أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الاثنين، 17 يوليو 2023

"ناشئة الشارقة" تُطلق مختبر المهارات بــ 32 فعالية مبتكرة لاكتشاف ودعم مهارات منتسبيها

مجلة الفنون المسرحية 

"ناشئة الشارقة" تُطلق مختبر المهارات بــ 32 فعالية مبتكرة

لاكتشاف ودعم مهارات منتسبيها

السبت، 15 يوليو 2023

ثريا جبران شهرزاد المسرح الاحتفالي (42) / د.عبد الكريم برشيد

مجلة الفنون المسرحية 
ثريا جبران شهرزاد المسرح الاحتفالي  (42)

                        فاتحة الكلام 

 (ثريا جبران الأيقونة) هو كتاب جماعي عن سيدة الاحتفال بالمسرح وفي المسرح، الفنانة ثريا جبران
ولقد سعدت بلقاء اخي وصديقي الفنان الأصيل والإنسان الجميل والنبيل ااحسن النفالي منذ يومين، وقد كان لنا لقاء بمقهى اورطينو بحي المستشفيات بمدينة الدار البيضاء، ولقد حمل لي معه هدية غالية لا تقدر بثمن،  والتي هي هذا الكتاب الذي اشرف على اصدارهرصحبة الفنان عبد الجبار خمران، وذلك في طبعة أنيقة وباذخة، ولقد تولت وزارة الثقافة المغربية طبع هذا الكتاب، والذيكتب له التقديم الشاعر حسن النجمي والمسرحي محمد بهجاجي،  ولقد كان هذا الكتاب، والذي حمل شهادات ودراسات صادقة وناطقة بالحق والحقيقة، عن المرأة الاستثنائية التي احبها المسرح، والتي احبها كل الناس، والتي كانت حزمة مشاعر جميلة ونبيلة، وكانت فيض محبة
 وهذه أول هدية يقدمها الفنان الحسن النفالي  للثقافة المسرحية، المغربية والعربية، وذلك بعد عودته من منفاه الاختياري هناك، وننتظر منه المزيد
ولقد وجدتي هذا الكتاب الهدية وانا اكتب النفس 42 من هذه الكتابة الأحتفالية لما بعد الجائحة ولما بعد بيانات كازابلانكا للاحتفالية المتجددة 

                 وثريا جبران من تكون؟

 من السؤال ابدا إذن  من تكون ثريا جبران؟
هي اسم من الأسماء الاحتفالية، أحبت المسرح، وأحبها المسرح، وقد يظهر بأنها مجرد اسم واحد أوحد، مثل كل الناس العاديين في الحياة العادية، لأن اسمها يتضمن كل الأسماء، الكائنة و الممكنة، فهي تنتمي لعالم المسرح، والذي هو علم وفن وفكر وصناعة الممكن والمحتمل، والمحتمل الذي قد يصل إلى عتبة المحال، وهي في مسرح الوجود وفي وجود المسرح امرأة ممثلة، والممثل الكبير لا يكفيه اسم واحد، وتليق به كل الأسماء، وهكذا هو الاسم المسرحي دائما، فهو في كل احتفال مسرحي جديد يتجدد، وهو في مرآة هذا المسرح السحري يتعدد، ويكون هو وغير هو، ويتمدد أيضا، باتجاه الخارج البراني وباتجاه الداخل الجزاني، وهو يتجدد بتجدد بتجدد الحالات والمقامات وبتجدد المواقف والعلاقات، وثريا جبران هي ذات بامتدادات لا متناهية، ذات إنسانية هي بسعة الوجود، وبعمق الحياة وبغرابة السحر وبمتدادات التاريخ، ولقد عاشت في روح وجسد أم عنترة في احتفالية (عنترة في المرايا المكسرة) وكان ذلك مع فرقة المعمورة سنة 1974 وبهذا فقد أمكن أن نقول بأن الأصل في هذه المرأة هو أنها ممثلة، وأنها ليست عمرا واحدا ولكنها حزمة أعمار، وقبل هذا هي كائن إنساني وكوني ومدني استثنائي، وكل ما في الوجود المسرحي هو حالات ومظاهر وظواهر استثنائية، هي كائن مسرحي يحيا الحياة بصدق، وتحيا بداخله الحياة، وهي الذات التي يختزل في رؤيتها كل الأشكال وكل الأوزان وكل ألوان الطبيعة، وبهذا فقد كانت دائما على موعد مع التاري× وكانت من الفاعلين الصادقين في هذا التاريخ، ولم تكن مجرد ضيف عابر فيهه وفي أحداثه ووقائعه، وهي في تاريخ المسرح المغربي والعربي فاعل تاريخي، وكان لها حضور  في فضاءات وامتدادات التاريخ المعاصر، وهي لا تنسى بأنها أساسا ممثلة، ليس فقط على خشبة مسرحية محددة ومحدودة، ولكن في عوالم وأكوان لا متناهية ليس فيها إلا المسرح الوجودي الحي، وهي تدرك أن كل ما في هذا المسرح الوجودي ممثلون، وأن بغضهم يعرف أنه فقط يمثل دوره، وأن أغلبهم يجهل أنه يمثل، وهو بهذا لا يعلم أن هذه المسرحية الوجودية والتاريخية  لها فضاء محدد، ولها زمان معروف، ولها موضوع محدد، ولها هدف محدد، ولها أفق بعيد محدد، ولها مضمون فكري وإنساني واسع وعميق، ولهذا كان المسرح لديها أسئلة ومسائل، وكان لعبا جادا، وكان ضحكا عاقلا على غباء بعض المخلوقات وعلى عبثية بعض مظاهر الحياة، سواء في مستواها الاجتماعي أو في بعدها السياسي
ثريا جبران، هي ممثلة واحدة نعم، ولكن بأسماء وبأدوار وبأزياء وبأقنعة وبحالات ومقامات كثيرة جدا، وهي ممثلة احتفالية، في عالم صناعي ضيع حيوية الاحتفال وشفافية الاحتفال وصدق الاحتفال روح الاحتفال، وكل هذا من غير أن يضيع جمرة الاحتفال فيه، والتي يتضمنها عشق الفرح، والإيمان بالحق في الفرح، وبالدعوة إلى التلاقي الإنسان والمدني، وجمرة هذا الاحتفال، قد تختفي مؤقتا بين الرماد، ولكنها تظل في انتظار من يوقدها ومن يوقظها من جديد

                        ثريا جبران بين عالمين

في كتاب ( الرحلة البرشيدية) والذي هو رحلة افتراضية في عالم افتراضي، يلتقي ذلك الراحل الذي يحمل نفس اسمي، وأستعير نفس حياته، يلتقي بشخص التاريخ وبشخص ساعي البريد وبالكاتب وبالمخرج وبالممثل وبالممثلة، ولقد كانت ثريا جبران هي من يمثل هذه الممثلة الاحتفالية، والتي جعلتها في الكتاب تقول ما يلي:
(المسرح بيتي ومسكني، بيتي الذي أعيش فيه وأحيا، والذي لي فيه أهل وأحباب، ولي فيه جيران ورفاق درب، أما التلفزيون فهو عندي مجرد نافذة، أو هو مجرد شرفة عالية في هذا البيت العالي، والأحمق من يبيع بيته كله، من أجل أن يشتري جزء فيه، يشتري بابا أو نافذة أو شرفة أو عتبة جميلة، والأهبل من يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومن يقنع بنافذة في حجم صندوق، نافذة تطل على العالم، وتطل على الناس من بعيد.. إنني أخاف يا سيدي.. أخاف أن أضيع أهم الأشياء وأخطرها في هذا الفعل الذي يسمى التمثيل..) 
وهذه المرأة الممثلة، ولأنها احتفالية، ولأنها عيدية الرؤية والرؤيا، ولأنه في فعل هذا الاحتفال دائما، توجد شحنة معينة من السحر ومن الغرابة ومن الإدهاش، فقد كانت حياتها ملحمة شعرية، وكان في حياتها وفي فنها عين العراف ولمسة وخفة الساحر، فهي (لا تمشي كما يمشي كل الناس، لأنها لا تلمس الأرض بقدميها) وما قد تأتيه من فعل في حركاتها، هو دائما  (مشي كالرقص، أو هو رقص كالمشي) هكذا تحدث عنها المسافر الاحتفالي في رحلته الاحتفالية
وهذه الحركات والإشارات في المسرح، والتي نظنها مشيا أو رقصا، ألا تكون ـ مثلا ـ شيئا آخر، وأن يكون لذلك الشيء الآخر اسمه الآخر، والذي ينبغي أن نبحث عنه؟ ألا تكون ـ مثلا ـ ( صلاة يا صاحبي الظل، أو تكون شبه صلاة ونحن لا ندري؟) 
وقد هو الاحتفال والتعييد في الفضاء الجديد وفي الزمن المسرحي المتجدد، هذه مجرد تساؤلات الباحث والمنظر، والذي ألعب أنا الآن دوره، أما هي، الممثلة الاستثنائية، في الزمن المسرحي الاستثنائي فقد قالت (هو مشي بمرتبة الرقص) وهو أيضا (رقص في درجة الصلاة، وهو سير على الأرض بدرجة التحليق في السماء) وممثل يمشي على الأرض، كما يمشي على خشبة المسرح، لا يمكن أن يبلغ درجة الاحتفال في المسرح وبالمسرح
وقدر هذه المرأة الممثلة، هو أنها تنتمي إلى عالم المسرح، وبفعل سلطة وسلطان هذا المسرح،فإن عالم هذا المسرح، وهي على خشبته وفي كونه ومناخه، يصبح منتميا لها، بالقوة والفعل معا، وتصبح هي المركز في الدائرة، وكل الأضواء مسلطة عليها، والأصل في هذا العالم الواقعي، بكل محمولاته المادية والرمزية، هو أنه يحمل مضاعفه فيه، فهو الواقع وما فوقه، أو هو ما تحته، و هو ما خلفه، وهو اليقظة والحلم، وهو العلم والسحر، وهو النثر والشعر، وهو المعلوم والمجهول، وهو الممكن والمستحيل، وهو الحاضر والغائب، وهو الظاهر والخفي، وإن كل من يسكن هذا العالم المسرحي، بكل علمه وسحره، ينتمي بالضرورة إلى عالم الجن والملائكة، بحسب لغة توفيق الحكيم، ولعل هذا ما يجعل ثريا جبران في المسرح (لا تسير مثل كل الكائنات التي لها أقدام، ولا تطير ككل الطيور التي لها أجنحة، ولكنها تنساب في المكان كالماء والهواء) 
وعن هذه الممثلة الاحتفالي يقول المسافر في رحلته، بعد أراها (وهي ترقص على الوحل بقدمين حافيتين.. إنها تتلوى وكأنها منديل في مهب الرياح، أو كأنها شعلة نار تلاعب الهواء) 
يا الله.. في عينيها شيء كثير من السحر ومن الجاذبية السحرية..
جسدها يملأ كل المكان، وكأنه لا أحد في هذا المكان إلا هي وحدها 
وهي تملأ هذه اللحظة الساحرة والعجيبة والحية وحدها، وكأنه لا أحد فيها إلا هي وحدها وعطرها يملأ كل أرجاء هذه المدينة كلها، وكأنه لا عطر في هذه العوالم الافتراضية إلا عطرها وحدها)
هذه الممثلة (نظراتها جمر، وكلماتها جمر، وحركاتها جمر، ورقصها جمر، وأنفاسها جمر، وأحوالها جمر، فمن عساها تكون؟ إنسية هي أم جنية؟) وردا على هذا السؤال فهي تقول (هي إنسية من عالم الجن، وهي جنية من عالم الإنس)  
نعم، وفي الفنون كثير من الجنون،
وهي (فراشة تهوى النور، وتعشق الضياء، ويصر بعض النور على أن يكون نارا حارقة) والتي قد تصبح في صدر الممثل الساحر ( بردا وسلاما)
هذه المرأة الممثلة، هي التي نطقت في الرحلة الافتراضية وقالت (أنا ممثلة في مسرحية هذا الوجود، تماما كما أنت وكما نحن، كلنا نمثل، أنا ممثلة تمثل حياتها، وفي حياتها تمثل حياة كل النساء) وهذا هو سحر المسرح، فهو المكان الذي يختزل كل الكون، وهو اللحظة التي تختزل كل تاريخ البشرية، وهو الممثل الوجودي الذي يختزل في جسده وروحه كل الممثلين في مسرح الحياة

                       ممثلة تحتفي بالحياة والأحياء

ولأنها احتفالية، فهي مع البياض وضد السواد، وهي مع الحضور وضد الغياب، وهي مع الهزل الجاد وضد الجدية المتزمتة، وهي مع الفكر المقنع، ومع الفن الممتع، وهي مع الصدر الواسع، في الفن والفكر والسياسة، والذي لا يضيق عن أي أحد، وهي مع السهل الممتنع،هي الضاحكة المضحكة بمفارقاتها الغريبة والعجيبة، ولها في عالمها المسرحي الخاص ضحكة مسرحية خاصة ( ضحكة مدوية، فيها رنة وغنة، وفيها طرب وموسيقى)
وهي في حقول المسرح (سنبلة في مهب العاصفة الحمقاء حمقا جميلا) وهي (المجنونة جنونا عبقريا.) وهي التي قالت عن نفسها في الرحلة البرشيدية الافتراضية (إنني أتلوى ولا أنكسر، وأنحني مثل كل السنابل الممتلئة ولا أنكسر. وقد تنكسر الريح ولا أنكسر أنا)
 ولأنها ممثلة، ولأن التمثيل هو أدوار وتبادل أدوار، فقد كانت أكبر من أن  تكون دورا واحدا، وذلك في مسرحية واحدة، كتبها مؤلف مسرحي واحد، وذلك في زمن واحد، في موضوع واحد، ولقد كنت أنا أحد الذين كتبوا لها، وكتبوا عنه، وذلك في ثلاث مسرحيات هي ( عنترة في المرايا المكسرة) و( العين والخلخال) و( النمرود في هوليود)  
وهي فعلا مواطنة إنسانية وكونية بعمر واحد، ولكن هذا العمر لا يقاس بالزمن الفيزيقي، وهو أكبر من الساعة، وفي هذا العمر الواحد كانت لها مسارات وجودية وفكرية وجمالية وأخلاقية متعددة ومتمددة ومتجددة، فهي هي هي في حياتها اليومية، وهي غير هي على خشابات المسارح، فهي ذات متحولة بفعل سلطة المسرح وبفعل سحر المسرح، والممثل تحت الأضواء المشتعلة لا تكفيه حياة واحدة، ولا أن يسع عمقه الفكري والروحي والوجداني عمر واحد، ولا يمكن أن تكفيه مسرحية واحدة
وفي كتاب ( ثريا جبران الأيقونة) يقول الاحتفالي في شهادته ( ولأنها فنانة مالية وحالمة، فقد كان ضروريا أن تصطدم مع صخرة هذا الواقع، وأن ترفض وقائعه وصوره المختلفة، وفي ( الرحلة البرشيدية) يأتيها صوت يقول لها ّ لا تستغربي ,, هكذا هو الواقع دائما، وهذه هي طبيعته يا سيدي..
إنه لا يطاوع إلا الطائعين والطيعين، فهل أنت منهم؟
ويكون ضروريا أن تقول ( أنا؟ لا .. أنا ما كنت منهم يوما، ولن أكون أبدا، ّ وفعلا فهي ليست منهم، وهي لا تشبه أحدا، بل وهي لا تشبه نفسها في مسرحيتين مختلفتين)
ودائما في نفس كتاب ( الرحلة البرشيدية) يلتقي الاحتفالي المسافر بامرأة صدفة، وعن ذلك اللقاء يقول (لقد رأيتها وهي في زي ملكة من ملكات الحكايات والخرافات والأساطير.. رأيتها.. رأيتها تجرر خلفها أذيالها، وتمشي حافية القدمين، واندهشت لما رأيت)
وفنان لا يدهش ليس فنانا حقيقا، و(مبدع) وفنان لا يزلزل أرضك الفكرية والجمالية ما علاقته بالإبداع؟
والاحتفالية الحقيقة، وبخلاف ما قد يفهم البعض، ليست ظاهرة صوتية، وليست كلاما يمكن أن يسمع، وليست مجرد صورة ملونة يمكن التفرج عليها، وهي في جوهرها (احتفالية الفكر واللسان، واحتفالية الروح والوجدان) وهي احتفالية الخيال الخلاق، وهي احتفالية الحضور والامتلاء، وهي المدهش الذي له معنى، وكل استعراض للمواهب والكفاءات، بشكل نرجسي، لا يمكن أن يرقي لأن يصبح احتفالا مسرحيا كاملا ومتكاملا
وثريا جبران، في كونها المسرحي، هي الأنثى (والأنثى هي الأرض وهي السماء وهي الماء، وهي أم الحياة والأحياء.) وهذه الأنثى هي أيضا أم (أم  كل الاحتفاليين المجانين..)وهي أخت ورفيقة وصديقة   
وهي في المسرح شخصيات، وهي مقامات، وهي أدوار تدور مع دوران الأرض ومع دوران ألأيام والليالي والأعوام،ومع دوران الأجرام السماوية ومع الدم في العروق ومع دورا الفصول في الطبيعة، أما عن أحب الأدوار إليها، فإنها في تلك الرحلة تقول هي (التي لم أعشها بعد، وهي التي لم يكتبها كاتب بعد، وأما أحب كل الأدوار إلى نفسي فهو دور الأنثى، لقد تماهيت في جسد ووجدان وروح أمنا الأنثى، فكنت أنا هي وهي أنا، ومثلت كل أدوارها الكائنة والممكنة، لقد مثلت دور الأرض، ولعبت دور الحياة، وجسدت دور الدنيا، وارتديت زي الحرية، ورآني المتنبي في دور الحمى، ووضعني كثير من الكتاب في دور العاصفة، وتصورني الآخرون في صورة الموت وما أنا إلا حياة وحيوية)
ولأن التمثيل فعل للتحول والتشكل، يقيل فيه الجسد كل هيئة وكل صفة، فقد كان من حق 
هذه الممثلة الاحتفالية، وهي أنثى، أن تلعب دور الرجل، وأن تجرب فعل تبادل الأدوار، 
وقد تبادل، وقد تم ذلم في مسرحة ( بوغابة) والتي هي اقتباس عن مسرحية ( بونتيلا 
وتابعه ماتي ) لبرتولد بريشت، والتي استنبتها في اتربة الاحتفالية المغربية الكاتب المسرحي محمد قاوتي  
وتبقى، رغم تحولاتها وتشكلاتها المسرحية، هي (الأنثى الموجودة بين النسمة والعاصفة، 
والمختبئة بين الحياة والموت، والساكنة بين النور والعتمة، والعالية علو غيمة أو نجمة) 
هي الفنانة الاحتفالية التي تعيش الفرح، وتحلم بالفرح، والتي تسعى من أجل إدراك الفرح 
الحقيقي، وأن يكون هذا الفرح صادقا ومستحقا وعاما ومشتركا ومقتسما، وأن يكون مشاعا 
مثل الماء والهواء، ويسوءها أن يكون في ظلام الأيام شيء من السواد، ويسعدها أن 
يكون الفرح مستخرجا من بطن الحزن، وأن يكون غنيمة في حرب الوجود والحياة، ولهذا 
يكون من حقها أن تقول (إنني أشعر بشيء من الغبن وبشيء من الغربة، وتعبرني اليوم 
سحابات رمادية من الكآبة العابرة، وتغمرني حالات من الخوف والقلق، وأشعر بأن هذا ا
الواقع قد خذلني)
ويأتيها صوت، من مكان ما، يقول لها (لا تستغربي.. هكذا هو الواقع دائما، وهذه هي 
طبيعته يا سيدتي.. إنه لا يطاوع إلا الطائعين والطيعين، فهل أنت منهم؟)
ويكون ضروريا ن تقول ( أنا؟  لا، أنا ما كنت منهم يوما، ولن أكون أبدا)

                        اختيار الأفكار أم اختيار الواقع؟

هي الإنسانة والفنانة التي تعرف وتدرك، بأن هذا الواقع، بكل وقائعه الغريبة والعجيبة في 
أغلب الحالات،  (لا يخالف إلا المخالفين والمختلفين من أمثالنا.. أنت الآن بين
اختيارين لا ثالث لهما، إما أن تغيري أفكارك أو تغيري الواقع، فماذا تغيرين أنت؟
ولأنها مِؤمنة بمسارها الوجودي، ولأنها مؤمنة بصدق اختياراتها الفكرية والجمالية والأخلاقية فيه، ولأنها مقتنعة بأن الأصل في الفكر وفي الفنون وفي الآداب هو أن تتغير دائما، وأن تتحول، وأن تتجدد، وذلك باتجاه الممكن الأجمل والأكمل والأنبل،  انطلاقا من هذه القناعة المبدئية، فقد اختارت أن تكون في هذا الواقع، هي المحرك الذي يحرك ويتحرك، وقالت (أختار تغيير هذا الوقع يا سيدي)
هي الممثلة المطلوب منها أن تمثل للناس، ولكنها تصر على أن تحتفل ( مع) الناس، وأن يكون ذلك في مسرح الناس، وأن تكون الحكواتية التي لا تحكي ونحاكي حكايات الأمس، وأن تكون الممثلة التي تحيا حياتها المسرحية داخل ( مسرح اليوم) وقد يظهر بأنه تمثل، في حين أن الحقيقة عكس هذا، فهي لا تمثل، ولا ينبغي لها أن تمثل  لأن (الأصل في الممثل ألا يمثل، والأصل في الحياة ألا تمثل أيضا، وهي لا تقبل سوى أن نعيشها بصدق وعفوية..)
(والتمثيل هو ألا تمثل) هكذا قالت الممثلة الاحتفالية
(وإذا حدث ومثلت؟) ولأن إمكانية أن يمثل كثير من الممثلين كائنة وممكنة، فقد تساءل المتسائل وقال::
ليكون الجواب هو (آه، يضع كل شيء يا سيدي، ويصبح العقد بين الممثل والجمهور لاغيا) وهذا العقد الضمني والخفي يقتضي أن يمثل الممثل من غير أن يشعر الجمهور بأنه أمام تمثيل، والمطلوب في التلاقي المسرح دائما هو أن يكون الأداء مقنعا، وأن يكون بسيطا، وأن يكون عفويا، وأن يكون تلقائيا، وأن يكون بعيدا جدا عن الصناعة والتصنع   
في كتاب ( ثريا جبران الأيقونة ) يطرح المفكر الاحتفالي السؤال التالي عن المعنى الحقيقي بفعل التمثيل  وعن الفاعل الممثل في هذا التمثيل وماذا يمكن أن يكون هذا الإنسان الذي نسميه الممثل؟  و( هل الممثل يمثل أم الممثل يتمثل؟ أي أنه يتمثل الشخصيات، ويتمثل الحالات، ويتمثل الوقائع، ، ويتمثل المواقف، ثم يعيشها بصدق وتلقائية، ويحياها كأنها حياته الممكنة أو حياته الأخرى المفترضة)  
والأصل في فعل هذا المسرح أنه حضور، كامل وكلي، حضور الممثل جسدا وعقلا ووجدانا وروحا، وفي المقابل، ينبغي ألا يكون شريكنا في  التعييد المسرحي غائبا أو مغيبا،  وبالنسبة للتمثيل الاحتفالي فهو حضور في الزمان الآن وفي المكان هنا، حضور هو مقتسم بين جسدين حيين، وبين روحين فاعلين، وبين عقلين مفكرين، وبهذا كان الحلم في هذا التلاقي مباحا، وكان الوهم ممنوعا، وما يشدنا أكثر في أداء ثريا جبران، هو إحساسنا بأنها ترانا وتسمعنا، وبأنها تعرفنا بأسمائنا في الظلام، وبالمقابل، فهي الممثلة الذي تقنعنا بصدق أدائها بأنها تحكي لنا حكيا صدقا، ومنذ البيان الأول لجماعة المسرح الاحتفالي تم التأكيد على الاندماج الواعي في مناخ الاحتفال المسرحي، ولعل أخطر شيء أكدت عليه الاحتفالية دائما، هو فعل تغييب عقل الجمهور، وهو فعل تغييب فاعلية الجمهور، وهو فعل التمويه على الجمهور، وذلك من خلال ما يسمى بالإيهام المسرحي، فاللحظة المسرحية هي عام وشمل ومتكاملا، هي حضور الممثل الذي ليس ممثلا، وحضور الجمهور الذي ليس متفرجا، وحضور المسرح الذي ليس عرضا، والذي هو في حقيقته فعل احتفال وتعييد مشترك، في اللحظة العيدية والاحتفالية المشركة، وبالنسبة للاحتفالية فإن (فعل تغييب الناس هو اعتداء على حقهم في الحضور، وهل القتل إلا اعتداء على الحق في الحضور، والذي هو عنوان حياتهم وحيويتهم؟)
ومع ثريا جبران ندرك بأن الممثل في المسرح هو أساسا إنسان حي أولا، وهو إنسان فاعل وعاقل ثانيا، وبهذا فهو ليس مجرد صورة في معرض الصور، وليس مجرد ظل متحرك في مسرح خيال الظل، وليس مجرد دمية في مسرح الدمى، ولأن ثريا جبران تعرف أنه جسد وروح، وأنها أسئلة ومسائل وقضية، فقد أنطقتها الرحلة البرشيدية وجعلتها تقول (إنني ممثلة ولست عارضة أزياء، ولست جسدا في مسابقة اختيار ملكات الجمال، ولست جسدا يمكن أن يؤجر أو يباع، ولست جارية في سوق النخاسة، والممثل أساسا فضيلة وكرامة وحرية ومسئولية) 
وهذا الممثل الإنسان هو أساسا قيمة وقامة في مسرح الوجوج وفي وجود المسرح، وفي هذا المسرح، ترتدي ثريا جبران الأزياء المسرحية التي تقول شيئا، الشيء الذي يشعرك بأن هذه الممثلة ليست عارضة أزياء في حفل لعرض الأزياء، وهي، أولا وأخيرا، وعي نقدي، وهي فيض وجدان، وهي خيال خلاق، وهي حزمة علاقات حية متجددة، مع الممثلين الآخرين، ومع المكان ومع الفضاء ومع الزمان ومع المناخ الاحتفالي العام، والتي هي فيه مبدعة خطاب، وهي صانعة حالات وهي حاملة أفكار، وبهذا فهي ليست مجرد جسد بقوام جميل، وليست مجرد حركات وتمرينات رياضية، قد يكون لها معنى وقد لا يكون، ولقد سبق وقلت مرات عن ثريا جبران بأنها الممثلة التي لا تفرج الناس عليها، ولكنها الممثلة التي تشير بأدائها وبإلقائها إلى عيوب المجتمع وإلى أعطاب الواقع وإلى أمراض بعض النفوس والعقليات  
وهي في مسرحها مقتنعة بأن (فعل التفرج شيء سهل جدا، وهو لا يتطلب أي مجهود، والمتفرجون على الواقع يتبرأ منهم الواقع، والمتفرجون على التاريخ سوف يلعنهم التاريخ يوما) وهي أيضا، لا تريد أن تعلم الناس في المسرح، وأن تكون في هذا المسرح معلمة، لأنها تعرف أن المعلمة الحقيقية في الحياة هي الحياة

مرور عام على رحيل الفنّان المُغترب والمُهرّج الحزين بيتر برُوك!

مجلة الفنون المسرحية 

مرور  عام على رحيلَ  الفنّان المُغترب والمُهرّج الحزين بيتر برُوك!

 لندن: علي كامل

”أنا بريطاني مائة بالمائة ولكن البلد الوحيد الذي لم تستطع عروضي المسرحية أن تجد لها حيزاً فيه هو بريطانيا“.. قالها بيتر بروك بنوع من الوجع والمرارة!.

”.. آه يا بيتر، إنك لازلت طفلاً“.!
بهذه العبارة المبتسرة خاطب الممثل البريطاني الراحل السير جون جيلجود رفيقه القديم في حقل الإبداع بيتر بروك بعد غياب عن المملكة المتحدة استغرق عقدين ونصف وهو يدير المركز العالمي للبحوث المسرحية في باريس.
قيلت هذه العبارة عام 1994 في حفل الاستقبال الذي كُرّس لقدوم بروك وعرضه الجديد ”الرجل الذي...“ يومها تلقفتها الصحافة البريطانية مطلقة على هذا المغترب والمهرج الحزين لقب ”الطفل العبقري“.
أما تلميذه المخرج تريفور نان الذي كان قد شغل حينها منصب المشرف والمخرج الفني للمسرح الوطني البريطاني يومها فقد اختتم كلمة الافتتاح قائلاً:
”أبانا الروحي!. أما آن الأوان أن تعود إلى وطنك.. عُد.. أرجوك، إننا بأمس الحاجة إليك!..“.

                                                ***

كان بروك منذ طفولته في علاقة حُبٍّ مع المسرح:”في طفولتي كان والداي يصطحباني إلى المسرح لمشاهدة العروض المسرحية، وحين بلغت العاشرة من عمري، قدمّتُ لهما (هاملت) في مسرح دمى صغير عملته بنفسي في المنزل وقد صنعت الشخصيات من ورق المقّوى ومواد أخرى كنت أقوم بتحريكها بيد وأقرأ أدوار النص باليد الأخرى“.

جلس بيتر الصغير أمام آلة البيانو في سن الثانية عشرة ليعزف سوناتا فاسيلي موتسارت لمعلمته الجديدة ڤيرا ڤينوغرادوڤا، التي يتذكر نصيحتها حتى الآن وهو بهذه السن:
”حين تَلمسُ أصابعكَ النوتة الموسيقية، إصغي إلى الصوت الذي أَحدَثَتهُ أصابعك، ولا تدع أي توترّات تحدث لك في الكتفين والذراعين والأَصابع. بهذا تكون قد أدّيت مَهَّمتك على أحسن وجه. فقط دعها تتدّفق“. 
ولم تكتفِ ڤيرا ڤينوغرادوڤا بذلك إنما أوصته أيضاً بضرورة أداء كل مقطوعة يُتقنها إلى الآخرين: ”السبب الوحيد لتعلّم الموسيقى، هو ليس لأجلك فقط، إنما من أجل أن يُشاطرك بها الآخرين“ ثم يضيف بحماسة يافع:”إن كُلّ ما قمتُ به منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا قد نما من دروس مُعلِّمتي تلك: المُشارَكة، الشدّة، الإصرار على التدّفق، مغادرة التعلّم عَبر التكرار المعتاد أو الفهم على ظهر قلب“.
وُلِدَ بيتر في لندن في 21 مارس 1925 لأبوين يهوديين مهاجرين من لاتفيا. هاجر والده سيمون، المتمرد الشاب الذي كان ينتمي إلى حزب المنشفيك في عام 1907، برفقة زوجته الشابة إيدا إلى باريس ومن ثم بلجيكا، وفرارهما إلى إنجلترا عند وصول الجيش الألماني إلى بلجيكا عام 1914، واستقرارهما في ضاحية Chiswick غرب لندن.

كانت الثقافة الروسية لا تزال حاضرة بقوة وسط أسرته، وكادت أن تلازمه بشكل حميمي طوال حياته، كمفتاح أساسي لفهم رجل منفتح ومغامر بشكل هائل.

في فتوته كان بيتر شغوفاً بالتصوير الفوتوغرافي والسينما، وكان يكره النظام التعليمي البريطاني. حين سئُل مرةً عن سبب عدم تطرّق التأريخ الإنجليزي له كثيراً أجاب:”لقد نشأت في المدارس الإنجليزية العامة، ومنذ البداية لم أكن مؤمناً، حقيقةً، بما كانت تعلّمني إياه تلك المدارس، ولم يعجبني قتالهم من أجل ترسيخ التقاليد التاريخية لإنجلترا“.

كان الفتى يأمل أن يُصبح مُخرجاً سينمائياً، لكن حين بدا له عالم السينما ميداناً يتعذر الوصول إليه، استدار برفق نحو المسرح أثناء دراسته الأدب الروسي في جامعة أكسفورد  ليثير الاعجاب منذ البدء حين شرع عام 1946، وهو في سن الحادية والعشرين من العمر، في إخراج أول عمل له وهو مسرحية (خاب مسعى الحب  love’s Labour’s Lost) لوليم شكسبير، الكاتب الذي لم يتوقف عن مواصلة بحثه طوال حياته، والذي سيُصبح نقطة ارتكاز لجميع تأملاته وتفكيره حول المسرح. 

في الثانية والعشرين من عمره أخرج مسرحية ”روميو وجوليت“ العمل الذي 
شهد أول عرض لها في مدينة شكسبير ستراتفورد أبون أفون. وفي سن الثالثة والعشرين تم تعيينه مخرجاً ومدير إنتاج في دار الأوبرا الملكية في Covent Garden، لكن سرعان ما تمَّ إبعاده بعد بضعة أشهر بسبب خرقه لأعراف تلك المؤسسة الكلاسيكية العريقة من خلال عمله المسرحي (سالومي) لريتشارد شتراوس الذي صممَّ السينوغرافيا
شتراوس الذي صممَّ السينوغرافيا السوريالي له سلفادور دالي. يومها أُطلق عليه ”الولد الشقي“ حيث واصل عمله بدون مخاوف أو تردّد سواء في المسرح المؤسسي أو التجاري. 

بدأت علاقة بروك بالمسرح تتغير بشكل محسوس منذ منتصف الخمسينات فصاعداً، وقد فتح ذلك المنحى شوطاً طويلاً من الابتكار ما جعل منه أحد الشخصيات الأساسية في التحوّل المسرحي البريطاني في النصف الثاني من القرن العشرين. 
جولاته المكوكية خارج المملكة المتحدة بحثاً عن فضاء آخر وملاقاة جمهور آخر، استهلها أولاً إلى نيويورك ليعمل في أوبرا ميتروبوليتان، ومن ثم إلى باريس حيث
أخرج مسرحية ”قطة على صفيح ساخن“ لتينسي وليامز، و ”منظر من الجسر“ لآرثر ميلر، ومسرحية ”شرفة“ للكاتب الفرنسي جان جينيه، التي لم تكن قد قُدّمت بعد على خشبات المسرح الفرنسي!.

أما العلامة المميزة والنقطة المضيئة في تأريخ المسرح البريطاني، فقد تجلّت في عرضه الشكسبيري ”تيتوس أندرونيكوس“ لفرقة شكسبير الملكية، الذي فرض من خلاله رؤية جديدة لشكسبير ووضع الحجر الأول لتلك البساطة الخالصة المصقولة التي ستُصبح جوهر فنه إلى آخر يوم في حياته.

لقد نهل بروك خزينه الخصب من مصادر ثقافية متعددة، لعل أبرزها كتابات روّاد الحداثة المسرحية أمثال فيسفولد مايرهولد، جوردون كريج، وأنطونيو آرتو ومسرحه (مسرح القسوة)، فضلاً عن ابتكارات ”المسرح الحي“ في أمريكا، وأبحاث جيرزي جروتوفسكي ونظريته (نحو مسرح فقير). وقد كانت المحصّلة استراحة نهائية للمسرح الرسمي أو وضع المسمار الأخير في نعشه.

حاز عمله مارا / صاد  للكاتب الألماني بيتر فايس على جائزة Tony Award كأفضل عرض وأفضل مخرج في برودواي عام 1964.  وقد واصل عروضه 
الشكسبيرية تباعاً: (العاصفة) ، (الملك لير)، فضلاً عن (حلم منتصف ليلة صيف)  ثم عمله المميز (أنطوني وكليوباترا).

عَبَرَ بيتر بروك القنال الإنكليزي عام  1970 متجّهاً صوب باريس على إثر دعوة شخصية وجهّها له الممثل الفرنسي جان لوي بارو، هناك حيث التقى فكتور جارثيا، جو تشايكين، رائد المسرح المفتوح، وجو فري ريفز، وشكلّوا مختبر بحثهم المسرحي.  يومها قرّر بروك البقاء في باريس لأسباب عدّة، أبرزها انبثاق موجات وأصوات جديدة تزامنت مع تفجّر التظاهرات الطلابية هناك، فضلاً عن توفر فرص العمل بحرية افتقدها في بلاده، حيث كانت تسود المسرح البريطاني إدارات بيروقراطية من بقايا لجنة الرقابة ورئيسها سيء الصيت اللورد تشيمبرلين. 
أسسَّ بروك بعد عامين من ذلك التأريخ مركزه العالمي للبحوث المسرحية بمنحة مالية قدرها مليون دولار قدمتها مؤسسة گراند فورد، وكان هدف المركز تشكيل فرقة مسرحية أممية تضم ممثلين وراقصين وموسيقيين وأوكروبات وممثلي بانتوميم من أقطار وأجناس مختلفة متعددة الثقافات غرضها تحدّي الكليشات التقليدية في ميدان الدراما والعرض المسرحي، فضلاً عن كشف خُدع المجتمع الصناعي وضَلالاته.
 
بهذه الفرقة المتعددة الأعراق والثقافات كان بروك يسعى إلى البحث عن لغة مسرحية عالمية تشكل جسراً وحواراً إنسانياً لتلك الشعوب والثقافات.
لقد باشر عمله في استخدام تقنيات غاية في التنوع والابتكار للكشف عن مصادر جديدة للتعبير المسرحي في مجال اللغة والحركة والصوت والمكان، أسهمت جميعاً في العثور على أشكال درامية عَبر الرقص الكاثاكالي والسيرك والأقنعة 
والمهارات الأخرى. أمّا العناصر الجوهرية التي اعتمدها في ولادة الحدث المسرحي، فهي الارتجال وعدم الخضوع لعبودية النص المكتوب، وتفجير المخيلّة الجماعية لطاقم العمل المسرحي، والتزاوج والتناغم السري بين مُخيّلة المُؤدّي  ومُخيّلة الكاتب.
 
وعلى عكس السائد، اتجّه بروك نحو القرى البدائية بحثاً عن نوعية عفوية من الجمهور لم تلوُّثه يد الحضارة الغربية بعد، وهذه النزعة يمكن أن تُعزى إلى تأثير ”مسرح القسوة“ لأنتوين آرتو، الذي كان يسعى إلى لغة صافية ومتفرج بدائي.

لقد اخترقت فرقة بيتر بروك تلك بمركبتها العتيقة القرى الأفريقية واستراليا والهند وإيران وصحاري الجزائر، وامتزجوا بشعوب تلك البلدان، شاهدوا طقوسهم وعاداتهم وسمعوا قصصهم وأساطيرهم، ومن ثم دوَّنُوا وارتجلوا ما شاهدوه وسمعوه، أمام ذات الجمهور. عُدّتهم الحقيقية هي المُخيّلة، أما 
مسرحهم فقد كان عبارة عن سجَّادة يفترشونها على الأرض في أي مكان يُقيمون فيه ويُباشرون ارتجالاته المدهشة تلك.

هؤلاء الرحَّالة يُذكرّونني بمقطع من قصيدة لأبولينير يقول فيه:”… نحن الطالبين في كُلِّ مكان غِمار الأُفق، لسنا بأعداءٍ لكم، نريد أن نمنحكم كُلَّ الرحاب الغريبة، حيث يزدهرُ السرَّ الخفيّ ويُبيح نفسه لمن أراد اجتنابُه…“.

حين تشتد بفريقه بعض الأزمات كان بروك يشُدُّ من أزرهم بهذه الكلمات: ”… علينا أن نقوم بعمل يشبه وخز الشرايين بالإِبر“.

على الرغم من الخسارات التي تكبدّها الفريق، حيث أصابت حُمّى الملاريا في بعض القرى الأفريقية عدداً من الممثلين مات قسم منهم، كذلك فقدانهم لبعض مركباتهم، فضلاً عن ردود الأفعال غير المتوقعة والمرهقة من جمهور بدائي، إلا أنهم مع ذلك استطاعوا أن ينجزوا عروضاً تجريبية مذهلة، نذكر منها مسرحية ”أورگاست“ عن الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية (أفستا)، العرض الذي تم تقديمه في إيران عام  1972 وبتمويل من شاه إيران!. أما النص فقد أعدّه تيد هوكس بلغة مبتكرة.
 
أما ”مؤتمر الطيور“ فهو العرض المسرحي الآخر، والذي أراد بروك من عنوانه هذا أن يكون رمزاً للشعوب والثقافات جميعاً على اختلافها. 
وقد انبثق هذا النص من كتاب شعري للمتصوف فريد الدين العطار قام باعداده جان كلود كاريير، وهو يتحدث عن الاستبداد الذي مارسه السلاطين والأمراء لارضاء نزواتهم، وقد تم عرضه على جمهور بدائي في صحارى وفي أستراليا ونيويورك ومن ثم في مهرجان باريس المسرحي.

بعد عودة الفرقة  إلى باريس ونتيجة للإفلاس الذي صاحب تلك الرحلة بادرت وزارة الثقافة الفرنسية برصد ميزانية للفرقة لتقديم عروضها في فرنسا وخارجها، وكانت حصيلة الفرقة مجموعة من العروض المميزة نذكر منها، ”IK“ وهي حكاية رمزية ذات مغزى أخلاقي عن الاضطراب والتشوش الروحي والثقافي المعاصر عَبر موت قبيلة أفريقية كاملة بسبب فقدانها الرغبة في العيش، وقد تم عرضها في باريس ومن بعد في لندن عام 1976.

تابع بروك فيما بعد عروضه المسرحية ضمن نطاق الفرقة بأعماله اللاحقة: ”مأساة كارمن“ ، ”بستان الكرز “ ، ” تيمون الاثيني“ ، ” يوبا“.. Us نحن والولايات المتحدة، عن الحرب في فيتنام، ومن ثم تجربته الفريدة التي قام بها هو وجان كلود كارير عام 1987 وهي إعدادهما للملحمة الدينية الهندية ”مهابهاراتا“ التي استغرق عرضها عشر ساعات في ساحة مقلع الحجارة خارج مدينة أفيغنون الفرنسية. أما آخر عروضه فهي مسرحية بعنوان ”لماذا“ التي تم عرضها في نيويورك على خشبة مركز بولانسكي ـ شكسبير والتي طرح من خلالها السؤال عن المَهَّمة التي أمضاها في استكشافاته المسرحية.

على الرغم من مغادرة بيتر بروك المملكة المتحدة إلى باريس هو وزوجته الممثلة البريطانية من أصل روسي ناتاشا باري التي توفيت عام 2015، فقد بقي مواطناً بريطانياً تتغذى مهنته على نزعة أممية عميقة الجذور دون انحياز ثقافي لأي شيء من شأنه تفادي العدالة السياسية والمطلب الروحي والحيوية الحضارية للعقل. ولم يكن بروك من أولئك المعجبين بالملكية والروح الوطنية 
المتشبعة بالنزعة القومية. وقد كان ينأى بنفسه عن تأريخ شكسبير ومؤرخيه و”إنجليزية“ المَشاهد الريفية التي نجدها في شخصية جون فالستاف الفنتازية، النبيل البدين الذي يظهر في ثلاثة أعمال شكسبيرية (هنري الرابع، هنري الخامس، زوجات وندسور المرحات). 

لقد دونّ بيتر بروك تجربته الجمالية في المسرح والتي استغرقت أكثر من ستة عقود، في ستة كتب أصبحت إرثاً ومرجعاً لجميع مسرحيّ العالم، وهي: المساحة الفارغة، نقطة التحولّ، الباب المفتوح، ليس هناك أسرار، لنمثل الملك لير، صفة الرحمة، طرف اللسان، وأخيراً، العزف بواسطة الأذن.

على الرغم من شيخوخته ورحيل زوجته، لكنه لم يتقاعد من مهنته بل واصل عمله حتى آخر يوم من حياته. ”إنني أعمل بجد أكثر من أي وقت مضى. أكتب وأُخرج وأُسافر“. يقولها بثقة وتفاؤل.

عن زوجته ناتاشا التي التقي بها وأغرم بها وتزوجها عام 1951 وأنجبت له مخرجين سينمائيين هما إيرينا وسيمون، يتذكر بروك في كتابه Playing by Ear قراءته لرواية تولستوي (الحرب والسلام) وهو في التاسعة من عمره حين أحسَّ بموسيقى اسم بطلة الرواية ”ناتاشا“ قد لامس مشاعره بشكل غامض.”لقد كنت أعلم حينها أنَّ هذا هو المصير الذي رافقني وأُعِدَّ لي منذ ذلك الحين“.
 
في قطار يوروستار جلستْ إلى جانبه سيدة عجوز وكان عمره آنذاك 94 عاماً ودارت حوار مبتسر بينهما:
”كانت تلك السيدة مفعمة بالحيوية والطاقة جعلتني أشعر بالفتوة حقاً“ يقول بروك ”سألتها عن عمرها، قالت ثمانية وتسعون (ثمانية وتسعون!)“ يضحك بطريقة مكتومة ”لا، لا، أربعة وتسعون ليست شيئاً إذاً!“.

توفيَّ المخرج البريطاني بيتر برُوك في الثاني من شهر يوليو (تموز) الجاري في باريس عن عمر ناهز السبعة والتسعين عاماً. 
لقد جعل بروك من المسرح أداة رائعة لاستكشاف الوضع الإنساني بكل أبعاده. وبوفاته تم إغلاق إحدى أهم المغامرات المسرحية في النصف الثاني من القرن العشرين. 

الجمعة، 14 يوليو 2023

ثامر مهدي ..جواهر إبداعية تلمع في مرآة الزمن العراقي / عبد العليم البناء

مجلة الفنون المسرحية 
ثامر مهدي ..جواهر إبداعية تلمع في مرآة الزمن العراقي 

يتواصل مسلسل الخسارات الفادحة والأليمة لرموز الثقافة والفن في العراق لاسيما مع رحيل الرمز العراقي الكبير الفنان والكاتب والناقد والسيناريست والتدريسي البارع الأستاذ ثامر مهدي الذي وافاه الأجل في التاسع من تموز 2023في صقيع الغربة في مدينة هاليفاكس الكندية – كما هو حال معظم كبار مبدعي العراق- عن عمر ناهز الواحد والثمانين عاماً، بعيداً عن وطنه الذي قدم له الكثير من علمه وفكره وفنه وثقافته ومعارفه الجمالية والفلسفية والإبداعية التي حفلت بها مسيرته وخرج من معطفه الكثير من فناني العراق ونهلوا من علمه وثقافته وفنه ومؤلفاته وفلسفته وفكره الجمالي الكثير منذ عقود ومازالت، وفوق هذا وذاك تميز بدماثة خلقه وتواضعه الذي هو سمة مبدعينا الكبارمن أمثاله، لتخسره الثقافة العراقية الرصينة والأصيلة باعتباره واحداُ من أبرز أعلامها الذين قدموا عصارة أفكارهم وجهودهم التي لم تنقطع أبداً داخل وخارج العراق.
لقد تميز الراحل الجليل بنبوغه المعرفي وحبه للثقافة منذ نعومة أظافره، حتى تخرج في قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة بغداد عام 1964، وكان الأول في دورته، فعين معيداً في الكلية، وهو ما يحصل عادة في العراق السوي مع النابغين والمتفوقين آنذاك، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة في الجامعة نفسها عن أطروحته (منطق الحكم الجمالي)، الذي ظل يلازمه كظله "واثق الخطوة يمشي ملكاً" في عوالم وفضاءات الإبداع المختلفة . 
وبانت ميوله وحبه للفنون وبالذات المسرح باعتباره أحد معطيات (علم الجمال) الذي تخصص به الراحل ثامر مهدي، فتوجه لدراسة المسرح في معهد الفنون الجميلة، القسم المسائي، لكنه لم يكمل الدراسة من دون أن يتخلى عن ميوله الفنية، لاسيما حين تعرف على المخرج الكبير الراحل إبراهيم جلال، الذي اختاره ليكون مساعدًا له حين أخرج مسرحية (كاليغولا) لألبير كامو عام 1965، وجره هذا الارتباط العملي بالمسرح وبالراحل ابراهيم جلال الى أن يصبح عضواً في فرقة المسرح الفني الحديث التي  كانت تضم كبار مبدعي المسرح العراقي، وشارك مع إبراهيم جلال في تقديم مسرحية (فوانيس) للراحل الكبير طه سالم، ومن ثم ليتولى الإدارة الفنية لأول تمثيلية أعدها للتلفزيون عن مسرحية لبيرانديللو وحملت عنوان (الفخ) وأخرجها الفنان القدير الراحل خليل شوقي ومثلت بطولتها الفنانة الراحلة زينب، ولم ينقطع عن عالم المسرح فكتب أيضاً مسرحيته الوحيدة (فائض عن الحاجة) وأخرجها للمسرح العمالي كتجربة أولى وأخيرة، لكنه قرر بعد ذلك الابتعاد عن المسرح.
لقد بدأ ثامر مهدي كتاباته الأدبية في أوائل ستينات القرن المنصرم، ونشر بين 1963و1966 مجموعة قصص في مجلة (العاملون في النفط) التي كان يرأس تحريرها الراحل الكبير جبرا إبراهيم جبرا.كما كتب مقالات نقدية عن المسرح وكان ينشرها في جريدة (الثورة العربية) البغدادية.. ليتجه بقوة وإصرار نابع من تخصصه في علم الجمال الزاخر بالجماليات المتعشقة بالفنون الابداعية ومن بينها الدراما التلفزيونية والسينما الى كتابة العديد من النصوص التلفزيونية والسيناريوهات السينمائية التي أثمرت عن العديد من أفضل الاعمال التلفزيونية والسينمائية التي مازالت يشار لها بالبنان لقوتا ومتناتهاعلى صعيد الفكرة والقصة والسيناريو ومن حسن حظه أنها وقعت بين أيدي كبار المخرجين في العراق. 
ومن بينها سيناريو وحوار فيلم (الظامئون)، الذي أعده عن رواية (الظامئون) لعبدالرزاق المطلبي، وإخراج محمد شكري جميل، وسيناريو وحوار فيلم  (العاشق) عن رواية (مكابدات عبد الله العاشق) لعبدالخالق الركابي، وإخراج محمد منير فنري، وسيناريو وحوار (العربة والحصان)، وإخراج محمد منير فنري، وسيناريو فيلم (السلاح الأسود، وﺇﺧﺮاﺝ محمد شكري جميل، الذي تم ايقافه بسبب وشاية سياسية مغرضة، وسيناريو فيلم (الجريء) ، وأخيراً سيناريو فيلم (المسرات والأوجاع) عن رواية فؤاد التكرلي، وإخراج محمد شكري جميل، ولعب أدوارها نخبرة من خيرة وألمع فناني السينما في العراق، وتميزت بموضوعاتها المتماهية مع معطيات وهموم ومعاناة الإنسان العراقي بمختلف تمظهراته الانسانية والاجتماعية والوطنية، استطاع ثامر مهدي أن يصوغها لتتحول الى صور مرئية مترعة بجمال لغة السينما وسحرها ودهشتها.  
وعلى صعيد الدراما كانت لمهدي بصماته الأصيلة كما فعل في السينما، فكتب مسلسل (حرب البسوس)، إخراج عمانوئيل رسام،  ومسلسل (ناظم الغزالي)، إخراج فلاح زكي وفارس طعمة التميمي..
أما على صعيد التأليف فكانت عطاءاته المتنوعة هي الأخرى قد تميزت بالأصالة، فصدر له عام 1990 كتاب (من الأسطورة إلى الفلسفة والعلم) عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد، وعن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتابي (التراجيديا فلسفة) و(منطق الحكم الجمالي)وكان الأخير عن أطروحته للدكتوراه ، و(في المسرح المدرسي) وتناول  فيه المعايير التعليمية واللغوية والجمالية، وأفلاطون) وهو دراسة في فكر أفلاطون الجمالي، و(المدخل إلى فن التأليف في التلفزيون) وهو كتاب منهجي لكلية الفنون الجميل، ومجموعة قصص في مجلة (العاملون في النفط) بين سنة 1963و1966، إضافة الى ترجمة كتاب (قصة النشوء والتكوين عند قدماء العراقيين وانعكاساتها على العهد القديم)، وترجمة كتاب (الجمالية) لمؤلفه ويليم بنتون، وترجمة كتاب (الخليقة البابلية) لمؤلفه ألكسندر هايدل، و(دراسة تحليلية لبعض النصوص المسرحية المقدمة على المسرح المدرسي 1978 – 1979).
مازال طلبته في كلية الفنون الجميلة يتذكرون محاضراته المحببة لهم أكثر من غيره لأنه – كما يذكرد. سالم شدهان-  يمثل لوحده جانباً معرفياً وجمالياً وفلسفياً يتم طرحه في مجموعة محاضرات يمكنها أن تكون دروسا مقروءة ومرئية معاً، فتشعر بأنك أمام موسوعة في جميع الفنون السبعة، وتشعر وأنت تستمع اليه أنك تنهل من غزارة وفيض علمه وسعة خياله..
ومما كان يحسب له مبدئيته وتمرده على الواقع الخاضع ومشاكساته المبطنة تارة والصريحة تارة أخرى لأعتى ديكتاتورية عاشها البلد، كادت تودي به الى حبل المشنقة، وبتدخل الخيرين والأنقياء من محبيه تم نقله من كلية الفنون الجميلة الى جامعة الكوفة، وياله من عقاب أبعده عن الصرح الذي كان يغرد فيه بأجمل وأروع الأفكار والنظريات الجمالية التي مازال صداها يتردد داخل هذا الصرح الفني والثقافي الأصيل.
لقد كان الراحل ثامر مهدي يمتلك اسلوباً متفرداً في التدريس ويمزج مابين الجدية والسخرية، وهكذا هو في حياته العامة ..وهكذا هي مسيرته التي طرزها بجواهر إبداعه التي ستظل تلمع في مرآة الزمن العراقي الأصيل.. بماكان يكتنزه من قيم جمالية وفكرية وإبداعية ووعي قل نظيره ..

مسرحية للفتيان " النور الأحمر " تأليف طلال حسن

مجلة الفنون المسرحية

الثلاثاء، 11 يوليو 2023

250 نشاطاً وبرنامجاً بفعاليات "صيفك ويانا" لناشئة الشارقة

مجلة الفنون المسرحية 

 250 نشاطاً وبرنامجاً بفعاليات "صيفك ويانا" لناشئة الشارقة

نحن والزمن الظاهر والخفي (41)/ د.عبد الكريم برشيد

مجلة الفنون المسرحية 
د.عبد الكريم برشيد

نحن والزمن الظاهر والخفي (41) 

ثامر مهدي .. تأملات في الحياة والرحيل / علي حسين

مجلة الفنون المسرحية 
ثامر مهدي .. تأملات في  الحياة والرحيل 

عندما قرأت خبر رحيل الاستاذ والمعلم ثامر مهدي ، تذكرت احلامه واشواقه  لهذا الوطن الذي ادار له ظهره ، وتراءت لي السنوات التي قضيتها بصحبة " ابو لؤي " . ربما لا اتذكر السنة التي تعرفت فيها على ثامر مهدي ، فمثل هذا الانسان يجعلك تشعر انك تعرفه منذ زمن بعيد ، فلفرط حميميته تكاد توقن انه احد اقاربك ، فصاحب الوجه المبتسم كان يشيع  الحميمية والاطمئنان من حوله  ،  وتظل تسأل ترى من اين جاء بكل هذه الطيبة التي ينثرها على الآخرين ؟ . لم يكن ثامر مهدي استاذا للجماليات في كلية الفنون الجميلة ولا كاتبا متميزا للسيناريو الدرامي ، ولا فنان وجد ان طموحاته اكبر من خشبة المسرح ، لكنه كان مثقفا اصيلا ومبدعا ، وقبل كل هذا انسانا يحمل معرفته الخاصة وذلك الولع التواق الى تحويل الفن الى قيمة  جمالية وفكرية . ولعل بسبب تلك المعرفة وذلك الوعي ارتبط اسم ثامر مهدي باروع افلام السينما العراقية " الظامئون " وبأهم انتاج درامي عراقي " حرب البسوس " ، وبجيل من الطلبة حاول ان يحقق احلام اساتذته ورؤاهم الفكرية والجمالية للمسرح والسينما والتلفزيون العراقي .
قادتني الصدفة الجميلة للتعرف على الاستاذ ، عندما اخبرني الصديق  جواد الشكرجي اننا سنذهب في سيارة " الفولكسن واغن " الى مدينة الحبانية حيث يتم تصوير مسلسل " حرب البسوس " وكان جواد يمثل فيه اول ادواره المهمة ، شخصية جساس ابن كليب . لم اكن اعرف ثامر مهدي ، كنت اشاهده في كلية الفنون الجميلة متأبطا ذراع احمد عباس صالح او منهمك في حوار مع المخرج جعفر علي او يجلس في الكافتريا وحوله شلة من المحبين ، وكنت اسمع عنه من خلال احاديثي مع الخال خليل شوقي الذي كان يسميه " بابا ثامر "  . كانت السيارة التي ذهبنا بها واصبحت فيما بعد سيارتنا الخاصة انا وجواد الشكرجي هي ملك لثامر مهدي الذي اعلن انه سيتتلمذ على يد جواد ليصبح سائقا ماهرا  ، واستمرت هذه التلمذة لسنوات ، كان فيها الشكرجي " يزاغل " من اجل ان تبقى السيارة اطول فترة ممكنة معنا ، في الوقت نفسه ك ثامر مهدي مستمتعا بما يجري 
اتذكر الآن الحوار الاول الذي جرى بيني وبين ثامر مهدي عن مستقبل الدراما ، يومها  كنت قد نشرت في صحيفة الجمهورية مقالة عن الدراما العراقية، لم اكن اتوقع انها ستحظى بمتابعته  وكأي شاب متحمس وقليل الخبرة والمعرفة، اخذت احاجج المعلم واحاول ان استعرض قراءاتي  ، فيما هو ينظر اليه مبتسما،  وما ان انتهيت حتى تدفق محاججا على طريقة سقراط الذي كان يعشقه ، فاضاف العمق الى فكرتي ، وخلع عن حماستي ثوب المغالاة الساذجة ، وعلمني كيف اضع افكاري موضع المساءلة ، لأجد نفسي امام شخصية ساحرة امتزجت فيها الرؤية الانسانية، مع جمالية فنية متميزة ، كان وهو يحاول أن يصحح خطواتي الأولى في كتابة النقد الفني، يعلمني درساً في كيفية مخاطبة القارئ بلغة مفهومة  ذات دلالات واضحة.
ظلت النزعة السقراطية في الحوار هي التي تَميز ثامر مهدي سواء في قاعة الدرس او في جلسات الاصدقاء او في الندوات التي كان يحضرها . ولم تكن رفقتي وحواراتي معه طيله السنوات التي كنا نلتقي بها بشكل يومي ، تحمل طابع التلمذة او الصداقة فقط ، وانما قبل ذلك وبعده تحمل معنى الابوة ، التي يتغلب فيها معنى الأب على معنى الاستاذ او الصديق ، فكان ثامر مهدي يتعامل مع طلبته والمقربين منه من مفهوم الرعاية الابوية لطلبته انسانيا ومعرفيا ، فكان بيته مفتوحا للجميع  لايتردد في رفدنا بكل ما ينقصنا في مجال الفن والفلسفة ، هذه الانسانية التي امتزجت بنزعة وجودية كانت ترى في التمرد على الواقع سبيلا لبناء قدرات الانسان . هذا التمرد الذي دفع ثامر مهدي ثمنه حين تم نقله من كلية الفنون الجميلة التي كان يعشقها الى جامعة الكوفة  عقابا على مشاكساته ورفضه الانتماء الى " الحزب القائد " . 
اتسمت حياة ثامر مهدي الثقافية بسمة الموسوعية التي كانت تضرب في كل اتجاه ، وتتنقل ما بين حقول المعرفة ، في سعي لا يكف عن الحركة والكتابة ، تصل صاحبها بكل فروع الثقافة وتجعل من مسيرته متعددة الادوار ، فنجده استاذا جامعيا ، ومشتغلا  في النقد الفني وصاحب مسيرة في مجال الدراما السينمائية والتلفزيونية ، وكان قبلها مخرجا مسرحيا خاض تجربة يتيمة " كاليغولا " وكتب مسرحية وحيدة " فائض عن الحاجة " ، وعددا من القصص القصيرة ، نَّظر للمسرح المدرسي وضرورته . ووضع كتابا منهجيا للتاليف التلفزيوني ، وفي الوقت نفسه ترجم عدد من الكتب تنوعت بين الفلسفة وعلم الاساطير والجماليات . وبسبب تلك المعرفة وذلك الوعي ، ارتبط اسم ثامر مهدي بالسعي لكتابة درامية حديثة،  ولعل سيناريو  فيلمه "الظامئون " كان علامة تمرد على طرائق السينما العراقية في اختيار موضوعاتها  ، وايضا رغبة متمردة لتقديم شخصيات واقعية تواجه صراعاً مضاعفاً. فهي تقاوم الوقع الاجتماعي المتخلف من جانب ومن جانب آخر تواجه الطبيعة القاسية التي تعطلت بسبب الجفاف الذي أوقف كل شيء ولم يبق سوى الموت . كان ثامر مهدي آنذاك يخطو خطواته الأولى في السينما وكان الامتحان الأول الذي كما أخبرني، أن رواية الظامئون عالم يموج بالحركة والحركة فيها ليست عشوائية بل هي صراع محدد يدور وفقاً لقوانين فكر محدد وهو لهذا صراع واقعي في الدرجة الأولى لاتحركه بطولات فردية زائفة أوحوادث مفتعلة ولهذا سعى أن يقدم سيناريو يجمع بين ذاتية الإنسان وبين الحدث المليء بالحركة والشخصيات.. فنحن في الفيلم أمام شخصيات تجمع بين البساطة والتعقيد، فهي شخصيات عادية الى درجة غير عادية.. ولم يقتصر عمل ثامر مهدي وبالتعاون مع المخرج المبدع محمد شكري جميل ، في الظامئون على ترجمة رواية عبد الرزاق المطلبي  الى حركة مستمرة على الشاشة بل تعدى ذلك الى خلق حياة تشد المتفرج، وتعيش وتنمو في مشاعره وفكره معاً.
في حوار قصير اجريته معه ونشر في صحيفة الجمهورية في بداية الثمانينيات سألت ثامر مهدي عن مفهومه للعمل الفني ، فكانت اجابته مرتبطة بمفهومه لقيمة العمل الفني ومدى قدرته على الاستمرار قائلاً :" العمل الفني  يجب ان يرتبط بالمعرفة ، وان هذا الارتباط  هو الذي يحدد قيمة هذا العمل  من حيث ما يخلقه في وعي المتفرج او ما يعكسه في وعي الفنان ، ويفضي ذلك الى ان كل عمل فني يفترض ان يصدر عن رؤية متكاملة للواقع " .
في واحدة من المتع التي عشتها مع الاستاذ، هي الحوارات التي كان يجريها مع المخرج عمانؤيل رسام عن تصوره لمسلسه " حرب البسوس "  ، آنذاك انتبهت للملاحظات الدقيقة التي يطرحها الاستاذ ، ولحالة الانصات التي تملكت المخرج القدير ، ومن خلال الحوار تتكشفت لي  نظريته المتكاملة في الدراما، وفي اهمية  الصورة  التلفزيونية  وتاثيرها على المتفرج ، وفي الدور الذي يلعبه الحوار الذكي  ، واكتشف أن الأمر لا يتوقف عند كتابة سيناريو لرواية او تحويل حكاية تاريخية الى مسلسل تلفزيوني ، لكنه ينزل الى التفاصيل، احساسه بالصورة ، بالكلمة، بموسيقى الجملة، بالحركة الداخلية التي ستنفجر بحركة ابداعية على الشاشة ، بشخصية الممثل  ومقوماتها، بالعلاقة الجدلية بين مجموع الممثلين وبين النص الذي سيقدمونه . قال لي مرة عليك ان تقرا باستمرار ، فكتابة السيناريو او المسرحية  حرفة ، والاتقان وحده  ليس كافياً. إن الحرفة هي الجهاز الذي ينفّذ به الفنان الموضوع الذي يريده ، لكن هذا الجهاز يحتاج أن يمتلئ بمادة ، فلا يمكن أن تعمل السيارة من دون بنزين . و" بانزيننا " نحن الكتاب هذه واشار الى مئات الكتب التي كانت تحتويها مكتبته المنزلية .
سألته ذات مرة وهو يقول لي انه في الطريق لدخول عقده الخامس :
-  بأي معنى يفهم ثامر مهدي الحياة ؟ 
-بالولادة والموت 
-لو قدّر لك أن تعيش بدون كتابة  .. فماذا تفعل ؟ 
-يمكن أن أصاب بمرض الكآبة  ،  فالأيام التي ليس  فيها مشاريع او دروس او اصدقاء ، أيام تعيسة .
قلت له بعد ان شاهدت حلقات مسلسله " حرب البسوس " : 
- لو  لو طلب منك ان تكتب نقدا .ماذا ستقول ؟ 
- اقول ان كاتب السيناريو يحتاح أن يجدد نفسه من أجل أبداع  اكثر جديدة وحيوية  لرؤيته وإحساسه .
ثامر مهدي المولود في بغداد عام 1942 تجرأت ذات يوم لاطلب منه ان يتحدث عن طفولته ، فقد كنت اعتقد ان ثامر مهدي ولد هكذا ، حياته كلها حوارات وجدالات وبحث وافلام ودروس ، من الصعب ان اتخيله بصورة اخرى غير صورة الرجل الذي يثير زوبعة من الاسئلة ومعها فواصل من الضحك اللذيذ .. قال لي وكأنه يتذكر شريطا سينمائيا   :
-كانت طفولتي طويلة وممتعة  
يرحل ثامر ويسحب وراءه باب زمن جميل ، اضاف فيه الى حياتنا نحن الذين عرفناه ما يجعلها اجمل وأقرب الى الفهم ، وزودنا بما يجعنا اكثر وعيا ، رحل وترك لنا على الاقل حق استثمار الذكريات الجميلة والصادقة .

الاثنين، 10 يوليو 2023

بـوحـديد مسرحي لا يعـوض

مجلة الفنون المسرحية 
المسرحي عبد السلام بو حديد 

     بـوحـديد مسرحي لا يعـوض

المسرح الرؤيوي / د.عبدالفتاح مرتضى

مجلة الفنون المسرحية


المسرح الرؤيوي

الأحد، 9 يوليو 2023

كرنفال بيلماون المغربي يطمح إلى بلوغ العالمية الطقوس والعروض الفرجوية تراث غير مادي تتوارثه الأجيال.

مجلة الافنون المسرحية 

كرنفال بيلماون المغربي يطمح إلى بلوغ العالمية الطقوس والعروض الفرجوية تراث غير مادي تتوارثه الأجيال.

(انبثاق الشكل وميلاد الحدث المسرحي)"علينا أن نقوم بعمل يشبه وخز الشرايين بالإِبـر" بيتر بروك (2)

مجلة الفنون المسرحية


 (انبثاق الشكل وميلاد الحدث المسرحي)"علينا أن نقوم بعمل يشبه وخز الشرايين بالإِبـر" بيتر بروك (2)

السبت، 8 يوليو 2023

بحث عن " ثقافة التسامح بين السيرة الشعبية والمسرح " ا.د / أمانى فهيم *

مجلة الفنون المسرحية 


بحث عن "ثقافة التسامح بين  السيرة الشعبية والمسرح "

الأربعاء، 5 يوليو 2023

مسرحية " باب النصر " تأليف محمود القليني

مجلة الفنون المسرحية

منطلقات التجريب (2)

مجلة الفنون المسرحية


منطلقات التجريب  (2)

الثلاثاء، 4 يوليو 2023

روح الفنون والجنون في احتفاليات الروح (40) / د.عبد الكريم برشيد

مجلة الفنون المسرحية 


روح الفنون والجنون في احتفاليات الروح (40) 

الاثنين، 3 يوليو 2023

مينو Pause نصوص مسرحية بمعالجات اجتماعية للكاتبة رفقة أومزدي

مجلة الفنون المسرحية


  مينو Pause  نصوص مسرحية بمعالجات اجتماعية للكاتبة رفقة أومزدي

الأحد، 2 يوليو 2023

البروفيسور عقيل مهدي يوسف وما وراء النقد الثقافي

مجلة الفنون المسرحية 

البروفيسور عقيل مهدي يوسف  وما وراء النقد الثقافي

مسرحية للفتيان " أحيقار " تأليف طلال حسن

مجلة الفنون المسرحية
الكاتب طلال حسن 


مسرحية للفتيان  " أحيقار " تأليف  طلال حسن 

(انبثاق الشكل وميلاد الحدث المسرحي) "علينا أن نقوم بعمل يشبه وخز الشرايين بالإِبـر" بيتر بروك

مجلة الفنون المسرحية


تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption