع التصوير تصل الى حد التعب وانت تشاهد العمل؛

- فقر تام في المعالجة الاخراجية وخير دليل اخراج مشهد الحريق في الحلقة الاولى مشهد اكل الدهر وشرب عليه؛

- المشاهدة صورت بتكرارية مملة، الفها المشاهد العراقي في اعمال كثيرة اخرى؛

- المشاهد بدت ميتة، لا تنبض بتقنية الصورة، وجمالية المكان ومتعة الاداء؛

- غياب تام لسلطة المخرج على اداء الممثلين وتفاعلهم مع النص وترك الحبل على اجتهاد الممثل، ما اضر بالعمل بشكل كبير؛

- الاستلام والتسليم بين الممثلين في لقطات المسلسل، لم تحمل البساطة والانسجام، وكان الممثل يقول كلمته وكفى او قل غياب الـ(Mix) في الحوارات، مما يجعلك تشعر انك في دبلجة عراقية سيئة؛

- اهتم المخرج بحكاية العمل ولم يهتم بتفاصيل العمل وفضائه العام، فلم يظهر لنا جمالية المكان او حياة الناس، انما اقحمنا مباشرة بالدم والنار والحقد والكراهية، وهو خطأ مشترك، يقع على الكاتب والمخرج معاً.

- لم يستطع المخرج، الوصول للواقع حتى في اللهجة المستخدمة في الحوار؛ ففي الاعمال المصرية تجد مختصين في اللغة الصعيدية يتابعون ويوقفون مشاهد، ويعيدون لقطات على خطأ واحد، وهذا غائب تماما في العمل، ولم يتقن كادر العمل اللهجة باستثناء كل من (محمود ابو العباس – انعام الربيعي – حسين حجاج)، اما الاخرون فكانت اللهجة لديهم تترنح ما بين البداوة والحضر.

خلاصة القول..

تواجد قامات ابداعية كبيرة يتلهف لرؤيتها المشاهد العراقي في الدراما كامثال الكبير محمود ابو العباس وثلة من المبدعين الاخرين ومجموعة من الشباب المبدع الذين فتحت الابواب لهم مؤخرا ونتمنى لهم التوفيق. لم يعصم العمل من الوقوع في حقل من الاخطاء الملغومة التي ذكرناها, لذا كان على القناة وهي خطابها (عراقي – عربي) ان تنتج اعمالاً ترقى للمشاهد العربي كتابة واخراجاً لتكون علامة بارزة بين النتاجات العربية الاخرى، بدلا من اعمال رمضان التي بينت ثمة عقم واضح المعالم في تجديد الرؤيا الدرامية لدى القناة. كما على الكتاب ان يغادروا التعريق الدرامي او الاساءة للبنية المجتمعية فيما يخص دراما الريف لان الضرورات الدرامية، لا تبيح لك المحظورات العرفية، وتشويه تاريخ كبير من الطيبة والفطرة والمواقف والبطولة والشهادة في مناطق الريف، الا ان تعدل في ابراز الخير والشر بمستوى واحد من الشخوص كما ذكرنا انفاً. اما المخرجون فيجب ان يكونوا على قدر عال من التحدي في عملية اخراج عمل ما. اما ان يضاهي النتاجات العربية الدرامية، او الجلوس على التل اسلم.

يا سادة ... ان البنية الاجتماعية العراقية في شتى بقاع العراق في الريف والمدينة في الجبل او السهل وايضا الدراما العراقية، كلها معادلات غير خاضعة للمغامرة غير المحسوبة، اما ان تكون حقيقيا او ان تكون كلماتك خيطا من زيف، استغل في معادلة خفية للاساءة.

للاسف حلمنا كثيراً بــ(احلام السنين) لكنها كانت الاحلام التي اضاعت حلم اهم من كل هذه الاحلام والتمنيات، الا وهو انتاج عمل درامي يليق بالاهوار, لذا نجدد دعوتنا التي اطلقناها سابقا بضرورة وجود لجان في المحافظات لقراءة النصوص قبل ان تدور عجلة التصوير فيها، لتلافي الاساءة لتاريخ هذه المدن. واقولها ـ بصراحة ـ لصناع الدراما ـ كتابا ومخرجين وجهات انتاج ـ كفى تشويها للجنوب وابناء الجنوب بهذا السموم المسماة دراما.

*كاتب ومخرج عراقي

الأربعاء، 29 أبريل 2020

مسرحية " وقوف .. قف " تأليف مجد يونس احمد

الثلاثاء، 28 أبريل 2020

Etienne Decroux و مدرسة التعبير الجسدي

مجلة الفنون المسرحية

  Etienne Decroux  و مدرسة التعبير الجسدي

فريزة شماخ

في الوقت الذي تتقاطع فيه الفنون وتصبح حدودها قابلة للاختراق، وبينما تتعارض و تختلط الاختصاصات  و المذاهب الفنية و الأدبية، تظهر كتابات مسرحية جديدة، من بينها مسرح قائم على لغة الجسد والحركة الدرامية، و التي يطلق عليها التعبير الجسدي، الذي يقدم مجموعة واسعة من الممارسات ذات أبعاد درامية و جمالية مختلفة.
التعبير الجسدي، فن الحركة بدلاً من فن الصمت. فن الممثل بالدرجة الأولى، فحضوره فوق كل شيء، و جسده قبل أي شيء، فهذه هي أداة عمله ودعم صورته وعواطفه.
التعبير الجسدي يعتبر تقنية ومنهجية طورها الممثل والمعلم الفرنسي إتيان ديكروكس Etienne Decroux (1898-1991)،  و تأخذ الجسد كوسيلة رئيسية للتعبير وتفسره على أنه نقطة البداية للخلق ، بهدف "جعل غير المرئي مرئي".  هو إذن نوع مسرحي يستكشف إمكانيات الحركة ، ووضع الدراما داخل جسم الإنسان المتحرك. على عكس البانتوميم ، فإن التعبير الجسدي لا يسعى إلى استبدال الكلام بالإيماء ، ولا يعتمد على الرموز المعروفة لدى الجمهور، بل يستند على القيم الجمالية للمنحوتات والشعر والموسيقى مع دراسة دقيقة للجسم المفصلي ، فهو مستوحى من الحركات اليومية ويعطي الجهد قيمة أخلاقية وجمالية و يمنح الجسم شكل وجودة حركية و فكريه. 
تسمح دراسة التعبير الجسدي للممثل بإظهار فكره من خلال الحركة.  فهو يسعى إلى إعادة بناء جوهر الدراما، لدمج مبادئ الفعل والوضع الدرامي في الجسم. عدم التوازن وعدم الاستقرار، السببية، الإيقاع و تعلم تقنية الجسم : جميعها مفاهيم يمكن أن تمنح السيطرة على الاداء. إن دراسة هذه التقنية تمنح الممثل السيطرة على حضوره، وضعه، حركته و كذلك افعاله على المسرح. كما أنه يضاعف إمكانياته، مما يسمح له بفعل ما يريد وليس فقط ما يستطيع. إنه بهذا باب مفتوح للخيال.
ولد Etienne Decroux عام 1898، وبدأ العمل في سن 13 عامًا، و امتهن عدة مهن فكان نادلا ثم رسامًا، سباكًا ، بناءًا  ...في سن الخامسة والعشرين ، قرر أن يأخذ دروسًا في التمثيل فتوجه الى مدرسة Le Vieux Colombier وتدرب على يد جاك كوبو في فرنسا، من ثم اصبح ممثل سينمائي و مسرحي عمل مع كبار المسرحيين و السينمائيين أمثال أنتونين آرتو ، تشارلز دولين ، لويس جوفيت ومارسيل كارني ... كرس الجزء الثاني من حياته لإنشاء مسرح حيث يكون المؤدي هو المركز وجسده أداة التعبير الرئيسية. ابتكر العديد من الإعمال ، وبحث في تعبيرات الجسد لسنوات عديدة وألقى دروسًا في مدرسة L'Atelier في باريس ، في Teatro Piccolo في ميلانو و أستوديو الممثل في نيويورك .كما أنشأ شركته الخاصة وقام بجولات في إيطاليا وسويسرا وبلجيكا وهولندا والسويد والمملكة المتحدة وإسرائيل.
لدراسة تعبيرية جسم الإنسان، اهتم Decroux بشكل كبير بحركات العمل. يمكن فهم بحثه على أنه تطور وشعرية الإيماءات اليومية للطبقة العاملة ، وتوضيح للجمال الميتافيزيقي للبشرية في حالات بذل الجهد و العمل.

كان Decroux يقول أن العمود الفقري لرجل يعاني من خيبة أمل في الحب مشابه لرجل يحمل كيسًا من الفحم.

من خلال دراسة دءوبة للمفاصل والحركات البشرية، أسس مفهومًا أصليًا للجسد: بالنسبة له، "العمال" هم القدمين والساقين والجذع. هناك يكمن تعبير الجسد وعلامات كفاح البشرية من أجل الاستقامة ، وجهدها الدائم ضد الوزن المادي والميتافيزيقي، وليس في الذراعين أو اليدين أو الرأس. 
التقنيات: 

"التسلسلات" (les gammes): هذه التمارين تقوم على عزل أجزاء مختلفة من الجسم.  وفقًا لـ Decroux  ، يمكن أن يتحرك العمود الفقري "في عارضة" : نتحرك ، على خطوط مستقيمة ، الأجزاء المختلفة من الجسم : الرأس والعنق والصدر والحزام والحوض. "الحلقية" (en retation) : نتحرك ، بإتباع الخطوط المنحنية ، للأجزاء المختلفة من الجسم. "الأكورديون" (accordéon): تنهار أجزاء الجسم المختلفة على نفسها وتمتد بعيدًا عن المركز.
تنقسم هذه اللعبة المفصلية الى عدة تسلسلات  للأمام ، للخلف ، جانبية ، "بالتناوب" و "بالتناوب على مستوى مائل"...
"التماثيل المتنقلة" (les statuaires mobiles) : يشير هذا المصطلح إلى تماثيل اليونان القديمة ، إلى سمو و واقعية مواقفها و إلى خطوط القوة التي تظهرها.

"الهيئة النمطية" (les figures de style) : هذه دراسات موجزة. تجتمع داخل أنماط تركيبات أطول (رسومات ثلاثية ، خطوات ، مفاصل...(
" الخطوات" (les marches) : تضم ذخيرة Decroux مائة خطوة، والتي يمكن اعتبارها اختلافات عن ألاثنتي عشرة خطوة أساسية الموجودة.
"الأوزان المضادة" (les contrepoids) : بالنسبة للعديد من كبار المصلحين المسرحيين ، يمكن اختزال حركة الممثل إلى عملية الدفع والسحب. من هاتين العمليتين المتعارضتين ، أنشأ Decroux أربعة أوزان متضادة: "المقص" (Rétablissement des éléments): هو إزاحة الوزن من خلال حركة فتح وإغلاق تشبه شفرة المقص
"القفز و السقوط على الرأس" (sauter pour tomber sur la tête) : هنا المؤدي يسقط على الرأس من خلال حركة مضبوطة للغاية ،ويعطي انطباع  بالسقوط على شكل حركة البطيئة.
"إزالة الدعم"(suppression du support): وضع الوزن على الساق الذي سيبدو أنه لا يدعم الجسم.
"الامتداد" " (cardeuse):هنا يقوم المؤدي بإزاحة الوزن من خلال حركة امتدادية.
الارتجال: كان Decroux  يقول: "ارسم صورة لرجل مفكر، بعد فترة ، ستصبح فكرة. العاطفة توجه الحركة ، والفكر يولد السكون ". بالنسبة للارتجال ، هذا يعني أنه يجب على المؤدي إسكات الأصوات التي تملأ العقل عندها فقط يمكن ان "يصطدم بفكرة" مرة أخرى. أثناء إتباع المسار الهادئ للفكر، وبينما يكون واع تمامًا ويقظ، يمس الممثل بالتالي سكونا مدهشا لتشبع به حركاته.
التركيبات: من خلال دراسة وكسر وتجزئة أفعال الحياة اليومية، يخلق الممثل حركات و التي، أثناء استحضارها وتكشفها، تبتعد عن فعل البداية. هذه هي الطريقة التي ابتكر بها  Decroux عدة وضعيات منها وضعية "النجار" المشهورة. 
هكذا، أي انطلاقا من الجسد، ومنه فقط، سيجد Etienne Decroux فنه الجديد من أجل إعادة رسم صورة و شكل مسرح الغد. العمل ضخم، حتى انه طوباوي ، ومع ذلك نجح في منح فنه تقنية حقيقية، تقنية ذات مبادئ أساسية مبنية على مفاصل الجسم ، والإيقاع ، والتفسير ، والأوزان المضادة ، لتحقيق الدراما الجسدية القادرة على العودة إلى أصول المسرحية البشرية الأساسية. هذا الفن  و الأسلوب الجسدي جعلا من Etienne Decroux مصدر إلهام للمسرح المعاصر، و أصبحت تقنيته دورة أساسية لأي فنان، ممثل أو راقص يرغب في تطوير إمكانياته الجسدية و إبداعه على الخشبة. 

عند مقهى الوجوديين كتاب جديد عن الفلسفة الوجودية

مجلة الفنون المسرحية


 عند مقهى الوجوديين كتاب جديد عن الفلسفة الوجودية

حمد الزبيدي - تاتوو

صدر مؤخرا كتاب بعنوان (عند مقهى الوجوديين) للكاتبة الانكليزية سارة بيكويل، والكاتبة من مواليد العام 1963 تعمل حاليا في التدريس في جامعة اوكسفورد،يتناول الكتاب الفلسفة الوجودية منذ نشأتها والتأثير الذي احدثته في عالم الفكر،والكتاب الذي صدر ب449 صفحة يحتوي على تفاصيل كثيرة تتناول حياة مفكري الفلسفة الوجودية
وقد ركز على ثلاثة منهم على وجه الخصوص:جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار ومارتن هايدغر
يعود بنا الكتاب الذي صدر في شهر آذار الماضي الى العام 1933 حيث يلتقي ثلاثة اصدقاء في احدى حانات شارع مونبارناس في باريس، جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وصديق قديم لهم هو  ريمون آرون،وعندما كان الثلاثة يتناولون مشروب البراندي بدأ ريمون آرون يتكلم بحماسة مفرطة  عن مفهوم فكري جديد بدأ يظهر في برلين يدعى الفينومنولوجيا (الظواهراتية). ثم ختم حديثه بالقول”وكما ترون إذا كنت  مستوعبا للفينومينولوجيا فيمكنك ان تصنع فلسفة من هذا الشراب) 
كانت هذه العبارة البسيطة هي التي إشعلت فتيل حركة فكرية، وألهمت جان بول سارتر في ان يدمج الفينومنولوجيا  في نظريته الانسانية العقلانية،، وبالتالي يخلق نهجا فلسفيا جديدا تماما مستوحى من موضوعات الحرية المطلقة، والوجود، والنشاط السياسي. هذه الحركة التي ستجتاح نوادي الجاز والمقاهي في باريس قبل ان تشق طريقها نحو العالم باتت تعرف باسم الفلسفة الوجودية.
تفترض المؤلفة في كتابها هذا وجود مقهى يجتمع فيه كبار مفكري الفلسفة الوجودية فهناك يجلس جنبا الى جنب كل من  جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار،و موريس ميرلو بونتي، وألبير كامو، وكارل ياسبرز، ومارتن هايدغر والتاريخ هو بداية الثلاثينيات من القرن العشرين ، وكتابها يطرح أسئلة حول الطرق التي يفكر فيها هولاء الناس،اسئلة عن شخصياتهم وعلاقاتهم مع الآخرين. وكانت إجاباتها تاخذ شكل سرد السيرة الذاتية لهولاء المفكرين، لأن الموضوع الرئيسي لكتابها هي أن الأفكار التي يطرحها المفكرين  في كتب الفلسفة هي أقل عمقا وتوهجا من الحقائق المتنوعة والمتناقضة التي نكتشفها في سيرهم الذاتية.
للكاتبة سارة بيكويل حكايتها الخاصة مع الفلسفة الوجودية،ففي عيد ميلادها السادس عشر قررت سارة بيكويل ان تنفق بعضا من النقود التي حصلت عليها في ذلك اليوم لشراء نسخة من كتاب جان بول سارتر (الغثيان) الذي ألفه عام 1938 وانغمست في قراءة  الرواية ثم ما لبثت ان ادركت انها تنتمي الى فلسفة تدعى الوجودية تتناول مفاهيم مثل الوجود والحرية والكينونة، و راحت تبحث في المكتبات عن الكتب التي تجعلها تفهم هذه الفلسفة بشكل اكثر عمقا
في ثمانينات القرن العشرين سيطرت افكار الحداثة وما بعد الحداثة وكذلك البنيوية على الساحة الفكرية والثقافية  واصبحت افكار الفلسفة  الوجودية خارج الموضة. حينها قررت السيدة بيكويل ان تترك جانبا الأفكارالتي أحبتها وانقضت عشرات السنين قبل ان تقرر ان تؤلف كتابا عن تلك الافكار التي احبتها في سني المراهقة.
"عند مقهى الوجودين”كتاب يقدم نظرة جديدة لتلك الأفكار الوجودية التي يصفها البعض بانها اصبحت موضة قديمة  و الى الوسط الاجتماعي  الذي نمت وازدهرت فيه تلك الافكار. ومنهج السيدة بيكويل في الكتاب  هو منهج تحريضي وغير تقليدي: انها لا تعتبرنفسها عالمة بكل شيء ولا تأخذ دور الناقد،او كاتب سيرة أو مرشد سياحي. انها تبدو كمن عاد إلى هذه الافكار وقام بإعادة قراءتها في فترة لاحقة  من حياته،
عندما قرأت لأول مرة مؤلفات هؤلاء الفلاسفة، كانت سارة بيكويل تعتقد أن كل ما يهمها هي افكارهم:وعن ذلك الامر تقول”لم تكن شخصياتهم مهمة بالنسبة لي؛ كانت الأفكار هي كل  شيء.”ولكنها الآن وبعد ان توافرت لديها الحكمة والمعرفة. فانها وبعد ثلاثين عاما، توصلت إلى استنتاج معاكس"، كما تقول.”الأفكار مهمة، ولكن شخصيات ونفوس اولئك المفكرين اهم منها الى حد بعيد جدا."
لذلك فقد حاولت نسج السير الذاتية والتاريخ الفكري  لتلك المجموعة المتعددة من الأسماء. من بينها: سارتر، سيمون دي بوفوار، ألبير كامو، ريتشارد رايت، هايدغر، موريس ميرلو بونتي، إدموند هوسرل، جان جينيه والكثيرين غيرهم. اما بالنسبة لايريس مردوخ فلم تتناوله الا بشكل موجز. وكذلك الامر مع  فاتسلاف هافل.
ورغم ان الكتاب يعتبر اللحظة التي شهدت  بدء النقاش بين سارتر ودي بوفوار حول  محاضرة مارتن هيدجر الموسومة (ماهي الميتافيزيقيا)في عام 1933 باعتبارها اللحظة التي ولدت فيها الفلسفة الوجودية، لكنه يورد روايات مختلفة لشخصيات متعددة، فنكتشف حينها تواريخ  مختلفة  للحظة مولد الفلسفة الوجودية:، كما إن السير الذاتية لمعظم الشخصيات هنا تكشف عن خلاف في من له قصب السبق  في ولادة الفلسفة الوجودية،  سارتر أم هايدغر، ام كلاهما سوية  - و كل شخصية  في الكتاب لها روايتها الخاصة للاحداث، وقد قامت  الكاتبة  بيكويل بتجميعها بشكل ممتع و ساحر للغاية.
هذا الكتاب مليء  بالتفاصيل الصغيرة عن حياة اولئك المفكرين.والتي قد يفاجأ منها  البعض، فمن يصدق  ان البير كامو كان ذا  شخصية بسيطة، وصاحب روح مرحة"، او ان سارتر كان بارعا في  تقليد الشخصية الكارتونية المشهورة في افلام ديزني البطة (دونالد)
القسم المهم في هذا الكتاب كان من نصيب مارتن هايدغر.. وتتحدث مؤلفة الكتاب  كثيرا عن المنافسة بين  هيدجر و معلمه وزميله في  الفينومينولوجيا، إدموند هوسرل. فهايدغر يصف هوسرل بانه شخص مثير للسخرية. وهوسرل، عندما  يقرأ مخطوطة لهايدغر عدة مرات، تكون هوامشه عبارة عن  علامات استفهام او تعجب”؟"“!”و”؟!"
اما سارتر فقد اخذ الحيز الاكبر من بين الفلاسفة الآخرين في هذا الكتاب لاهميته في صوغ افكار الفلسفة الوجودية،هذه الفلسفة المتميزة في طروحاتها عن الوجود والحرية وعن الحب والعاطفة تلك الفلسفة التي شغلت  سكان باريس اولا وفتنتهم ثم ما لبثت ان انتشرت في العالم،تاركة بصماتها على حركات التحرر في عالم مابعد الحرب العالمية الثانية وكذا تأثيراتها على انتفاضة الطلبة في عام 1968
يروي لنا هذا الكتاب قصة نشوء وتطور الفلسفة الوجودية،ويتجول بنا مابين مفكريها بداية من (الملك والملكة) سارتر ودو بوفوار حتى الحلقة الواسعة من الاصدقاء والخصوم،فنجد فيها البيركامو ومارتن هايدغر وموريس ميرلو بونتي وكثيرين غيرهم،هذا الكتاب رحلة ممتعة وثرية في هذه الحركة الفكرية وبالتنقل ما بين  السير الذاتية لشخصياته وبين  افكار تلك الشخصيات تاخذنا الكاتبة الى جوهر هذه الفلسفة وتعيد طرح اسئلتها في عالم اليوم،من نحن ومن نكون وكيف يجب ان نعيش؟
في عالمنا الذي بات خاضعا للتكنولوجيا بشكل لم يشهد له التاريخ البشري مثيلا من قبل.
تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption