أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الجمعة، 18 سبتمبر 2020

المسرح من التقليدي إلى التجريبي .. في ثبات

مجلة الفنون المسرحية



المسرح من التقليدي إلى التجريبي .. في ثبات

وليد عوني

لكل فيلسوف رؤيته، وفي كل رؤية شيء من الحقيقة، غير أن رؤية ما قد تمتاز عن غيرها، لا فحسب بفضل عمق وخصوبة، وللشمولية ما تصوره، وإنما أيضا بفضل الأسلوب الذي به تصور لنا ما تريد أن تصوره، وهو أمر يتوقف على مدى دقة الرؤية وضبط أدوات الإبصار بحيث يمكن معاينة سائر تفاصيل المشهد الذي نراه، وهي تفاصيل تتداخل فيها الخطوط والألوان والإظلال.
إن هذا التوصيف ليصدق إلى حد كبير على رؤية أرنولد هاوزر Arnold Hauser، وهذا التوصيف بالذات ينطبق أيضا إلى رؤية المخرج أو المفكر المخرج لأدواته المسرحية وخطوط أبعاد إبداعه لتوظيفه الخاص به كفنان يقوم برؤية مسرحية منفردة مجردة من الذي قد سبقه.
وهنا تكمن مشكلتنا في عصرنا الحالي في المسرح المصري، حيث إننا لا نزال نعيش على حدود ما ورثناه في الخط الدرامي للعوامل الاجتماعية منذ نشأته، فقد ورثنا إرثا راسخا في وجداننا وتراثنا لغاية الآن وهي طريقة الإلقاء اللغوي إلى هيكلية الموضوع وإلى نقل الجمال الفني والأدبي في مجتمعنا كما كان عليه لينتقل إلى المسرح بالدراما الخاصة به والكوميديا الخاصة به. 
على أننا لا ينبغي أن نخلط بالمغزى الاجتماعي الأدبي والسياسي للأثر الفني المصري من بداية القرن العشرين، وقيمته الجمالية للحفاظ على أصالته من جذورها. حيث أصبحت الكلمة الشعبية أداة أساسية لمتناول الحوار ومتناول كتابة السيناريو لجميع طبقات المجتمع لتصبح الصلة حميمية في المسرح، فأصبح الجمهور هو أهم من المسرح وأهم من النص. حتى باتت عادات الحركات الجسدية عندنا نابعة من زوايا وخبايا بيئة الشوارع والأزقة والبيوت والعائلة... وهكذا فعلت السينما المصرية وهكذا كتب أدباؤها. كان الشارع والشعب هما القصة تترجم إلى المسرح تنير عقول كبار الكتاب والأدباء والمخرجين ليعطي أداة خاصة للفن المسرحي العميق وعمق رؤيته الشعبية.
إذن، المسرح ولد من الشارع وأتينا به إلى المسرح بواسطة كتاب وأدباء كبار، ومن ثم اتجهنا إلى كبار الكتاب العالميين، وترجمت قصصهم المعروفة والمتحولة إلى لغة المسرح قبل ولادة الرواية من عند “شكسبير” إلى كتابة الرواية عند “برشت” وبدء عصر التحولات في القسم الثاني من القرن العشرين للدراما والكوميديا، وأخذ بعضهم في تغيير المكان والزمان وحتى في النص، واختفت تتابعية الفكرة، فالبداية أصبحت نهاية، والنهاية أصبحت بداية، ودخلنا إلى تغيير صميم القصة الدرامية وتحويلها إلى كوميدي والعكس، وحولنا السياسة إلى كوميديا بحتة.
وفي ثقافتنا قد مصرنا كل هذه التحولات فكاد الأدب الغربي أن يصبح من غير هوية، وكنا هنا في مصر نؤكد على هويتنا المسرحية رغم الدخول إلى  التجريب دون التفكير به، وكل هذا قبل وصول حركة الرقص المسرحي الحديث في العالم في الثمانينيات، ثم في مصر بداية التسعينيات الذي طغى على الكلمة ونشأ مكانه الفكر ورؤية على شكل رموز حياتية لمسرح جديد أعجب به الكثيرون وانزعج منه الأكثر ما بين رقص وإبداع حركي يترجم الحالات المسرحية الجديدة والحياتية. 
وتفجرت آفاق جديدة نحو حلقات متكاملة للعنصر البصري وهي “السينوغرافيا” وتغير معايير هيكلية إضافةً إلى النور، والظل، والألوان، وقد فرض الديكور سيطرته في بعض الأحيان وأصبح أهم من الموضوع نفسه فيذهب إلى تفسير لغة الإبهار بأنه أهم من الكلمة، وهكذا أتى المولود الجديد للفكر الجديد، والتيار الفكري يجمع انعكاس المجتمع لكل ما يحتوي من الأدب والفن السينمائي، والسياسة، والطبقية، والعنصرية، والدين والفنون التشكيلية وكل الفنون وحتى الهندسة والنحت ووضعنا كل هذا في هندسة تكنولوجية الفضاء والفراغ والأشكال المتحركة. 
ذهبنا إلى مزج الأزمنة ومزج التاريخ وإعادة صيغة التقاليد العالمية والمحلية، وجعلنا من السير الذاتية لشخصيات مهمة عادة وعاشت على المسرح تتكلم أو ترقص، وجعلنا كل ما هو غائب حاضرا وأعدناه إلى الحياة بعصره الكامل ولن يعود إلى الموت.
هكذا تجدد المسرح إلى مرتبة أعلى، فلم يعد يخص الإرث الشعبي بل تحول إلى عدة مدارس تخص فقط مدرسة لكل واحد منا مدرسة، المخرج والمؤلف والمصمم، وابتعدنا عن قانون وقواعد المسرح التقليدي، لأن التطور في كل شيء مطلوب والمسرح المصري أيضا لا مهرب وجب عليه التطور ليضع مكانته على الخط العالمي، وحقا تطور بجدارة ولكن ببطء من خلال مخرجين واعدين تناولوا مسيرة ما يحبه الجمهور، وما يطلبه ويحس به الجمهور، من خلال كل المواضيع التي أثبتت من خلالهم ومن خلال المسرح القومي الذي أصبح منارة للمسرح العربي بقوة، وتربعت حرية الفكر والموضوعات الجريئة وفرد أجنحته على انتشار هذا الفكر والأدب في البلاد العربية، واستقطب الكثير من الممثلين والمخرجين والكتاب العرب إلى مصر، وبعدها تعددت المسارح من كل أركان القاهرة.. وهذا التطور المسرحي الدرامي قد تكاثر من الكتاب والمؤلفين والمخرجين رغم مرور البلاد في أزمات سياسية متكررة محلية وإقليمية وعالمية خاصة بعد حرب أكتوبر 1973. 
ويدخل المهرجان التجريبي بقوة في عام 1988 على يد مؤسسه الفنان الوزير الأسبق فاروق حسني، وسطع من خلال هذا المهرجان مخرجون مميزون في مفهوم التجريب، ولكن بقلة حيث أتت محاولات كانت صعبة لمفهوم الانتقال السريع والمفاجئ في المسرح التقليدي إلى صدمة التجريب، مما أثار غضب البعض بتسميته “التخريبي”، رغم المجهود الفكري وطموح شباب ينادون بالتجريب والتواصل مع الخط العالمي ولإثبات الوجود أمام عروض أجنبية حاضرة بقوة من كل مجتمع ومن كل اختلاف المدارس واختلاف قراءة المسرح وجماليات وتحديات والتحرر في الآراء وتفسيرات رمزية اجتماعية بالغة الأهمية.. ورغم كل هذه السنين والأيام المثمرة ما قبل ثورة يناير وما بعدها لا يزال هناك عروض راسخة في التقليد الجماهيري محافظا على الهوية المسرحية المصرية.
 وبعيدا عن الذين أتوا بجوائز المهرجان كان هناك فرق صغيرة مثمرة مختبأة على هامش المهرجان تتجه اتجاها صحيحا نحو التجريب، ولم يهتم بهم أحد ولم تسعَ الحركة الثقافية آنذاك بالتوجيه أو الاعتناء للذين وصلوا لإثبات وجودهم حتى بأعداد ضئيلة رافعين راية التجريب والتطور، فالاتجاه كان فقط للأيام العشرة للمهرجان التجريبي أيام الشعلة المضيئة للاستكشاف لكل ما يقدم، ونيل كل واحد نصيبه بالجوائز للمهرجان. 
 وهذا على الرغم من إصدارات كثيرة وترجمات العديد من الكتب القيمة التي تنير وتنادي بالتجريب لكبار المسرحيين العالميين والعرب من العديد من المحاضرات المكثفة لشرح الرؤية والفكرة والإخراج من مسرحيين عرب وأجانب، فإن كل هذا يُوقف عند انتهاء المهرجان في اليوم العاشر. أما بعد، ماذا يحصل بعد المهرجان؟
كل شيء يختفي ولا يعود هناك أي توجيه فعلي أو متابعة فعاليات أو وضع برنامج ملحق للتجريب على مدار السنة من انعكاس ثقافي واجتماعي أو ورش موضوعية التجريب في ما قدمته عروض المهرجان، فتنطفئ أنوار المسرح بما فيه وتتجه الأنظار من جديد إلى المسرح التقليدي والإرث الشعبي، والأهم هو العودة إلى تشبيع رغبة الجمهور، فيتوقف التطوير الجذري والنظرة إلى المستقبل والفكر المسرحي الحديث يتبخر وندخل في ثبات عميق ولا نستيقظ منه إلا قبل شهرين من المهرجان المقبل وحينها من جديد نطلق العنان فقط لندخل في المنافسة بين فريق وآخر للفوز.
هناك فجوة عميقة زمنية أو حلقة مفقودة تقع لربط مفهوم هذا التطور التقليدي والمسرحي التجريبي، ألا وهي “الثقافة الذاتية” والارتقاء إلى مستوى الشخصي لكل منا والنظر إلى نافذة الغرب مع الاحتفاظ بموروثنا العربي وتحويله إلى الحداثة والتحديث العالمي، مع دراسة الإرث الشرقي وكنوز أدبائنا والذهاب بهم إلى المعاصرة الذي لا مفر منه، والتأكد من أن كل شيء ينبع من الفكر ويرتبط برؤية إبداعية. 
وأشدد على أن يكون لكل مخرج أو مصمم أن يكون له أدواته الخاصة وفكره المرتبط برؤيته الإبداعية ولو حتى للحظات عمله، وأن يتفهم موضوع دراسة السينوغرافيا، الرابط الوحيد لقراءة موضوعه والمترجم الوحيد لحالات الفضاء الذي يحلم به، ليعطي مسرحه لغة خاصة به أيضا ورمزا خاصا به، إن كان حوارا دراميا كوميديا أو مسرحا لغويا، أو مسرحا معاصرا وتقليديا أو رقصا مسرحيا حديثا أو مسرح العبث أو الجماهيري وغيرهم.
أما اليوم حين يطلب مني أن أكون عضوا في لجنة التحكيم ومشاهدة 179 عرضا مصورا منهم 69 عرضا مصريا، أشير إلى هذه النقطة بالذات التي أتكلم عنها، وهى الارتقاء إلى الجديد، إلى الإبداع، إلى التغيير، ولم أجد أي عرض في العروض المتسابقة تحت مسمى التجريب المصري الخاص بلغتنا الشرقية إنما هناك شبه الاتجاه إلى التجريب بل إن هناك سيطرة على أدوات مسرحية جديدة ولكنها ضئيلة.. وليس هناك اعتناء بالسينوغرافيا حيث تبقى الكلمة أو التمثيل هما الأبطال أو أنها نهاية الجملة المكررة هي الدعوة إلى التصفيق لإرضاء الجمهور حيث إن أكثرية العروض تليق بجدارة أن تدخل مسابقة مهرجان المسرح القومي، ممكن أن يكون هناك عروض عظيمة في منتهى البعد المسرحي المصري إن كان بمتناول هيكلية الموضوع والإخراج والتمثيل والسيطرة على الأجواء الكلاسيكية وتستأهل أن تأخذ أعلى درجات التقدير، ولكنه بعيد كل البعد عن معنى أو جو التجريب أو أن يدخل في منافسة المسابقة في المهرجان التجريبي وكأني لا أزال في بداية التسعينيات للمسرح المصري.
في مصر نحن أقوى في مجال المسرح التقليدي، ولا يسعنا إلا أن نطالب ببرنامج توعية شامل للاتجاه إلى المسرح الحديث أو الرؤية الحديثة النظرة الإبداعية لأننا في القرن الواحد والعشرين وكلمة التجريب لم تعد هي الكلمة التي ستغير مجالات الاتجاهات المسرحية، هناك ما قام به خالد جلال في صناعة الممثل في مصر الذي هو بدوره يقوم إلى تحديث نفسه وأن يصبح مخرجا أيضا وليس فقط ممثل أو أنه يتجه إلى السينما أو المسرح أو المسرح التجريبي، ولكن هناك دائما الأساسي والمدرسة. وبدل أن نكون في قوقعة الماضي وتقليد ما قد رأيناه ونعرفه وجب علينا الاتجاه إلى الثقافة العامة والخاصة وعلى كل مخرج أن يكون له سيطرة على شخصية المؤدي وتفكيره ليقدم ما هو عليه وليس ما يعرفه من قبل.
لقد شاهدت عدة عروض شبيهة جدا من بعضها البعض بالنسبة للإخراج والحركة المسرحية وطريقة الإلقاء ومن ثم قراءة المسرح وقراءة السيناريو هي هي، ولسوء الحظ ما يفقد قيمة مسرحنا هو الملل والتكرار والتشابه.
 على الرغم من أن هناك عروضا حية حضرتها كانت في منتهى التجديد المسرحي والتمثيل بدرجات احترافية عالية ونطق لغوي جديد والاعتناء في المكان والزمان واختيار الموسيقى التصويرية. ولكن للأسف الذي يهبط من مستوى الإخراج المسرحي هو الفقر.. الفقر في الملابس والفقر في الديكور والفقر في الإضاءة والإكسسوارات، مما يؤدي ألى أن المخرج يصبح فقيرا أيضا من خلال أدواته الفقيرة في الإنتاج وحيث تصبح الرؤية فقيرة، وإننا هنا نحد من دراسة إبداعه.. فهذه مسئولية وزارة الثقافة أن ترى ولو حتى بالعين المجردة هذه المشكلة والمكللة بالروتينيات البيروقراطية القاتلة لكل فنان أراد أن يحلم برؤيته الفنية على أرض الواقع.
 وأقول لكم بصراحة لولا إمكانيات دار الأوبرا المصرية في أعمالي الكبرى لما وصلت إلى تحقيق هدف تأسيس الرقص المسرحي الحديث في مصر، والارتقاء به إلى مسارح العالم. لا نقدر أن نذهب إلى الجمهور ونقدم له ما يريده أو ما يريد فهمه!! فهذا يؤدي إلى عدم التطور.. إنما يجب أن نجعل الجمهور يرتقي إلينا إلى المفهوم الجديد، وأن نجعله يحلم أو يسعى وأن يطرح علينا الجواب وأن يكتشف الرؤية والإبهار التي قد تكون مخبأة في داخله وتفجر أفكاره التي حركناها نحن المخرجون.
 وهذا لا يحصل إلا إذا “أنت المبدع” لا تفكر إلا في البعد الثالث لقراءة المسرح الجديد. 

--------------------------------------------
المصدر : جريدة  مسرحنا 

“الكل لديهم ساعات لا أحد لديه وقت” مسرحية من توقيع العراقي كريم رشيد

مجلة الفنون المسرحية 



“الكل لديهم ساعات لا أحد لديه وقت” مسرحية من توقيع العراقي كريم رشيد

عبد الستار ناجي – الكويت

مجددا يعود المخرج العراقي السويدي كريم رشيد  للتحليق بعيدا في فضاءات المسرح مرسخا بصمته ومسيرته المقرونة بالتجديد والاشتغال على القضايا والموضوعات ذات البعد الفلسفي وهذة المرة يحط رحاله في عالم مسرح الطفل الذي خبره وعرفه وأجاد العزف على مفرداته ومضامينه. حيث تجربته الجديدة من خلال مسرحية ” الكل لديهم ساعات لا أحد لديه الوقت” فقد قدم مسرح مالمو البلدي في السويد عرضا مسرحيا للأطفال الصغار بعنوان ( الكُل لديهم ساعات لا أحد لديه وقت) من تأليف وإخراج الفنان العراقي كريم رشيد الذي يقيم ويعمل في السويد منذ حوالي ربع قرن.

وعن التجربة الجديدة التي تحصد الاهتمام والرصد والمتابعة والتحليل يقول د . رشيد كريم :

هو نتاج بحث في إمكانية تقديم عروض مسرحية فلسفية وتجريدية للأطفال وتحديد الفئات العمرية المناسبة لذلك والى أي حد يمكن أن تكون تلك العروض تجريدية بعيدة عن سطوة الخرافات وقصص الحيوانات ومسرحيات الوعظ المباشر.

ويستطرد كريم : بدأت كمؤلف وكمخرج التعامل مع  هذا المشروع بتكليف من إدارة المسرح في منتصف العام الماضي 2019 في الاشتراك في ورشة عمل تدريبية  لمدة أسبوعين بعنوان ( ممثلون مؤلفون ) ضمت فنانين معنيين بمسرح الطفل من سبعة دول مختلفة هي النرويج ، الدانمارك ، السويد ، أوغندا ، النيبال ، بوركينافاسو والصين .


ويقول : في تلك التجربة تم  تبادل الخبرات المتعلقة بمسرح الطفل في ثقافات متنوعة ومواجهة الأسئلة المعاصرة في حياة الأطفال . قامت بعدها وبصحبته فريق عمل من مسرح مالمو البلدي ضم دراماتورج وكوركراف وفنانة مويسقية وتروبيين متخصصين بعمل عدة ورشات تحضيرية مع الأطفال الصغار كان الهدف منها التعرف على ما يعنيه الوقت عندهم وماهي نظرتهم وشعورهم عندما يتعرضون للضغط النفسي الذي يواجهه الأباء والأمهات بسبب ضغط الوقت.



 ويستطرد مولف ومخرج المسرحية الفنان كريم رشيد : وبعد هذه الورش قامت بكتابة مسرحية  ( الكل لديهم ساعات ولا أحد لديه وقت) التي تبحث في سؤال فلسفي من بين الأسئلة الفلسفية الكثيرة التي تدور في أذهان الأطفال. ماهو الوقت ، لماذا يكون سريعا أو بطيئا، هل يمكن لنا رؤية الوقت، لماذا هو غامضا ومتنوعا ؟ متى ينتهي ومتى يبدأ ؟ لماذا يشعر الكبار دوما أنهم على عجل ؟ هل يمكن حقا توفير الوقت؟ هل الوقت يمشي أم يزحف أم يطير كما يقول الكبار؟ هل هو ثقيل أم خفيف ؟  هل يمكن رؤيته  أو الإمساك به ؟  هل هو ذاته موجود هنا وهناك وفي كل مكان ؟ أين يذهب الوقت كل يوم، هل يمشي بمسارات مستقيمة أم دائرية ؟  هل يمكن أن يكون هناك عالم بدون ساعات ماذا يحصل للوقت حينها وكيف يكون شعورنا به؟ هل يمكن الوصول الى عالم لا يضطر فيه المرء الى الركض واللهاث المتواصل ؟ كيف تنتقل عدوى الضغط النفسي من الكبار الى الأطفال؟ وهل يمكن لنا أن نعيش بدون ساعات؟ وغيرها من الأسئلة الفلسفية التي تم دراستها وتحليها لتكون قريبة من وعي وادراك الطفل.

ويتابع الفنان كريم رشيد : قُدم عرض الافتتاح في مسرح الاستوديو يوم 4 سبتمبر ويستمر لغاية 3 أكتوبر بواقع عرضين مسرحيين يوميا مع اقبال كبير من قبل دور رعاية الأطفال بحيث تم حجز جميع العروض لمدة شهر كامل وحسب العدد المحدد من قبل هيئة الصحة العامة.  

عن فريقه الفني يقول : ضم فريق العمل الكوركراف : ليديا واس ، ومصممة الملابس ساندرا هارلدسن ، دراماتورج فيليسيا آوليه ، تقنيات الفيديو والموسيقى جون كولون ، أضاءة سفين أيريك آندردسون .

تمثيل : سيلان ماريا بوداك راش ، آلكس ناكي ، ميثينه ونكتراكون .


وعن ردود الأفعال التي حصدها العمل قال المؤلف والمخرج كريم رشيد :

حظىي هذا العرض باهتمام الصحافة المحلية السويدية فكتبت جريدة ( سكونا داك بلادت ) في عددها يوم 5 سبتمبر قائلة:

(( إنه عرض الأفكار الكبيرة والصغيرة عن مفهوم الوقت الذي شغل الذهن البشري … لكن هل يمكن حقا أن نتحدث عن مثل هذه المفاهيم التجريدية الصعبة للأطفال الصغار بعمر ثلاثة الى خمسة سنوات؟ الإجابة نعم بالتأكيد فالأطفال كما الكبار يتأثرون بالوقت ويتحسسونه حتى لو أنهم لم يدركوا أبعاده .. الوقت مفهوم مرن للغاية يتشكل حسب أحاسيسنا كما هو العرض المسرحي الكل لديه ساعات لا أحد لديه وقت، عنوان عبقري يقدمه هذا العرض الذي يمتد ويتقلص ويدور ويقفز مصطحبا معه الجمهور في كل هذه التحولات، ويلهمنا مادة للتفكير بماهية حقيقة الوقت ، الوقت الذي لايمكن لأحد أن يكون كبيرا جدا عليه أو صغيرا جدا عليه )).


وتابع :

 فيما كتبت صحيفة ( سفينسكا داك بلادت ) الواسعة الانتشار في السويد عن هذا العرض قائلة :

(( يتناول المؤلف والمخرج كريم رشيد في هذا العرض أحد القواسم المشتركة في حياتنا جميعا كبارا وصغارا ، إنه الوقت الذي نخضع له جميعا، حتى الأطفال الصغار سرعان ما يتعلمون من الآباء المسرعين والمضغوطين بعامل  (السترس ) معنى الإسراع لأن الوقت يمر بعجل. ولكن ماهو الوقت؟ هل يمكن لنا الأمساك به وإدراكه؟ بصحبة تلك الشخصية المسرعة والقلقة  دوما ( مُسرع السريع ) يبحث طفلين صغيرين عن أرض كل الأوقات، هناك حيث لا يضطر أحد الى القلق والعجلة ولا يصاب الأهل بالهلع من الوقت وهم يضطرون الى الإسراع  الى رياض الأطفال لجلب أطفالهم في اللحظات الأخيرة من الدوام الرسمي . لكن الأطفال يتساءلون أيضا إن كانوا يريدون حقا البقاء هناك في بلاد كل الأوقات والى الأبد ؟

------------------------------------------------------------

المصدر : القدس 24

الطليعة في المسرح / سعاد خليل

مجلة الفنون المسرحية


 الطليعة في المسرح / سعاد خليل

ان اغتصاب الخيال من مجتمع ما ، هو رهان مؤكد علي ياس وضياع وخضوع هذا المجتمع ، فالخيال قوة مجيء المستقبل ، وحرية الخيال هي الضمان الحقيقي لقدرة مجابهة المجتمع لكل قوي التزمت  والقهر  طاقة  حمايته من الوهن .
والفنون عموما وعبر مسيرة تطورها هي مشروع تمرد الانسان في مواجهة الانحطاط ، كما انها هي التي تمنحه امكانية صياغة اماله ومخاوفه ، باعتمادها علي الخيال : مملكة التصورات التي تعد الشرف الشعري للإنسان.
                             الدكتور فوزي فهمي

منذ زمن بعيد جاء هرقليطس بمفهومه الفلسفي الذي يقول : ان كل شيء موجود وغير موجود ايضا ، لان كل شيء يجري، كل شيء في تغير مستمر، في صيرورة وانتهاء دائمين ..
والانسان باعتباره كائنا ذا عقل يكون في تجديد مستمر وبحث دائم عما يمكن ان يفتح امامه طريقا اخر لمعرفة اسرار الحياة والوجود ذلك لأنه في عالم الصيرورة لا في عالم جامد ، وعليه فان معرفة الانسان تتطور باستمرار وتتبدل ، وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ يكون الانسان متجددا، أي يعتبر ان معرفته ناقصة ولم تكتمل ، ولهذا فهو دائم البحث عن التجديد والابتكار .
المسرح ايضا دائم في البحث والتجديد والتجريب واستحداث المدارس الفنية المختلفة التي كانت تعبر عن روح العصر اينما  وجدت والتي تعتبر تطور تاريخي في ارضية  الفن  ومفاهيمه المسرحية . ان الفن وحسب التعريف الفلسفي له فهو ليس مجرد مظهر للحياة بل هو عامل يؤثر فيها  لأنه يشكل بنية فوقية ترتبط ارتباطا بالحياة الاجتماعية  والاقتصادية التي يعيشها المجتمع فهو يعبر عن مفهوم للعالم لكل الطبقات ..وفي التعريف الفلسفي للطليعة ، فهي مصطلح ادبي يتمثل في الخروج عن حدود المعيار الاجتماعي وخصوصا في المسرح فهو يشير الي الاعمال التجريبية او المتجددة.
.لقد تناولت العديد من المقالات عن المسرح الطليعي لعدد من الكتاب وكانت اغلب مرجعياتهم الي كتاب المسرح الطليعي ( تأليف كريتوفر انيز والذي ترجمه سامح شكري وصدر عن اكاديمية الفنون ويضم 490 صفحة  بكل الشروحات والاستدلالات بدراسة دقيقة عن الاعمال المسرحية للعيد من الكتاب والمخرجين الذين قدموا اعمالا لها الطابع الطليعي . وفي هذا المقال سأستعين انا ايضا بهذا الكتاب كمرجع لهذا المقال .
في مقدمة هذا الكتاب المسرح الطليعي يعرف المؤلف هذا المصطلح بقوله : انه مصطلح الطليعة Avant Garde اصبح مصطلحا له حضوره الواسع حتي انه بات يلصف وبشكل انتقائي باي نمط من انماط الفن يناقض ما هو تقليدي من حيث الشكل ، وفي ابسط معانيه  يؤخذ المصطلح احيانا باعتباره وصفا لما هو جديد في زمن ما،، وذلك الجديد الذي يمثل ابعد حد يمكن ان تصل اليه التجربة الفنية ، وهو الحد الذي يصبح موضع تقادم باستمرار بالنسبة الي الخطوة التالية المجاوزة له . الا ان مصطلح الطليعة ليس مصطلحا حياديا من الوجهة القيمية كما يوحي الاستخدام السابق بذلك ، فهو بالنسبة للنقاد الماركسيين من امثال جورج لوكاش اصبح مرادفا لذلك الانحطاط الذي يعد عرضا ثقافيا لحالة الخمود التي يتمخض عنها المجتمع البرجوازي .
والطليعة بالنسبة للمدافعين عنها والمتبنيين لها هي الضرورة الحتمية في كل فنون عصرنا ، ذلك ان العبقرية الحديثة هي عبقرية طليعية في جوهرها .
وترجع هذه التسمية وهي استعارها باكونين من مصطلح عسري وجعلها عنوانا لجريدة لم تستمر طويلا وكانت هذه الجريدة تتميز بنزعة فوضوية معادية للحكومة  والتي كان ينشرها في سوسيرا عام 1878،  ان مصطلح طليعة لم يستخدم كإشارة الي الفن الا من قبل مريدي باكونين وتلاميذه  الذين كانوا من خلال تثويرهم  لجماليات  الابداع فكان هدفهم طرح تصور مسبق لثورة اجتماعية .
يوضح هذا الكتاب القيم ان الفن الطليعي مازال يتسم باقترانه بتوجه سياسي راديكالي ، واذا كان الفن الطليعي يستشرف مستقبلا ثوريا فقد كان بالدرجة ذاتها يقف موقف العداء من التقاليد الفنية سواء ارتبطت هذه التقاليد بالأجيال  السابقة او ارتبطت بالحضارة المعاصرة ذاتها ، ان توجهات الفن الطليعي باعتبارها جميعا كلا كبيرا تبدو من الخارج وكأنها اجتمعت  علي   رفض المؤسسات الاجتماعية والمواضعات الفنية الراسخة والوقوف موقف العداء من العامة ( باعتبارهم ممثلين للنظام القائم ) .
ورغم ذلك فبعض الجماعات الفنية الصغيرة المنعزلة بل المعادية لبعضها البعض قد تتبني برامج وتوجهات ايجابية .
وهكذا نجد ان الفن الحديث يتصف بالتجزؤ والتشيع ويلازمه اصدار البيانات جنبا الي جنب مع العمل الابداعي والفن  الحديث هكذا انما يعبر عن ذلك التعقد الشديد الذي يتصف به المجتمع بعد الصناعي وذلك من خلال مجموعة متعددة من الحركات  الفنية سماتها الدينامية واللاثبات وتبني مقولات وتجريدات فلسفية وهكذا تعددت المصطلحات والتوجهات التي تعبر عن هذه الحركات ما بين رمزية ومستقبلية وتعبيرية وشكلانية وسريالية .
ولعل ما يحدد ملامح هذه الحركة الطليعية وهو امر يتسم بالمفارقة ليس السمات العصرية الواضحة المتمثلة في النزعة التكنولوجية التي سات في العشرينيات ثلا وكان من نتاجها مفاهيم وافكار مثال الحلات الحلمية ومستويات القل الباطن والغريزة الخاصة بالنفس البشرية وكذلك التركيز علي الأسطورة والسحر بشكل شبه ديني وهو الامر الذي ادي في المسرح الي التجريب علي الطقس والصياغة الطقوسية للعرض المسرحي ، ويتواشج هذان الجانبان ليس فقط من خلال هذا المفهوم الذي وضعه يونغ والذي يري فيه ان كل اشكال الاسطورة تتواجد في اللاوعي كتعبيرات عن انماط نفسية اصلية وانما يتواشج هذان الجانبان ايضا من خلال تلك الفكرة القائلة بان التفكير الرمزي الذي يقوم علي خلق الاسطورة انما يتقدم علي كل من اللغة ولتفكير الاستطرادي باعتبار انه يكشف عن جوانب جوهرية في الواقع يصعب الاحاطة بها من خلال اية طريقة اخري .ان هذان الجانبان يمثلان صياغتين مختلفتين للهدف ذاته الا وهو العودة الي جذور الانسان سواء كان من خلال النفس البشرية ذاتها او عبر مرحلة ما قبل التاريخ وينعكس هدا علي المسرح بالعودة الي الاشكال الاصلية مثل الطقوس الديونيسية في اليونان القديمة والعروض الشامانية  والدراما الراقصة الخاصة بجزر البالي .
ولكم ما تتميز به الدراما الطليعية جنبا الي جنب  مع نزوعها الي ضد المادية والي بوليطيقا ثورية هو تطلعا الي ما هو مفارق والي الروحي بالمعني الواسع ، وفي هذا السياق يبدو لنا زعم انطونين ارتو بما اسماه بالمسرح المقدس وهو زعم تلقفه بعده العديد من فناني الطليعة ، ان اخرهم موراي شافر امرا كاشفا . كذلك يري علماء  الانثروبولوجيا وعلماء الاعراق اننا دائما  بإمكاننا ان   نري ونتلمس ذلك العنصر البدائي خلال منظومة الثقافة الغربية المعاصرة ، الفنانون المبدعون وحدهم هم الذين يعيدون تأويل هذه النماذج الاولية ويوظفونها لأغراض مغايرة لطبيعة الثقافة الاصلية ولكن هذا الاهتمام يعتبر بدائي في الثقافية الغربية من جانب الدراما الطليعية فهو اكثر من مجرد افتتان مظهري بما هو مستغرب او ما هو همجي، فالنزعة البدائية في الدراما الطليعية كما تدلنا علي ذلك مصطلحات من قبيل “المعمل المسرحي والتي ذاع صيتها في الستينات والسبعينيات تتواشج مع تجريب جمالي يهدف الي الاستبقاء بالتقدم التقني  للفن المسرحي . وهكذا نجد ظهور النزعات البدائية وكذلك نظريات نقدية من قبيل نظرية الأدب الكرنفالي لميخائيل باختين والتي تقترح اشكالا فنية تجسد ما هو فوضوي  وايضا تجسد الثورية الكامنة في احتفالات الحصاد الخاصة بالزراعة عند قدماء الرومان والكرنفالات الشعبية في العصور الوسطي وهذه الاشكال الفنية تعد جميعا بمثابة بدليل للنماذج  الجمالية الثابتة والمحدود في الوقت الحاضر  كل هذه المظاهر البدائية  والتي كانت تشمل التقنيات الطقوسية والتراث الشرقي القديم والمهجور والحالات الحلمية والصور السريالية او محاولة استشارة العقل الباطن لدي المتلقي حتي ان حدود المسرح الطليعي اصبحت غائمة ومن ثم فمن الصعوبة تحديد حركة المسرح الطليعي جزيئا
يقول كريستوفر اينز في كتابه ان عناصر الفن الطليعي ظهرت في نماذج من المسرح التجريبي فنجد ان بعض تعليقات و.ب. ييتس تعكس بشكل تام ذات توجهات هذا الفن ، فهو يقول لقد طالما شعرت ان اعمالي ليست بالدراما ولكنها طقس  ، انها درما تعبر بشكل مباشر عن تهويمات النفس ، عن حديث الروح مع ذاتها ، كما ان بيتس اخذ عن المسرح الياباني النو استخدامه لعناصر السحر والحركة ذات الصياغة الطقوسية التي تعد كلها من العناصر المميزة للفن الطليعي وكذلك نزعته الصوفية لها ما يماثلها من سمات هذا الفن
تعد  بعض الاعمال لصمويل  بيكيت في استخدامها للرمزية والسيكودراما علي صلة بالفن الطليعي كما يتبدى لنا ذلك في تجريد بيكيت مسرحه من كل تعبير مستهلك رغبة منه في خلق صورا اختزالية .
ان  التيار الرئيسي  في المسرح الطليعي لا يمكن تحديده بمجرد وجود سمات اسلوبية مشتركة وان كانت هذه السمات شديدة الوضوح انما يعد المسرح الطليعي في اساسه توجها فلسفيا فأعضاء هذا المسرح يربطهم توجه معين ازاء المجتمع الغربي ، كما يربطهم توجه جمالي خاص ، ورغبة في اعادة صياغة طبيعة العرض المسرحي ، وهذا كله انما يشكل ايديولوجيات متميزة يتسم بها المسرح الطليعي ، ومن ثم فانه علي الرغم من وجود مشابهات  اسلوبية بين اعمال كاتب رمزي مثل بيتس و اخر وجودي مثل بيكيت وبين كتاب سرياليين مثل كوكتو وبريتون اوعبثي مثل اداموف وكاتب دي نزعة جينية مثل ت س اليرت علي الرغم من هذه المشابهات فان جوهر فن هؤلاء جميعا انما يتناقض في اساسه عن النزعة البدائية الفوضوية والبوليطيقا الراديكالية للمسرح الطليعي .
ان الحركة الطليعية في المسرح نجحت من خلال شيبارد ومنوشكين وويلسون في التعامل مع المسرح التقليدي الرسمي ، وجعل المبادي الطليعية القوة الدافعة وراء  مسرح التيار السائد المعاصر ، فخلال السبعينيات والثمانينيات اصبحت النزعة البدائية ايضا تشكل جانبا من جوانب الثقافة المسرحية بوجه عام وعليه احرزت انتشارا استثنائيا من خلال تجارب المجددين التي عبر عنها العديد من الفرق المختلفة .واختصارا لكتاب يضم  الصفحات التي تجاوزت الاربعمائة وتسعون صفحة كما نوهت في البداية:  هي دراسات وابحاث تضم اسماء وفرق مسرحية منذ تأسيسها ومنهجها وعروضها حاولت ان اختصر القليل جدا عن المسرح الطليعي والكشف عن الصيغ الطليعية الثلاث التي اتخذتها الفرق الصغيرة ذات الطباع الانتقالي من خلال ثلاثة امثلة لفرق مسرحية تتشابه في توجهها وهدفها مع كل الفرق المسرحية الأخرى التي ظهرت علي مدار العقود السابقة وهذه الفرق الثلاث التي اخترناها هو توجهها المتطرق الذي يبرز السمات المختلفة فيها. فالفرق الاولي التي تعبر عن التوجه الطليعي هي فرقة الاله المتوحش لجون جولياني التي زعمت انها تمثل هذا الاتجاه المسرحي الذي يمجد المشاركة ويعلي من الظاهرة المسرحية باعتبارها عملية وذلك عوضا عن الملاحظة السلبية ويعلي من الظاهرة المسرحية باعتبارها عملية ،عوضا عن الملاحظة السلبية والنظر الي الظاهرية المسرحية باعتبارها منتج نهائي ، اما التوجه الطليعي الثاني فنجده في اعمال رالف اوتيز والتي تتميز بصياغة مبادي ارتو ، اما النزعة الغرائبية التي تنطوي عليها اعمال فرقة أوبرا كومباني فهي تمثل التوجه الطليعي الثالث.
باختصار ان حركة الطليعة برزت اثناء الحرب كونها نوع وتغيير من التجريب وهي كما ذكرنا تتعارض مع ممع لسياسات الاجتماعية المتقلبة فهي مرتبطة بأدائها ورافضة المألوف والتقليدي  ، ولها القدرة علي تفعيل الفرجة الممتعة وتقديم النصوص بشكل يغوص في عمق فكرتها ، أي هي مسرحا متمردا ورافضا .
كتاب المسرح الطليعي : تاليف كريستوفر اينز ترجمة سامح فكري/أكاديمية الثنون
----------------------------------
المصدر : رأي اليوم 

الخميس، 17 سبتمبر 2020

صدور مجموعة (قصة حب وثنية) ضمت سبعة نصوص مسرحية تأليف سعد هدابي

مجلة الفنون المسرحية


صدور مجموعة (قصة حب وثنية) ضمت سبعة نصوص مسرحية تأليف سعد هدابي

 عبد العليم البناء :

عن دار نيبور للطباعة والنشر في العراق صدر للكاتب المسرحي المبدع سعد هدابي مجموعة مسرحية جديدة ضمت سبع نصوص مسرحية: ( الوقاد )، (شرفات)، (أرواح جائحة)، (النباشة)، (نساء في عاصفة)، (صهيل)، (قصة حب وثنية)، والأخيرة حملت المجموعة إسمها، حيث يجترح هذا الكاتب المعطاء في سرد مسرحي شفيف يغوص في موضوعات إنسانية تصلح للمحلي والعربي في آن واحد، لما إنطوت عليه من صراع درامي جوهره الإنسان أينما يكون حيث الهموم والألأم والآمال المشتركة، ولهذا ليس غريباً أن إثنتين منهما قدمتا على خشبة المسرح العربي وهما نصا: (نساء في عاصفة) في المغرب وكانت من تمثيل رميساء أوشنوك وأميمة كزبر ومن إخراج عزيز اشنوك، ومسرحية (صهيل) في فلسطين من تمثيل وليد ابو جياب وإخراج أسامة مبارك.
وفي هذا السياق نغوص في مديات سريعة للسرد الدرامي لهذه النصوص وأولاها (قصة حب وثنية)، فهي - حسب الكاتب سعد هدابي - مسرحية تتناول حياة (صفوان) الذي يعيش مختبئاً داخل قبو مع فتاة صماء بساق واحده تصنع الدمي القماشية بماكينة حياكة تدعي (ياقوت)، وفي حوار جدلي عبثي يقص لها صفوان قصته العبثية كقصة آدم علي الأرض، فتراه يذكر في حواره أنه قريب الشبه للقرود وكيف أن إختلافه عن هذه القرود كان سبباً في مطاردته من هذا الرجل أو الحاكم ،الذي يسيطر عليها وأنه ينتظر الإعتقال لكنه يسعي أولاً أن يصنع عكازاً لـ (ياقوت) يشبههما ويختلف عن هؤلاء المنافقين الذين باعوا أنفسهم ولا يستطيعوا الرجوع في بيعتهم أو استبدال البيع،  لتنتهي قصة الحب الوثنية بالهًرب داخل وعاء كبير يشعل فيه صفوان عوداً من الكبريت لتنتهي رحلة العذاب والإمتهان.
أما في مسرحية (أرواح جائحة) وهي تدور أحداثها في ظل جائحة كورونا، سنجد أن البطلين قد عصفت بهما متغيرات الواقع وأكل من جرفهم حتى صارا لا يعرفان بعضهما، إنهما إخوان ولكن حبراً على ورق لأن من أنجبهما هو الواقع وليس رحم الأم التي ما عادت تشكل رابطاً انسانيا في علاقتهما، فهما بلا جذر باعدت بينهما الظروف ثم جمعتهما في ظل (جائحة كورونا) .. والحجر الاجباري
في حين في مسرحية (النباشة) يورق الرمز في ما كان راسباً في قاع البطلة (رملة) وهي تحلم بزوجها أن يعود من الحرب التي لا تنتهي في رأسها، هي مع ابنتها  تعيشان في أطراف المدن وتتملان في نبش القمامة من أجل رغيف الخبز، وتحلم في اللحظة التي تعانق فيها زوجها لنكتشف في النهاية أن الزوج يعود هارباً من المصح وأن الحروب كانت تسكن رأسيهما.
 أما مسرحية (صهيل) فهي مونودراما تغازل الواقع عن كثب، إنها رحلة الإنسان المقهور الموجع  داخل رحلة قدرية بعد أن طحنت الحروب والأزمات أيامه واستباحت وطنه، فما كان منه إلا أن يسعى الى أن يحمل معه كتباً تحمل تاريخ جذوره وانتمائه. كان يبحث عن هدنة مع من حوله عسى أن يرمم ماتساقط من حياته وتاريخه وغده المثخن بالمجاهيل، ليصدم عبر رحلته بعد أن قاده العطش الى (بئر) هذه البئر هي المنفى ليوسف هذا الزمان. يوسف الذي تخلى عنه إخوته وسعوا الى قهره وضياعه  ليجد أن هنالك اكثر من يوسف ينوء بقهره، الجريمة ذاتها مازالت تطارد من هو حقيقي يسعى الى أن يعيش حراً ومعانقاً السلام .. فيصرخ صرخة كونية، لماذا في كل زمان ومكان هنالك يوسف، وهنالك قطيع من إخوة يقتفون أثره للإطاحة به.
وفي مسرحية (نساء في عاصفة) تتوقف المسرحية عند حكاية إمرأتين حاملين محكوم عليهما بالإعدام لحظة أن تنجبا، فتعيشان محنة الصراع بين القادم من الأحياء وإغلاق سجلهما عند المقصلة.
أما مسرحية ( الوقاد ) فإنها حكاية الأمس وتدور أحداثها حول قصة واقعية لفتاة أعدم إخوها في احداث عام 1991 ودفن في منطقة الحفار، فما كان منها اأا ان تنكرت بملابس الحطابات وذهبت لجلب جثة أخيها ودفنها في حديقة بيتهم سراً...
وفي مسرحية (شرفات) يعود بنا الكاتب الى جائحة كورونا عبر شرفات المساكن، والحجر الصحي، فتتحول العلاقات الى مجرد (دمى) تتنفس التحجر وتذوي علاقاتها الإنسانية فلم تعد تشعر بوجودها الآدمي...
الجدير بالذكر أن المجموعة الأولى للكاتب سعد هدابي كانت تحت عنوان (أبصم بسم الله) وصدرت عام 2018 عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار في 120 صفحة، وضمت نصوص: (أبصم بسم الله)، (بنيران صديقة)، (ذات دمار)، ( كوليرا )، (العباءة)، ( حدث غداً )، (رماد).ودارت في فلك الطلعات والهموم الأنسانية بقواسمها المشتركة التي تميز عادة نصوص هذا الكاتب الذب بات أحد أيقونات التأليف المسرحي عراقياً وعربياً.

الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

أدارة مهرجان عاشوراء لغة السلام الانساني للثقافة والفنون – اونلاين تكشف عن لجانها والاعمال المشاركة

مجلة الفنون المسرحية


أدارة مهرجان عاشوراء لغة السلام الانساني للثقافة والفنون – اونلاين تكشف عن لجانها والاعمال المشاركة

العراق – خاص

كشفت اللجنة العليا لمهرجان عاشوراء لغة السلام الانساني للثقافة والفنون – اونلاين 1442 هــ/ 2020 مــ عن لجانها كافة والاعمال المشاركة في المهرجان بمشاركة دول (العراق - ايران - السعودية - فرنسا - غينيا - فلسطين - البحرين - الكويت - مصر - سوريا - المغرب – تونس) .

وذكر البيان الصحفي الصادر عن ادارة المهرجان : ان عاشوراء لغة السلام الانساني للثقافة والفنون – اونلاين 1442 هــ/ 2020 مــ الذي يأتي استجابة لوصايا المرجع الاعلى سماحة السيد علي السيستاني (دام ظله الوارف ) في احياء محرم الحرام من البيت لهذا العام بسبب جائحة كورونا وينظمه محترف ميسان المسرحي وبالتعاون مع منصة المسرح theater. Tv , قد شكل لجان خاصة لادارة كل محاور المهرجان (مسرح -  تشكيل – انشاد – سينما – نص مسرحي – ندوات فكرية ) .

واضاف البيان : تشكلت اللجنة العليا للمهرجان والمتمثلة بالذوات الابداعية , الفنان الكبير محمود ابو العباس – رئيس اللجنة التحضيرية العليا , الكاتب والمخرج عدي المختار- رئيس المهرجان , والسينوغراف علي محمود السوداني – مديرا فنياص للمهرجان , والصحفي محمد الحسناوي – مسؤول العلاقات والاعلام , فيما تألفت لجنة المشاهدة والفرز من الذوات الابداعية , الدكتور حسين علي هارف – رئيسا , الدكتور احمد شرجي – عضوا –سكرتيرا , الدكتورة خلود جبار – عضوا , ميثم البطران – عضواً , الكاتب حيدر عبد الله الشطري الشطري – عضوا , حسام العلي – عضوا .

واشار البيان الى ان لجنة البحوث والندوات الفكرية تألفت من الذوات الابداعية , الدكتور مهند العميدي- رئيساً , الدكتور حميد صابر- عضواً , الدكتور سعد عزيز عبد الصاحب-       عضواً , الفنان التونسي حافظ خليفة – عضواً , الدكتور كاظم نوير – عضواً , الناقد المصري حسام الدين مسعد – عضواً , الشيخ عقيل الحمداني – عضواً , الفنان صادق مرزوق – عضواً , فيما تألفت لجنة النقد من من الذوات الابداعية, الدكتور جبار خماط – رئيساً , الدكتور حسين علي هارف – عضواً, الدكتور ياسر البراك – عضواً, الدكتورة منتهى طارق- عضواً ,ظ الدكتورة ايمان الكبيسي – عضواً , الدكتور مصطفى الشوكي – عضواً, الناقدة اطياف رشيد – عضواً , الناقدة غفران ال ياسين – عضواً.

وتابع البيان : فيما فيما تألفت لجنة التحكيم من الذوات الابداعية, الدكتور حميد صابر – رئيسا , الدكتور محمد كريم – سكرتيرا,الدكتور كاظم نوير  عضوا, الفنان التونسي حافظ خليفة – عضوا – الناقد المصري حسام مسعد – عضوا ,المخرج السينمائي صباح رحيمة – عضوا , الكاتب المسرحي سعد هدابي – عضوا , الفنان علي الرسام – عضوا .

واوضح البيان : ان الاعمال المقبولة في محور العروض المسرحية (10) اعمال هي ,مسرحية ( خصيب ) توليف و اخراج عباس جاسم من العراق , مسرحية (العاقبة) تأليف عدي المختار واخراج مهدي عبد الله من السعودية ,مسرحية (تراتيل رأس الشهيد) تاليف عمار نعمة جابر و اخراج مهدي الاجاني من السعودية, مسرحية (سليل الانبياء ) اعداد وإخراج عبد الله احمد آل عاشور من السعودية, مسرحية (نور على السنان )تأليف عبد الله محمود واخراج سيد ماجد السيهاتي من السعودية, مسرحية (العطش بتوقيت الكوفة)  إعداد و إخراج عبد الحسن نوري من العراق , مسرحية (ليلة ضياع الشمر) تأليف عدي المختارو إخراج فضل الله عباس من العراق , مسرحية (كربلاء أنطقتني )  تأليف و اخراج  جابر حسن من البحرين , مسرحية (رمال من جهنم ) تأليف عمار نعمة جابرو اخراج سيد أحمد النمر من السعودية ,مسرحية (أم حسبتم؟) تأليف محمد سعيد و اخراج  حسين علي العامر من السعودية , فيما كانت العروض الشرفية (3) عروض هي , مسرحية ( خاصرة ) تأليف واخراج عدي المختار من العراق , مسرحية ( اوبرا عاشوراء ) تأليف واخراج بهروز غريببور من ايران , ومسرحية ( عمود 313) تأليف واخراج حيدر عبد الله الشطري من العراق , وابريت ( وحسينا ) تأليف الشاعر نصير هاني الجشعمي واخراج علاء الباشق من العراق .

ومبيناً اما محور السينما فقد تم قبول (13) فلما هي , فلم (نفوس مطمئنة) من العراق  , فلم ( ادم ) من المغرب , فلم ( حشد الحسين ع) من العرق , فلم ( فنسنت قبل الظهر) من فرنسا ,فلم (ضياع ) من العراق ,فلم (عندما تؤمن ) من فلسطين , وفلم ( وجع بصمت ) من العراق , وفلم ( تك تك ) من العراق و فلم ( الى المجهول ) من سوريا , فلم ( نقطة مواجهة ) من العرق , فلم ( ملائكة الرحمة ) من العراق , فلم ( عودة الروح ) من العراق , فلم ( امتداد) من العراق , وفي محور الاناشيد تم قبول (5) عمال هي , انشودة ( اوبريت كربلاء) العراق , انشودة ( ضريحك مفزعنا) العراق , انشودة ( ياهل العالم ) البحرين , انشودة ( رحماك) الكويت , انشودة ( انني العباس ) العراق .

مشيراً, وفي محور النصوص دخلت للمنافسة (6) نصوص هي , نص ( النورس ) للكاتب علي حسين الخباز من العراق , نص (مأذنة واجراس ) للكاتب جاسم المنصوري , نص ( طريق التضحيات ) للكاتب مالك الزهيري , نص ( مواسم العطش ) للكاتبة سحر الشامي , نص ( ترانيم الحرية ) للكاتب عمار الياسري , نص ( مشهد مسرحي ) للكاتب مرتضى الشويلي , فيما دخلت للمنافسة في محور الفنون التشكيلية لوحات للفنانيين العراقيين ( كريم محمد – صباح شغيت – عباس العلاق – رياض كاظم – جاسم محمد الفضل ) .

يذكر ان كل المشاركات ستتنافس على جوائز , جائزة الشهيد عبد القدوس قاسم لافضل ثلاث عروض مسرحية بالاضافة للجوائز الفردية , وجائزة الكاتب عادل كاظم لافضل ثلاث نصوص مسرحية , وجائزة المصصمة العالمية زها حديد لافضل ثلاث لوحات تشكيلية , وجائزة الشهيد علي المياحي لافضل ثلاث افلام سينمائية بالاضافة للجوائز الفردية , وجائزة الرادود الكبير جاسم النويني لافضل ثلاث اناشيد , وجائزة الشهيد علاء مشذوب لافضل ثلاث بحوث .















مسرحية «قصر السعادة»ّ : «الحقيقة وجيعة.. الحقيقة تحب قربان من الدم» عرضت ضمن أيام المسرح بتطاوين

مجلة الفنون المسرحية



مسرحية «قصر السعادة»ّ : «الحقيقة وجيعة.. الحقيقة تحب قربان من الدم» عرضت ضمن أيام المسرح بتطاوين

  مفيدة خليل  - المغرب 

يسكننا الوهم وندعي أنه الحقيقة، جميعنا مزيف، أفكارنا زيف يشبه الحقيقة، آراؤنا أوهام ومدرستنا تقدم السراب وأساتذتنا

يوزعون الوهم بتعلّة انه الحقيقة ، مجتمع مسكون بالزيف والخداع وعادات بالية تكبل الحالم وتشده إلى «السيتام» و منظومة بحث مهترئة ومنظومة صحية جدّ بالية والضحية هو الإنسان، المواطن الذي لازال يريد أن يحلم في بلاد «القد قد» هذا ما تخبرنا به أحداث مسرحية «قصر السعادة».
«قصر السعادة» مسرحية من إخراج نزار السعيدي وتمثيل كل من جمال ساسي وانتصار العيساوي وآمال كراي وحمودة بن حسين وعلاء الدين شويرف وفاطمة عبادة أما السينوغرافيا فهي لصبري العتروس، والكوريغرافيا لملاك زويدي، والموسيقى والتدريب الصوتي لرانيا الجديدي وهي عمل نقدي يعرّي المجتمع ويضع الانسان امام مرآة الحقيقة..
المسرح مواجهة للحقائق الصادمة
خطوات الممثلين تصنع موسيقى العرض، ضربات الأقدام على الركح تتماهى مع الانفعالات النفسية للشخصيات، كلما زادت الضربات في القاعة كلما عبروا عن وجع اكبر وظلم اشدّ، «قصر السعادة» مسرحية تشرّح ظاهرة الإدمان تعري بؤس المنظومة السياسية والإدارية في تعاملها مع موضوع بمثابة السوس الذي ينخر العائلات، مسرحية تكشف عن سذاجة البحث الأكاديمي وانغلاقه على نفسه أمام الحالات الاجتماعية والعمل الميداني.
«قصر السعادة» مسرحية تكشف اللثام عن هشاشة المنظومة التعليمية التي تكتفي بـ«صب جملتين وعاودهما» ولا تنبته للتلميذ، مسرحية تتداخل فيها المواضيع وتتشابك الأفكار والاطروحات الفنية، عمل يشبه النار التي تخرج من جوف الممثلين في شكل جمل قاسية وحركات عنيفة تحاول أن تهزّ المتفرج وتدفعه علّه يستفيق من سباته واستسلامه للأوهام.
يضعنا العمل في مواجهة الحقيقة ومحاولة معرفة الأوهام المحيطة بنا في مجتمعنا التونسي «أنا وهم تلميذ ناجح وأنت وهم باحثة اكاديمية مميزة وذاك وهم فنان صوتو مسموع وتلك وهم إدارة تراعي مصلحة المواطن» جميعنا يسكننا الوهم نعيشه ونلبسه كما الحقيقة «الوهم تربحوا نهار إلي تملك سر الكلمة» كما جاء في نص المسرحية، على الركح تبوح الارواح بوجع من جرّب الإدمان مرة ليسقط في دوّامته.
على الركح عرّى الممثلون أوهامنا وادعاءاتنا بامتلاك الحقيقة، فهل مؤسساتنا الصحية مجهّزة لنتحدث عن صحة عمومية ؟ (حتما لا وأزمة الكوفيد أثبتت ذلك؟) هل أن النقابات تفكر في مصلحة العامل والمؤسسة؟ هل أن الإدارة العمومية تعمل لمصلحة المواطن والدولة؟ ما الذي يدفع بالآلاف إلى مغادرة البلاد خلسة؟ ما الذي يدفع الكثيرين الى طريق الادمان؟ واسئلة اخرى تطرح على الركح، يطرحها الممثلين بكل جرأة في عمل يشبه العملية الجراحية يفتح الجسد المنغلق على ذاته ويبدأ الجراحة حدّ للوصول الى العضو المقصود لإزالة العلة والوصول الى الحقيقة «الحقيقة وجيعة، الحقيقة ليعة تحب الدم».
المسرحية: دراسة سوسيولوجية ونفسية لظاهرة الإدمان
«قصر السعادة» عنوان رمزي يحيل إلى السعادة الوهمية التي يشعر بها المدمن، السعادة الوهمية التي يعيشها الباحث بعد انهاء بحث اكاديمي متعاملا مع الانسان كرقم وحالات، السعادة الوهمية التي يشعر بها الأب بعد أن يخطط لأبنائه مسار حياتهم متناسيا إرادتهم ورغبتهم.
«قصر السعادة» مسرحية تنقد ظاهرة الإدمان تضعها على الركح وتقدم دراسة سوسيولوجية لتشريحها والبحث عن اسبابها، فالشخصية المحورية أستاذة علم اجتماع (انتصار عويساوي) تنجز أطروحة الدكتورا عن الإدمان، تطور الحالة المهنية وتتمسك ببحثها الميداني لتدخل في علاقة تفاعلية مع المرضى ومن هناك تبدأ القصص المتشعبة.
في المسرحية تُنقد المنظومة التربوية لأنها في جزء منها تدفع التلاميذ إلى الإدمان، شخصيات التلاميذ الهشة أمام نماذج دراسية متشابهة لا تعول على ذكاء التلميذ انما تجعل الجميع متشابهين «انتم تلوجوا عالقشرة وناسين اللب»، المنظومة التعليمية القديمة تزعج الأستاذ لأنها تضعه في خانة الآلة فهو مقيد بضرورة تقديم مواد ودروس لا تنفع التلميذ ولا تشجعه على التفكير والخلق وتقلق التلميذ أيضا لأنها تكبّله، لتكون النتيجة البحث عن السعادة خارج أسوار المؤسسة التعليمية وكأنناّ بالمسرحية تنبّه لمزيد الحرص ومراجعة ما يقدّم للتلاميذ وإصلاح العلاقة المتشظّية بين الأستاذ والتلميذ لإنقاذ جيل الغد «شبيّب» ولد غدوة وتونس مستحقاتو».
«قصر السعادة» دراسة سوسيولوجية دقيقة للإدمان، على الركح يقدم انموذجين للمدمنين «شبيب» (علاء الدين شويرف) و«عجوز» (آمال الكراي) تتبع الباحثة تفاصيل علاقاتهم وتغوص في العائلة لتكشف عن العنف الذي يسكن العائلات والتشظي مما يجعل الانسان فريسة سهلة للادمان، صراع الوالدين في حالة «شبيب» والخط المستقيم الذي اختاراه ليعيش داخله، و الفقر و العنف في الحالة الثانية كانت نتيجته الادمان.
«شبيب» و«العجوز» في المسرحية إحالة على الشعب التونسي فجميعنا مغيّب طوعا وقسرا، جميعنا مدمن، كل تختلف وسيلة إدمانه من المخدرات الى العادات والتقاليد إلى الدين الى المجتمع كلها اسباب تغيب انسانية الانسان ووعيه وتجعله يعيش بعقلية القطيع ويطمس فكره وعقله.
«قصر السعادة» عمل يشرح ظاهرة الادمان ويحاول تقديم الاسباب الكامنة خلفها، على الركح تميز الممثلون، «الجنود» فكل منهم تقمص أكثر من شخصية ولكل شخصية تركيبتها النفسية المختلفة عن الأخرى، على الركح تميزت انتصار عويساوي بروح محاربة فالشخصية تتطلب الكثير من الطاقة الجسدية والنفسية، علاء الدين شويرف كان أداؤه مختلفا والشخصيات تقمصها بكل حرفية واقنع الجمهور، والممثل التلقائي حمودة بن حسين له كاريزما مميزة على الركح وللممثل جمال ساسي حضور يشبه الميزان يعدّل الطاقات المهدورة و الانفعالات التلقائية والممثلة امال الكراي محترفة تتقن جيدا المرور السلس من شخصية العجوز المدمنة الى المحامية الشامخة، وفاطمة عبادة تالقت في شخصية فتاة الهوى وكان أداؤها صادقا جدّا صادق، جنود الركح اختلفت أدوارهم لكنهم قدموا عرضا تميز بالحرفية والصدق امام جمهور صعب في تطاوين، وحاولوا الحديث عن الحقيقة الموجعة واتهموا الدولة بالتقصير في معالجة الادمان والحد من دخول الادوية المخدرة الى تونس.

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2020

مسرحية «الشافي والعافي» اخراج كمال الصغير في اختتام أيام المسرح بتطاوين: بين المال والسياسة تضيع إنسانية الإنسان

مجلة الفنون المسرحية



مسرحية «الشافي والعافي» اخراج كمال الصغير في اختتام أيام المسرح بتطاوين: بين المال والسياسة تضيع إنسانية الإنسان

  مفيدة خليل  -  المغرب 

المسرح مسارح والمسرح وسيلة للنقد وتعرية المجتمع وعلاته والكشف عن «الزيف السياسي» المنتشر في هذا البلد، المسرح فرصة

لقول الحقيقة وتوجيه المواطن ليعرف حقوقه ويكتشف هو اخر نقائصه وهنّاته وضيق افق تفكيره، المسرح فعل متمرد ومشاكس هكذا هو المسرح مع «الشافي والعافي» لكمال الصغير التي قدمت في اختتام مهرجان ايام المسرح بتطاوين.
المسرحية من تأليف أنيس حمدي وإنتاج شركة «تاكابس للإنتاج المسرحي» بدعم من وزارة الشؤون الثقافية وهي مقتبسة عن رواية «Bouvard et Pécuchet» للكاتب الفرنسي «غوستاف فلوبار» (1821 - 1880) الذي توفي قبل أن يجعل لها نهاية، وقد نُشرت بعد وفاته  وقد تونسها انيس حمدي وصاغ لها نهاية وهي من تمثيل ناجي القنواتي وانيس حمدي وهاجر غرس ومحمد البرهومي وغسان مبارك.
الركح فضاء للبوح
تعددت المواضيع المطروحة في المسرحية، يبدأ العمل في شكل أروقة يقسمها الضوء الممثلون ينظرون إلى الخلف، تتحرك الأجساد متسارعة في تماهى مع النوتات الموسيقية المرتفعة، طريقة الوقوف كانها تطرح اسئلة الى ما ينظرون؟ لماذا تلك الوقفة؟ لماذا اختاروا عدم النظر الى الجمهور اولا؟ وبتقدم الأحداث تقدم إجابات عن الاسئلة المطروحة فهم ينظرون الى باب الانسانية المفقودة يبحثون عنها في الظلام علّهم يجدونها وسط الفوضى والتطور التكنولوجي السريع.
«الشافي والعافي» هو اسم العمل وهو اسم الشخصيتين المحوريتين التي تدور حولها وبهما احداث المسرحية، لكن بقية الشخصيات من صنع الأحداث فالمسرحية تكشف الزيف بين الظاهر والباطن وتدعو الى مزيد التمعن في الحقائق الظاهرة، فما خفي عادة هو الحقيقة وليس ما يظهر للناس.
«الشافي والعافي» (ناجي القنواتي وانيس حمدي) رجلان يتشابهان، في طريقة التفكير في طريقة الحياة كلاهما يعيش بمفرده، جمعتهما الحياة صدفة في خضّم رحلة البحث عن سيارة تاكسي، يتعارفان، تتحول الصدفة الى لقاء قهوة فدعوة الى البيت فحديث حدّ ان تصبح القصة صداقة جمعت رجلين انهكتهما الحياة وصراعاتها، ووسط الكثير من الحكايات تصل برقية إلى الشافي «ناجي القنواتي» تخبره انه وريث عمه وورث منه الكثير من الأراضي لتتحول الاحداث من شقة الشافي الى ضيعة كبيرة في ريف جميل ومن هناك تبدأ رحلة اخرى بمعاناة مختلفة.
«الشافي والعافي» أنموذجين عن الإنسانية، كلاهما يحمل داخله قلبا نقيا وحبا للحياة، مغرمان بالشعر والمسرح و الفلاحة البيولوجية، المال وسيلة لمساعدة الدولة ومحاولة اصلاح ذلك الريف البعيد والمساهمة في توفير كل الضروريات ليصبح اجمل، لكن «الماكينة» لا تريد ذلك، فالمؤسسة الحزبية والسياسية والرأسمالية ممثلة في المعتمد وسيدة الأعمال وأحد العملة يريدون المال فقط لإنجاح أعمالهم الخاصة وتبييض موقفهم الحزبي متناسين حاجيات الناس والريف، ومن هنا يحدث الشرخ بين الحلم والواقع، بين الانسان والانتهازي، فالشافي والعافي انموذج عن التونسي الصادق المحب لوطنه والفنان الحالم والانسان العامل الباحث عن الافضل لمدينته فبلاده، لكنّ المنظومة اشد قساوة والمنظومة هدفها سياسي حزبي ومصلحة خاصة على حساب مصلحة الوطن.
الهزل نقد والجد مشاكسة
السينوغرافيا عنوان لقوة العمل، المخرج أحسن توظيف الموسيقى في المسرحية فكانت دافعا لإمتاع المتفرج و تسهيل الانتقال من مشهد إلى اخر، اختار المخرج ان يكون العمل في شكل مشاهد يفصل بينها بإيقاع موسيقي يشبه الركض وكأنه انتقال سريع من مرحلة الى أخرى ومن فكرة إلى أفكار أخرى.
الموسيقى تتماهى مع ضجيج السيارات وسرعة الناس في أعمالهم وحياتهم اليومية، جميع الأحداث تدور في مربع وضع باللون الابيض على الركح هو محور القصص وخارجه تختلف الأحداث وكان بالمخرج يحدد فضاءاته المكانية والفكرية.
«الشافي والعافي» هو الاسم العربي للعمل ويقابله بالفرنسية ratage وتحيل الى معجم الكذب والزيف، وعلى الركح يكتشف الجمهور الكثير من الكذب الذي يميز المجتمع التونسي في تعامله مع الاخر والدولة، المسرحية هزلية مضحكة لكنها ناقدة ومشاكسة، عمل ينقد المعاملات وينقد علاقة التونسي بوطنه.
على الركح محاولة لتشريح كذب السياسيين في وسائل الاعلام وتزلفهم للأحزاب وانبطاحيتهم امام الناخبين فقط ليصوّتوا لهم قبل العودة إلى حقيقتهم «وانتهازية وانانية وخدمة الحسب لا الدولة»، نقد لأصحاب راس المال الذين يسعون وبكل السبل للحصول على المشاريع والصفقات باسم خدمة المجتمع المدني وبمجرد الحصول على صفقة او مشروع تكون النتيجة الكثير من الفساد وللتونسي في الطرقات والتجهيز والبنية التحتية ابرز مثال، فالمسرح فعل نقدي هو مشاكسة للسلطة والمجتمع والمواطن علّه يستفيق من أحلامه وصمته ويطالب بحقوقه.
«الشافي والعافي» عمل مسرحي يجمع الكوميديا والتراجيديا، مسرحية تنقد الكثير من العلاّت الموجودة في المجتمع التونسي، فالثنائي بنزوله إلى الريف محملا بالأفكار والحب والرغبة في التغيير يتعرض إلى الكثير من الزيف والكذب من قبل المحيطين، فالمعتمد يدعي انه يحب الشعر فقط ليوفر الدعم المادي للانتخابات و مدام لبيض تدعي اهتمامها بالمسرح والفلاحة البيولوجية لأجل الحصول على نسبة من الأموال لأجل مشاريعها الخاصة، والعامل هو اللعبة التي يقع تحريكها، فالمسرحية تضع المواطن أمام لعبة سياسية علّه يستطيع فك شيفرات اليومي ويفهم ما تخفيه كلمات السياسيين.
«الشافي والعافي» صراع الانسان لأجل البقاء وصراع المواطن الصالح مع منظومة فساد، هي قراءة مسرحية للمشهد التونسي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، عمل يفككك المنظومة ويسلط الضوء على الحقائق المخفية، عمل نقدي ومشاكس يدفع المواطن للوقوف امام ذاته ليسائل نفسه ويسالها ما الذي قدمته لوطني؟ هل أن الحب والعاطفة دليل على وطنيتي؟ ولماذا اصدق السياسيين وأعيد انتخابهم وهم يقدمون نفس الخطاب دون منجزات؟.
علي اليحياوي مدير مركز الفنون الركحية:
التظاهرة خطوة جريئة للتأسيس والحلم
«الحياة تتواصل والحلم يتواصل أيضا، يجب ان نواكب أنشطتنا وننجز الفعل الإبداعي لتجاوز الخوف والرعب، ففي حالات الحرب أيضا كان هناك إبداع مسرحي، نريد زرع بذرة ثقافة الفرجة في تطاوين» هكذا تحدث علي اليحياوي مدير مركز الفنون الركحية والدرامية بتطاوين، الذي لبس قبعة الفنان والمسرحي طيلة المهرجان، من حيث حضور كافة العروض والالتزام بالنقاش ومحاولة جلب الجمهور بعيدا عن قبعة المدير ويضيف محدثنا «المهرجان كان في لحظة ما مغامرة، لان الوقت جد حساس مع الظرفية الصحية الموجودة لكننا اكتشفنا جمهور متعطّش للنشاط الثقافي».
وبخصوص اختيار العروض يقول اليحاوي «نحن لم نختر العروض إنما العروض الموجهة لتطاوين من قبل ادارة المسرح فقط حرصنا على اختيار اجودها والتزمنا بتقديمها في ظروف تحترم الفنان والمتفرج، لتكون هذه الدورة خطوة ثابتة للتأسيس، هي دورة تأسيسية تجريبية، جربنا تفاعل الجمهور واحتياجات المتفرج للمادة الثقافية وهي أرضية لندرس الدورة القادمة واحتياجات مدينتنا للفرجة، ومن المؤكد ان الدورة المقبلة ستكون أكبر كما ستكون هناك دقة في اختيار العروض وانفتاح على التجليات الفنية الأخرى مثل الموسيقى والأنشطة الفكرية والنقد، وسيكون للاطفال نصيبهم في المهرجان وسنقدم لهم ايام المسرح بتطاوين للأطفال، فمن حقنا الحلم ومن واجبنا الدفاع عن أحلامنا ليكون لتطاوين قاعدة جماهيرية مسرحية» على حد تعبيره.
دورة أولى كسبت الرهان جماهيريا
أيام المسرح بتطاوين لبنة أخرى للإبداع تجربة أخرى تضاف للمشهد المسرحي بالجنوب التونسي، تظاهرة في دورتها التأسيسية ولدت من الفراغ وفي ظرف وجيز، المميز في التظاهرة القدرة على جلب الجمهور فعادة اغلب العروض المسرحية خارج تظاهرات معينة تكون محدودة العدد لكن أيام المسرح بتطاوين استقطبت عدد محترم من الجمهور أولا، والجمهور ازداد من عرض إلى أخر.
النقطة الثانية هي انجاز النقاش والتفاعل مع العرض، في اليوم الأول كان عدد المناقشين قليل جدا لكن مع تقدم العروض تضاعفت الأعداد وأصبح للجمهور رأي وموقف وتجاوز الساعة من الزمن أحيانا وهو ما يؤكد اهتمام المتفرج بالفن متى سنحت الفرصة

محمد جمعة : تقديم مسرحية "علاء الدين" حُلم لكلّ فنان عربي

مجلة الفنون المسرحية

المشردات ... نساء على حافة العمر / د. لمياء انور

مجلة الفنون المسرحية 



*المشردات ... نساء على حافة العمر / د. لمياء انور

( القوانين الصالحة تصنع بشر صالحين) جملة جاءت على لسان هارنجتون المؤسس للنزعة المدنية للإنسانية ، فإن ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية هو فعل الوعي والإدراك ، وعندما جاء كانط بتفسير للإنسانية بأنها ما يُعبر عن هدف الأخلاق ، وحسب رؤية أوجست كونت بأن الإنسانية هي مجموع الصفات التي تكون كائناً اجتماعياً يتطور مع مرور الزمن .
وإنطلاقاً من تلك المسألة نجد المعادل الموازي للإنسانية وهي التشرد ، والذي يعني بمعناه العام عدم امتلاك الفرد (الإنسان) لمأوى مناسب للسكن نتيجة ظروف ما سواء فقدان الوظيفة أو انعدام الدخل ، فيضطر إلى اللجوء إلى الشارع ، و على صعيد أخر نجد تلك النزعة الإنسانية المدنية والتي جاءت على يد ماكيافيلي وهارنجتون والتي يمكن ان نرجئها إلى كتابات ارسطو في تأصيل تلك النزعة بارتباطها بالسلطة والقوة ، حيث ارتكزت تلك النزعة على التكفل باستمرار توفير الظروف اللازمة لدوام بقاء المجتمع ، وهي الظروف الخاصة بالفضيلة المدنية ، عن طريق ممارسة الاختيارات الحرة في فعل الممارسة الإنساني وأن ينظر للفرد كإمتداد لهويته الشخصية وإمتداد للمبادئ الحاكمة التي يرتكز المجتمع نفسه عليها .
ومن هنا ينطلق العرض المسرحي الأسترالي (المتشردات) unHOWsed والذي يضعنا أمام مجموعة من القصص الواقعية لمجموعة من النساء اللواتي يعانين التشرد ويعيشن على حافة المجتمع ، وإذا ما أمعننا النظر في القاسم المشترك بينهن هو الشعور بعدم الأمان والخيط الرفيع هو حالة الخزي من تلك الظروف وهذا المجتمع.
فتلك المآسي والصعوبات التي تعرضن لها بشكل خارج عن إرادتهن والتي أدت بحتمية تشردهم هو الأمر الذي ينتج عنه تغييراً جذرياً في النفس البشرية مما يترتب عليه تعرض فئة ليست بقليلة بالتدمير بل والهدم ، وبالتالي تعرضهن للإيذاء والإعتداء والاغتصاب والركل والنبذ من المجتمع ككل ، فيصبح الشارع هو المأوى والحيوانات الضالة هي الصاحب .
يبدأ العرض بفيديو بروجيكتور لسيدة مسنة وهي تؤدي أغنية مفادها عن التشرد في محاولة منها أن تذهب لعالم خيالي تستطيع فيه أن تبقى على قيد الحياة ، وتقدم مونولوجاً خاصاً عن تجاربها ، ثم تصرخ قائلة ( أنا امرأة في الشارع) (تعرضت للأعتداء ثلاث مرات) (الحياة ليست كبيرة) ( كنت سأقتل من أجل شريحة لحم) ، ثم تأخذنا المخرجة إلى المسرح الذي نجد فيه ثمانية من النساء يجلسن بشكل مرتب داخل إطار محدد يوحي بالسجن مفتوح الزاوية الصغيرة المقابلة للجمهور ، حيث تم استخدام الكشافات الفوقية والواقعية محددة الحواف ، وهم في حالة من التطهير مع الإحساس بحالة من تداعي الذكريات الأليمة في محاولة للتخلص منها في اطار من الحكي الفردي.
نجد شخصية الجدة (بوراندانيس) التي تجاوزت الخمسين من عمرها وانفصلت عن زوجها وطردت إلى الشارع والتي كانت تنام على مقعد الحديقة المجاورة للمسرح في ملبورن ، كذلك السيدة (ماكدونالد) والتي قالت ( كنا سيدات عاديات وعندما ساءت الظروف أصبحنا سيدات غير عاديات ) ، وسردت حكايات تمثل لها ذكريات من الوقت الضائع من العمر ، فهي ذكريات (الهدر) .
يمكن القول بأن المخرجة كانت على وعي فني وحقيقي بكل خطوة على المسرح ومدركة تماماً لقيمة الصمت والإيماءة ، مستغلة في ذلك الدراما الواقعية المكتوبة ، فعندما يؤدين النساء لأغنية بطرح تساؤلات للأب (لماذا تركتنا؟) ، ( أين أنت ؟)، فالأب هنا هو الأمان ، الحماية ، وربما الإله ؟!، في حين دخول (ماكدونالد) بماكيت لسيارة تحكي فيه قصة تشردها ، وكيف كانت السيارة هي مأواها في العالم الخارجي ، تأكل وتشرب وتنام وتتحمم في الشارع وكذلك تفعل الرذيلة مقابل المال ، 
وتأتي الحكايات واحدة تلو الأخرى لكل سيدة منهن ، ولا ننسى الدور الهام والبارز للإضاءة في تكثيف وتأكيد الحدث الدرامي ، فوعي المخرجة بأهمية اللون واتجاهه ومعناه الدرامي جعل للإضاءة دور البطولة بجانب عملية الحكي والبوح الموجع لهؤلاء السيدات.
وينتهي العرض برسالة على شاشة البروجيكتو (أنا هنا إلى الأبد ) ، وهذا يوضح اليأس الكامل من سماع القضية من قبل القوانين والدولة المنوطة للبشر الذي يعيشون تحت ظلالها .
القضية هنا قد تعني بفئة خاصة من المجتمع الاسترالي حيث انه وفق للدراسات والبيانات الأخيرة أنه في غضون خمس سنوات زاد عدد النساء اللاتي يعانين التشرد بنسبة 31% ، كما أفادت منظمة التشرد الاسترالي العام الماضي أن عدد النساء الأكبر سناً اللاتي ينمن على الأريكة في الشوارع بنسبة 83% وان عدد النساء اللاتي ينمن تحت السيارات ارتفع إلى 75% في أربع سنوات، وهذه التقارير تم التوصل إليها من الصفحة الخاصة بالعرض المذكور.
فمحاولة الحفاظ على الكرامة الإنسانية لامرأة ناضجة لهو أمر يصعب على الكثيرين فهمه، وذلك نظراً لأن المجتمع بطبيعته القاسية لن يستطيع احتواء تلك المشاعر المضطربة لهؤلاء البشر (النساء) على الخصوص ، بل ويبدأ المجتمع في محاولة لتشويه الصورة والاعتداء عليها وإلقاء اللوم كاملاً عليهن بمعزل عن الظروف المحيطة، وأخيراً يمكن القول بأن العرض خرج من اطاره المحلى لأن تصبح القضية هي قضية اجتماعية عالمية.

 *المقالة عن العرض الأسترالي المشردات نشرت في العدد العاشر من نشرة المهرجان الدولي للمسرح التجريبي ٢٠٢٠ 

زمن التجريب المسرحي عراقيا …ملامح التسعينيات / كاظم النصار

مجلة الفنون المسرحية.

زمن التجريب المسرحي عراقيا …ملامح التسعينيات

منذ التغيير وسنواته لم تجرَ مناقشة جادة لثقافة العرض المسرحي العراقي. لقد شغلتنا أزمة المسرح وواقعه ومشكلاته وانعكاس التحولات السياسية والمجتمعية على مجمل الاوضاع، وندوة أو بحث تخصصي عن التجريب وأزمانه في العراق ظلت محصورة في داخل أسوار الدرس الاكاديمي.

والتجريب هو ثقافة وفهم مبتكر لآليات العرض المسرحي وطرائقه وأساليبه وهو ايضا كل جديد على مستوى الشكل والمضمون كما يقول الشاعر والمخرج نجيب سرور. والتجريب هو بحث في المجهول وخروج عن المألوف السائد وقد ورثناه من تاريخ المسرح، حيث يعتني ستانسلافسكي بأهمية الممثل واعتنى كوردن كريج بأهمية أن الاستغناء عن الممثل ممكن، واعتنى ابيا بالضوء كما اعتنى بسكاتور وبريشت بالمسرح التعليمي.

أحاول هنا ان انقب عن تجربتنا ما بعد منتصف الثمانينيات من زوايا مختلفة واطرح أسئلة، لأن التجريب هو سؤال دائم من خلال معيار ذوقي جمالي وليس معيارا اكاديميا علميا …واذن ما هو معيار الجديد ؟

ومن هو الذي يقرر الجديد ؟

وهل حراكنا النقدي استطاع ان يحدد الثابت من المتحول ؟

ما دور النقد والصحافة في تاشير غير منحاز ولا يساهم في خلط أوراق التجريب وسماته وملامحه، وهل يمكن للفنان أن يكون شاهد زور ويلعب دور المروج والخالط للأوراق لاعتبارات اجتماعية وذوقية وايديولوجية تضيع الروح الموضوعية والمعاينة الحقة حد الاختلاف.

ومن هنا وبالفهم العام للتجريب ليس هناك فصل حاد بيننا نحن الاجيال المتأخرة وبين روادنا واجيالهم لانهم هم من درسونا المناهج والاساليب وهم من اشاعوا عبر عروضهم ودرسهم الاكاديمي اسرار وخفايا التجريب وكيمياءه …لكن الاختلاف يكمن في المزاج والعوامل الضاغطة الزمنية التي حكمت عقدين واكثر من الزمن الذي انتجنا فيه عروضنا، واعتقد كمراقب اننا كلنا وكل المسرح العراقي المعاصر هو نتاج ستة مدارس مسرحية عالمية وهي :

اولا :مرحلة التاسيس، مدرسة فرنسا ومن روادها حقي الشبلي .

ثانيا :مدرسة امريكا، ومن روادها ابراهيم جلال وبدري حسون فريد وجعفر السعدي.

ثالثا :مدرسة لندن، ومن روادها سامي عبد الحميد

رابعا :مدرسة روسيا، ومن روادها قاسم محمد

خامسا :مدرسة المانيا، ومن روادها عوني كرومي

سادسا :مدرسة اوربا الشرقية، ومن روادها فاضل خليل وصلاح القصب وعقيل مهدي.

وهذه المدارس أضحت مادة للدرس الاكاديمي وتنوعه واختلافه، كما انتجت عروضا مختلفة. وأقول ست مدارس لأن بلاد المغرب العربي مثل تونس والمغرب تطغي على عروضهم المدرسة الفرنسية لوحدها ربما . وكمعيار جمالي اعتقد ان هذه المدارس اختزلت لاحقا بمنهجين وملمحين هما:

اولا :مدرسة الممثل: قاسم محمد وفاضل خليل وعوني كرومي وعزيز خيون

وثانيا :مدرسة العرض والمعمار البصري في عروض ابراهيم جلال وسامي عبد الحميد وصلاح القصب وجواد الاسدي.

وأما النقد والبحث فقد افرز طرق تفكير وآليات اشتغال وتوصيفات للمخرجين، فسامي عبد الحميد يمثل انتقائية اسلوبية، وفي عروضه (عطيل في المطبخ) مثلا كانت قد مثلت انتقالة تجريبية للاشتغال على النص الشكسبيري وتطويعه ومقاربته مع الواقع العراقي أيام الحصار والجوع، وانتقالة اخرى الى اشعار آخر، ونصوص عبد الكريم السوداني (ساعي البري)د وغيرها وهي تمثل قراءة مبتكرة للواقع العراقي عبر النص المحلي المكتوب باللهجة المحكية والقريب من نكبات الشارع ، وقاسم محمد وانفتاحه على التراث العربي والاسلامي من خلال الحكواتي وخيال الظل والصوفيات، وصلاح القصب في ازاحته للأشكال الواقعية ، ومحسن العزاوي وفاضل خليل في الشعرية والاسطورة، وعزيز خيون عبر التجريب في النص المحلي ونسق الاداء.

وهنا اعود الى الضاغط الرؤيوي والذي عمل تحولا في رؤية المخرجين وبالتالي تحول في الاساليب، واعتقد ان مفتاح التحول لديهم ليس كما يشاع لأن جودة الانتاج ممكن أن تحسن من الشكل لكنها لا تحسن من الرؤيا، وحتى التجربة العالمية فالبلدان التي حدثت فيها هزات مثل فرنسا وروسيا وايرلندا صار فيها تحول في الرؤية، تحول مثل الحرب العالمية الثانية ….بمعنى أن مفتاح التحول هو تحول اجتماعي وسياسي، والذي انتج اشكالا جديدة مثل المسرح السياسي ومسرح الغضب والمسرح التسجيلي ..وفي المانيا صار هناك تحول على يد بيسكاتور وبعده بريخت ثم بيتر فايس فانتج بسكاتور التاريخ والوثيقة، وبريخت الحالة العقلية ، وبيتر فايس منطق البناء السينمائي.

واذا سحبنا فرضية أن التحول السياسي يخلق تحولا في الرؤية والمزاج وفي التفكير وفحصنا المناخ المحيط الذي شكل تجربة اجيال الثمانينيات والتسعينات وما تلاها، فإننا نجد :

أولاً: 8 سنوات حرب انتجت مسرح الحرب ومسرح ما بعد الحرب .

ثانيا: حصار13عاما.

ثالثا: هيمنة المسرح التجاري وانحسار العروض الجادة.

رابعا: تراجع قيمي وانحسار للتقاليد المسرحية وانشغال بالدراما التلفزيونية وخاصة البدوية الاستهلاكية منها في التسعينات والدراما في سوريا بعد 2006.

خامسا: شح الممثلات وتراجع دورهن وخاصة بعد 2003.



وهنا أريد أن أقول أن المسرح العراقي المعاصر ومنذ سبعين عاما لم يقدم وفرة من الممثلات وخاصة ان المرأة هي شريك اساسي في التجريب ولان الجسد المحنط لا يمكن ان يذهب باتجاه المجعول وكسر التابو والمألوف، ومن زاوية ثانية فان الضاغط الرقابي للنص اوجد رد فعل قوي بالتوغل في المعالجة البصرية والغرائبية وكانه رد على سلب حرية المضمون …وحتى المضمون كان يعالج عبر الترميز والتشفير والدلالة عن نتائج الحرب وعن الاستبداد والتسلط والديكتاتورية، والمفارقة هنا وبعد 2003 عندما انفلت زمام الرقابة وغابت، هرول بعضنا الى المباشرة وتسمية الاشياء بمسمياتها ولم تعد هناك تشفيرات او ترميزات ولم نعد نرى مقاربة لنصوص اجنبية الا نادرا فالملفات جميعها على الطاولة.

لم يكن هناك فضائيات ولا تواصل اجتماعي ولا تقنيات حديثة ولا يوتيوب، والمخرج يعتمد على ما يشاهده من عروض حيثما توفرت ومصادر، وظللنا نتحدث طويلا عن عروض زارتنا في بغداد عروض مختلفة وتجريبية مثل العوادة للجعايبي والخنفساء لفرقة فرنسية وعروض فرقة الرور الألمانية.

ابرز ملامح مسرح التسعينيات :

أولأ: عناية بالسينوغرافيا وتطور مفهومها وتنافسه وصار يدخل في لون الازياء والماكياج لإحداث هارموني في الشكل.

ثانيا: الفنون الرديفة صارت تدخل في بنية العرض التسعيني مثل البانتومايم والكيروغراف كما في عرض (عرس الدم) لكاظم النصار وعروض اخرى.

ثالثا: هناك عروض صارت تهمل النص الدرامي التقليدي وتذهب الى الشعر مثل عرض (الذي ظل في هذيانه يقظا) لغانم حميد.

رابعا: صرنا نتعامل مع مسرحيات قصيرة جدا كما عند خزعل الماجدي وجبار المشهداني.

خامسا: الاستفادة من اعداد الروايات الحديثة كما عند كاظم النصار في رواية (ولم يقل كلمة) لهاينرش بل اعداد عبد الخالق كيطان. وبعض عروض قاسم زيدان مع قاسم محمد عباس.

سادسا: البحث عن فضاءات خارج العلبة مثل ضفاف نهر دجلة او بلاتوه السينما والمسرح او شارع المتنبي والقشلة لاحقا.


’’هناك فرق بين السياسة اليومية المتحركة والمتحولة وبين الظاهرة السياسية التي تكرست مثل العنف والارهاب والاقصاء السياسي والهجرة والديكتاتورية’’

وهناك اسماء بدأت منذ نهاية الثمانينيات واستمرت في عقد التسعينيات مثل ناجي عبد الامير وتجربته في التعبيرية المحلية وفي نصوص شكسبير والخادمات والحريم، وباسم قهار في تجربته (في انتظار غودو) ومعالجته المبتكرة لهذا النص وهو يكشف عن وعي تجريبي مبكر وكذلك كريم رشيد وتجربته المميزة في (الحر الرياحي)، وحيدر منعثر في استمرار تجاربه من الثمانينيات في  (ليلة موت شاعر) و(الليلة نلعب) الى (حرية المدينة) و(الصابرون في تحولات التسعينات) وهو الاقرب للمسرح السياسي الرمزي، ثم احمد حسن موسى في تجاربه (ضحايا الواجب) و(سمفونية الانتظار) و(نزهة في جماليات الاداء والشكل)، وقاسم زيدان في (الطيور ايضا) في البحث عن المكان وفيه.

ثم جيل جديد واشتغالات تنبثق من محنة الارهاب والعنف والتحول السياسي بعد 2003 مثل جبار جودي في تجاربه (سجادة حمراء) و(خيانة) و(حصان الدم)، ومناضل داود في (روميو وجوليت) في التصارع السياسي والعنفي العراقي ثم تجارب ابراهيم حنون في (الموت والعذراء)  وغيرها ثم حاتم عودة في (اسود وابيض وفلانة)، وعماد محمد في (رائحة حرب) و(عربانة) وقاسم السومري وعلاء قحطان وتحرير الاسدي.

وأفرزت مرحلة ما بعد 2003 ملامح اخرى مثل :

اولا: انزياح الخطاب الرمزي والشعري .

ثانيا: بروز الشخصية الهامشية.

ثالثا: بروز عروض الكوميديا السوداء.

رابعا: بحث خارج العلبة من جديد.

ومن زاوية اخرى هناك فرق بين السياسة اليومية المتحركة والمتحولة وبين الظاهرة السياسية التي تكرست مثل العنف والارهاب والاقصاء السياسي والهجرة والديكتاتورية، وطبعا المخرج هنا يقدم رؤية لتلك الظواهر ولا يقدم بلاغا صحفيا كما في بعض العروض لأن المشاهد يريد ان يعرف كيف تنظر انت الى تلكم الظواهر وكيف تعالجها رؤيويا.

هذه بعض الملامح لمسرح ما بعد الحرب وما تلاها من مسرح ما بعد التغيير، آمل أن أفحص وأنقب عن التجربة في مناسبات قادمة .

نماذج من رواد المسرح التركي (لمحة من تاريخ المسرح التركي) / محمد خضر محمود

مجلة الفنون المسرحية


نماذج من رواد المسرح التركي (لمحة من تاريخ المسرح التركي)


من يعود الى بدايات المسرح التركي لابد له ان يذكر فترة التنظيمات الاصلاحية 1839 حيث انحصر نشاط المسرحيين في الدولة العثمانية باللغة الارمنية وقادها كل من بدروس مالماكيان وبدروس أتاميان وارنب ارتجيه وسير انوس وهكذا استمرت اللغة الارمنية في المسرح واللغة التركية في تطور الحركة المسرحية واسست الفرق منها مسرح الشرق واسبوغان ويمكن اعتبار الفنان كلولو اكوب رائد المسرح التركي ، حيث اسس فرقة مسرح اسيا وقدمت اعمال اللغة التركية ثم تم تغيير اسمها الى فرقة المسرح العثماني واستمرت عروضها المسرحية لمدة عشر سنوات .اما اول نص مسرحي تركي للأديب ابراهيم شناسى 1824-1871 وهي مسرحية (زواج الشاعر) كما كتب فخري زاده شاكر مسرحيات كوميدية قد تأثر هذا الكاتب بمسرحيات مولير ، وبعد عام 1908 تأسست دار بدائع الفنون الجميلة لتدريس فنون المسرح واصوله وتخرج دفعة مهمة من المسرحيين والممثلين ومن اشهرهم محسن ارطغرل الذي اعتبر رائد المسرح التركي الحديث وفنان المسرح الارتجالي وساهم في دخول الممثلات التركيات المسلمات الى المسرح بعد ان كان الاعتماد على الممثلات اليونانيات والارمينيات .
وبعد اعلان الجمهورية تم تاسيس مؤسسة مسرح الدولة مع فتح فروع منها في عدة محافظات وبدعم من الحكومة المركزية ، وبعد نهاية مرحلة الحزب الواحد عام 1950 بدات الحركة المسرحية تتطور رغم عدم اهتمام الدولة بالفرق المسرحية ويعتبر انقلاب عام 1960 واعلان الدستور الجديد عام 1961 ساهم في زيادة عدد الفرق المسرحية كما بدأ . ليفتح المسرح التركي على تجارب المسرحيات العالمية وظهر كتاب مهمين في المسرح التركي من بينهم ناظم حكمت وعدالت اغا اوغلو وجاهد اتاي ونجاتي جمالي وخلدون ظافر وجتين القان وداود تورك علي وانقسم كتاب المسرح في نصوصهم من خلال نقد الخلل والأنحلال الاجتماعي والاقتصادي ونتائجه على الانهيار الاخلاقي في حياة العائلة التركية واستغلال القوي للضعيف ومنها مسرحية (العاملون) للكاتبة عدالت اغا اوغلو و(حصته الاخ) للمؤلف اورهان كمال و(ثلاث مرايا في غرفة) للمؤلف اورهان أسنت ومسرحيات اخرى اهتمت بالواقع الريفي ووضع المراة والقيم المتصارعة فيه واستغلال الاقطاعيين للفلاحين والهجرة من الريف الى المدينة ، ومن هذه الاعمال مسرحية (في الكمين) للكاتب جاهد اتاي و ( المهد المفتوح) لنجاتي جمالي ومسرحية (كلنا من اجل واحد) للمؤلف جواد فهمي باشكوت و(الجدول الطويل) للمؤلف يشار كمال والمسرح التركي لم يهمل كتابه الاهتمام بتاريخ الحضارات الانسانية والاساطير فكتب اورهان أسنت (الارض والبندول) وكتب طورهان اوغلان اوغلو مسرحية (مراد الرابع) و(دفاع سقراط) اما كنكور ديلمن كتب مسرحيات (عقدة ميداس،وذهب ميداس ادنا ميداس) واهتم الكتاب أيضاً بمونودراما ومن هذه المسرحيات (كانت المياه مضاءة) لنزهت مريج و (جيجو) لعزيز نسين و (جوليت والأغاني الجديدة) لنجاتي جمالي و(العانس) لـ اورهان أسنت .وقد قام الدكتور نصرت مردان بترجمة اربع مسرحيات تركية معاصرة مع تقديم خاص عن المؤلفين وعن المسرح التركي خلال القرنين الماضيين ، وقد قام قبل ذلك الكاتب نصرت مردان بترجمة مسرحية (مطعم القردة الحية) لكونكورد يلمن سلسلة المسرح العالمي / وزارة الثقافة الكويتية 1989 ، كما ترجم الى العربية روايتي (الصفيحة) و(ولو يقتلون الثعبان) ليشار كمال بغداد 1990 ورواية (محمد الفاتح) لنديم كورسيل منشورات الجمل 2001 ومن ترجماته ايضاً لعام 2015 اربع مسرحيات تركية معاصرة التي نحاول ان نسلط الضوء عليها . ومن بينها مسرحية (الخروج) للكاتبة عدالت اغا اوغلو والتي تتناول حياة ام وابنه يعيشان في عالم مغلق ، غريب ، مظلم ، كئيب منغلق على الحركة فالأب يعيش معظم الوقت في شراء مبيدات لقتل الحشرات التي تملأ أرجاء البيت ، اما الابنه لا صديق لها سوى لعبتها وهو يمنع ابنته في الخروج لانه لاشيء هناك في الخارج الا انها تنجح في النهاية الى الخروج الى النهار والمسرحية هذه ، تذكرنا بمسرحية (عند الموقد) لناظم حكمت حيث يعيش الاب العجوز مع ابنته الشابة التي ايضاً يحاول منعها من الخروج لكن في نهاية المسرحية يأتي المنقذ وينقذها .التي ايضاً يحاول منعها من الخروج لكن في نهاية المسرحية يأتي المنقذ وينقذها .
من حوارات المسرحية يقول الاب.
هيا اذهبي والا ساسكب المبيدات عليك كلها
الابنة :- اسكبها ثم اكنسني
الاب :- افضل ان اكنسكِ وانت حية من ان اكنسكِ وانت جثة هامدة .
الابنة :- (وهي ترحل) سوف لن تلحق بي وتعيدني ثانية ابي ستبقى وحيداً ، لا أريد ابداً ان ابقى وحيدة .. لا أريد لقائك مع الحشرات والقاذورات ، ابي اريد ان اشعر بانك لاتبكي خلفي … استطيع الان ان أبصر طريقي الظلام ليس حالكاً صباح الخير ايها الاطفال . ثم في نهاية المسرحية بعد رحيل الابنة يسكب الاب جميع مبيدات الحشرات على جسمه ويتمدد على الارض يتناول المكنسة ويحاول ان يكنس نفسه وهو يتلوى من الألم .
اما المسرحية الثانية والتي حملت (في الكمين) للكاتب جاهد اتاي 1925-2012 وهي من اشهر مسرحياته التي عرضت في اغلب مسارح الدولة والفرق الخاصة ، كما عرضت هذه المسرحية على مسارح لبنان والقاهرة والكويت والمغرب العربي ، فتدور أحداث هذه المسرحية في الريف التركي بين الاقطاعي بيلان اوغلو الذي يستغل بساطة البستاني التركي دورسون وبلاهته لقتل يشار الذي يعمل على فتح مكتب للمحاماة بعد حصوله على شهادة الحقوق وهو صديق دورسون وفي نهاية العمل يقع بيلان اوغلو ضحية مؤامراتهم فبدلاً ان تنطلق الرصاصة الى صدر صديقه يشار فأنها تطلق الى صدر الاقطاعي بيلان اوغلو .
أما المسرحية الثالثة للكاتب نجاتي جمالي 1921 – 2001 المولود في اليونان والمهاجر مع عائلته الى تركيا بموجب اتفاقية تبادل المهاجرين بين الطرفين بعد انهيار الدولة العثمانية وفي هذه المسرحية التي يحاول الكاتب ان يلج عالم شكسبير من خلال ظهور شبح هاملت في احد المسارح التي يعيش فيها الرجل بطل المسرحية الذي يحاول من خلاله بامراة باريسية يتصادقان فهي تعتقد انه لاجئ اسباني يعيش في باريس وهكذا يقران خلال لقاءاتهما لوركا وتاريخ اسبانيا والحرب الاهلية في اسبانيا ويؤكد لها انه اسباني ولا يحمل جواز سفر . وفي نهاية العمل الشبح يمنح الرجل الضوء الاخضر بان عليه الان بعد توطيد علاقته مع المرأة الفرنسية ان يبعدها في الحديث عن اسبانيا ثم يبدأ حديثهم عن مسرحية هاملت لمشاهدتها .
أما المسرحية الرابعة والاخيرة لعزيز نسين بعنوان (دويتو بين امرأتين) تتألف من شخصين هي صاحبة البيت والغربية التي تزورها باحثة عن شخص يدعى واسين وتكتشف ان زوجها الذي مات هو ايضاً زوج الغريبة ورغم ان زوجها كان انانياً ولم يحبها الا انها احبت شخصاً اخر بالهاتف يومياً يتصل بها وهي تنتظر قدومه حين تدق الساعة الحادية عشر ليلاً اى انه لن يحضر رغم حديثه معها وهو في حالة نشوى وهو يقول …
الصوت : طوال الليل بحثت عيناي عنك ، انتظرت حتى هذه الساعة لكنك لم تأتين.
صاحبة البيت : ساحضر اليك ان اردت (تسد السماعة وتفصلها) والصوت الاتي أنا
صاحبة البيت : كما تشاء لكن من الافضل ان تأتي وحدك .
الصوت: سأتي وحدي ليلة سعيدة .
وهكذا تنتهي المسرحية مع توقف الساعة وذكر الغريبة ان الذي تنتظره مات ولم يأت بعد الأن وتتحول الغربية خلف صاحبة البيت وتبدوان كامراة واحدة .
لقد حاول المترجم ان يبرز لنا اهم المؤلفين الاتراك من الرواد مع منحهم ريادتهم في المسرح والادب التركي محاولاً تسليط الضوء على الاحداث والصور والشخصيات في مسرحياتهم مع تقديم موجز عن حياتهم وكانت خلاصة جهد المترجم بتقديمه لاعمالهم التي تتناول الادب الانساني التركي والذي نقراه اليوم في هذا الكتاب الذي سلطنا الضوء عليه وهو حصيلة ماقراه المترجم خلال 40 سنة معرفته بالثقافة والفن والادب التركي قراءة وكتابة وايضاً معرفته بالكثير من الادباء الاتراك وصداقتهم معهم ومعاصرته للأدباء الرواد ومن جميع الاجيال خلال العقود الادبية في تركيا ، ونجد انه استطاع ان يقدم لنا نصوصاً تركية بروحيتها بعيداً عن النقل الحرفي للنص ويعتبر المترجم واحداً من ابرز الادباء التركمان في العراق وقدم خدمة جليلة للأدب العراقي من خلال ترجمته الى التركية قصائد البياتي والسياب والماعوظ وقصص جليل القيسي وزكريا تامر وعبد الرحمن الربيعي وهو يواصل اعماله الادبية ، والان كما علمنا انه انتهى بترجمته مسرحية (غداً في غابة اخرى) للمؤلف مليح جودت انداي .وهي معدة للطبع ، نتمنى ان نكون قد سلطنا نقطة ضوء على (اربع مسرحيات تركية معاصرة) للمترجم د. نصرت مردان
 

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption