أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

السبت، 11 أبريل 2026

حين يهمس الداخل: “الندّاهة” بوصفها عدوى وعي لا تُرى

مجلة الفنون المسرحية

حين يهمس الداخل: “الندّاهة” بوصفها عدوى وعي لا تُرى

د/ هند محسن حلمي 

يقول بريخت: «المسرحُ ليس مرآةً تعكس الواقع فحسب، بل مطرقةٌ تُعيد تشكيله.»
في إطار فعاليات مهرجان «إبداع 14» للمسرح بجامعة أسيوط، يقدّم عرض «الندّاهة» لطلاب كلية التمريض تجربة مسرحية تتجاوز حدود التلقي التقليدي، لتغوص في عمق المخيال الشعبي المصري، مستدعيةً أحد أكثر رموزه رسوخًا وإثارةً للقلق. غير أن العرض لا يكتفي باستدعاء هذا الرمز بوصفه كيانًا فولكلوريًا مألوفًا، بل يعيد إنتاجه ضمن رؤية معاصرة، تتقاطع فلسفيًا مع عوالم أحمد خالد توفيق، لا سيما في اشتغاله على منطقة الالتباس بين ما هو خارق للطبيعة وما هو انعكاس نفسي لواقع مضطرب. ومن هنا، لا يقوم الربط بين التجربتين على مستوى الحكاية بقدر ما يتأسس على بنية فكرية عميقة، تنتمي إلى تلك المنطقة الرمادية التي ترفض الحسم وتؤسس لقلق دائم.

ينجح العرض منذ لحظاته الأولى في تفكيك الصورة النمطية لـ«الندّاهة»، محولًا إياها من كيان خارجي إلى حالة وجودية تتلبّس الشخصيات وتتمدّد داخلها. فالإضاءة، بوصفها عنصرًا دلاليًا لا تقنيًا فحسب، تؤدي دورًا محوريًا في بناء هذا التحوّل؛ إذ تفرض الألوان الباردة، كالأزرق والبنفسجي، إحساسًا بالاغتراب والانفصال، وكأن الشخصيات محتجزة داخل وعيها الخاص، بينما يقتحم اللون الأحمر المشهد بوصفه علامة على الخطر أو لحظة الانكشاف. وبهذا، يتحوّل الضوء إلى لغة موازية للنص، تشارك في صياغة السرد، وتستدعي ما يمكن تسميته بـ«القلق البصري» الذي يغني عن الصدمة المباشرة.

كما تبلغ التجربة ذروتها الدرامية في لحظة تبدو، للوهلة الأولى، هامسة لا صاخبة؛ إذ لا يعتمد العرض على الانفجار الدرامي التقليدي، بل يراهن على «الاستسلام الهادئ» بوصفه لحظة الانهيار الحقيقي. هنا، لا تصرخ الشخصيات، بل تتآكل من الداخل، ويبدأ الشك في الذات قبل أن يمتد إلى العالم. وهذه المقاربة تضع العرض في تماس مع أحد أهم أسئلة المسرح الحديث، وهو ما يذكّر بتأملات أنطونان أرتو حول «مسرح القسوة»، حيث لا يكون الخوف في الحدث بل في أثره النفسي العميق.
لذلك في مشهد السرير تحديدًا، نرى كيف تتجلى براعة الإخراج في تحويل السكون إلى أداة تهديد صامتة؛ إذ لا نكون أمام جسد مريض بقدر ما نكون أمام كيان يُسحب تدريجيًا من واقعه إلى طبقة أخرى من الإدراك. هذا الانتقال لا يتم عبر مقاومة، بل عبر استسلام كامل، وكأن الشخصية قد بلغت حدّ الإنهاك النفسي الذي يجعل المقاومة فعلًا بلا معنى. وهنا تكمن قوة العرض، في قدرته على جعل الصمت أكثر صخبًا من أي انفعال.

أما الشخصيات المحيطة، فتتشكّل ضمن بنية درامية قائمة على الالتباس؛ فهي لا تنتمي بوضوح إلى معسكر النجاة ولا إلى معسكر الخطر، بل تتحرك في منطقة بينية، تجعل المتفرج في حالة شك دائم: هل هؤلاء منقذون أم شركاء في الطقس؟ هذه الازدواجية لا تُضعف البناء، بل تعمّقه، لأنها تنسف فكرة الثنائيات الحادة، وتطرح بدلًا منها عالمًا تتداخل فيه الأدوار وتذوب فيه الحدود.
ومع تصاعد المشهد الجماعي في النهاية، ينجح العرض في تفكيك مركزية البطل، ليقدّم بنية حركية جماعية قائمة على التكرار والدوران، وكأن الجميع قد دخل في حالة «ترانس» مشترك. هنا، تتحول “الندّاهة” من كيان يطارد فردًا إلى فكرة تنتشر بين الجماعة، إلى عدوى وعي تنتقل من جسد إلى آخر. الرعب لم يعد في الصوت، بل في قابليتنا للاستجابة له.
وفي هذا السياق، تكتسب الصورة المرفقة—التي تتضمن أسماء فريق العمل—دلالة تتجاوز كونها قائمة تقليدية بالمشاركين. فالأسماء المكتوبة، والمحاطة بذلك الإطار الأحمر المتناثر، تبدو وكأنها جزء من العالم البصري للعرض نفسه، لا مجرد توثيق له. اللون الأحمر هنا لا يوحي فقط بالخطر، بل يخلق امتدادًا رمزيًا لفكرة “النداء” الذي يحيط بالجميع. الأسماء لا تُقرأ فقط بوصفها أفرادًا، بل كشبكة متداخلة تشكّل هذا الكيان الجماعي الذي قدّم التجربة.
كما أن توزيع الأسماء على الجانبين، مع وجود مساحات فاصلة في المنتصف، يذكّر بالبنية التي اعتمد عليها العرض: ثنائيات ظاهرية (داخل/خارج، وعي/لاوعي، نجاة/استسلام)، لكنها في الحقيقة ثنائيات مهزوزة، سرعان ما تنهار لصالح حالة واحدة ممتدة. وكأن الورقة نفسها تعكس فلسفة العرض: لا أحد منفصل تمامًا، ولا أحد بمنأى عن “النداء”.
ولا يمكن إغفال أن هذا الحضور الجماعي للأسماء يعكس جوهر التجربة المسرحية ذاتها، حيث لا يبرز نجم فردي بقدر ما تتشكّل القيمة من خلال التناغم الكلي. وهو ما يتقاطع مع رؤية بيتر بروك الذي يرى أن “المسرح يحدث عندما تصبح الجماعة كيانًا واحدًا يتنفس إيقاعًا مشتركًا”.
نقديًا، يحقق العرض نجاحًا واضحًا في بناء الحالة النفسية والبصرية، مع وعي ملحوظ بتوظيف العناصر المسرحية توظيفًا دلاليًا. ومع ذلك، كان من الممكن تعميق العلاقات بين الشخصيات في البدايات، لمنح لحظة الانهيار تأثيرًا أكثر كثافة. كما أن الاشتغال الموسيقي—لو اتخذ منحى أكثر تجريبية—كان قادرًا على مضاعفة الإحساس بالاضطراب، خاصة في المشاهد الجماعية.

وفي هذا السياق، لا يمكن المرور على هذه التجربة دون التوقّف أمام الأسماء التي صنعت هذا العالم، تلك التي لم تكن مجرد قائمة، بل كانت نبضًا حيًا داخل العرض. فكل اسم هنا لم يكن رقمًا في فريق، بل كان جزءًا من نسيج الحالة:

كل الشكر والتقدير إلى:
عبد الرحمن مظهر، آية عصام، كيرلس شاكر، ندا أبو طالب، أسماء رجب، سهام سيد، آلاء خالد، عبد الرحيم عبد العال، مصطفى شوقي، دينا علاء، مصطفى هاني، سلمى أحمد، خالد حسين، أحمد مصطفى، أحمد حنفي، شهد جمال، عبد الله بلن.
كما يمتد التقدير لكل من أسهم في تشكيل هذا العمل من أدوار أخرى:
د/ رفت إسماعيل، ماجي، د/ عاصم، نجاة، رقية، العِشّة، فتحية، رضا، أبو فتحية، أم رفت، طلعت، عواطف، الخال، د/ محمود، الفلاح، الفلاحة، الفلاح.
إن هؤلاء جميعًا لم يكونوا مجرد أسماء على ورق، بل كانوا “أصواتًا” داخل هذا النداء الكبير، كلٌ منهم أضاف طبقة، إحساسًا، وارتجافة صغيرة ساهمت في اكتمال الصورة.
وفي النهاية، يظل المسرح فعلًا جماعيًا بامتياز، حيث لا يُقاس النجاح ببروز فرد، بل بقدرة الجميع على خلق حالة واحدة متماسكة—وهذا ما تحقق هنا بصدق.
وفي الختام، تبقى الجملة الأكثر صدقًا:
أن “الندّاهة” لا تحتاج أن تناديك… يكفي أنك، في لحظة ما، تكون مستعدًا لأن تسمع.
في المحصلة، يقدّم عرض “الندّاهة” تجربة لا تُخيف بقدر ما تُقلق، ولا تصدم بقدر ما تُربك. إنه عرض يترك أثره في الوعي، لا في الذاكرة فقط، ويعيد طرح سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: ماذا لو لم يكن الخطر في الخارج، بل في استعدادنا الداخلي للإصغاء؟
وفي النهاية، تظل الفكرة الأكثر إيلامًا:
أن “الندّاهة” لا تحتاج أن تناديك… يكفي أنك، في لحظة ما، تكون مستعدًا لأن تسمع.

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption