أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

السبت، 26 سبتمبر 2020

عبد الكريم برشيد : الإحتفالية هي رؤية للعالم، رؤية احتفالية عيدية، فيها ألوان، فيها أشكال، فيها أحجام، فيها أضداد متعددة، موت وحياة، وفرح وحزن، ونور وظلام

مجلة الفنون المسرحية

الكاتب عبد الكريم برشيد


عبد الكريم برشيد : الإحتفالية هي رؤية للعالم، رؤية احتفالية عيدية، فيها ألوان، فيها أشكال، فيها أحجام، فيها أضداد متعددة، موت وحياة، وفرح وحزن، ونور وظلام

                                  حاورته : *سمية زباش 


         عبد الكريم برشيد كاتب مسرحي عربي من المغرب. ولد سنة 1943 شرق المغرب بمدينة أبركان. درس بمدينة فاس. درّس في الثانوي بمدينة الخميسات، ثم التحق بمدينة الدار البيضاء. اشتغل مندوبا جهويا لوزارة الثقافة بمدينة مراكش. ساهم في تأسيس المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط. وكان مديرا لمهرجان ربيع المسرح العربي لدورات. ثم اشتغل مندوبا لوزارة الثقافة بمدينة الخميسات. وكانت له مساهمات في مجال الصحافة الثقافية من خلال مجلة "الثقافة الجديدة" التي تأسست سنة 1975، ومجلة "التأسيس.. دفاتر مسرحية". اليوم يكتب ركنا في جريدة "رسالة الأمة" لثلاث مرات في الأسبوع. يشرف على ملحق ثقافي بالجريدة نفسها. ومسرحياته تدرّس في الثانوي، وقدمت في أكثر الأقطار العربية.
         اغتنمت فرصة تواجده بالجزائر العاصمة بمناسبة انعقاد الدورة الرابعة للمهرجان الوطني للمسرح المحترف(24/05/07- 06/06/07) لأجري معه هذا الحوار. 
 
سؤال: الاحتفالية حركة مسرحية ظهرت في المغرب منذ السبعينات ولازالت تواصل طريقها في سبيل تأسيس مسرح عربي الهوية. ما هي المنطلقات الفكرية والجمالية للمسرح الاحتفالي؟

جواب: المنطلقات هي - أساسا- منطلقات فكرية، ولأنها احتفالية فهي رؤية للعالم، رؤية احتفالية عيدية، فيها ألوان، فيها أشكال، فيها أحجام، فيها أضداد متعددة، موت وحياة، وفرح وحزن، ونور وظلام. وبالتالي فإن هذه الرؤية الاحتفالية للعالم هي التي أتبناها شخصيا، ويقاسمني القناعة مجموعة من أصدقائي الذين أسّسنا جميعا جماعة المسرح الاحتفالي. وهذا المسرح يحاول أن يكون بعيدا عن العرض، وأن يكون قريبا من الاحتفال؛ فالعرض هو أن تعرض شيئا يُتفرج عليه. أما الاحتفال فهو شيء نشارك فيه، نقتسمه مع الآخرين. وبالتالي فإن هذا المسرح الذي نقترحه نريده قائما على المشاركة الوجدانية، قائما على التفاعل، قائما على إحياء حفل مسرحي الآن هنا، وألاّ نحكي للناس عن زمن مضى، وألاّ نفصل المسرح عن الصالة، وألاّ نفصل الزمنين ولا المكانين ولا القضية المطروحة، وأن نجعلها قضية الآخرين وأننا فقط نتفرج عليها.

سؤال: الاحتفالية - إذن وحسب ما ذكرتم - تؤكد على مسألة التواصل مع الجمهور المتفرج كشريك فعّال في العرض المسرحي أو "الاحتفال" كما يحلو للكاتب عبد الكريم برشيد أن يسميه. والحديث عن التواصل في المسرح، يجرنا للحديث عن الجمهور وعلاقته بالمسرح. فهناك مشكلة عزوف أو غياب المتفرج الذي يفترض أن تكون هذه العروض المسرحية موجهة إليه. فالمتابع لعرض الأمس والعروض التي سبقته يلاحظ أن الجمهور كان مقتصرا على بعض رجالات المسرح والمثقفين وبعض طلبة المعهد الوطني للفنون المسرحية وبعض نجوم التلفزيون والصحافيين.. باختصار إن جمهور المسرح جمهور نخبوي. فكيف تفسر هذه الظاهرة؟

جواب: من المعروف أن كل فن، وكل رياضة، وكل لعبة لها جمهورها. والمفروض في هذا الجمهور أن تكون له ثقافة، أي أن جمهور كرة القدم له ثقافة كروية، يعرف تقاليدها، وتاريخها، والأسماء اللامعة فيها
سؤال: عفوا. هل هذا يعني أن جمهور المسرح العربي ليست له ثقافة مسرحية؟

جواب: لا. هو جمهور نخبوي، كما قلت، والأساس في المسرح هو نخبوي ومن أقدم العصور. حتى في فرنسا اليوم من يشاهد موليير وكورناي وراسين؟ والواقع أن الجمهور هو نخبوي قياسا بالسينما. هل يمكن للمسرح أن يدخل في تنافس مع القنوات الفضائية؟ لا يمكن، لأن المسرحية، في النهاية، تدور في مسرح مغلق يحضره مئات، على أقصى الحدود ألفا أو ألفين من المتفرجين. ولكن مع ذلك فإن المسرح يراهن على أن يكون جلسة حميمية قائمة على التشاور، على المشاركة. وبالتالي لا يمكن أن يدخل في منافسة مع السينما، لأن السينما أوسع. ولا يمكن أن يدخل في منافسة مع التلفزيون، والأقمار الصناعية أيضا. ولذلك فالأساسي أن يحافظ على خصوصيته، أن يبقى تلك الجلسة الحميمية القائمة على هذا البوح.

سؤال: ولكن إذا كان الجمهور الذي تريده لمسرحك أو بعبارة أدق الذي تريد أن تخاطبه في مسرحك غائبا، فمن أين لهذه الحميمية أن تنشأ أو تكون؟

جواب: في فرنسا، مثلا، عندما جاء كتاب العبث أو كتاب اللامعقول كانت لهم مسارح صغيرة، مسرح الجيب le théâtre de poche، المسارح التجريبية... ولحد الآن تبقى المسارح صغيرة باعتبار أن هناك جماهير، وليس جمهورا واحدا. فالمسرح التجريبي له جمهوره، والمسرح التأصيلي له جمهوره، ومسرح البولفار Le théâtre du boulevard له جمهوره، والمسرح التجاري له جمهوره... حتى في مجال البضاعات، فالسوق سوق واحد، يعرض كل شيء، ولكن كل بضاعة لها مقتنوها. وبالتالي فالأساسي أن يكون المسرحي صادقا مع نفسه، مع مجتمعه، مع فنه، وأن يقدم تجربة ناضجة صادقة، وأن يتقن عمله، وبعد ذلك يترك الكلمة للجمهور. لذلك أعتقد أن الجمهور عندما يجد فنا صادقا يعبر عن مجتمعه، ويطرح الأسئلة الحقيقية التي هي أسئلة اللحظة التاريخية لابد أن يكون معه.

سؤال: على ذكر المسرح التأصيلي، فمسألة تأصيل المسرح العربي أسالت الكثير من الحبر واشتغل بها كل المسرحيين العرب تقريبا، ومنذ ستينات القرن الماضي. واليوم نجد أن بعض التجارب التأصيلية صمتت نهائيا، لأنها لم تستطع حتى أن تتكرر، وبعضها مازال متواصلا بشكل أو بآخر... والاحتفالية واحدة من بين هذه التجارب، فما هو موقفها من مسألة التأصيل اليوم ؟

جواب: أنا شخصيا أرى بأن الحركة التأصيلية ازدهرت مع المد القومي العربي، ازدهرت مع حزب البعث في كل من سوريا والعراق، وازدهرت مع الناصرية في مصر. كانت هناك أحزاب قومية تؤكد على الهوية، على النحن في مقابلة الآخر. والتأصيلية حركة حاولت أن تبحث في الأصول. من نحن؟ نحن عرب، نحن كذا... نحن في مواجهة الآخر، في حين أن المسرح التجريبي الآن على المستوى العربي، هو مسرح مستغرب، أي أنه يأخذ تجارب ومسرحيات كاملة، يقتبسها ويقدمها. لذلك فأنا لست من أنصار التأصيل، أنا من أنصار التأسيس.

سؤال: قبل أن نواصل بشأن التأسيس، أود أن أذكّرك بما قلته عن مسألة التأصيل في ندوة التجريب التي عقدها المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة خلال سبتمبر1994. لقد قلت: "قضية التأصيل كانت في الستينات وانتهت بلا رجعة، وأصبح البحث عن الأشكال المسرحية، وعن قالبنا المسرحي في ذمة التاريخ". هل هذا يعني بأن المسرح العربي اليوم قد حقق هويته وأصالته المنشودة؟

جواب: نعم. لماذا ؟ لأن المسرح العربي أصيل. 

سؤال: ماذا تقصد، هنا، بكلمة "أصيل" ؟ هل تعني أن المسرح الموجود اليوم في الوطن العربي هو مسرح عربي وليس مسرحا ناطقا باللغة العربية؟ 
جواب: يعني أن المسرح الموجود اليوم مسرح عربي حقيقي. فـ "جحا" ليس فرنسيا.

سؤال: عفوا جحا انتهى
جواب: ولكن عندما نجده في هذه المسرحية أو تلك ألا ينطق العربية؟ ألا يطرح القضايا العربية؟ ألا يرجع إلى المواد الخام من تراث، وحكي، وألف ليلة وليلة، وقرآن؟... كل ذلك، وأمام جمهور عربي، وممثلين عرب، وماذا يبقى بعد ذلك؟

سؤال: تحدثتم الآن عن الحكاية والراوي وألف ليلة وليلة وهي تشكل مع غيرها من الفنون والأشكال الشعبية التي عرفتها الثقافة العربية، المنطلقات التي اعتمد عليها دعاة التأصيل لبناء مسرح عربي. ألا ترى أن الاهتمام بهذه الفنون التراثية جاء بعد أن نبّه المسرحيون الغربيون، وفي إطار حركة التجريب المعاصرة، إلى أهمية الفنون الشعبية الشرقية، وبخاصة اليابانية والصينية؟ 

جواب: الأساسي أن نعرف من نحن، فـ"سانغور" و"إمي سيزير"، مثلا، يؤكدان على الزنوجية la neigretude  ويعتزان بها، و"وول سوينكا" يعتز بالنمرية، فالنمر ليس أسدا، وليس قطا. والآن هناك مسرح فرنسي ومسرح إنجليزي وهناك مسرح إيطالي... فلماذا لا يكون مسرحنا عربيا؟ هذا شيء طبيعي، لأن من ينجز هذا المسرح يغرف من ثقافة، ومن حضارة، ومن دين، ومن جغرافية، ومن قضايا، ومن تراث شامل، ومن وجدان روحي، ومن مخيال عام. وبالتالي لا يمكن أن يكون إلا مشابها لهذه اللحظة. ولذلك نتخيل في كثير من الأحيان أننا إذا ارتدينا البيريه béret سنكون فرنسيين، أبدا.

سؤال: أنت لست، إذن، من دعاة القطيعة مع المسرح الغربي؟

جواب: لا أبدا، لأنك حتى عندما تضع أشياء الآخر، فإنك تضعها من منطلق ذاتك. فالياباني، مثلا، عندما يتعامل مع الفنون الغربية يتعامل معها كياباني، انطلاقا من مرجعياته الحضارية والدينية. ولذلك لا أحد يمكنه أن يكون غيره. يمكن أن نقلد، والتقليد يبقى على مستوى السطح، وعلى الشكل، ولكن ما نعيشه نحن الآن هنا، لا يمكن أن يعبر عنه أحد غيرنا. ولذلك فإن الأساس في الفن هو أن يكون إبداعا، والإبداع هو انطلاق من الذات المبدعة. أما المحاكاة والتقليد والإتباع... كلها أشياء لا أساس لها من الإبداع. لهذا يمكن أن أقول بأن مسرحنا الآن هو عربي. وبالتالي لا مجال لأن نظل أسيري تلك الرؤية الدونية لذاتنا، وأن نظل حبيسي عقدة الخواجة، وأن نؤمن بـ "l’exportation أو بما هو made in وأن نحتقر الصناعات الوطنية، وأن نعجب فقط بالآخر. فالآخر لم يصنعه الله من طينة مغايرة. فقط هناك ظروف، ولنا عباقرة يشتغلون في كل دول العالم وفي الغرب، فقط ينبغي أن يكون لنا هذا الإيمان بذاتنا، وبأن مجال الإبداع ليس حكرا على أية جهة، أو على أية أمة، أو على أي شعب من الشعوب.
سؤال: الاحتفالية لا تشتغل اليوم، إذن، على مسألة التأصيل، وإنما تبحث عن مسرح يهدف إلى تحقيق نوع من التواصل والحميمية بين المتفرج والممثل، على اعتبار أن المسرح، في نظرك، احتفال يشارك فيه هذين الطرفين. بعد هذه الرحلة التي قضتها الاحتفالية في محاولة التنظير لمسرح عربي، هل استطاعت أن تحقق بعضا مما تحلم به؟

جواب: أعود فقط إلى قضية التأصيل، وأقول بأننا تجاوزنا هذه القضية، لأننا نعتبر بأن توضيح الواضحات من المفضحات، وأنه من البلادة أن نناقش البديهيات. فهل نناقش لماذا السماء سماء؟ ولماذا الماء ماء؟... الإنسان الجزائري لم يخرج من فقاعات، وله تاريخ عريق يمتد إلى ما قبل الإسلام والأمازيغ، كما تفاعل مع حضارات البحر المتوسط إلى غير ذلك. ولذلك سيكون من إضاعة الوقت أننا نناقش هذه البديهيات التي ينبغي أن نتجاوزها. كان ذلك في مجال شعوب مستعمرة، في مجال النظر إلى الآخر نظرة حضارة. الآن لدينا رصيد في مجال السينما، وفي مجال المسرح، وفي مجال التشكيل. وهذا يعطينا نوعا من الثقة، ويجعلنا نتوجه بأسلحتنا إلى المستقبل عوض أن نبقى نحفر ونلوك أسئلة الماضي، ذلك ماضي انتهى برجاله وبناسه، كانوا مخلصين، وأوفياء للحظة التاريخية "الله يكثّر خيرهم"، أعطوا ما أعطوه، ولكن الآن، ينبغي على الجيل الجديد أن تكون له أسئلته الأخرى. ينبغي أن يعرف بأن عليه أن يؤسس مسرحا انطلاقا من كل التراكمات التي أبدعها المسرحيون ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر، وانطلاقا من الأدب العربي، من الشعر العربي، من المقامات ومن الحكاية، من الأغاني، من الأزياء الشعبية... تراثنا كله ينبغي أن نأخذه بعين الاعتبار لصناعة مسرح عربي جديد. ولذلك أعود إلى الاحتفالية كنظرية، لا أقول بأنها وصلت وحققت أهدافها، لأن أهدافها هي أهداف مفتوحة مثل الأفق كلما اقتربنا منه ازداد ابتعادا. ومن حق المبدع، بل ومن الواجب عليه أن يحلم، ليس هناك إبداع بدون أحلام. والأحلام الكبيرة هي التي تصنع الحضارات الكبرى. ألم يكن عباس بن فرناس الذي حاول الطيران حالما؟ وكل المبدعين الذين غيّروا العالم كانوا في رأي مجتمعاتهم حالمين ومجانين. وبالتالي لا ينبغي أن نبقى، باسم الواقعية والبراغماتية، منحصرين في اللحظة وأن نصوغ أحلاما صغيرة جدا، وأن نظل في حدودها. ينبغي أن نفكر كأمة، وبالتالي عندما أفكر، أفكر كإنسان عربي مسلم من مهامي أن أقرأ لكل المبدعين العرب، والمسلمين أيضا من عمر الخيام إلى ابن الرومي إلى الحكواتيين، إلى الفنانين الشعبيين إلى آخر الفلاسفة العرب الذين نعرفهم.

سؤال: لقد كانت اللغة وما تزال تطرح مشكلة بالنسبة للمسرحيين العرب في مجتمعاتنا التي تعاني من ازدواجية بين اللغة الشفهية واللغة المكتوبة. ولحل هذه المعضلة لجأ بعض الكتاب المسرحيين إلى استخدام العامية باعتبارها أكثر قدرة، في نظرهم، على التعبير عن الحياة اليومية، بينما ارتأى البعض الآخر أن الفصحى هي التي يمكنها أن ترقى بالنص المسرحي إلى مستوى الأدب. كيف يتعامل الكاتب عبد الكريم برشيد مع اللغة المسرحية؟

جواب: أعتقد أن اللغة مطروحة في المسرح العربي بشكل مغلوط، لأن الأساس هو اللغة المسرحية؛ واللغة المسرحية هي لغة الأزياء، هي لغة الحركة، هي لغة الرقص، هي لغة الإشارات، هي لغة الإيماء

سؤال: ولغة الكلمة في كل هذا؟ أم هي عنصر من بين كل هذه العناصر؟
جواب: لغة الكلمة هي عنصر من العناصر. فعندما نكتب نصا، ينبغي أن نترك مساحة للتعبير بالجسد، التعبير بالحركة، وبالإيماءة، وبالزي. وبالتالي سنجد في كثير من المهرجانات العالمية مسرحيات تقدم بكل اللغات، ومع ذلك، نفهمها، لأن ذلك المبدع يأخذ بعين الاعتبار أن المسرح، كما أسميه دائما: "مأدبة الحواس"، يخاطب السمع والبصر والذوق، وكل الحواس، حتى الحاسة السادسة والسابعة أو ما شاء الله من الحواس إذا كان هناك حواس أخرى. أنا أكتب بالعربية الفصحى

سؤال: في المسرحيات التراثية؟

جواب: في المسرحيات التراثية، ولكن لها علاقة باليومي، كمسرحية "امرؤ القيس في باريز". وكتبت بالعامية، ولكن ليست أية عامية، مسرحيات مثل: "الزاوية"، و"الحومات"، و"عرس الأطلس"، و"قرية اسمها الدنيا". وآخر مسرحياتي "يا ليل يا عين"، وهي موال يبدأ بهذه اللازمة، فيها شخصيات تتحدث بالفصحى. وهناك شخصيات تتحدث بالعامية، وتتواصل بالحوار شخصيات مثل المخبرين، وشخصية عبد الله المجذوب الصوفي الذي يتحدث بالعربية. لذلك فإن مسرحياتي التي كتبتها بالعربية قدمت في مختلف الأقطار العربية، ولكنها ليست عربية متقعّرة. فمسرحية "الحكواتي الأخير" قدمت، مثلا، بالجزائر بعربية يفهمها الجميع، لأن العربية، في النهاية، هي العامية ولكنها خاضعة للإعراب، حتى الجاحظ عندما كان يكتب عن البخلاء، ويكتب عن الحياة العامة لم يكن يكتب بلغة "البيان والتبيين"، ولكنه كان يكتب بلغة ناس، لغة قريبة من السوق، قريبة من الشعب. وهذه هي لغة المسرح. حتى عندما دخلت الصحافة أوجدت لغة جديدة، ليست هي لغة الكتب القديمة، وليست لغة الشعراء، ولكنها لغة المطبعة ولغة الناس. كذلك هو الشأن بالنسبة للمسرح، فقد أوجد لغة عربية فيها تعابير شعبية، عامية قريبة من الناس، من اليومي. ولهذا نرى أنه من الممكن أن نكتب بعربية فصحى، لأن ذلك يضمن لهذه النصوص أن ترحل إلى العالم العربي. وبعد ذلك من حق أي مخرج أن يجزئرها أو أن يعرّقها أو أن يمغربها... وقد رأينا بالأمس كيف أصبحت مسرحية "محمود تيمور" جزائرية، أو كيف أصبحت مسرحية "سعد الله ونوس" جزائرية. وذلك لأنها مكتوبة بلغة مفهومة.

سؤال: ولكن تبقى اللهجات أو العاميات العربية، مع ذلك، تمثل بدورها إشكالا فيما بين الأقطار العربية نفسها، فالمشرقي لا يفهم لغة المغربي، والعكس صحيح.

جواب: هو ليس مرغما أن يفهمها، لأن في المسرح ليس ضروريا أن نفهم، لأن المسرحي لا يقدم درسا، فالمسرحية فيها جرس، فيها خيال، فيها صور. لذلك فإن الفن ليس مطلوبا فيه الفهم المدرسي. إقرؤوا بعيونكم، إقرؤوا بقلوبكم، إفهموا بوجدانكم. أنا شخصيا عندما أريد أن أتابع أية مسرحية في أية لغة من اللغات ينبغي أن أبذل جهدا معينا، لكن أية لهجة إذا تابعناها من أول حوار يمكن أن نعرف مفاتيحها. ولذلك فإن اللهجات لا تختلف من شعب إلى شعب، ولكنها تختلف حتى داخل الأوطان. فهل لهجة وهران هي لهجة العاصمة أو عنابة أو قسنطينة؟ في بعض الأحيان هناك لهجات الأحياء، أي أن الأحياء لها لهجاتها، والأعمار لها لغات خاصة، فالابن والأب ليس لهما نفس اللغة. وبالتالي كيف نريد للمسرح الذي يعبر عن القيم الإنسانية والمكتوبة أن يتبنى لغات مقزّمة بهذا الشكل؟

سؤال: تعقد سنويا، تقريبا، المهرجانات والتجمعات المسرحية في مختلف الأقطار العربية، وتتبارى الفرق المسرحية لتقديم عروضها وتنال الجوائز، وتقدم التوصيات، وتطوى الملفات، وتعود في الأعوام المقبلة لتبدأ من جديد. ما رأيك في هذه المهرجانات؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن تقدمها للمسرح والمسرحيين العرب؟

جواب: من المعروف أن هذه التجمعات الإبداعية لم تأت من فراغ، وعندما نرجع إلى المسرح اليوناني القديم سنجد "الأولمبياد"، فقد كانت هناك مباريات ومهرجانات. والمسرحيات التي نعرف لكل من سوفوكل وأسخيلوس ويوربيدس كانت هي المسرحيات الفائزة في مباريات، تماما كما في الرياضة، وفي الجري، وفي القفز. وفي الشعر العربي، ألم تكن "المعلقات" نتيجة التباري في سوق عكاظ التي كانت تضرب فيه خيمة للتباري. والآن أليست السينما العالمية مزدهرة صناعتها بهاته المهرجانات؟

سؤال: ألا ترى أنه في كل مرة أتعرض فيها إلى مسألة، تلجأ إلى نماذج من المسرح الغربي لتؤكد فكرتك. وفي هذا ما يشير، بل يؤكد أن الآخر كان وما يزال يمثل نموذجا بالنسبة إلينا نقيس عليه كل إبداعاتنا وفنوننا؟
جواب: لا. الجديد في التأسيس الاحتفالي هو أنه لا ينحصر في إطار قومي ضيق، وإنما يأخذ المسرح كظاهرة إنسانية كونية عامة. والحضارة كونية، وما نسميه بالحضارة الغربية ليست غربية، هي إفراز حضارات مختلفة، وبالتالي فهي حضارتنا. حقا القطار واحد، ولكن هم الذين يقودون القاطرة، وفي مرحلة ما قادها آخرون. ولكن في إطار هذا القطار السائر الذي يقوده الغرب لدينا les wagons (القاطرات)الخاصة بنا، ولدينا des compartiments (مقاصير) نفعل فيها ما نشاء، ولنا فيها حريتنا؛ نغني فيها، نبدع فيها رقصنا وفننا.

 *جامعة الجزائر                       
قسم اللغة العربية وآدابها           
كلية الآداب واللغات الأجنبية               
                                   

الجمعة، 25 سبتمبر 2020

تواصل مداولات اﻷمانة العامة لجائزة صلاح القصب للإبداع المسرحي العربي

مجلة الفنون المسرحية 


تواصل مداولات اﻷمانة العامة لجائزة صلاح القصب للإبداع المسرحي العربي

تتواصل مداولات اﻷمانة العامة لجائزة صلاح القصب للإبداع المسرحي العربي بشكل متصاعد عبر الفضاء الرقمي استجابة لشروط السلامة الصحية في الظرف الراهن..
  وتمت مناقشة مجمل الموضوعات الخاصة بعمل الأمانة العامة للجائزة.. 
كما جرى التداول في عدد من المقترحات التي تقدم بها أعضاء اللجنة بخصوص ترشيحات الجائزة لدورة عام ٢٠٢٠ والتي أسفرت عن ترشيح عدد من الشخصيات حيث ستشهد الأيام القادمة الإعلان النهائي لمنح الجائزة.. 
وتم طرح ومناقشة عدد من المقترحات والطلبات التي وردت الى الأمانة العامة للجائزة من قبل عدد من الفرق المسرحية والمؤسسات الفنية والجمعيات والملتقيات الثقافية ومن قبل عدد من الفنانين المسرحيين والشخصيات الثقافية العربية..
وأكد اﻷمين العام للجائزة الدكتور رياض موسى سكران على ان اللجنة منفتحة على جميع المسرحيين والمثقفين من أصدقائنا وزملائنا وستكون مقترحاتهم موضع ترحيب واحترام وستحظى باهتمام جميع أعضاء الأمانة العامة للجائزة التي تقف على مسافة واحدة من الجميع ﻻ سيما ان اللجنة تضم في عضويتها مجموعة من النقاد والمسرحيين العرب الذين أسهموا في تشكيل المشهد المسرحي العربي..

الخميس، 24 سبتمبر 2020

التجريب والرقص الحديث في بيت الرقص في العاصمة ستوكهولم

مجلة الفنون المسرحية



 التجريب والرقص الحديث في بيت الرقص في العاصمة ستوكهولم


 
*عصمان فارس - ايلاف 

لتجريب والرقص الحديث في بيت الرقص في العاصمة ستوكهولم,فرقة برونو البرازيلية, وفرقة شوبانا الهندية البريطانية, ورشة عمل لكل فنون الرقص, منهاج مزدحم لريبتوار عروض فن الرقص من مدن وشوارع ومسارح العالم ,كلها فنون متطورة من الرقص وتتناغم مع الدم والمشاعر والعضلات لتشكل معجزة الجسد وسحر الروح الانساني ,وامكانية تطور وتاثيرها الفسلجي والنفسي وخلق صورة بصرية وحركية ,لخلق ملتقى لحضارات وثقافة الشعوب وبشكل تجريبي معاصر, ذو منهج ثقافي وانساني في مواجهة العنف والانغلاق الفكري ,يبعث النبض عن طريق الاحساس من الشارع الى المسرح, وعوامل تطور فن الابداع في الرقص التجريبي وتوفر المناخ الحر للجسد الانساني الحر, وعملية الاخصاب مابين الافكار المختلفة, وتحقق نتائج لمجموعة من البشر, والذين تتاح الفرصة امامهم للتعبير عن افكارهم وعن انفسهم ,من خلال حركة الجسد ربما لرفض حالة التمييز, تكون مصحوبة مع الموسيقى اوبدونه ,وكل انواع الرقص لها مضمون ثقافي وتعليمي, ومن العروض انتقالات مابين مسرح الرقص في الشارع وخصوصية الناس من شوارع نيويورك ,وحالة السود الى شوارع ريودي جانيرو في البرازيل وفرقة برونو, وانتقالا الى شوارع لندن وفرقة شوبانة والدم وملتقى الثقافات .

 لماذا الراب وموسيقى الهيب هوب والرقص في الشوارع ؟ موسيقى خالية من النمطية "فالهيب هوب تعتبر حركة ثقافية للسود في أمريكا, أو الأمريكيين الأفارقة وهم الأمريكيون من أصول أفريقية, وقد بدات منذ عام ١٩٧٠ ونشأت كرد فعل لما تعرضوا له من العنصرية" ,ولاظهار ثقافة وفن مستقل فيهم وكنوع من التعبير عن انفسهم ,وعن المشاكل من الفقر والبطالة والعنصرية و الظلم ,وأصبح الآن الرقص في الشوارع بريك دانس له منافسات ومسابقات في أمريكا وخارجها . كان الهذف من ظهور فن الهيب هوب هو إشغال الشباب السود في أمريكا للانضمام لفرق الهيب هوب, و المنافسة في الرقص والغناء بدل الانضمام للعصابات والعنف والمخدرات, برونو البرازيلي أعماله الشهيرة ، وسيكون الجمهور امام تجربة وثقافة الهيب هوب خالية من النمطية ,موسيقى الراب والحركة والقفز بعضلات مفتولة . في مشهد رائع أمام تسعة راقصين بمصاحبة المعزوفات الموسيقية المنفردة ، والعطاء ثنائيات ومجموعة قوية من متواليات التي تعطي رقص الشارع معنى جديدا, يشكل فرقة الجاز الالكترونية موحية وصوت أحذية الراقصين تماما ويكون سر الاختيار والرقص الثنائي الدويتو الرقص والحركة امتداد للموسيقى . البرازيلي برونو الكوريغراف يقدم اول عرض له في السويد لاول مرة مع الراقصين الشباب غروبو دي روا ، وهو ما يعني "مجموعة من الشارع" ،اسس برونو الفرقة سنة ١٩٩٦ من خلال تشكيلات من الشباب وانتقلت الى مناطق حضرية والى ضواحي ريودي جانيرو واستخدمت كل فنون الرقص المعاصر. هو بيل ترو خاصة كان قد اشرف على الرقصات, الآن له جذوره في الرقص في المناطق الحضرية في واحدة من أكبر ضواحي ريو دي جانيرو . بمرور الوقت تطورت الفرقة من مسرح الشارع باستخدام فنون الرقص المعاصر وتقنياته, وانتقلت الى اماكن ومدن عديدة في العالم, جلبت له النجاح وفرقته من الشارع إلى كل الأماكن في مدن العالم . الفرقة تتكون من مجموعة من الشباب المفتولي العضلات , جميل وبسيط شيء يجسد الطبيعة الهيب هوب ,من ومن الضروري الغاء حالة الوحدانية والتركيز على جميع الراقصين امتعونا بشيئ من شفرات الجسد والرقص الجميل ,شيئ رائع ؛ رقص الهيب هوب قوانينها سلوكية صارمة, عرضت في تحد أكبر من الثقافة في الداخل وكثافة الطقوس تقراصل الفرقة البرازيلية ربما اوحى الرقص لي وحركتهم كانهم شباب فريق كرة قدم يقدم العاب وحركات جميلة راقصة . طاقات شبابية هائلة خلال ساعة ترقص بدون كلل اوملل. ويجسد فكرة وجود دائرة الهيب هوب والشفرات. الرجال الذين كانوا يرتدون السراويل القصيرة أو الجينز فسيح ومختلف تي شيرت ، مجاميع وثنائي مميز في مجموعات أكبر.في أوقات يتحول الرقص والاداء دويتو يتواجهون في أزواج والقفز في الهواء ومواجهة البعض والاستناد على الارض بواسطة اليدين، ومن دواعي السرور ان تشاهد فريق راقص يفهم خصوصية الحركة واجساد رشيقة تملا الفضاء مع موسيقى لها تاثير في تكوين وشكل الحركة فقط شيئ واحد يثير الانتباه كيف فريق راقص من البرازيل اصحاب رقص السامبا وهنا فريق برونو الهيب هوب ورقص الشوارع في ضواحي ريودو جانيرو تسعة شباب ذكور دون وجود للعنصر النسائي ظاهرة ذكورية مرفوضة لمجتمع حضري مثل البرازيل نأمل من فرقة برونو البرازيلية في العروض القادمة ان نشاهد العنصر النسوي . فرقة شوبانا ايظآ اول مرة تزور السويد وهذا المشروع الهندي البريطاني في بيت الرقص في ستوكهولم وابراز وتناول مشروع حالة الصراعات ومختلف الثقافات في المجتمعات وكلمة الدم هي احدى الثيمات المهمة في هذا العرض وكذلك عزلة الشبات والتجمعات الاثنية وخاصة في العاصمة لندن ونفس الظاهرة موجودة في ستوكهولم عندما يلتقي الشرق مع الغرب من نافدة ثقافة فن الرقص وخلفية الاصوات وهو صوت السوبرانو والايقاعات المتنوعة صوت ينعش القلوب وينساب كمياه الشلالات، رقص هندي يتميز من خلال حركة اليدين والقدمين المميزة, رقص كلاسيكي يتناغم وينسجم مع روح العصر والرقص التجريبي المعاصر.اما فلم الفديو الاسود والابيض وحركة الشباب في شوارع خالية وبيوتات جميلة مقفلة الابواب والشبابيك توحي لانغلاق الروح, شباب يتحرك مع حوارات صامتة وحالات التشنج في الوجوه ,ومرور رجل عجوز مع عكازته توحي للماضي والحاضر جيل الشباب, اظلام ثم بقعة حمراء وداكنة للشباب بملابس عصرية وربطة العنق, وهم في وسط عمق المسرح حركات سريعة من اللف والدوران وحركة اليدين وارتفاع السيقان والرقص وفق اتجاهات مختلفة, كلها مدلولات قريبة منالرقص والايقاع الهندي وبتواجد العنصرالنسائي يغير كل موازين القوى ويضيف نكهة جمالية لرونق التشكيلات


 ويتحول الرقص الجماعي والدويتو مع اختلاط وانسجام ليونة الاجساد مع نعومة جسد المرأة المحمول على الاكتاف والارداف،مفتاخ الرقص يبدأ من الدم في عرض فرقة شوبانا وخاصة ماحصل سنة ١٩٦٦ ,والشيئ الدراماتيكي المدهش والجميل في هذا الرقص, هو الرقص الجماعي مع السينوغرافيا ,وطريقة الكوريغراف شوبانا هو الروح الجماعية وتلاحم الاجساد . زارت فرقة شوبانا اول مرة السويد لتقديم عرض راقص على المسرح الكبير في بيت الرقص في ستوكهولم ضمن هذا الموسم المزدحم بالعروض, والكوريغراف شوبانا بريطانية من اصل هندي وهي مثل اكرم خان البريطاني من اصل بنغالي. البداية شاشة يظهر فلم لشاب يتجول في شارع مع ظهور بيوتات وابواب وشبابيك مقفلة توحي الى مدينة يلتقي الشاب الاول مع الثاني حديث صامت يوحي الى محاولة تقديم شيئ, ينتهي الفلم بظلام وظهور الراقصين والراقصات في وسط المسرح . منذ التمانينات تعمل الراقصة الهندية والكريغراف شوبانا في ملتقى ومحفل الحضارات والثقافات المتعددة, من خلال فرقتها وتقديم عملين الدماء , وفالنتين الحب والتعايش السلمي والعرض عبارة عن مزيج من الرقص الكلاسيكي الهندي والممزوج بنكهة العصر, رحال يرقصون مع ربطات العنق ونساء يرتدين الثوب, رقص فيه نوع من التشابك والمواجهة وحركات رشيقة مع استخدام لعضلات وحركة اليدين ,والتحليق والطيران بواسطة القدمين،وقد حصلت فرقة شوبانا على العديد من الجوائز في المهرجانات داخل بريطانيا وفي الخارج. والرقص زائدآ الفلم في المقدمة يظهر بوضوح حالة التوتر والتشنجات في المجتمعات الاسيوية في بريطانيا, مصحوبة بايقاعات وموسيقى منسجمة ومتناغمة مع حركة الراقصين, وتشابك الايدي مع الراقصات. والعرض يستغرق ٨٠ دقيقة مع فترة استراحة

هكذا عروض كانت قبل جائحة كورونا كنا نشعر بالفرح والسعادة
* مخرج وناقد مسرحي السويد

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2020

حقيقة الحاجز الوهمي "الجدار الرابع" / جوزيف الفارس

مجلة الفنون المسرحية


قراءة في تجربة الكاتب العراقي عمار سيف في الكتابة لمسرح الطفل / عدي المختار

مجلة الفنون المسرحية



قراءة في تجربة الكاتب العراقي عمار سيف في الكتابة لمسرح الطفل / عدي المختار 

في زمن القسوة هل مازل هناك متسع لاحلام الطفولة ؟! 

دائماً ماكنت اسأل نفسي قبل سنوات , اي قبل ان اتعرف عليه شخصياً,عن اي طفولة يكتب ابن الناصرية عمار سف ؟ هل لازال هناك متسع من الفرح للطفولة العراقية ؟ ام انها بوابة للشهرة لا اكثر؟ , ام هي مجرد اضغاث احلام يحلم بها هذا السومري العنيد ؟, ففكرت ذات يوم ان اقرأ له فعشقت ماكتب بحق ورسمت له صورة في مخيلتي كنت اتمنى ان تكون هي كذلك في الواقع , فكانت هي بالضبط حين التقيته اول مرة الا وهي ( رجل بروح طفل ) , بابتسامته وخفة دمه وحتى مشاكسات الطفولة كلها تجسدت بهذا الرجل الذي تمنيت في يوم من الايام ان اكتب عنه وعن مايقدم من ابداع حقيقي للطفولة ليست العراقية فحسب بل العربية , حتى صادف يوم كئيب من ايام العزلة المنزلة فارسل لي مخطوطته التي ينوي طباعتها فكانت خير ونيس في وحشة الايام الكاروونية فجأت لحظة الكتابة .

يؤكد النقاد والمنظرين في مجال الكتابة المسرحية للطفل ( إن ميدان الكتابة للطفل من أصعب ميادين الأدب و ليس كل من يريد الكتابة للأطفال يستطيع ذلك، لأن الكتابة للأطفال تتطلب من الأديب أن يتحلى بمجموعة من المزايا التي تجمع بين الموهبة و اكتساب اللحسّ الطفولي الذي يسمح له بالتوغل إلى عالم الطفل بعفوية و دون تكلف، إضافة إلى احترامه لطبيعة الأسلوب الذي يكتب به للطفل و هو يختلف عن ذلك الذي يكتب به للكبار ) وهنا تحديداً تكمن ثيمة التجربة الكتابية للكاتب عمار سيف, وبدلالاتين مهمتين (الموهبة واكتساب اللحسّ الطفولي) و (احترامه لطبيعة الأسلوب الذي يكتب به للطفل), فهو طفولي الطباع والبراءة بالفطرة , ونقي السريرة بعفوية الامر الذي انعكس على روحية واسلوبية كتاباته بالمجمل فحقق بها الدلالة الثانية الا وهي احترام طبيعة الاسلوب الذي يكتب به للطفل ومن يقرا نصوصه يتحسس هذا الاحترام الاسلوبي في مايجترح من قصص محببة للطفل وقريبة منه بشكل كبير , وايضا فيما يحرثه من سرد درامي متقن يوازن فيه مابين الاليات الصارمة لكتابة النص المسرحي ومابين سلاسة البناء الدرامي وفق مبدأ السهل الممتنع .

هذا الطفولة الحالمة والقابعة في حنياها والتي لا يرغب بمغادرتها حتى بعد اخذ العمر منه مأخذه يضاف لها الوعي الاسلوبي الذي امتلك ناصيته جعلته اليوم في صدارة الكتاب العرب الذين يرسمون للطفولة العربية الضائعة مسارات مسرحية لعالم افتراضي يبدء بحلم مخالف تماما للواقع ألا لاانه يبقى حلم يرى الكاتب عمار سيف ومن معه من كتاب الاطفال ضرورة ان يعيشه الاطفال حتى ولو كان على خشبة المسرح وليس خشبة الحياة الواقعية ,باثاً من خلال مايكتب حزمة من الاخلاقيات والتعليمات والفضائل والافعال التي تحفز المخيال الجمعي للاطفال وتحفزهم لاتباع ماهو جيد ونبذ ماهو غريب على المجتمع .

هو لا يريد ان يزيد عالم الاطفال قتامة عبر نصوصة بل بالعكس فنصوصه مفعمة بالحيوية والابتسامة والمشاكسات الطفولية الا انه في ذات الوقت يحاول عبر نصوصه وبشكل غير مباشر ان يبث فيه روح الترفيه المسؤولة في عالم الطفولة وان يجعل من عالمه عالم طفولة مسؤولة فيمايطرح من قصص توعوية او فيمايقدم من ثيم ثانوية عبر كل نص فهو تماماً يسير دون ان يدري نحو نظرية الطفولة المسؤولة التي اسس لها قسم رعاية الطفولة في العتبة الحسينية المقدسة حينما تبنوا مهرجاناً دوليا لمسرح الطفل بثيم واهداف مغايرة لمسرح الطفل السائد , مسرح لا يغيب فيه الترفية عملية بناء منظومة شخصية الطفل بشكل مسؤول وبشكل غير مباشر سعياً لتأسيس طفولة مسؤولة تعرف غدا ماتريد وتثقفت بمايكفي لتدير المستقبل بشكل مثالي غداً , هذا التأسيس ترى يتجلى في جميع نصوص الكاتب عمار سيف فهو يعرف مايريد من كل نص ويمارس هوايته الكتابية بمسؤولية طفولية عالية لذلك حقق نجاحا باهراً على الخشبات والمهرجانات العربية وهو انجاز يفخر به كل كتاب المسرح العراقي .

الكتابة للطفولة في زمن القسوة ببلد كالعراق يعمد الطفل فيه حينما يولد بتراب السواتر وبترنيمة الـ( دللول) الموجعة ,ولا يعيش طفولته كما هي لا في البيت الحزين , ولا بالمدرسة التي تدرس ولا تربي , ولا وفي المجتمع القاسي الذي لا تحترم فيه الطفولة الا من التمعات هنا وهناك لا تغطي مساحة الطفولة على طول ربوع الوطن , تعتبر الكتابة هنا اما جنون او ترف , فالكاتب و الروائي المصري المعروف صنع الله إبراهيم  يقول « و كنت أشعر بالفضول تجاه أسرار الطبيعية ، فقمعت المدرسة هذا الفضول ، وفيما بعد أتيحت لي فرصة إشباع الإثنين معا من خلال الكتابة للأطفال » وهذا ماسار عليه الكاتب عمار سيف , فهو غادر كل هذه القسوة ليس جنونا ولا ترفاً بل من اجل ان يرمم ماتبقى من الواقع المأزوم عبر صناعة جيل عليه ان يغير معادلة المستقبل غداً .

يبقى من ناحية الاسلوبية الكتابية كيف تقرأ التجربة هنا وتؤشر لنجاحها , فبالتأكيد تقرأها عبر المقومات الاساسية للكتابة والتي حرص الكاتب عمار سيف على المضي بيها ليكتسب نصه اشتراطات الكتابة للطفل والتي اشار لها الدكتور هادي نعمان الهيتي في كتابه (أدب الأطفال : فلسفته ـ فنونه ـ وسائطه) حينما اكد ( ان اسلوب الكتابة للطفل ينحصر في أساسيات أربع و هي( الاقتصاد-  الوضوح – القوة- الجمال) ) , فالكاتب عمار سيف قدم افكارة بكل نصوصه باقتصاد تام ولم يرهق الطفل ولم يكلفه جهد كبير في تتبع ثيمة العمل او تفسير الحوارات الدالة له , اما الوضوح لديه لا يعني الاستسهال بل الوضوح هنا يسهم في استفزاز مخيلة الطفل وتفاعله مع النص( تركيبة وحوارا وثيمة ومشاكسات), وكل هذا تمثلت في قوة الاسلوب الذي كتب فيه الكاتب سطور نصوصه عبر توظيفه للكلمات المعبرة الثرية بالمعاني وكذلك الحوارات القصيرة الدالة وايضا التوصيفات المثيرة للطفل,وبالنتيجة فأن عملية التناغم مابين الأصوات و المعاني والتعابير السلسة الموحية و التناسق بين الأفكار والمواقف صنع جمال الاسلوب النصي والذي انعكس على العروض فيما .

السؤال الاخير هنا من كل ماتقدم , هل مازل هناك متسع لاحلام الطفولة في زمن القسوة ؟! , بالتأكيد اجاب عليها الكاتب عمار سيف عبر تجربته الكتابية المهمة للطفل والتي كان مجسداً بعنوان نصه ( رسائل الصغار تحلق عاليا) علها تجلب لنا مطر الرحمة ليسقي عجاف الارض او ان يحيل الاطفال احلامهم الى مستقبل اخر لن يعيشه الكاتب بالتأكد الا انه استشرفه باحلام نصوصه  .

الاثنين، 21 سبتمبر 2020

القداس الطقسي شكلا هو امتداد للمسرح الاغريقي واليوناني / جوزيف الفارس

مجلة الفنون المسرحية



القداس الطقسي شكلا هو  امتداد للمسرح الاغريقي واليوناني / جوزيف الفارس


تجربتي مع هذا المسرح الديني :

في بداية خطواتي مع هذا المسرح , كنت في عالم يختلف عن هذا العالم من المسرح , عالم يتضمن التجارب الحياتية الواقعية والاختبارات الذاتية , لاصبها في اطار نص يحتوي على المضمون الفكري , وخلق شخصيات واقعية من واقعنا , تحمل معانات حياتها ونظرتها الى الحياة القاسية , لما تعانيه من ظلم الواقع , ورجاله اللذين بدأو بتسييس الحياة الدنيوية ( الثقافية والاقتصادية والفنية ) .
نتيجة هذا التسييس الحياتي , انقسمت الافكار والنظرة الى الحياة الواقعيه , كل منها ينتمي الى الفئة التي فيها مصلحته الشخصية والتي كان قد افتقدها في سنين حياته , ولهذا اختاريت ان اصب افكاري في نصوص عمالية , اضافة الى النصوص المنحازة الى الطبقة الفقيرة المعدمه لانكر ذاتي من اجل المصلحة العامه , وقد يكون سببا لهذا الاختيار هو انتمائي الى هذا الواقع الذي عشت وترعرعت فيه , فكانت علاقتي مع المسرح العمالي علاقة اسروية  زادتني خبرة و ساعدتني على اجتياز الكثير من الصعوبات التي صادفتني مع هذا المسرح , هذه التجربة هي بالحقيقة كانت مدرسة خاصة واسلوبا  في حياتي الفنية شخصها الكاتب صباح عطوان , ومن عمل معي في المسرح العمالي , حيث كانت جميع اعمالي المسرحية قلما تخلو من المسطحات الارضية والمتباينة المستويات , والاضاءة ذات الالوان والمؤثرات التعبيرية , اضافة الى الموسيقى التصويرية , والتي كنت اهتم بها اشد الاهتمام , ولهذا كنت دائما في زيارة الاب الفاضل القس الموسيقار فيليب هيلايي رحمه الله واسكنه جنات الفردوس لاستعين به في اختياراتي للموسيقى التصويرية لمعظم اعمالي المسرحية  .
ففي احدى الزيارات الخاصة , وجدته منهمرا في تهيئة لمؤتمر ديني يطبع نصا لطقس القداس الالهي اي ( خدمة القداس ) فاستاذنته بنسخة اخذتها لي من تلك النسخ المطبوعه والتي كانت مخصصة لتوزيعها على المؤتمرين , فلما اطلعت على هذا المطبوع , واذا به محاورة مابين الكاهن والشماس , اضافة الى وجود الجوقه والتي موجودة في كل كنيسة , بتراتيلها الدينية وترانيمها الكنسية , وهنا توقفت مليا , لاسترجع بذاكرتي وما تحمله ثقافتي عن المسرح الاغريقي واليوناني وعن بدايات هذا المسرح من خلال طقوس دينية وثنية  ومحاورة مابين كاهن المعبد , او الشاعر والجوقة , ليعبروا من خلال طقسهم الديني عن مراسيم الاحتفالية والاحتفاء بالهتهم الاسطورية , وبحضور المتعبدين من الشعب اليوناني والاغريقي , باستثناء مضامين طقوسهم , والتي كانت تختلف اختلافا كليا عن مضامين وجوهر الطقوس الكنسية , حيث انهم كانوا يقدمون الولاء والعبادة لعدة الهة ولكل منهم مناسبة يمجدونه في يوم من ايام السنة الاغريقية ( تعددية الالهه) اما  في طقوسنا الكنسية تميزت ب ( وحدانية الاله ) وانما لدينا تذكارات لجميع القديسين , يحتفي بهم وبسيرتهم المقدسه , فقارنت مابين تلك الطقوس وطقوسنا , فاستنتجت مايلي :
يتم تقديم الطقس الديني في المسرح الاغريقي واليوناني عن طريق الشاعر , والذي ياخذ بزمام المبادرة في التقديم ( التمثيل ) والذي كانت تتضمن قصائد تبجل من خلالها الالهة الاغريقية واليونانية , عن طريق سرد اساطير وحكايات شعرية تتكلم عن بطولات ومقدرة ذالك الاله في السطوة والبطش على الاعداء, وعقوباته الصارمة بحق من يعصي تعليماته وشرائعه السماوية , وفي طقوسنا ايضا , يوجد من يعوض عن الشاعر في المسرح الاغريقي واليوناني هو الكاهن , الذي يقوم بخدمة القداس , وتقديم فرائض الطقس الديني , من خلال محاورة مابينه وبين خادم القداس والذي نسميه ( الشماس ) .
في طقسنا الكنسي , يوجد الكاهن والذي يقوم بمقام الشاعر في الطقس الاغريقي اليوناني والذي تطور من شاعر واخر يقوم بتمثيل مايلقيه الشاعر من قصائده , وكذلك الحال مع طقسنا الكنسي , والذي يساعده بتقديم هذا الطقس هو الشماس , اضافة الى الجوقة الكنسية , كما كان الحال في الطقوس الاغريقية واليونانية .
ان من مقومات وعناصر تقديم الطقس الكنسي هو , الكاهن والشماس والجوقة والمتعبدين ( الجمهور المتلقي ) كما كان الحال مع مقومات وعناصر تقديم الطقس الاغريقي واليوناني , من الشاعر ومساعده والجوقة والمتعبدين ( الجمهور المتلقي ) انما الاختلاف الكلي مابين الطقسين هو اختلاف( جوهري وعقائدي ولاهوتي ) حيث كانت تتضمن الطقوس الدينية الاغريقية اليونانية تعددية الالهة : منهم جوبتير , ديونيسيس , كيوبيد  , مارس , ---- الخ  , حيث كان الاعتقاد ان لكل منهم سطوة على القوى الخارقة في الطبيعة –مثل الامطار والحرب والرعد والحب والخمر ----الخ , اما في الطقوس الكنسية هناك اله واحد يختلف اختلافا جوهريا ولاهوتيا عن الالهة الاغريقية , وهذه الالهة الاغريقية اليونانية ,تنتمي الى الديانة الوثنية , انما نجد في طقوسنا المسيحية الكاثوليكية والارثوذكسية , تشابها مابين الطقسسين من حيث الطرح والشكل والاسلوب انما باختلاف المضمون والعقيدة  , والحالة الايمانية النابعة من الايمان بالله  الواحد , والخالق للارض والسماوات , اضافة الى كل هذا يوجد تشابها في حالات التفاعل عند المتلقي مع مايطرح من الطقسين في التنفيس والتطهير ( الارسطوطاليسي)  .
ففي احدى زياراتي الى كنيسة حافظة الزروع في بغداد ( منطقة البياع ) التقيت مع الاب الفاضل , على مااعتقد كان اسمه الاب فادي او الاب مفيد ,في حينها كان  اعضاء شبيبة الكنيسة , يقدمون عملا مسرحيا كنسيا عن الام السيد المسيح , وباشراف هذا الكاهن الفاضل و وبمساعدة الشماس اسطيفان ,ففرحت لهذا النشاط المسرحي , واثنيت على هذا النشاط بعد انتهاء التمرين المسرحي , وتقديم الملاحظات والتي من شانها دعم هذا العمل المسرحي المتواضع , وبدات اشرح لهم عن المسرح الكنسي الديني , وماهي فوائده , وماهي مقومات نجاحه , بعدها اقترح عليا الاب الفاضل بعمل مسرحيي للكنيسة , انما من المؤسف لم يستمر لقائنا مرة ثانية  , لترشيحه في دراسة لاهوتية الى روما , حيث سافر انما انا بقيت مستمرا  بتعاوني  مع الكاهن الوكيل الاب الفاضل ماهر كورييل واخوية شابات وشباب الكنيسة , فكانت فرحتي لا توصف ولا سيما انها فرصة لتقديم مسرحية القداس الالهي والتي اعددتها لهذا العرض التجريبي , بعد ان ادخلت على نص القداس الالهي المشاهد المسرحية والتي عوضت عن قراءة الكتاب المقدس , وذلك بمسرحة قصة من قصص الكتاب المقدس ( المراة الزانية )وكذلك مشهدا اخر عوضا عن موعضة الكاهن مابعد قراءة الكتاب المقدس متناولا موضوع (الحشمة والاحتشام ) وانهيت القداس الالهي بالمشهد الاخير والذي ينبذ الخمر والسكر , وكما هو موجود في الكتاب المقدس ( احذروا ,  ان لا تاتيكم ساعة المنيه , وانتم في حالة الخمر والسكر ) .
وكان يساعد العرض المسرحي ترانيم الجوقة الكنسية , ولا سيما في تغيير المشاهد ودخول شخصيات جديدة وخروجها بعد انتفاء الحاجة لها على المسرح , انما يبقى الكاهن مستمرا بتكملة خدمة القداس ومتحاورا مع من يتعاون معه على هذه الخدمه المقدسه ( الشماس ) وهم يؤدون الذبيحة الالهيه من على المذبح .
المعالجه الدراميه في المسرح :
احبتي  , غالبا ما نلاحظ بان مسرحة اي نص ادبي ثقافي كان , من الظروريات جدا تغيير الاطار والشكل , ومعالجة طرح المضمون باسلوب فيه من الحبكة , والبناء الدرامي  , وبما ان الانتاج الادبي , ولا سيما المقروء , يحتاج الى معالجة دراميه , فمن الضروريات مراعات اهم مقومات وعناصر الدراما وتكييفها على ضوء ماموجود من المادة المقروءة , فليس كل مايقرأ من المسرحيات , يصلح للعروض المسرحية , انما هناك نصوص مسرحية تقرأ ولا تمثل , ولاسباب منها : قد تكون خالية من الفعل و البناء والحبكة وعنصر التشويق ---- انما , من الممكن اعادة صياغتها , ومعالجتها , بحيث تصبح مؤهلة للعرض المسرحي .
وهكذا كانت مسرحية القداس الالهي , عبارة عن طقس ديني احتفالي تقليدي , انما انا ارتأيت ان اعالج تقديم هذا الطقس باسلوب درامي خالي من الرتابة والملل , وكسر حاجز التقليد , والخروج عن هذا الطقس التقليدي , واستبداله بعرض مسرحي فيه من الفعل و البناء والتفاعل مع العرض , من خلال استحداث مشاهد درامية تحاكي القصة الاصلية والمقتبسه من الكتاب المقدس , وهذا المشهد فيه من عنصر التشويق والاثارة  , وباسلوب تقني ومتكامل العناصر الفنية من ديكور بسيط واكسسوارات بسيطة ايضا , اضافة الى الاضاءة الملائمة , والملابس التي من خلالها تجسد هوية الشخصيات والمشاركة  في طرح المضمون للطقس وباطار يشوبه من الابداع والجمال , ليضفي على الطرح فنا دراميا وجديدا يختلف عما سبقه من الطروحات التقليدية , ولا ننسى ماللاصوات الجيدة والمتناغمة مع بعضها تزيد من جمالية العرض وتضفي متعة الفرجة المسرحية , وهنا ياتي دور الجوقة بترانيمها العذبة ,لتساعد على ربط المشاهد المسرحية فيما بينها , والمحافظة على ربط الجمهور المشارك بهذا العرض المسرحي للمشاهد السابقة وتهيئته ذهنيا ونفسيا للمشاهد اللاحقة من العرض المسرحي  , ففي هذا الاسلوب لجأت الى مايلي :
اولا---- الخروج عما هو تقليدي ومكرر في خدمة القداس الالهي  . 
ثانيا ---- التعويض عن كلمة الكاهن وخطبته , بالمشاهد الحوارية والتي اعدت كبديل لموعظته .
ثالثا ---- مشاركة الموسيقى التصويرية والديكور البسيط والاضاءة لتجسيد احداث المشاهد الممسرحة وتقديمها                  باسلوب فيه من الفن وجمالية الحركة , اضافة الى هذا , ان المشهد الممسرح لم يخلو من الصراع والحبكة ,           وبهذا نكون قد قدمنا شيئا جديدا وغير مألوف للجمهور , اضافة الى هذا انني ابعدت الرتابة والملل , في هذا            الطرح الجديد .
رابعا ---- كان للجوقة الكنسية , العنصر الفعال والمساعد على اضفاء حالة المتعة للمتلقي , اضافة الى انها تساعد               على المحافظة  للحالة النفسية للمتلقي في متابعته للمشاهد الحوارية السابقة والاحقة , وكما كانت وظيفته              في فن الدراما الاغريقية واليونانية , وبهذا تكون الجوقة قد ساعدت المتلقي في الحفاظ على استقبال                    المضمون , والمشاركة الوجدانية والتفاعل مع ما يستقبله من الطقس الديني , بحيث ان هذه المشاركة                  الوجدانية تساعد المتلقي على التنفيس والتطهير الذاتي ( النظرية الارسطوطاليسية ) وبهذا تكون وظيفة                الجوقة قد حافظت على متابعة الجمهور المشارك المتلقي , وبشكل يخدم العرض المسرحي  .
خامسا ---- شاركنا الجمهور في لعبة تقديم هذا الطقس الكنسي , من خلال تواجد الممثلين بين الجمهور المتلقي ,                  محاولين تغيير نمط جلوس الجمهور المشاهد في مشاهدة العرض المسرحي الطقسي , وجلوسهم على                   جانبي القاعة , وهم يتابعون مايدور من احداث العرض المسرحي في وسطهم( اي في وسط قاعة الكنيسة)             فأنا في هذا العرض المسرحي , ابعدت الرتابة والملل , وجعلت المتلقي يتابع الاحداث , وبفرجة ممتعة , مع             انغام الجوقة الكنسية , والتي كانت العنصر الرئيسي في عملية المشاركة الوجدانية مابين العرض  والمتلقي 
           علما ان ماتطرحه الجوقة من الترانيم الكنسية ماخوذة من القصص الدينية والمستمدة معانيها من مضمون              مايطرحه الطقس الكنسي من حالة الايمان المسيحي وعقيدة الاله الواحد , مختلفا بهذا الجوهر عن المسرح              الاغريقي واليوناني والذي يؤمن بتعددية الالهة . 
الهة الاغريق واليونان والرومان :  
مادمنا في صدد تطرقنا الى هذه الالهة , فانها متشابهة بالفعل والمضمون , ومختلفة الاسماء مابين تسميات الاغريق واليونانيين والرومانيين , وكل من هذه الالهة لها قوة خارقة وسطوة بطش في العقاب والغضب ,واذا ماغضب اله من هذه الالهه يصب لعنته ويحدث دمارا ْمأساويا بحق من يعبدونه , ولهذا ارضااء له تقدم له القرابين وفي مناسبات ثابتة , يحتفلون باقامة مهرجانا احتفاليا يقدسونه , ويعظمونه , اكراما له , وعن طريق الشعراء اللذين يتضرعون دعاء , وصلواتا من اجل ارضائه وصب بركاته على شعبه المتعبد له , وعن طريق الوسيط والذي هو كاهن المعبد , والمتنبىء بالمستقبل الماساوي , او المستقبل السعيد , وتقدم شعائر الاحتفال عن طريق الشعراء , والذين ينظمون قصائدهم , يحكون من خلالها عن الاساطير ممجدين بهذه الالهة , وقوة جبروتها  .
وقد تعددت الالهة عند الاغريق واليونان والرومان , ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر مايلي :
اولا ---اله الالهة ( زيوس , او القسم الاخر يسمونه جوبيتير )
ثانيا ----افروديت ( الهة الحب والجمال )
ثالثا -----اثينا ( الهة العقل والحكمة )
رابعا ---- ديمتيريوس ( الهة الزراعة والخصب )
خامسا ---- ابولو ( اله الفنون والموسيقى والشعر )
سادسا --- مارس ( اله الحرب والدمار )
وهناك الهة للامطار والرعود والبرق وللعواصف والخمر , فكان كتاب القصائد الشعرية يمجدون هذه الالهة و ويتكلمون من خلال قصائدهم عن عظمة وجبروتهم, بحكايات وقصص اساطيرهم الخارقة , ومن اشهراولائك الشعراء هم ( اسخيلوس , ويورلابيدس , وهوميروس , وثمبيوس ) .
مصادر المسرحيات الطقسية الدينية المسيحية الكاثوليكية : 
بعد انتشار الديانة المسيحية في العهد الروماني , حيث سادت هذه العقيدة الايمانية عند معظم الرومانيين , وانتعشت الكنيسة الكاثوليكية , من خلال اساليبها التثقيفية , والتبشيرية في شرح ابعاد هذه العقيدة المقدسة ,
والتي جائت لتدحض تعددية الالهة مبشرة باله واحد , وعن طريق وسائلهم التثقيفية , ومنها المسرح الديني,
والذي كانت تشتق افكاره من الكتب السماوية المقدسة وتقديمها باسلوب مسرحي , محاولة من الكنيسة الكاثوليكية , لبث عقيدتها الدينية ,مشتقة حكاياتها من الكتاب المقدس ( عن الالام , وعن الولادة , وعن القيامة ) وكانت منفردة بهذا الاسلوب والشكل في تقديم عروضها المسرحية , والتي كانت في حينها  مقتصرة على الممثلين من الكهنة فقط ,  وفي هذه الحقبة الزمنية , توسعت انشطة الكنيسة  وتطورت اساليبها التبشيرية وانفتحت على العالم , مخترقة حدود المشاركات المسرحية , حيث سمحت للعلمانيين بهذه المشاركه , وتقديم العروض المسرحية الدينية جنبا الى جنب مع كهنة الكنيسة انذاك , فقد قدمت عروضا مسرحية دينية كثيرة منها ( مسرحية المحرقة السعيدة --- القديسة جاندارك ---الابن الضال  والتي قدمت في العراق فيما مضى بهذا الاسم  وعن طريق الاباء اليسوعيين  ---- ومارتوما الرسول ---- وقصة الالام ---- والمراة الزانية ---الخ ) وكثيرة هي المسرحيات والتي قدمت عن طريق الكنيسة والتي كانت قد حرمت العروض المسرحية  في بداية ظهورها, الا انها تراجعت عن هذا القرار , بعد يقينها بان لهذا المسرح الديني , فوائد جمه , في التثقيف والتبشير , جنبا الى جنب مع كهنة الكنيسة , واثبتت فوائد المسرح الكنسي , بان مايقدمه من العروض المسرحية الدينية الكنسية لا يقل اهمية , عن تقديم اية ندوة ثقافية او موعظة دينية ,ومن اشهر المسرحيات الكنسية والتي قدمت في كنائس بغداد هي :
اولا ---- مسرحية القداس الالهي ---- من اعداد واخراج , جوزيف الفارس , في كنيسة حافظة الزروع في              البياع .
ثانيا ---- مسرحية في انتظار المخلص -----تاليف واخراج , جوزيف الفارس , في كنيسة حافظة الزروع 
ثالثا ----- مسرحية الصوت الصارخ ---- تاليف واخراج , جوزيف الفارس , في كنيسة ماريوحنان في                   الميكانيك .
رابعا ---- مسرحية توما الرسول ---- تاليف واخراج جوزيف الفارس , عن قصة للكاتب الياس القصاب ,               وقد انتجت من قبل  كنيسة الرسولين بطرس وبولص في الصناعه , وعرضت من على مسرح الجمعية الخيرية الارمنية في كمب ساره في بغداد . .
اما المسرح الكنسي الديني في استراليا , سدني , فقد ساهمت كنيسة مارتوما الرسول للكلدان والاثوريين   الكاثوليك و بعدة مسرحيات منها ؛
اولا ----- مسرحية حلم في منتصف ليلة ايار ---- تاليف واخراج جوزيف الفارس 
ثانيا ------ مسرحية غفران ----- تاليف واخراج جوزيف الفارس 
ثالثا ----- مسرحية مارتوما الرسول ---- تاليف واخراج جوزيف الفارس 
          واما الكنيسة المشرقية في كنيسة القديس زيا , فقد قدمت فرقتهم المسرحية الشبابية مسرحية دينية          تناولت من خلالها سيرة القديس خادم الكلمة ----مارزيا – واضا من تالف واخراج جوزيف الفارس .
في ختام هذا البحث اعزائي القراء ارجو انني قد سلطت الاضواء على تجربتي مع المسرح الكنسي الديني , مستعرضا بدايته من خلال المسرح الاغريقي اليوناني والروماني وتطوره ,وامتداده للمسرح الكنسي المعاصر , وما توصل اليه هذا المسرح من تطور في اساليب عرضه ومضامين عقيدته الايمانية في عصرنا الحاضر .


الأحد، 20 سبتمبر 2020

مسرحية " الحقيقة ...العلموعقلية " تأليف :محمد عبابو

مجلة الفنون المسرحية


السبت، 19 سبتمبر 2020

خزانة ذاكرة مهرجان دمشق للفنون المسرحية 1969 – 2010 إصدار جديد للهيئة العربية للمسرح

مجلة الفنون المسرحية


خزانة ذاكرة مهرجان دمشق للفنون المسرحية 1969 – 2010 إصدار جديد للهيئة العربية للمسرح

اسماعيل عبد الله : هذه الخزانة هديتنا لمهرجان لعب دوراً هاماً في تكوين وعينا المسرحي على امتداد الوطن العربي.
يوسف عايدابي : انطلق مهرجان دمشق عام 1969 وحدثت الزلزلة المنشودة بعودة الوعي الى المسرح العربي.

صدر حديثاً عن الهيئة العربية للمسرح، ضمن مشروعها التوثيقي خزانة ذاكرة المسرح العربي، إصدار جديد هو "خزانة ذاكرة مهرجان دمشق للفنون المسرحية 1969 – 2010" الذي قام بإعداده وتجميع مادته الباحث السوري عبد الناصر حسو.
المجلد الذي جاء في 490 صفحة من القطع الكبير، حمل بين دفتيه وقائع غنية من مهرجان دمشق للفنون المسرحية، قيدوم المهرجانات العربية، ومشعل شرارتها، المهرجان الذي شكل منذ انطلاقته وعلى مدى دوراته محجاً للمسرحيين والمفكرين العرب، فإلى جانب ثبت برنامج العروض والندوات، فقد وثق الكتاب مجريات الندوات الفكرية بشكل خاص، لذا فهو يعمر بكلمات وأصوات ومواقف فكرية لأسماء لعبت دوراً مهماً في حياتنا الثقافية العربية، ويوفّر الإصدار الفرصة لإنعاش الذاكرة المسرحية العربية ومعرفة المهتمين والباحثين والدارسين كما يحفظ ويصون منجز مهرجان هام كمهرجان دمشق الذي طرح السؤال منذ ولادته، وعن ذلك يقول د. يوسف عايدابي المسرحي والمفكر السوداني في مقدمته لهذا الكتاب:
كيف يمكن ان يرتب اهل المسرح للقاء جامع يتبادل فيه الجميع الافكار حول توظيف المسرح بشكل عضوي يحفز الواقع والطليعة الى النهوض السوي القادر على ترميم الانفس والمواقف، بل والدعوة الى التلاحم والاصطفاف مجدداً في جبهة عودة الوعي والثقة بالذات والاندفاع والتقدم بدل الانكفاء وجلد الذات ؟
وقد كان ان انعقد في العاصمة السورية مهرجان دمشق للفنون المسرحية في دورته الاولى عام 1969 م، وحدثت الزلزلة المنشودة بعودة الوعي الى المسرح العربي،بل وعودة الروح التي يحتاجها الواقع العربي التواق الى صياغة وجود مغاير مختلف ذاهب الى صناعة حياته الجديدة .
وليس من راى كمن سمع ، كانت لقاءات دمشق المسرحية بلسماً وشفاء يتجدد كل سنة على نحو جمع التجارب وانضج مناخات المهنية وقوى من عود اساليب واشكال وصيغ وممارسات، بل وذهب بمخرجين وكتاب وفرق المسارح ومسارات شهد لها المتلقي بالجدة والحرفية وصدمة الاندهاش."
حمل الكتاب ملحقاً خاصاً بالصور التي تسجل لبعض العروض والفعاليات، حيث تعاونت مديرية المسارح والموسيقى بتقديم أرشيف الصور إضافة إلى مساهمة من المسرحيين العرب بذلك، ليكون هذا الكتاب نقطة فاصلة للحيلولة دون اندثار هذه  الذاكرة الهامة.
الأمين العام للهيئة العربية للمسرح اسماعيل عبد الله، أعلن غبطته بتحقيق هذا الإنجاز بقوله : إننا في الهيئة العربية للمسرح وبتوجيه من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، نسعى إلى إضاءة الأركان المعتمة من مسارحنا العربية، ونعمل ما استطعنا للتعاون مع كل المسرحيين لحفظ الذاكرة لتكون المنجزات على محك التقويم والاستئناف، فكيف نبني حاضراً منبتاً عن قراءة الماضي، وكيف للمستبقل أن لا يولد من رحم الحاضر؟ هذه الخزانة هديتنا لمهرجان لعب دوراً هاماً في تكوين وعينا المسرحي على امتداد الوطن العربي.

أيام القاهرة الدولي للمونودراما يطلق استمارة المشاركة المصرية

مجلة الفنون المسرحية 




أيام القاهرة الدولي للمونودراما يطلق استمارة المشاركة المصرية

أطلقت إدارة مهرجان أيام القاهرة للمونودراما استمارة المشاركة للعروض المصرية والتي يبدا تلقي مشاركتها من 18 سبتمبر الحالي وحتى 25 أكتوبر القادم ، وذلك استعدادا للدورة الرابعة من المهرجان التي تقام تحت رعاية د. إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة 

قال د. أسامة رؤوف مؤسس و رئيس المهرجان : أن شروط المشاركة لعروض المونودراما المصرية قد تحددت في أن يكون العرض مصريا خالصا في جميع عناصره، عدا التأليف، وأن لا يكون العرض المتقدم للمشاركة قد مر على انتاجه عامين بحد أقصى، و ألا تزيد مدة العرض عن نصف ساعة، كما يرحب المهرجان بعروض الأماكن المفتوحة، علما بان إدارة المهرجان لا تتحمل إقامة وإعاشة وانتقالات فريق العمل وديكوراته بالنسبة لعروض المحافظات . 
وأوضح رؤوف بأنه سوف يتم اختيار أفضل العروض المصرية للمشاركة بالمسابقة الدولية لأيام القاهرة للمونودراما والتي تقام تحت رعاية الاستاذة الدكتورة إيناس عبد الدايم وزير الثقافة و بدعم من مؤسسات الوزارة و منها قطاع الإنتاج الثقافي و أكاديمية الفنون و صندوق التنمية الثقافية و قطاع العلاقات الثقافة الخارجية و البيت الفني للمسرح و البيت الفني للفنون الشعبية و الهيئة العامة لقصور الثقافة و الهيئة العامة للكتاب و باقي قطاعات و مؤسسات الوزارة.
يذكر أن الدورة السابقة أقيمت في فبراير الفائت وفد حفلت بمشاركة اكثر من ١٥ دولة وحلت روسيا ضيف شرف للمهرجان  .

الخيال والتخيل لرسم معالم الشخصية في النص المسرحي / جوزيف الفارس

مجلة الفنون المسرحية



الخيال والتخيل لرسم معالم الشخصية في النص المسرحي / جوزيف الفارس


في محاضراتي النظرية لطلبة معهد الفنون الجميلة في بغداد , كنت دائما ااكد على الجانب النظري اي ( الثقافة النظرية ) لجميع الفنون الجميلة ( التشكيلية وبفروعها – والموسيقية –والمسرحية – والسمعية والمرئية ) ولهذا انني اامن واجزم بان الثقافة النظرية هي هوية المتكلم ان كانت في الصحافة او في مقابلة اذاعية او تلفزيونية , او في ندوات ثقافية .
ولهذا كنت دائما احث طلبتي على المطالعة وبمختلف المواضيع والاكتساب الثقافي من خلال هذه المطالعة , لانني كنت مؤمنا ولا زلت , بان الثقافة النظرية هي سلاح للفنان ,  وان اكتسابها لنفسه هو سلاح يعزز حضوره وهويته .
ولهذ ,ا العديد من الفنانين والذين يملكون خيالا واسعا ورؤية فيها من الابداع والجمال في تجسيدها على المسرح في اخراجهم لبعض النصوص المسرحية  يفشلون في الافصاح والتعبير عن الكيفية التي كانت السبب في هذا النجاح ,لانهم لا يستطيعون ان يشرحوا رؤيتهم ويعبروا عن الاسلوب او المدرسة التي كانت السبب لهذا النجاح  . 
وانا هنا حينما ااكد على الثقافة العامة , لا اعني بهذا المخرجين فقط , بقدر مايشمل هذا الممثلين وجميع الكوادر الفنية والذين يعملون بهذا المجال , فالممثل الذي يملك من الثقافة النظرية هو ذالك الفنان الذي بامكانه ان يبدع وان يتالق بتطبيق مايملك من هذه الثقافة في حرفيته مبتدئا بدراسة شخصيته المسرحية وتشمل هذه الدراسة البحث عن الفترة الزمنية التي عاشتها هذه الشخصية وما احاط بها من الاحداث لتلك الفنرة الزمنية وتاثيرات تلك الاحداث على ردود افعالها وتاثيراتها للشخصية , وهذا يشمل المخرجين ايضا , فنحن نعلم ان كل نص يحمل من المضامين الفكرية والفلسفية وانا اقصد النصوص الجيدة والمتكاملة المقومات والعناصر التي تساعد على توصيل افكار المؤلف الى المتلقي وعن طريق الرؤية الصائبة للمخرج , فان كانت ثقافة المخرج محصورة بنطاق ضيق وبمحدودية لا تساعده على تفسير النص وتجسيد مضمونه , فكيف سينجح ويفلح في توصيل افكار ومضامين النص ؟
الطاولة المستديرة 
في هذه المرحلة الاولية من مراحل البدء بالعمل في اي نص مسرحي , يجلس المعنيون من الفنانين وباشراف مباشر من قبل المخرج والكادر الاداري للعمل المسرحي , مبتدئين بالقراءة الاولية للنص المعني . ويبدأ المخرج بشرح ابعاد النص المسرحي وفكرته الاساسية , والكشف عن ابعاد شخوص النص وشرح معالمها وما تحمله كل شخصية من دور اساسي في بناء الاحداث للمشاهد المتلاحقة في النص , حيث هنا تلعب الثقافة الذاتية للمخرج في كيفية شرحه ابعاد شخوصه وشرح الفكرة الرئيسية التي يحملها النص المسرحي للممثلين وهنا من حق اي ممثل يناقش المخرج او الكاتب عن بعض الامور الغامضة والتي تحتاج الى تفسير , كل هذا يتم بعد الاتفاق الكاتب والمخرج على الصيغة النهائية للنص , وهذا ايضا يشمل الكادر الفني والاداري في هذه المناقشات وكل منهم يعتمد على امكانياته الثقافية .
فالثقافة الذاتية والخبرة والتجربة والاطلاع الواسع والاحتكاك بالاساتذة من الاكاديميين جميع هذه العوامل تؤهل المخرج بالتعامل مع مصممي الملابس والاضاءة المسرحية والديكور والمكياج وبكل متعلقات السينوغرافيا المسرحية , اضافة الى كل هذا فالمخرج المثقف تساعده ثقافته على معرفة الاحداث وتواريخها وردود افعال الكاتب وتصوراته الفكرية لهذه الاحداث .
اما تعامله مع الممثلين فيجب ان يملك لغة اكاديمية يتعامل بها مع الممثلين في كيفية شرح ابعاد الشخصيات وكشف معالمها , ومساعدة الممثلين على تفسير النقاط الغامضة في النص هنا لا تفوتني نقطة ومن الضروري ذكرها وهذا مشهد مضحك حدث امامي بين مخرج امي وبين ممثل ايضا لا يفقه شيئا عن حرفية التمثيل , وهذا المشهد مازال متعلقا في ذهني وانا اضحك مع نفسي كلما تذكرته مع نفسي واليكم مادار في هذا المشهد :
الممثل ----- اليك اشتكي ايتها النجوم وانت ايتها السماء الصافية قسوة هذه الحياة وبما فيها               من الماسي والظلم بحق الانسانية ----
المخرج ---- لا ابني لا , اني مداحس بحرارة الشخصية , اريد منك حرارة اكثر .
الممثل ---- ( يعيد الحوار ) اليك اشتكي ايتها النجوم وانت ايتها السماء الصافية قسوة هذه              الحياة وبما فيها من الماسي والظلم بحق الانسانية .
المخرج --- بعدك بارد , مداحس بحرارة الشخصية , شوف اريدك تفور وتغلي مثل الماي               المغلي حتى احس بحرارتك , واتاثر بيا , فاذا راح تبقى على هذا البرود فانت               ممثل فاشل .
استعرضت لكم هذا المشهد والذي مازلت اتذكره واغرق من الضحك على تعامل هذا المخرج الامي مع الممثل , اما الممثل الاكاديمي لا يعتمد على المخرج الا في حالات قصوى حينما يحتاجه لتفسير حالة معينة --- اذن ماهي واجبات الممثل لاتباعها من اجل ان يصل الى الهدف المنشود لانجاح حرفيته ويبدي مهارته في التمثيل ؟؟؟؟
فبعد توزيع الادوار على الممثلين من قبل المخرج وعن اقناع مابين الطرفين ( الممثل والمخرج ) يبدأ الممثل بقراءة دوره مع بقية الادوار والمشاركين اياه في المشهد او الحدث ليستخرج ماخلف السطور من المعاني المستترة والتي ينبغي على الممثل استخراجها , كأن هناك كلمة مثل كلمة صباح الخير , هذه الكلمة بحروفها وشكلها مغرية للممثل ولا سيما الممثل المبتدىء , سيقولها كما هي صورتها الحرفية هي صباح الخير ,ولكن الممثل الاكاديمي يسعى الى تجسيد الاجواء النفسية والسببية في الالقاء لمثل هذه الكلمة والتي هي صباح الخير , هل هي في اجواء مفرحة ؟ هل هي للعتاب ؟؟ هل هي في اجواء حزينة وتحمل شيئا من تون الحزن في اللفظ ؟ هذا ما يجب معرفته والتوصل بالكيفية التي يجب ان تقال لتؤدي مهامها في توضيح هذه التحية , هناك ايضا معلومات عن شخصيتك تذكرها احد هذه الشخوص عنك في حوار مثل : اسكت , ولك لو مو انت اعرج اشجان سويت ؟ اذن من خلال  هذا الحوار تستدل على انك اعرج .  
هناك ايضا دلالات ورموز يضعها المؤلف ويجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار الا وهي احكام الوقف في الدايلوجات مثل : الفارزة , علامة الاستفهام , علامة التعجب , علامة النقطة  , هذه الدلالات لكل منها تعبيرا ووظيفة في الجملة الواحدة من خلالها تساعد الممثل في الالقاء الصحيح والتلوين من خلال الحنجرة عن معنى الاستفهام وعن معنى التعجب , اما الفارزة والنقطة فلها فوائدها في الالقاء تساعد الممثل على التنفس والوقفة القصيرة في ( الفارزة ) والوقفة الطويلة في ( النقطة ), اي في نهاية الجملة الواحدة بعد ان يكتمل معناها الصحيح .
تحليل الشخصية 
هنا تلعب الثقافة الاكاديمية للممثل في اكتشاف معالم شخصيته ليستطيع ان يجسدها وفق هذا التحليل والذي يشمل ما ياتي :
اولا – البعد الطبيعي .
ثانيا—البعد النفسي 
ثالثا – البعد الاجتماعي 
فالبعد الطبيعي , هو ذالك البعد الذي يشمل المواصفات الجسدية للشخصية مثلا ان كان يكون  اعور , او اعرج , او اخرس , او اعضب .
البعد النفسي , وهذا البعد هو الذي يشمل الحالات النفسية والمزاجية من الكابة والحزن والفرح والانشراح والكابة والنرفزة , وكل ما يتعلق بسايكولوجية الشخصية , اي الحالات النفسية .
البعد الاجتماعي ,وهذا البعد تشمل حالات العزوبية او انه متزوج او انه فقير او انه غني او انه مثقف او انه امي لا يعرف القراءة  والكتابة .
طبعا جميع هذه الابعاد مرتبطة الواحدة بالاخرى , وتاثيرات كل منهما بالاخرى ايضا فالبعد الطبيعي له علاقة بالبعد النفسي وفي البعد الاجتماعي ايضا , اذن هذه الابعاد مرتبطة الواحدة بالاخرى , وتتفاعل تفاعلا مباشرة بحالاتها وابعادها مع الشخصية المسرحية , فاذا اتبعها الممثل يحصل على نتائج جيدة تكسبه مهارة في حرفيته وتالقا وابداعا , وهنا يتضح لنا ثقافة الممثل وتاثيرها على موهبته وحرفيته في التمثيل .
ماعلاقة الخيال بهذه الابعاد ؟؟؟؟
للخيال القدرة على خلق الصورة التي يرسلها من الذاكرة المختزنة ليجسدها على الواقع الذي يعيشه , وهو في تفس الوقت لا يمكننا ان نفصله من حياتنا الواقعية التي نعيشها لكونه عبارة عن صور حياتية تختزن من محيط البيئة التي نعيشها , وقد تاتي هذه الصور باشكال فيها من الخلق والابتكار المقنع والمتفق مع مداركنا العقلية , ولهذا ان للخيال دور في تصوير وخلق الشخصية المراد تسخيرها على المسرح وفق ابعادها الثلاثة التي ذكرناها انفا .
الفرق بين الخيال والتخيل 
ان الخيال عند الانسان هي قدرته على ان يخلق الصور في خياله والتي يمكن ان نجدها في الواقع , بينما التخيل هو تخيل الانسان لاشياء قد تكون خارقة او غير واقعية وغير متفقة مع مداركنا العقلية لكونها فوق مستوى قدراتنا في الخلق والتصنيع والتي لايمكنها ان تحدث على الصعيد الواقعي , وعليه فان الخيال والتخيل هما قدرة الانسان على التفاعل مع نتائجهما والاستمتاع بنتائج هذه الصور الخيالية والمحفزة لقدرة الانسان على استحداثها وصناعتها , او ابتكارها وفق الامكانيات والطاقة التي يملكها الانسان في الخيال , لترجمتها الى واقع ملموس , وعلى المدى البعيد لماضينا كان الانسان يسبح في خيال صور يستحدثها لابتكارات خيالية من الممكن استحداثها على الصعيد الواقع المستقبلي والذي نعيشه , ومن خلال نتائج البحوث والابتكارات ونتائج احدث الوسائل التكنولوجيا الحديثة لصنع ماابتكره خيال الانسان من صناعات فاقت قدرة العقل والتي ما جائت صناعتها الا من خيال الانسان نفسه , فمثلا جميعنا كنا نشاهد افلام فيها من الخيال العلمي والتكنولوجي من امثال بساط الريح والمكناسة السحرية التي تطير في الفضاء , وهذا ما استحدثه خيال الانسان ونتائجها جائت ايجابية مع الصناعات المتطورة لاحدث الطائرات العملاقة وبانواعها المدنية والحربية , والصواريخ عابرة القارات .
اما التخيل ,هي الصورة التي تاتي من خلال تفكير الانسان بصور خارقة قد يستحيل تحقيقها على الصعيد الواقعي والمستقبلي , الا انها صورة تخيل الانسان لتخلق لديه الاستمتاع بتخيلاته الغير الواقعية والتي تاتي من خلال تخيله للخوارق الغير الواقعية .
ستانسلافسكي ورايه في الخيال المسرحي   
يقول ستانسلافسكي :( ان فعل الانسان ينطلق من الداخل والى الخارج وليس العكس ,لانه لولا النص والحوار الذي يخلقه المؤلف لما كان هناك فعل داخلي للممثل ) .
وهذا يعني لولا وجود الحوار لما كان هناك رد فعل داخلي نتيجة رد الفعل المعاكس والتي ياتي من خارج الشخصية , وعليه هنا يلعب الخيال في عملية الخلق للشخصية من خلال الكلمة السحرية التي اوجدها ستانسلافسكي من خلال مختبره المسرحي حينما قال لنسأل انفسنا كممثلين بمفتاح كلمة ( لو ) اي لو لم يكن النص المسرحي لما كان  هناك فعل داخلي , لان هذا الفعل يخرج  من الداخل وليس من الخارج وعن طريق الشخصيات في النص المسرحي ,( لو ) كنت طالبا ماذا كنت سافعل وكيف ساتصرف ؟ ( لو ) كنت مجرما فكيف كنت ساتصرف , او كيف ستتصرف الشخصية على المسرح وارسم معالمها ؟
وهنا يجب التاكيد على خيال الممثل في مثل هذه الحالات لخلق الشخصية المسرحية بافعالها وبمعالمها الطبيعية والنفسية والاجتماعية ---- عنصر الخيال يلعب دورا مهما في عملية الخلق والابتكار والتجسيد , اضافة الى خلق حالة من الواقع الخيالي والذي فيه عنصر من جمالية التعبير الذي يخلقها خيال الفنان ( المخرج ) ومن خلال رؤية ناضجة فيها من ابداع التجسيد والخلق لشخصيات النص المسرحي وتحويلها من شخصيات خيالية الى شخصيات واقعية تعيش احداث ما يعرض من على خشبة المسرح .
التذوق الموسيقي , هل يبني الخيال والاحساس ؟؟؟
جميعنا يعلم بان الموسيقى هي لغة سمعية وحسية , وفي الوقت نفسه هي هوية تعكس الاجواء البيئية والاجتماعية لموطنها , فمثلا هويتها تختلف باختلاف مناطقها فهناك موسيقى ريفية او موسيقى تحمل هوية المدينة او المناطق الجبلية او المناطق الصحراوية وكذالك يشمل الاختلاف الالات التي تجسد الالحان سمعيا , ولهذا من خلال ثقافتنا وتعرفنا على عالم الموسيقى سيتسنى اكتساب بمعرفة هويتها ونوعيتها , ان كانت موسيقى كلاسيكية او موسيقى حديثة معاصرة , والموسيقى هي عبارة عن مؤلف لمقطوعة موسيقية متالفة من جمل موسيقية متناسقة في التون والنغم , وتاتي المقطوعة الواحدة من دون احداث شرخ في ربط جملها الموسيقية وان حدث فنسميه في العرف الموسيقي ( النشاز ) .
وعليه فان في معظم المؤلفات الموسيقية والمؤثرة , تحرك الاحاسيس والمشاعر في المتلقي , وقد تنقل في الوقت نفسه خيال المؤلف الموسيقي من التخيل الفكري الى صورة جمالية لواقع جميل من خلال تاثيرات الموسيقى على تحريك المشاعر والاحاسيس لتساعد على استحظار الجو المجسد لصورة الخيال الى واقع جميل , وقد تختلف الصورة من انسان لانسان اخر وبموجب خيال كل انسان ومدى تاثراته بفعل الموسيقى لينتج عنه رد فعل لصورة جمالية كرد فعل لذالك الاحساس الذي كان السبب في خلق وتجسيد الصورة الخيالية عند المؤلف الموسيقي , انما هي بالحقيقة قد لا تتطابق مع  الصورة الواقعية للبيئة المتخيلة التي يخلقها خيال الشخص المستمع او المنصت للمقطوعة الموسيقية والمتذوق لها , لكونها صورة خيالية تاتي من ردود افعال تاثيرات المقطوعة الموسيقية عليه , وقد يكون هناك اختلاف مابين خيال المؤلف الموسيقي والمتلقي , وهذا الاختلاف مبعثه ردود افعال كل شخص وبموجب التصوير الحسي للمقطوعة الموسيقية على المتلقي .
من تجاربي   
في تجارب مختبرية  كنت اجريها على طلبة معهد الفنون الجميلة في بغداد ( قسم السمعية والمرئية ) حيث كنت اطلب من الطلبة  ان يغمضوا جفونهم , وهم في حالة الاسترخاء , وبعدها كنت ادير الة الريكورد ( المسجل )  ليستمعوا الى  قطعة موسيقية تنبعث من المسجل , وبعدها اطلب من كل طالب ان يرسم الصورة الخيالية التي استحضرتها المقطوعة الموسيقية في خيالهم , بعد ان اساعدهم على الانتقال الى مكان اخر وهم معصوبي العينين , ومن ثم اطلب منهم فتح اعينهم ومقارنة الصورة الواقعية التي هم فيها مع الصورة الخيالية التي استحضروها وعن طريق المقطوعة الموسيقية , ليتفاجئوا ومن خلال  المقارنة مابين الصورتين , الواقعية التي يعيشونها ومابين الصورة المتخيلة وعن طريق استماعهم الى المقطوعة الموسيقية ومدى تاثير هذه المقطوعة على استحضار الصورة الخيالية الغير الواقعية , ومدى تاثير الموسيقى على المتلقي في خلق صورة خيالية استحضرها وفق الاحاسيس والمشاعر التي يملكها , قد تكون صورة قبيحة او جميلة , وهذا يعود الى الفعل الذي ينبعث من المقطوعة الموسيقية على المتلقي في خلق صورة خيالية كرد فعل للمقطوعة الموسيقية  .
اذن , كما ذكرنا بان الموسيقى هي لغة سمعية تساعد الذهن على رسم صور ينتجها خيال الانسان من فعل خارجي , وقد تتأثر هذه النتائج سلبا او ايجابا .
وفي موقع المنال وبقلم الدكتور مازن المنصور كتب مايلي :
بعد دراسات دقيقة أجريت من قبل علماء النفس تبين لهم أن للموسيقى اتصالا مباشرا بالناحية الوجدانية لدى الإنسان، وأن أعصابه تتأثر تأثرا واضحا عند الاستماع إلى ألحانها المشوقة، ولذلك أنشئت مستشفيات خاصة ومراكز للعلاج بالموسيقى يعالج فيها المصابون بالامراض العصبية والعقلية. وكثيرا ما يتضح بعد أن يفحص المريض فحصاً دقيقا أن علاجه لايحتاج إلا بضعة برامج موسيقية تتناسب مع قوة أعصابه أو ضعفها، فالموسيقى للمرضى دواء وللمنهوكين شفاء، لذا يجب على المرء أن يخصص جزءاً من اوقاته لسماع الموسيقى، لما لها من مزايا وفوائد متعددة، فهي تولد في النفس رقة المشاعر وطهارة الروح، وتغرس في نفس الفرد حب التجدد والذوق السليم. كما أنها تفرج عن الإ نسان الهموم والأ حزان، وتساعده على تمضية أكثر العمر فرحا وطربا 
اذن الخيال والتخيل في العمل المسرحي له مردوداته الايجابية منذ القراءة الاولية التي يبدأها الكادر المسرحي من خلال الطاولة المستديرة .
 فالطاولة المستديرة في قراءة النص المسرحي تلعب دورا في استحداث الصور الخيالية لشكل وطبيعة العمل المسرحي , وهذا يشمل الشخصيات المسرحية , او الصورة المتجسدة من على خشبة المسرح , والتي تاتي من بنات خيال تاثير خياله على ردود افعاله لتجسد رؤية مسرحية ذات نتائج ايجابية في التجسيد للمخرج في الاخراج المسرحي .
انما ومع المزيد من الاسف ان معظم الكادر من الممثلين والمشتركين في عمل ما , يفظلون البدء في الحركة على المسرح ومن غير الرجوع الى الطاولة المستديرة ومناقشة النص والاستفادة من هذه القراءات الاولية , ولما لها اثار ايجابية على خلق حالة الابداع والابتكار الذي يأتي من جراء خيال كل فنان تساعده على خلق الشخصية قبل الدخول بالمراحل الاحقة للعمل من على خشبة المسرح .
                                                                                     

مسرح الغضب واللامعقول مدرسةعالمية ام محلية ؟ / جوزيف الفارس

مجلة الفنون المسرحية



مسرح الغضب واللامعقول  مدرسةعالمية ام محلية ؟ /  جوزيف الفارس 

لا يمكننا تحديد انبعاث هذا المسرح ولا ان نتجادل فيما اذا كان عالميا او محليا , لانه هو شعور رد فعل رافض لكل قوانين وانظمة الحياة الروتينية من عادات وتقاليد بالية , اضافة كونه ثورة على الواقع المتردي والغضب ضد الانظمة التي لا تساند القضايا الجماهيرية , اضافة كونه رد فعل الانسان الرافظ للحياة المملة والتي يرى انها مملة ورتيبة وبعدم الجدوى من الضحك على الذقون مجاملة لاي مجتمع يعيش ضمن حياة لا جدوى من التفكير بنهايتها , وخاصة الظروف الماساوية من موجة الحروب العالمية  والنكبات الطبيعية والتي تخلف الدمار وتهلك الانسان وتدعه في موج التفكير الذاتي في الحياة العامة والخاصة , فياتي رد الفعل من هذا اللاجدوى من هذه الحياة الروتينية والمملة والتي تسودها انظمة تقيد حرية الانسان  لا تتفق مع ميوله وافكاره الغير المحدودة والمطلقة باتجاه هذا العالم وطبيعته التي يسوده القهر والحرمان وعدم المساواة مابين طبقات ابناء المجتمع الواحد , ومن خلال هذه العوامل الاساسية والتي لعبت في حياة الفرد برزمن المفكرين والمناصرين لفكرة من خلالها تجسدت ارادة التحدي لكل ماهو غير منطقي من العادات والتقاليد البالية والثورة عليها وفيما بعد  سميت من قبل بعض النقاد  باللامعقول في القرن العشرين , وبالذات من فرنسا انبعثت جذور هذه الفلسفة التي نادت بها مجموعة من المثقفين منهم : جان بول سارتر والبير كامو وبيكيت ويونسكو وعديدون ممن كانت ردود افعالهم ثورية ورافضة واتسم مسرحهم بالغضب والثورة  على الواقع المتردي نتيجة شعورهم باللاجدوى من هذه الحياة والتي لا تجدي نفعا من العيش فيها والاستمرار على روتينها الممل .
اذن ,  لنبحث وندخل في اغوار هذه الفلسفة وعن اسبابها وتمخضاتها على نطاق العالم والظروف المحلية لكل بلد والتي شجعت على ظهور مثل هذه الفلسفة والتي اصبحت فيما بعد مدرسة اهدافها جلية في الرفض والتمرد والغضب والثورة على الواقع الذي يعيشه المجتمع انذاك والذي لا يعترف الا بالافكار والعادات والتقاليد البالية والتي تقيد حرية الانسان في اختياراته , وفي هذا الصدد يقول سارتر : ( لا يمكنني ان اجعل الحرية هدفي مالم يتساوى الاخرين امام هدفي ) .
الحياة الطبيعية هي الاصالة في كينونة الانسان الحقيقي  
وكل من هذه المقارنات لا تتفق مع الظروف السائدة في بلدان العالم المتطور والداعي الى الثورة الصناعية والتغيير الجذري الى نمطية الحياة الكلاسيكية ومابين واقع العالم الثالث والذي كان القسم منهم يعيش تحت هيمنة الاستعمار او تحت هيمنة بعض الانظمة الجائرة والتي كانت السبب في ظهور ردود الافعال لشريحة من اصحاب الافكار الحرة والذين ينظرون الى الحياة الطبيعية انها هي الاصالة في كينونة الانسان الحقيقي , هذه الشريحة من هذا النمط الوجودي , دعت الى الرفض والثورة والتمرد على الواقع اللامجدي لحياة الانسان الطبيعي والذي امتدت جذوره ونمت من واقع   كيف  حياته  الطبيعية مع كينونة الطبيعة ووجودها  .
فالمفكر والاديب في اية بقعة من بقاع الارض تنبت جذور افكاره بالرفض او القبول من واقع الحال الذي يعيشه , يرفض الحياة النمطية والمملة والغير المجدية لتحقيق اهداف تحرره من قيود العادات والتقاليد والتي تفرض عليه , لانه مؤمن بان مثل هذا الواقع يسوده الزيف والخداع ,ولهذا ينمو في داخله ردود افعال رافضة لمثل هذا الواقع والمبني على التقاليد البالية والدجل والتملق من اجل تحقيق مصالح شخصية , يقول الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر :  ان الحرية ليست صفة او خاصة من خصائص طبيعتي , انها تماما نسيج وجودي .
فنتيجة للوضع الغير المستقر والتي ولدتها الحروب وما نتج عنها من ضعضعة الامن وعدم الاسقرار وسوء الحياة الاقتصادية , اضافة الى الويلات والكوارث الماساوية , نتيجة كل هذا ,ولد الانسان الرافض والمتمرد والثائر , وقد اختلفت ردود افعال الرفض والتمرد وكل وبموجب تاثره بما يحيطه من الاوضاع الاجتماعية والسياسية والدينية ,فمثلا التعبير عن الرفض والتمرد اختلف في العالم الثالث عن العالم المتحضر ولا سيما في اوربا , لاختلاف التجارب والافعال المحيطة بالفرد بحيث تتوازن ردود افعال كل منهما وبموجب مايحيطه ويعاني منه من هذه الاوضاع , وانما لا يمكننا رفض تاثيرات اولئك الكتاب العظام العالميين من امثال يونسكو وجان بول سارتر وكامو على نتاجات كتابنا العرب والمحليين , لان التاجارب العالمية وفي الوطن العربي ايضا خضعت لعملية التاثر والتاثير , وعلى ضوء هذه التاثيرات تاتي ردود افعال المعنيين من الكتاب , وتتجسد في اعمالهم ونصوصهم افكارا فيها من الغضب والتمرد والثورة على كل ماهو غير منطقي وغير معقول , وبهذا الصدد يقول الفيلسوف الوجودي البير كامو : لم يعد قلبي الا ذاك القلب العاشق للحياة والمتمرد على النظام القاتل للحياة    .
من من الكتاب الذين تجسدت سمات الغموض و الرفض في نصوصهم ؟؟؟؟؟
لقد اختلفت اساليب التجسيد والطرح من خلال نتاجات بعض الادباء وكل منهم وبموجب ابداعاتهم واساليب طرحهم , انما الجميع اتفقوا على جوهرية الطرح , وعلى السمات الاساسية لهذه المدرسة منهم , بيكيت و يوجين يونسكو و ارثر اداموف و جان جنيه و هارولد بنتر .
فكانت معظم نصوص البعض منهم تطرح افكارا تدور حول نفسها بشيىء من الغموض وفي اجواء كئيبة متشائمة وفي حدود ضيق من الديكور المسرحي اضافة الى قلة شخوصها 
كانت شخوص هذه المدرسة ( مسرح العبث ) تبحث عن الخلاص , تبحث عن الاسباب من جدوى وجودها في الحياة الا ان هذا البحث ينتهي باللا جدوى , كان الغموض يدفعهم الى الدوران حول حلقة فارغة حيث كانوا في ديمومة التسائل عن اسباب وجودهم وفنائهم , وحينما لا يجدون الاجابات لتسائلاتهم  بعد ان ينتابهم العناء الفكري واليأس من الحياة وهم يبحثون في حلقة فارغة والتي تنتهي بهم باللاجدوى من هذا التفكير , ولهذا ينفصلون عن المجتمع في حالة من الكابة والانعزالية والتي دائما ما ينتهي بهم الامر الى الثورة والتمرد على الواقع الذي يعيشونه , كان جل همهم هو البحث ماوراء الطبيعة , البحث في العالم الميتافيزيقي والروحي غايتهم من هذا ان يصلوا الى اجابات ترضي تسائلاتهم وتجعلهم ان يعيشون بشكل طبيعي وسوي مع المجتمع , الا انهم لم يسنطيعوا الوصول الى الاجابات عن معنى وجودهم في هذه الحياة , عندها يدركون انهم يبحثون في حلقة فارغة يشوبها شيئا من الاحباط  والكابة والانعزالية نتيجة  ادراكهم ان لاجدوى  التفكير بماهية الحياة مادامت نهاية كل انسان هو الموت , ولهذا جائت معاناتهم بصيغة تمردية وثورية على هذا الواقع الذي  يعيشونه , وهذا ما اتسمت به نصوصهم بحيث جاء تجسيدهم للحياة الروحية مجرد هي ممارسات لا تنتهي الى نهاية عقلية ومنطقية يستطيعون من خلالها يمارسون علاقاتهم الانسانية بالشكل الطبيعي في الحياة  والذي يرضي تسائلاتهم ويهدىء من معاناتهم . 
اللامعقول ومؤيدوا هذه المدرسة 
ان الذين امنوا الايمان المطلق بعدم الجوى من الحياة التي يعيشونها , وعدم الاعتراف بكل مايحيطهم من العادات والتقاليد , مؤمنين ايمانا مطلقا ان افكارهم والتي مبعثها من منطقية الحياة وواقعيتها ماهي الا كذبة ونفاق ودجل والضحك على الذقون , يؤمنون ان الحياة ماهي الا عالم مليىء بالاحلام والتي يصوره لهم العقل اللاواعي , معترفين بان هذا المخزون من الصور ماهي الا الحقيقة التي يؤمنون بها , ومن هذا المنطلق اتسمت انتاجاتهم الادبية بالتشاؤم والنفور من الحياة لكونها خالية وبعيدة عن المنطق , وفي الوقت نفسه تتسم بالملل واللاجدوى من اللهاث خلف النهاية التي لا جدوى منها , ومن هنا ياتيهم الياس من هذه الحياة فينتفضون بثورة غاضبة ضد  الميتافيزيقية والذي يفرض  بعض التعاليم والاقانيم والتي تصور لهم على ان الحياة ماهي الا سعادة واستقرار ذاتي وملاذ امن ,
تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption