أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأحد، 3 مايو 2026

مسرحية (رصاصة في قلب الورق )تأليف أزهار سهيل العطية (محاولة لترجمة ما لم يقله التراب)

مجلة الفنون المسرحية

مسرحية (رصاصة في قلب الورق )تأليف  أزهار سهيل العطية (محاولة لترجمة ما لم يقله التراب)

الشخصيات:
 بليغ: رئيس التحرير، يرتدي وشاحاً قومياً فوق بدلة فاخرة، مكتبه مغطى بلافتات وشعارات عريضة.
 بيان: كاتبة وباحثة ميدانية، يبدو عليها الإرهاق، تحمل حقيبة محملة بالصور والتقارير الميدانية عن ضحايا الحرب والأيتام.
 باقر (الشهيد): شخصية رمزية، يتحرك كخيال بين أرشيف المجلة، يرتدي ثياباً غبراء عليها أثر التراب، صوته مسموع للجمهور كأنه "صدى" الحقيقة المنسية خلف الورق المطبوع.

تفتح الستار : 
يظهر  ليل مدينة منهكة شديدة السواد وفي  ساعة متأخرة من أعقاب حربٍ لم تضع أوزارها في القلوب بعد..
ويظهر مقر مجلة "أضواء النصر" ، مكتب رئيس التحرير؛ حيث تُصنع الأساطير الورقية بعيداً عن ضجيج الجبهات وأنين الملاجئ.
 مكتب رئيس التحرير. خلف بليغ لافتة ضخمة مكتوب عليها بخط عريض: "الشهادة طريقنا للخلود" و "بالدم نكتب التاريخ". صوت آلات الطباعة يُسمع في الخلفية كإيقاع عسكري منتظم. بليغ يمسك "المانشيت" الرئيسي للمجلة ويلمع قلمه الذهبي.
بليغ: (يهتف بزهو وهو يوقع الموافقة على النشر) يا بيان، نحن نصنع التاريخ في هذه المطبعة! انظري للعنوان: "الشهادة هي العرس الحقيقي للأمة". قلمي اليوم لا يكتب حبراً، إنه يقطر عزةً وتضحية. يجب أن نملأ عقول القراء بأن الموت في سبيل المبدأ هو قمة الوجود!
باقر: (يقف بجانب رفوف الأرشيف بصوت هادئ وعميق) كنتُ أحب الوجود أيضاً... كانت رائحة القهوة في يد أمي هي قمة وجودي، لكن أحداً منكم لم يكتب عنها في ملاحم النصر التي تبيعونها في الأكشاك.
بيان: (تضع صوراً حقيقية لأطفال جائعين أمام بليغ بحدة) أي عرس تتحدث عنه يا بليغ؟ الموت هو الفراغ البارد والذل الذي يتركه الراحلون خلفهم. أنت ترفع شعارات "الخلود" من خلف مكتبك المكيف، بينما الحقيقة أن الحرب في الواقع هي هذه الوجوه الشاحبة. هل زرتَ بالأمس ملاجئ الأيتام؟ هل رأيتَ انكسار الآباء وهم يبحثون عن كسرة خبز لأطفال شهدائك الذين تتاجر بأسمائهم؟
بليغ: (يدفع الصور بيده بضيق) أنتِ غارقة في "العاطفة الانهزامية"! الحرب تضحية كبرى، والشعارات هي التي تصون كرامة الأمة. ما قيمة دمعة يتيم أمام شموخ العلم الذي نرفعه في مجلتنا؟ التاريخ لا يلتفت للباكين، بل يمجّد من يملكون الجرأة على دفع الآخرين نحو "الخلود".
باقر: (يقترب من مكتب بليغ) دفع الآخرين؟ أنت لم تغادر مقعدك الوثير.. القلم الذي تحمله لم يشعر ببرودة الزناد في ليلة شتاء، ولم يختنق بغبار الانفجارات التي تصفها بأنها "زغاريد".
بيان: (تقف وتواجهه بقوة) الكرامة التي تُبنى على جثث الأطفال هي وهمٌ نبيعه للمساكين في ورق مصقول! المثقف الحقيقي هو من يحمي الحياة، لا من يزيّن الموت ليحقق أعلى المبيعات. أنت بنصف معرفتك هذه، تجعل اليُتمَ "قدراً شريفاً"، والفقر "صموداً أسطورياً". أنت تبيع الأرامل أوهاماً لكي تستمر في رئاسة هذه المجلة. الحرب عندك "غلاف مثير"، وعندهم "فقدٌ" لا يعوضه مديحك الزائف..
بليغ: (يشرع في الكتابة بنشوة، مردداً شعاره الجديد) سأكتب مقالاً بعنوان "أهازيج الدم". سأجعل كل أم تفخر بأن ابنها أصبح رقماً في سجل الخالدين. الكلمات أمانة، وأنا أحفز الهمم.!
باقر: (يقف خلف بليغ تماماً) "أهازيج الدم"؟ في جنازتي لم يكن هناك غناء، كان هناك صوت نحيب أختي الذي مزق السماء. لماذا لا تكتب عن "عجز" أخي الصغير الذي ترك مدرسته ليمسح الأحذية؟ لماذا لا تصف "الكسر" في روح زوجتي وهي تواجه العالم وحيدة؟
بيان: (تضع يدها على رأسها وكأنها تشعر بصدى صوت باقر) الحرب يا بليغ ليست " مانشيتاً " عريضاً، وليست منصة لتستعرض فيها فصاحتك. الحرب هي "كرسي متحرك" لشاب فقد ساقيه، هي "رعب" يسكن أحلام الصغار الذين بلا مأوى. أنت تمتلك "أداة اللغة"، لكنك تفتقر لـ "إنسانية المعرفة". تستخدم قلمك كسكين تذبح بها ما تبقى من أمل في قلوب الموجوعين لتمجّد شعاراتك الفارغة.
بليغ: (يرفع قلمه الذهبي نحو اللافتة بزهو) سيسجل التاريخ أننا انتصرنا، وستبقى شعاراتي خالدة على الجدران!
باقر: (ينظر للقلم باحتقار) انتصرتَ أنت بزيادة متابعيك وأرباح مجلتك.. وانتصرت "بيان" بصدق دمعتها ووعيها.. أما أنا، فقد تركتُ لكم واقعاً لن تُصلحه كل الكلمات المزينة التي تخبئ خلفها رائحة الموت.

المشهد الختامي
بينما يرتفع صوت آلات الطباعة في الخلفية كإيقاع متسارع، يرفع بليغ الورقة المطبوعة حديثاً ويشم رائحة الحبر بانتشاء، وعيناه تلمعان ببريق الغرور.
بليغ: (يصرخ وسط ضجيج الآلات) اسمعوا هذا الصدى.. إنه صوت التاريخ!
في هذه اللحظة، ومن خلفه، تبرز يد باقر بهدوء، وتضع "بصمة تراب" واضحة على "المانشيت" العريض المكتوب باللون الأحمر.. بليغ لا يرى اليد ولا يلحظ التراب، يرى فقط بريق كلماته.
بيان: (تقف عند باب المكتب، تلتفت للمرة الأخيرة وتهمس بأسى) بل هو أنين الذين لا يسمعهم أحد يا بليغ.. أنينٌ لن تستطيع كل مطابعك أن تخنقه.
تخرج بيان، ويبقى بليغ يلمع قلمه الذهبي بجانب بصمة التراب التي تلطخ "مانشيت النصر"، بينما يتسارع صوت آلات الطباعة بشكل صاخب جداً كأنه دقات قلب مضطرب قبل الانفجار.
إظلام تدريجي تام

    ستار 

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption