أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأحد، 26 أبريل 2020

قراءة في كتاب:مقاربات مسرحية( قراءة في المسرح الغربي الجديد... ومسرح الهجرة العربي) تأليف د. حسن المنيعي

مجلة الفنون المسرحية



* قراءة في كتاب:مقاربات مسرحية( قراءة في المسرح الغربي الجديد... ومسرح الهجرة العربي) تأليف د. حسن المنيعي 


* عزيز ريان 

يستمر المركز الدولي لدراسات الفرجة بطنجة في إغناء المشهد المسرحي بالمغرب خصوصا والعربي عموما بالإصدارات القيمة لممارسي المسرح وباحثيه.
فالمركز أصدر للدكتور حسن المنيعي كتابه الموسوم ب: مقاربات مسرحية،والذي خط على قسمين مع ملحق ختامي.
ففي القسم الأول ثلاث محاور وهي:
1.تعايش الهزلي والمأساوي في الكتابة الدرامية الحديثة 
2.المسرح الجديد،من الأدائية إلى كتابة الركح المقسم بدوره إلى خمس فقرات :1- تحديث المسرح،2-الأدائية،3-مسرح ما بعد الدراما،4-المسرح الجي،5-كتابة الركح.
3. عن الأدائية وجمالية العرض الأدائي.
أما القسم الثاني محاوره على الشكل التالي:
تغيرات المسرح المغربي في أفق تغير المجتمع
عن الإخراج المسرحي في المغرب
مدخل إلى المسرح العربي في المهجر(فرنسا نموذجا) الذي قسم لى فقرات تالية:1- مسرح العمال المهاجرين من 1970 إلى 1985(فرنسا نموذجا)،2-مسرح أبناء المهاجرين(أو ما بعد الهجرة)،خاتمة: المسرح العربي في المهجر
واختتم الكتاب بملحق عبارة عن مقالات :
قراءة الركح من لدن الجمهور للكاتب والمخرج المسرحي الفرنسي برونو تيكل
صحة من تاريخ مسرح الهجرة بفرنسا(مهرجان المسرح الشعبي للعمال المهاجرين)نموذجا  للباحثة الفرنسية في مجال الدراما وسوسيولوجية المسرح جان لوغاليك

يسلط الضوء الباحث والناقد المنيعي في القسم الأول من كتابه على زوايا مختلفة في التيمة المسرحية،حيث ينتقل بين سرد لتاريخ المأساة وتجدرها الأدبي دراميا،وحضورها على مستوى الممارسة الركحية في ارتباطها تمسرحا بمخرجين كبار في العالم الغربي.
فالتراجيديا كانت مجالا خصبا لبحوث الفلاسفة والباحثين منذ نظرية" المحاكاة" عند أرسطو،مما مكن الكتاب الدراميين أن يعتبروا المحاكاة ليست معالجة مباشرة للواقع،بل "محتمل" أن يجد الناس ذواتهم فيه(الإيهام أو الاندماج)
فتميزت التراجيديا عن الكوميديا من خلال أهدافهما وشخصوهما،وآثار كل منهما على المتلقي. ولا يمنع من تلازم الغرضين باعتبار الكوميديا جنس درامي مبني على أساس فني منطقي وعلى حبكة ولغات متنوعة تؤسس ما هو فرجوي عبر الإمتاع وتنسيق أطوار الحدث.
إذن،التمرد ضد "محاكاة" أرسطو أدى إلى تلاحم الكوميديا بالتراجيديات فعرفنا ما سُمي ب:تراجيكوميديا خلال القرن السابع عشر كما هو الحال لنص الكاتب الفرنسي كورناي.
فالدراما الرومانسية نجحت في زحزحة القواعد الأرسطية والشعريات الكلاسيكية التي التزمت بنقاوة الجنس. فكان فكتور هوغو أول من رفض الفصل بين التراجيديات والكوميديا،فتخلص من وحدتي الزمان والمكان مبقيا على وحدة الحدائق منتميا لمسرح شكسبير.
وكما لخص إيمانويل جكار أنه لكي يتعايش ما هو هزلي بما هو مأساوي،فلقد حرص صناع الدراما الجدد على تلاحم هذين العنصرين المتناقضين،وعلى تباعدهما في نفس الآن،ليخلق معمار مسرحي دينامي. فيكفي مثلا أن نقوم بتضخيم البؤس ليبنثق المأساوي. كما لا يمكننا أن نعتبر أن من اعتمد ثنائية المأسوي الهزلي أنهما متناقضان،بل يمكن اعتباره مسرحا يمكن فيه للضحك أن يكتسح مجالا مأسويا.بل حتى عند كتاب العبث الذين جعلوا الهرجة والدراما تخلق ضحكا"أصفرا".
حضور الهزل في المسرح الغربي الحديث لم يكن مصادفة،بل نتاج لعنف سياسي عرفه القرن العشرين،بعد انسحاب "البطل" وظهور "كائنات مهرجة ومبتذلة".
فتحديث المسرح -بحسب المنيعي- هو في عمومه الحرص على البحث على شكل درامي خالص،معتبرا أن أزمة الدراما الحديثة تنحصر في هجنتها. أي تسرب عناصر ملحمية وغنائية بحكم انغلاقها وإقصاءها لكل مرجعية خارجية عنها. فكان التفكير الملح في ايجاد حل لهذه الأزمة بإيجاد شكل مسرحي جديد يعيد النظر إلى الشكل الدرامي،وكذل إلى التقليد المسرحي عن طريق اللعب الموروث عن المسرح الدرامي. 
وبالتالي النظر إلى مسرح المستقبل ليس كنص درامي فقط بل باعتباره ممارسة ركحية. من هنا قام المسرح ب"تحديث" أداوته كباقي الفنون مثل التشكيل والرواية والشعر وغيرها. غير أن المسرح عرف محطات فارقة في مجال التحديث وذلك منذ بداية القرن العشرين،بتأثره بالمدرسة"المستقبلية" Futurisme  ما بين 1909 و 1920. حيث رفضت هذه المدرسة جماليات الدراما التقليدية،واخترقت قواعدها بابتكار "المسرح التركيبي" Théâtre Synthétique  الذي جعل العمل المسرحي مكون من محكيات عديدة تدعمها نقلات تشكيلية وصوتية،فكان هذا المسرح بداية لما سيعرفه العالم لاحقا ويسمى بالأدائية Performance في الممارسة المسرحية. وهو تحديث ارتبط بأعلامه من المخرجين والمنظرين والكتاب كالفرنسي أنطوان أرطو والألماني برتولد برشت...
الأدائية هي مصطلح أنجلوساكسوني يشير إلى أشكال فنية عديدة ترتكز في الأساس على الارتجال والصدفة والفرجة مع حضور المتفرجين وإمكانية تعرض الفنان لخطر ما. أي أن الكلمة كمؤشر إلى الفعل الفرجوي والملموس لفنان يتحرك فوق الخشبة. هي أداء فعل فوق الخشبة. فرجة يدور الحديث فيها حول"مؤد" لا يمثل ولا يحاكي،أي جسد يحيل على ذاته من خلال عرضه لأحداث دالة أو رمزية أمام جمهور معين.
يشير المنيعي إلى ارتباط مسرح ما بعد الدراما بالألماني هاتس تيز لميان الذي ثار ضد المسرح الدرامي التقليدي،باعتباره مسرحا يقوم على نص مكتوب يستحضر حكاية وشخوصا درامية متصارعة،وبحدث يثير الإيهام لدى المتفرج عن طريق محاكاة الواقع.
النص هنا عنصر من عناصر أخرى. هو مسرح يخلط بين أساليب متعددة ويخترق الأجناس الفنية ويفتح الطريق أمام الأدائية،لممارسة مسرح جديد،يسعى ليكون مسرحا ملموسا متجليا كفن في الفضاء،والزمن وبأجساد بشرية.
 هانس رأى أنه مسرح يمنع استمرارية المسرح الملحمي البرشتي ومسرح العبث لأنهما يدوران في فلك المتخيل. وأشار إلى أهم مواصفات هذا المسرح الجديد:
مسرح لا يقوم على مبدأ الحدث L’action
مسرح لا يقوم على مبدأ الحكاية La fable
مسرح يقوم على الموقف Situation
مسرح يقوم على الحالة Etat 
إذن المسرح الجديد هو عبارة عن اختيارات فنية وغيرها في نظرية هانس عن مسرح ما بعد الدارما ساهمت في ظهور نوعين جديدين للمسرح: المسرح الدرامي الجديدNéo-dramatique
من هنا عرفنا ما يعرف في كتابة الركح، بالكتابة الدرامية  التي لم يعد لها حضورا في المسرح الجديد لأن الركح هو نقطة انطلاق العمل المسرحي وفيه لم  يتموضع الكاتب كسلطة ابداع منفردة.
كما أن الحكاية والخطاب لم يعد يؤسسان البنية الكبرى للحدث الدرامي.
فالركح هو نقطة انطلاق العرض ونهايته.
لا شك أن المسرح هو فن متحرك متجدد دوما في علاقته بفنون العرض،وهي أشكال وليدة العناية بالعرض وما يجد له من تفاعل بين المؤدين والمتفرجين أدى إلى ظهور مسرح طاقاتي Théâtre Énergétique ،وكما حدده الفرنسي فرنسوا ليوطا بمعنى أن المسرح ليس هو مسرح دلالة،وإنما مسرح حضور القوى وأشكال الحدة والتوتر...
مما يدفعنا عن الحديث عن فن الأدائية وجمالية العرض الأدائي،التي تشير إلى أن البعد الجمالي للمسرح ينحصر في "النص" وعلاقته بالمتلقي ولا علاقة له بالشعرية. والنظريات الجمالية في القرنين 17 و18 لم تحقق القطيعة مع منظومة أرسطو وإن ركز ديدرو اهتمامه على الممثل.
حتى الوصول إلى القرن 19 مع المخرج المسرحي أندري أنطوان من خلال مسرحة الجزء الذي أظهر جماليات مسرحية انعكست في تأملات نظرية حول الظاهرة المسرحية(بعناصرها كالنص والإخراج المسرحي،والتمثيل المسرحي والملابس). فتمرد على التقليد الأدبي المسرحي،واعتبر النص "ذريعة" فرجوية تتجاوز حدود الحركات والأصوات والموسيقى واللغات الجسدية المتفجرة الأبعاد دون الاقتراب من المحاكاة الأرسطية،بل لكي يؤسس فرجة حية وشاملة تعكس "الحياة الحقيقية" التي جدد معناها المسرح.
فتخلى مفهوم الأدائية عن معناه الأولي ليعبر عن أحداث تنتمي إلى الحقل الثقافي والسوسيولوجي،فجعله مفهوما صعبا للإدراك.
الأدائية وإن كانت شكلا جديدا للمسرح فلا تفرض سوى حقيقة ما يؤسس الحدث. مما يجعلها نقيضا للمسرح بمفهومه العام ومنذ منتصف الستينات فاضت أعمال باهرة بتوظيفها لفنون أخرى تعتمد الفعل الحي أو الصادم(كالجسد العاري،الجرح الفعلي...)
وحتى على مستوى التحليل والقراءة النقدية للعروض فالأدائية تضعنا أمام نظام جمالي للفنون متعارض مع النظام الكلاسيكي للفن شعريا أو فرجويا. فالمنظومة الجمالية للفن وضعت حدا للعرض المسرحي بتخليها عن منطق العرض وتتبنى منطق "الحدث" المرتبط بالعرض الأدائي ضمن نظام جمالي ما بعد/حداثي له خصوصيته.
وهنا لا ننسى ما أضافته المنظرة الألمانية إريكا فيشر-ليشه التي اعتمدت مفهوم الحدث الأدائي لوصف جمالية الأدائية وذلك في كتابها الهام: جماليات الأداء-نظرية في علم جمال العرض محددة إياها في ثلاث خصائص:
التعامل المتبادل بين المؤدي والمتفرجين باعتماد حلقة التغذية المرتدة.
سقوط الثنائيات المتعارضة.
حالة البين-بين والتحول.
فدرست الكثير من العروض التي ظهرت منذ الستينات والتي لا يمكن تحليلها أو مجرد وضعها على ما هو جمالي أو ما هو غير جمالي. لأن الجوانب الجمالية تذوب داخل الجوانب السياسية والأخلاقية والاجتماعية ويعطي التناقض بينها ومن تكمن خصوصية التجربة الجمالية المقدمة في العروض التي تعرف امتزاجا للجمالي باللاجمالي بشكل سحري يجد الحدود بينهما والذوبان في وحدة ينتفي فيها التعارض وبالتالي التشكيك في مفهوم استقلالية الفن.
أما في القسم الثاني فلقد تطرق الكاتب فيه إلى تغيرات المسرح المغربي في أفق تغير المجتمع،إذ عرف المسرح العربي بداياته اختزلت في تراثه كشكل من الأشكال الفرجوية العديدة. فمن "البخيل" لمراون النقاش 1874 وصولا إلى محاولة البحث عن صيغة درامية عريقة. 
بالمغرب خلال فترة الحماية الأجنبية 1912-1956 كان المسرح كشكل من أشكال المقاومة الوطنية أي بالاعتماد على نصوص تعبر عن مطالب سياسية: التنديد بالاستعمار،والمطالبة بالاستقلال.
التجربة الأولى للمسرح المغربي لم تطرح أسئلة المسرح بمستوياته: الكتابة،الإخراج،التمثيل أو الإعداد الركحي. بل اعتمدت على مسرحة نصوص عربية مشرقية وأخرى مغربية لإيصال خطاب سياسي وحث المتلقي/الجمهور على المقاومة للتحرر واسترجاع الكرامة...
أعمال أولى بالفصحى لمحمد القري،المهدي المنيعي،عبدالواحد الشاوي كسلاح ضد الغزو اللغوي واعتمد "الفقيه" للتصحيح اللغوي أثناء التدريب على العمل المسرحي. وهنا نشير لتجربة نقابة الإتحاد المغربي للشغل التي انتجت تجارب فرجوية هادفة. نشير لنصين: "في انتظار مبروك" المعد من طرف المسرح الطليعي عن رائعة في "انتظار غودو" لبيكيت،و"مومو بوخريصة" عن نص يونسكو: "أميدي أو كيف نتخلص منه".
بعد هذين العملين نشهد تجربة الطيب الصديقي الرائدة،الذي بدأها بمسرحية: "المغرب واحد"،ومسرحية "مولى إدريس".فعاد إلى ممارسة مسرح عربي الهوية،معتمدا بعض القوالب ما قبل المسرحية كالبساط والحلقة والذخيرة التراثية الأدبية والصوفية(سيدي عبد الرحمان المجذوب،الحراز،مقامات بديع الزمان الهمداني...)
الفنان الكبير الصديقي استطاع ايجاد صيغة مسرحية اخترقت صيغة المسرح الدرامي الأوربي،بتوظيف عناصر فنية،حولت العرض إلى حدث احتفالي-فرجة شاملة تجمع بين السرد والحكي،والارتجال،الغناء،الأقنعة،الدمى،الألعاب البهلوانية،جماليات اللباس،الخط العربي،الديكور المتنقل المؤسس لفضاءات تحرك الممثلين..
فشكلت التجربة علاقة وطيدة مع الجمهور من منطلق الممارسة وليس التنظير. فاعتبر البساط مسرحي مغربي ذو طابع تلعيمي مضاف إلى أشكال مسرحية عالمية،يتوجه إلى كل الشرائح.
وأعماله التراثية أسست لمسرح حداثي منذ منتصف السبيعينات على يد الهواة. وهي انتاجات استرجعت مرجعيتها من أزمات هزت كيان المجتمع المغربي،وبل وصل إلى مطالبة بحل مشكل العالم العربي كالقضية الفلسطينية. مسرح الهواة مستقل لا توجيه مؤسساتي يحده. فكان مسرح الهواة 1979-1992 فسحة ابتكار مدعومة بالبحث الدراسي تمخض عن الاحتفالية أساسا.
نذكر تجربة عبد الكريم برشيد الذي أسس فكريا وجماليا لبناء مسرح عربي قائم على الاحتفال ومفهوم المسرحية التي لن تكون النص بل ما سيعبر إليه ساعد تمسرحه فوق الخشبة.
ويخضع للتفجير أي إخراج ما فيه من حيوية وحرارة وهو تغيير ظهرت كتابة"جدولته" خاضع لتركيبية لعبية لتكشف دراميا ضد الكتابة التقليدية الخطية. وأسلوب جامع بين الأدبي والمسرحي لرصد موضوعات اجتماعية هامة وبطولات فردية أو جماعية تعرض لخطابات واقعية رمزية أو غروتيسكية بنطاق فرجوي شامل دافع لمشاركة المتفرج في أبعادها الفكرية والجمالية.
فاقتحم الكثير من الهواة عالم المسرح الاستعراضي إلى جانب بعض المسرحيين الشباب خريجي المعهد العالي للفن المسرحي المؤسس سنة 1986. مما مكن المسرح المغربي من أن يستمر في أداء وظيفته كفن اجتماعي بقواعد فنية وضوابط مهنية منذ التسعينات إلى حدود الآن،نظرا لدعم الدولة،وتجديد ذات المجتمع المغربي لفرض أرضية الإصلاح والتغيير وبناء دولة العدالة والديمقراطية.
فظهرت حركة مسرحية بأفاق ووجوه متعددة لا تحصر توجهاتها الفنية ولا ترصد قضايا فكرية عبر نصوص مؤلفة أو مقتبسة كتقليد ما يسمى فعل الإستنبات Transplantation  أي إعادة كتبة نصوص.
هي إذن حركة تأرجحت بين مسرح الدراما بحوار يعتبر وسيطه الكلامي وغايته الإيهامية،ومسرح ما بعد الدراما الخاضع لمعالجة واقع تأمل الفنان ذاتيا،الحريص على توظيف تقنيات بصرية وسمعية للتواصل مع المتلقي لإمتاعه وتثقيفه. هو تأرجح جعل المسرح المغربي اليوم على عدة أشكال من التمسرح،ويدخل غمار التجريبية كما في العديد من الدول العربية.
وخصص المنيعي فقرة للإخراج المسرحي بالمغرب،وفيها انطلق من تعريفات عامة لهذا التخصص الفني. فأندري أنطوان (1858-1943) الذي اعتبر الإخراج المسرحي فنا يجعل الحدث والشخوص التي في خيال الكاتب الدرامي تنتصب فوق الخشبات. وهو تحديد ارتبط بظهور المخرج في نهاية القرن 19 وهي مهنة ستخضع لتطورات واضحة موازاة مع تطور المسرح ممارسة. تطورات ساعدت كل مخرج بحسب أسلوبه على تأويل النص وكشف أغوار دلالته وأبعاده الفكرية.
وبالمغرب عرف الإخراج المسرحي بدايات تأثرت بالمسرح العربي الذي لم يصل بعد إلى مرحلة النضج على مستوى "الوعي الجمالي" . فكل الفرق إبان الحماية تمارس مسرحا نضاليا(هاويا)،يعتمد مسرحا يقوم على عرض يهتم بالملفوظ السياسي اللغوي. ملفوظ غير مدعوم إخراجيا،ويعتمد على إخراج "سكوني" يوصل الموضوعة الكبرى للنص،معتمدا الإلقاء،الحركات والغناء ولوحة كديدكور في خلفية الركح...
ولكن في مرحلة الاستقلال وما بعدها(1956-1875) تحول المسرح إلى أرضية متشعبة بعوالم فنية واكتساب مهارات،إما بتأطير مؤسساتي أو عن طريق الدراسة. فانفتح المسرحيون المحترفون والهواة على مفهوم الكتابة الدرامية،وإعداد الفرجة انطلاقا من تصور إخراجي مستجيب للإدراك الجماعي. من هنا اتسم الإخراج المسرحي بتنوع لغات،ومدارسه واقعيا ورمزيا وعبثيا.. وغالبا ظلت لغة الإخراج الكلاسيكي،بين كل المخرجين باعتماد التسلسل المنطقي للفصول: المشاهد،بنية الحكي(دون إضافة شيء للنص)،ملء الخشبة بديكور صمم من طرف فنان موهوب،وإنارة غير فنية ومتطورة. هنا كان هدف الإخراج هو انتاج مسرحية"محكمة الصنع " كما  بمسرح البولفار الفرنسي مثلا.
ونذكر هنا مخرجين رواد كالصديقي،عبد الصمد دينية.. وهواة تعاملوا جميعهم مع نصوص عربية ومقتبسة أوروبيا.
فلا يمكن إهمال دور الصديقي الرائد في الإخراج الذي استوعب الأساليب الإخراجية المرتبطة بالدراماتورجيا الكلاسيكية،حيث أظهرت ثقافته وتعلمه أصول الفن الدرامي على يد المخرج الفرنسي الكبير جان فيلار. ودون نسيان محمد تيمد الذي اعتمد نقلات سمعية/بصرية وحركية لم تكن سائدة فسمي رائدا للتجريب في مسرح الهواة.
ثم عرف المسرح المغربي مسرحيات الصديقي التراثية وبساطاته التي أدرجت فيما يسمى بالمسرح الشامل بإبداع "شعرية" ركحية تعرف انصهار الممثل في مكونات جمالية للتركيب المشهدي المرتكز على لغات،حركة،بصر،سمع وبتجانس ايقاعي تدهش المتلقي وتوصل رسالة المخرج/المؤلف. مسرح"ممتع" جامع بين الفرجة الحية ومسرحة التراث.
فتأثر الهواة بهذا الأسلوب،وشكلت خشبة المسرح المغربي إلى حدود منتصف التسعينات حقلا خصبا للتجارب الإخراجية التي تعتني بتفكيك النص،وترجمته إلى عرض موظفا لفنون عديدة تمفصلت أشكالها وتعابيرها في فضاءات متعددة للعب.
كما عرف العرض التقليدي تجديدا في بنيته الإخراجية على يد الفنان عبد الواحد عوزري بمسرح اليوم فتميزت هذه الفترة بحداثة الإخراج على مستوى المفهوم والصناعة،فانفتح المخرج على أشكال فرجوية تراثية وحولها لقيم جمالية تعين على مناقشة قضايا راهنة.
وظهرت فترة"مسرحيين جدد" في إطار فرق احترافية لخريجي المعهد العالي للفن المسرحي،فأصبحت الفرجة "لغة" تدعم "منظومة" الإخراج وتستثمر كل الفضاءات بما فيها "جسد" الممثل المنصهر في عناصرها البلاستيكية حسب المواقف والتلفظات.
مما أدى إلى إنتاج مسرح متنوع بجمالياته السينوغرافية،وفرق المسرح الدرامي لإرساء مسرح كوني مهتم بالأساس بالأداء(برفورمانس)،الإخراج،ويشتغل على نصوص ألفها كتاب جدد ،أخرى نصوص أجنبية أعيدت كتابتها بدون ردم أبعادها الفكرية.
الإخراج أعاد النظر في المتلقي فوجدنا عروضا قائمة على دراماتورجيا "الإستبطان" أي التي تركز على الفرد ليشارك في الحدث الدرامي المقدم من طرف الممثلين كعرض "شكون يطفي التلفزة" من إخراج جواد السنيتي عام 2014،و عرض "واحد جوج ثلاثة" من إخراج لطيفة أحرار سنة 2015.
إذن الإخراج المسرحي المغربي متسع الأفاق،متقاطع مع فنون مسرحية عديدة،وتوفر بعض صانعوه على طاقات في الخيال والإبداع ساعدتهم على تحقيق انفجارات هائلة على مستوى الكتابة الإخراجية في ارتباطها الوطيد مع السينوغرافيا وإدارة الممثلين.
ومن الإخراج المسرحي-وصل المنيعي- إلى مدخله في المسرح العربي في المهجر(فرنسا نموذجا)،حيث صعوبة الحديث عن مسرح عربي في المهجر لنذرة الكتابات وتشتت تجاربه وحضورها وغيابها أوروبيا وعربيا.
البحث الجامعي الفرنسي هو المنبر الأول الذي اهتم بهذا الموضوع عبر أطروحتين وكتاب عن المهرجان الأول للمسرح الشعبي للعمال المهاجرين ومقالات نشرت في بعض المجالات.
مسرح المهاجرين اعتمد في فترة السبعينات ومنتصف الثمانينات على مغاربيين ساهموا في ما يسمى: حفلات الأحياء المنظمة من طرف عائلات العمال بمختلف الجنسيات في نهاية كل أسبوع. وبرغم حضور الناقد المنيعي لهذه الأنشطة فإنه يعترف بعدم تسجيله ولو ملاحظات على هذه الحفلات وسيتطرق إلى الموضوع بحسب ما علق بذهنه أو ما شاهده..
هي دراسة تعريفية برافد مسرحي مجهول إلى الآن.
مسرح العمال المهاجرين(1980-1985) فرنسا نموذجا: وهو وليد لقدوم مهاجرين مغاربيين إلى فرنسا خلال الستينات للعمل بمصانع فرنسية. هو حضور شكل تأسيس فرق هادفة تجاوز عددها 30 فرقة معظمها من تأطير عمال جزائريين أشهرها: العاصفة،الكاهنة،نجمة،المسرح العربي في المهجر،الممثلون المهاجرون... وهي فرق اشتغلت بفضاءات الأحياء والأندية العمالية وتجمعاتهم السكانية والمراكز الإجتماعية،ودور الثقافة،وبعض قاعات المسرح.
مما جعله مسرح-حكي يحاول الصمود في بلد الغربة ويسرد تجربة فردية أو جماعية. عن طريق نصوص تعتمد "الملفوظ" جماعيا وشفهيا يشارك فيها الكل كمسرح حياة الفقر مثلا. حيث استمرت فرقة العاصفة مثلا في مقاهي باريس لمناقشة روادها بظروف عيشهم وعرضها في نهاية الأسبوع بعد تسجيل الأراء. هو مسرح تحريضي في حالات رصد الحياة اليومية في المهجر،وللأوضاع العلية في الوطن الأم أهمها مسرحية لكي تصبح دموع أمهاتنا أسطورة لفرقة الكاهنة...
بعدها يعرف هذا المسرح جيلا ثانيا من المهاجرين اعتبروا فرنسيين كباقي الفرنسين وتنكر بعضهم لأصول الآباء. جيل عاش حالة فراغ على مستوى الهوية فلا هو بالفرنسي ولا بالمغاربي. حتى نصل إلى الجيل الرابع الذي أكد على الانتماء للآباء وللغتهم. وهي أجيال سميت بالبور" Beur الذي ظهر بشكل لافت بعد مسيرة المساواة والعنصرية من مرسيليا إلى باريس 1983 فأعطي الحق في حضور للأبناء المهمشين في المجال السياسي. لكن حركتهم فشلت ولم يستمروا بعد ظهور حزب الجبهة الوطنية 1984 المسيء للهجرة والمعادي للإسلام...
لم يخضع مسرح البور لدعم مؤسساتي فتأرجح بين الحضور والغياب باستثناء بعض الفرق الرواد كفرقة نجمة،العاصفة،الكاهنة.تأرجح بين مسرح القرب والمسرح الاحترافي الشعبي المرتكز على التفكه والضحك الأسود لمعالجة قطائع هوياتية واجتماعية تفرق بين الفرنسي والعربي،وتلمح إلى مساوئ الاندماج واستيعاب ثقافة الآخر وتناقضات المجتمعات الديمقراطية ومصير الفقراء ضمنهم المهاجرين...
خلاصة أن المسرح العربي في المهجر مسرح عربي نضالي لا يقوم على انتاجية مستمرة مستقلة بشكل منظم بل بمبادرات فردية للفنان المهاجر.
غير أنه عرفت ظاهرة العروض المشتركة بين دول المهجر ودول أصل المهاجر حيث شاركت فرق مشتركة في الدورة العشرية لأيام قرطاج المسرحية.
هو إذن مسرح عربي في المهجر يجب متابعته وتوثيق مراحله وإنتاجيته في كل بلد لجأ إليه العربي أو ولد أو ترعرع أو نفي إليه باعتبار أهميته في تسليط الضوء على حالة العربي المهاجر وتأرجحه بين الثقافتين وإظهار هويته الجديدة. وهنا الإشارة لندوتين دولتين نظمت الأولى سنة 2017 تحت عنوان: "الأشكال المسرحية المهاجرة"،والثانية سنة 2018 تحت عنوان: "عبر الحدود،المسرح وقضايا الهجرة" المنظمتين من طرف المركز الدولي لدراسات الفرجة بأمل زيادة الاهتمام بهذا الموضوع ويساهم كمدخل لإنارة الطريق أمام الباحثين لاحقا.
واختتم الكتاب بملحق عبارة عن مقالتين :
الأولى موسومة ب:" قراءة الركح من لدن الجمهور للكاتب والمخرج المسرحي الفرنسي برونو تيكيل
والثانية ب" صفحة من تاريخ مسرح الهجرة بفرنسا(مهرجان المسرح الشعبي للعمال المهاجرين نموذجا) للباحثة الفرنسية في مجال الدراما وفي سوسيولوجية المسرح.


*بطاقة تقنية على الكتاب"
عنوان الكتاب:مقاربات مسرحية( قراءة في المسرح الغربي الجديد... ومسرح الهجرة العربي)

الكاتب: حسن المنيعي

عدد الصفحات: 147 

عن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة،سلسلة رقم 64

طبعة أولى  2019

* شفشاون/المغرب 2020


السبت، 25 أبريل 2020

الموسيقا لا تطرق الابواب لتساند الانسان Music does not knock on doors to support people

مجلة الفنون المسرحية

الموسيقا لا تطرق الابواب لتساند الانسان
Music does not knock on doors to support people

أنيس حمود 

العراق/ جامعة بابل/ كلية الفنون الجميلة/ قسم الفنون المسرحية
ANIES HAMOOD 
University of Babylon /Iraq
Faculty of Fine/Theater Arts Department

المقدمة.
تعد الموسيقا لغة جمالية تخاطب إحساس ووجدان جميع الشعوب رغم اختلاف
لهجاتهم وثقافاتهم، فهي فن متكامل يرتكز على عناصر هامة واساسية لإظهار شكله، وتؤدي دورًا مهماً في حياة الإنسان، فهي تسمو بالفكر وترتقي بمستوى الوعي الفني وتنمية ملكة الابتكار والابداع.
الموسيقى جزء لا يتجزأ من المجتمع في جميع أنحاء العالم تغذي الروح وترسم خريطة العواطف, في عصرنا أصبحت فيه الموسيقا سهلة المنال, نتيجة التحول إلى العصر الرقمي الذي لا يمكن إنكاره في عالم الموسيقا, وبغض النظر عن المسار الذي تسلكه الموسيقا, هناك دائما شيء واحد بقي كما هو, حتى وقتنا هذا وهو عندما يتوقف الموسيقيين عن العزف فان الموسيقا تتوقف.
حينما يبدو العالم كطفل خائف أمام فزع كبير, ظلت الموسيقا اللغة الوحيدة التي تربط بين مختلف الشعوب، تواصل دورتها ودورها، توثق الأوضاع، وتُسكن آلام المتضررين, يقف العالم لحظات صمت وحزن في الأزمات والحروب والأوبئة, أحيانا عندما تزداد الأمور قتامة، عليك أن تقاومها بضحكة كبيرة، وبينما يتسابق الباحثون والحكومات حول العالم للعثور على لقاح يكافح الفيروس, هناك بعض الدول التي تحاول تجنب الذعر بالقليل من الموسيقا, في محاولة للتغلب على هذا الخوف, وكآلية للتنفيس كنوع من التخفيف, وليس استهانة بالفيروس وما يسببه. 
الهدف من الورقة: بيان أهمية الأدوار المتنوعة التي تؤديها الموسيقا, في مساندة الانسان.
استعملت دول الحلفاء سيمفونية بيتهوفن الخامسة, التي تعني حركاتها الافتتاحية الأربعة
حرف V في شيفرة مورس, كرمز للمقاومة ضد الألمان خلال الحرب العالمية الثانية,  وبالتالي أصبحت الرموز (نقطة-نقطة-نقطة-شرطة) بمثابة موتيف موسيقي, وبدأت محطات الراديو بثها 
مصحوبا بالصوت الشهير لسيمفونية بيتهوفن "تا تا تا دا" الذي أُطلق عليه (القدر يقرع الباب). 
ما السر وراء بضع حركات موسيقية؟ هناك الكثير على ما يبدو, فالموسيقا لها قوة تهابها الأنظمة المتسلطة, ما يدفعها لفرض رقابة على التعبير الموسيقي الذي لا تخدم الحاجات الإيديولوجية للدولة, والموسيقى كانت دوما مساحة للتعبير القوي عن المقاومة خلال الحروب.
أدّى "شوستاكوفيتش" سيمفونيته (حصار ليننجراند) لأول مرة أثناء حصار المدينة, وفي حركتها الاخيرة توحي بقرب الانتصار, فكانت الموسيقا خير أنيس لهم, لقد باتت في ذلك الوقت رمزا قويا للمقاومة, ومنحت المحاصَرين أملًا ورفعت معنوياتهم, ومثلت تحديا ضد محاصِريهم.  
لقد كان للبوق فضائل كثيرة, باعتباره أداة تكتيكية لإرسال الإشارات في أرض المعركة فصوته بإمكانه اختراق ضجيج المعركة, قبل ذلك, استخدمه الرومان للاتصال وتكوين التشكيلات العسكرية, اذ تُبعث رسائل القادة على هيئة نغمات يلتقطها الجنود فيشرعون في الامتثال لأوامرها, وحتى لإلهاب حماسة الجيش.
إن استخدام الموسيقا في ميدان الحرب له دوران رئيسان, أحدهما نفسي، بهدف رفع الحالة المعنوية للجنود وحثهم على المحاربة بكل قوة، والآخر يرتبط بالتواصل بين أفراد الجيش الواحد ولما للموسيقا من قوة تأثير, استعملتها الحكومات كأداة دعائية لشن الحروب النفسية, بينما كانت الترانيم الوطنية الوسيلة الدعائية الأبسط والأكثر فعالية في تعزيز الروح الوطنية, إن تحديد محتوى واتجاه الموسيقا يمكنه أن يساعد في الترويج لسردية بعينها.
ومما لا شك فيه ان النشيد الوطني هو أحد أهم الرموز الوطنية للدولة، ويقوم بدور كبير في شحذ الروح المعنوية للمواطنين, وجمعهم على أهداف سامية تسعى لها البلاد , فهو  شعرٌ ولحنٌ يسموان على كل الأشعار والألحان, يُلقى ويُستمع إليه وقوفاً، تعبيراً عن الاحترام الذي يليق به, قد لا يستغرق إلقاؤه أكثر من دقيقة، ولكن يا لها من دقيقة مهيبة، ويا لعظمة الصور التي تتوالى خلالها, تختزل مجموعة قِيَم، مهما تنوَّعت وتلوَّنت، تبقى مصدر فخر واعتزاز. 
كل ذلك يوضح الوظيفة المهمة للموسيقا, سواء كانت كلاسيكية أو شعبية, إن الأمل هو روح الثورات, والموسيقا هي وقود ذلك الأمل, قد لا يكون بوسع الموسيقا كسر حصار, أو الإطاحة بحكومة, أو تغيير سياسة, لكنها ستقوي عزيمة الناس وتبث فيهم الأمل لفعل ذلك. 
والموسيقا أداة تنددا بالعدوان وادانة الحروب وتدعو للسلام, هي اداة التعبير عن مقاومة 
الشعوب وآمالها, الموسيقا والسلام كيان واحد لا يجتزئ لا يوجد سلام من غير موسيقا 
ولا موسيقا من غير سلام, ولها دورٌ فعال في البناء وعملية التوجيه السلوكي والتربوي, وفي تعزيز قيم المحبة والتآخي والسلام، ونبذ العنف والكراهية.
كان أفلاطون أول من منح الموسيقا وظيفة واضحة فقال: يجب عزف موسيقا تثير التفاؤل والشجاعة لسكان المدينة الفاضلة, لا تحتاج الشعوب في تواصلها للغة منطوقة، لأن هناك لغة تستغني عن المترجمين، وهذا ما استند إليه منظمة الصحة العالمية, اذ اجتمع نجوم العالم لمدة 6 ساعات, يقدمون افضل اغانيهم للمليارات حول العالم يغنون مجانا, بحفل افتراضي (عالم واحد, معا في المنزل) لجمع التبرعات, ولتكون وحدة عالمية في مكافحة كوفيد 19, قد نكون متباعدين جسدياً, لكن بإمكاننا الاتحاد معًا على الإنترنت من خلال الموسيقا, إن حفل One World: Together at Home يجسد اتحادنا معًا ضد عدو مشترك.
في البلد الذي نشأ فيه الفيروس، اجتمع أبرز نجوم الأفلام والرموز الموسيقية الصينة كجاكي شان، وغيره, لغناء((Believe Love Will Triumph لرفع معنويات الشعب ومنحه الأمل, وتقول كلمات نشيد(نحن العالم)الذي يبث عبر وسائل الإعلام الرسمية الصينية: 
من أجلك  أقاتل بحياتي حتى في مواجهة أمطار الرصاص.
عبر باب الحياة والموت  أتعهد بأنني لن أتركك.
أصعب شيء هو الاستسلام  لذا سأبقى هادئًا من أجلك.
(منا، لأجلكم) اجتمعت أوركسترا روتردام الفلهارمونية الهولندية, 19 موسيقيا وعازفا، عزلوا أنفسهم في منازلهم، لتقديم عرض افتراضي لمقطع كورالي من السمفونية التاسعة للموسيقار الألماني الشهير بيتهوفن, وقصيدة الفرح (نشيد الفرح) التي كتبها الشاعر والمسرحي شيلر في عام 1785، ولحنها بيتهوفن وأدرجها في المقطع الرابع والأخير من السيمفونية ، وهي تستعمل اليوم كنشيد قومي للاتحاد الأوروبي, وقام العازفون 19بتسجيل كل مسار صوتي أو مقطع موسيقي، في الوقت المناسب في غرف بمنازل الموسيقيين، ثم جمعت معا لتشكل القسم الأخير
الرائع من (الكورال)، ثم أضافوا صوت الجوقة الغنائي إلى عزفهم، وكانت النتيجة رائعة للغاية.
  وقال الموسيقيون، الذين عرفوا بأنفسهم: نحن نتكيف مع واقع جديد، وعلينا إيجاد الحلول لدعم 
بعضنا البعض, وأضافوا "تساعدنا القوى الإبداعية، دعنا نفكر خارج الصندوق، ونستخدم الابتكار للحفاظ على اتصالنا وجعله يعمل معا, لأنه إذا فعلناها معا، فسننجح".
فاجأ نجوم الغناء في العالم بحفل استثنائي لمصلحة المحاربين ضد فيروس كورونا من
أطباء وممرضون وعلماء في الصفوف الأمامية, قدم هذا القدر اليسير من التوعية والترفيه في أن يغذي ويوقد العزيمة, وحمل اسم(I Heart Living Room Concert for America)  حيث امتزجت أصوات المطربين من منازلهم، في مبادرة خيرية كان الهدف منها النصح وحث جمهورهم على البقاء في منازلهم، وعدم التواجد في الأماكن المزدحمة, ولدعم الجهود الرامية لمحاربة تفشي كورونا, واستمر الحفل ساعة واحدة، بثت ممن محطة فوكس دون إعلانات، وهو أكبر جهد فني مشترك لرفع الروح المعنوية خلال فترة مكافحة الوباء، ولجمع الأموال، دعماً لمن يواجهون المرض في الصفوف الأمامية ولتذكير بغسل الايادي باستمرار، والحفاظ على التباعد الاجتماعي لمنع انتشار الفيروس
وتم تصوير كل الفقرات التي تضمنها الحفل بالهواتف الذكية، أو الكاميرات المنزلية، أو عبر منصات على الإنترنت, وتضمنت رسائل وقصص شخصية رواها أطباء وممرضون وسائقو شاحنات وعاملون في متاجر, وآخرون من الذين ينزلون لأعمالهم, فيما يخضع ملايين البقاء في المنزل, وشجع الحفل، المستمعين والمشاهدين على التبرع لمنظمتين خيريتين. 
فالموسيقا ما هي إلا صوت خلقها الله تعالى فحسنها حسن وقبيحها قبيح, ان ما قدم تضمن مساندة فعلية في هذه الأزمة الحالية, فالجميع بذلوا مالا وجهدا ليقدموا موسيقا, ولم يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه الأزمة, رغم أن يطرح في وقت استثنائي، ولا يوجد مزاج عام للناس, لكن هذه الموسيقا قد تكون سببا في حماسة الناس وقت الأزمة الحالية, عبر رسائل إنسانية وطنية وتوعوية، تعزز المسؤولية المجتمعية، وتنشر أهمية الحفاظ على الوطن والنفس، والالتزام بالإجراءات الاحترازية والوقائية.


قراءة في كتاب "التجريب بين المسرح الغربي والعربي" للدكتور سعيد الناجي

الجمعة، 24 أبريل 2020

ادارة المونودراما اون لاين تعلن قائمة عروض المهرجان بمشاركة دولية مهمة

مجلة الفنون المسرحية




ادارة المونودراما اون لاين تعلن قائمة عروض المهرجان بمشاركة دولية مهمة

العراق / ميسان – خاص

اعلنت ادارة مهرجان محترف ميسان المسرحي الدولي للمونودراما – اون لاين – 2020 قئمة بالعروض المتأهلة للمنافسة .

وجاء في بيان المهرجان : قررت لجنة المشاهدة في المهرجان قبول الاعمال المقدمة من دول ( العراق – مصر – تونس- الجزائر – المغرب- السعودية – سوريا ) وهي كل من (مفوض عبد  ) للفنان حسين مالتوس و(اغنية البجع) للفنان امير بنجدو و( سكر مر ) للفنانة وفاء غزال و(كوكو ورونا ) للفنان حسين السعد و(قديس الموت ) للفنان حسين المسرحي و(حاويات بلا وطن ) للفنان جورج تلبه و(الشحاذ هارفي ) للفنان علي جيمي و ( حاوية ) للفنان ابراهيم الشذر و( حلمة ) للفنان ايوب نخزين و( النفخ في رئة الذنوب ) للفنان يزن حلاق و( حب الفن ) للفنان كريني نور الدين و( حاويات بلا وطن ) للفنان احمد الحسن.

واضاف البيان ان المهرجان سينطلق خلال شهر رمضان وسيتخلل منهاج المهرجان محاضرات في المونودراما واحتفاء بشخصيات مونودرامية فضلا عن عروض مسرحية على الهامش .

يذكر ان مهرجان محترف ميسان المسرحي الدولي للمونودراما – اون لاين – 2020 يرأسه الكاتب والمخرج عدي المختار والمدير الفني السينوغراف علي السوداني والعلاقات والاعلام الفنان والاعلامي ماجد لفتة العابد , فيما تألفت لجنة التحكيم من ( الدكتور حسين علي هارف – الدكتور جبار خماط – الدكتور مهند العميدي – المخرج عبد العزيز اشنوك – المخرج هاشم غزال – الكاتبة صفاء البيلي – المخرج والكاتب منير راضي العبودي – الممثل ميثم الرزق ) .


الخميس، 23 أبريل 2020

مسرحية " هومو فوبيا " تأليف د. ايمان الكبيسي

الأربعاء، 22 أبريل 2020

بتر بروك والاداء الطقسي Better Brook and ritual performance

مجلة الفنون المسرحية


 من عرض علي قيد الحلم 


بتر بروك والاداء الطقسي
Better Brook and ritual performance

م.د شيماء حسين طاهر
جامعة بابل/ كلية الفنون الجميلة
Dr. Shaymaa Hussein Taher
University of Babil, College of Fine Arts


بتر بروك والاداء الطقسي:

يعد بروك الامتداد الطبيعي لكل من ارتوا وكروتوفسكي لما احداثاه من العمل الدؤب للتخلص من الاداء النفسي الطبيعي الغربي والبحث عن اساليب جديد او العودة الى المنبع الروحي ذات الصبغة الصوفية التي من خلالها يتجلى سموا الاداء من خلال دعوتهما الى ادخال الطقس بما يحتوي من اشارات وشفرات ليشكل فضاء العرض الجمالي 
لذا فقد سعى بروك في منهجه الى ان يبحث عن صيغ ادائية قادرة ان تتجلى فيها التجربة الانسانية من خلال الغوص بمعناها العميق والكشف عن مسرح يناهض التقاليد التقنية في المسرح الغربي او محاولة المزج بينهما لذا فقد اعطى اهمية الى الفعل الحي المباشر البعيد عن الاصطناع وثم العمل على اختيار المكان المسرحي الذي يستطيع الممثل ان يقوم بعلاقة داخلية متغيرة مع المتفرج اذ يرى بروك ان على الممثل ان يقتنص اهتمام المتلقي ويلاطفه حتى يجعله في موقف غير متوقع او على وعي بتصادم الافكار المتعارضة او التناقضات المطلقة حتى يصبح المتفرج اكثر نشطا ومشاركا(1). 
لذا فهو يرى ان المشاركة تنشط الخيال لأنها تشمل على عملية دخول في نوع من التواطؤ مع المسرح والسماح للمخيلة ان تلعب دور من خلال التصور الذي يخلقه الممثل والتعامل مع الاشياء البسيطة والسفر بها بعيدا كأن تصبح قنينة البلاستك التي يحملها المتفرج الى برج بيزا او تصبح صاروخ يذهب الى القمر تلتقي بطريق المصادفة بشخصية حقيقية فوق كوكب فينوس كل ذلك يمكن ان يكون ممكن في المسرح بشرط ان تكون داخل فضاء حر مرن يسهم الخيال على اعطاءها شكلها المطلوب(2). 
لذا فان اهتمام بروك بالممثل باعتباره العنصر الاساسي في العرض الذي تستند وظيفته على الاحتياجات الجسدية لان الجسد يشكل الحضور وان تداخلت خصائص ونظم ثقافات اخرى مثل اللغة والموسيقى والتشكيل الصوتي او نحت الفضاء وقد تجد عناصر واجزاء كثير في المسرح يملك خصوصية لا تتوفر في النظم الاخرى الا هو الانسان الذي دونه لا يتم العرض ذلك لان المسرح هو فعالية اجتماعية تعمل على ايقاظ الفرد وتطهيره من الخمول فالمسرح هو معرفة الكائن من خلال حثه على اثارة المخيلة وانتاج الدلالات وتوظيفها في خطاب العرض(3). لذا فان بروك يسعى في اطروحات التي تهدف الى تحرير الخيال وجذب الجمهور الى عالم خيالي , ففي اخراجه لمسرحية منطق الطير( لفريد الدين العطار) الذي يصور فيها العالم المرئي باعتباره وهما ظلا ساقطا على سطح هو الارض لذ فهو يرى ان المسرح عالم من الصور وروعته تكمن في استحضار الاوهام واذا كان العالم وهما اصبح المسرح وهما داخل الوهم(4).
 لذا فان الاداء عند بروك يتجه نحو المتفرج فلممثل عنده يتحسس الهواء والاحوال النفسية وردود الافعال دون ان يفرض نموذجا محدد او شفرة ثابته فالممثل عنده مشحون بطاقة خلاقة مدرب على توظيف طاقته من خلال قدرته على المنوارة والارتجال فهو يمكن يقفز في الفراغ ويتدخل ويقحم ذاته على خشبة المسرح دون نص ما وهو يسطيع ان يدخل في حالة ما وان يخرج منها وسرده مفتوح بأكمله في اتجاه المتفرج وهو يتحكم في تظرته وسمعه ويتفاعل مع غيره على نحو جماعي(5)
يمكن القول  ان منهج بروك منهج متحرك ومرن فهو يسهم من خلال التدريب على تغذية الخيال وتعليم الممثل عدم الانسياق الى الاستجابات الطبيعة ويدعو الى كسرها والبحث عن استجابات اخر ومن نوع اخر.


المصادر
  1. اوديت اصلان: الجسد والاداء المسرحي ،ج2، تر، منى صفوت، (القاهرة: وزارة الثقافة، مهرجان المسرح التجريبي، 2008).
  2. بيتر بروك: الشيطان هو الضجر، اراء في المسرح، تر، محمد سيف، الشارقة، دائرة الثقافة والاعلام 2006.
  3. شاكر عبد الحميد: الخيال من الكهف الى الواقع الافتراضي، (الكويت: سلسلة عالم المعرفة عدد 360 2009)، .
  4. عوني كرومي: المسرح والتغير الاجتماعي دراسة في مفهوم العرض، (مصر: مجلة المسرح العدد الرابع، الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1995).
  5. مدحت الكاشف، المسرح والانسان تقنيات العرض المسرحي المعاصر من الملحمية الى انثروبولوجيا المسرح، (القاهرة: الهئية المصرية العامة للكتاب، 2008).

الاثنين، 20 أبريل 2020

الغموض والوضوح: اشكالية العلاقة ما بين المُرسل والمُتلقي في خطاب العرض المسرحي

مجلة الفنون المسرحية


الغموض والوضوح: اشكالية العلاقة ما بين المُرسل والمُتلقي في خطاب العرض المسرحي



مروان ياسين الدليمي - القدس العربي


في مقدمة ما يدور داخل ذهن المتلقي أن يفهم ما يتلقاه من خطاب فني في صالة العرض المسرحي، والفَهم هنا، قضية فنية مشتركة من حيث الاهتمام، يتقاسمها منتج العمل والمستهلك، ومن غير الممكن تجاوزها من قبل أطراف العملية الإبداعية إذا لم يكن هناك سبب مُلزِم، وليس مجديا أن يعرض الفنان تجربته لنفسه فقط، وإذا ما حصل ذلك، فالأمر يبدو أقرب إلى فعل عبثي لا جدوى منه، لأن وجود المتلقي شرط رئيس لكي تكتمل التجربة الفنية، وعمل الفنان يكتسب مشروعيته باعتباره عملا فنيا إذا ما أصبح وجها لوجه أمام المتلقين، وليس مُهمِّاً عددهم، إنما المُهم أن تحصل عملية التلقي، والفنان لن يشعر بأهمية وقيمة عمله الفني إذا لم تصله ردود أفعال بغض النظر إذا كانت معه أو ضده.


التلقي والزمن

إن زمن التلقي ليس فائضا، بالإمكان ترحيله أو الاستغناء عنه في عمل معين واستقدامه في آخر، بل يبقى حضوره يمثل استمرارا لعملية خلق التجربة الفنية، خاصة وأن قراءة التجربة من قبل المتلقين ليست متشابهة وتتحكم فيها عوامل ذاتية وموضوعية، كما أن نتائجها تتغير كلما أعادها المتلقي، من جانب آخر باتت قضية الفَهم في تجربة تلقِّي العمل المسرحي قضية اشكالية، لأن مسرح ما بعد الحداثة يضع في اعتباره ان يُحدث قطيعة مع ما سبقه من محتوى دأبت على إنتاجه القيم الفنية السائدة، ومن هنا لم يعد يولي أهمية (للفَهم) حسب الاعتبارات التي كرستها تقاليد المسرح الكلاسيكي، وما تلاه من أساليب ومدارس أفرزتها الحداثة، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الموضوعات التي تشغل الإنسان قد تغيرت بشكل كبير مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي ولم تعد موضوعات مثل السرديات الغيبية والأساطير والتراجيديات الكلاسيكية والحكايات الشعبية تأخذ حيزا أساسيا من اهتماماته بعد أن شهد ثورة هائلة في المعلوماتية ووسائل الاتصال الرقمية، وهذا ما أدى إلى أن يرتفع منسوب الشك لديه ازاء كل ما يتعلق بالموروثات العقائدية التي تكتسب صفة القداسة السماوية، بل أن شكوكه طالت كل شيء بما في ذلك القيم والأعراف الاجتماعية والأخلاقية، ولم تعد هناك خطوط حمراء يمكن أن تحد منها، فقد بدأ العالم القديم ينهار أمامه شيئا فشيئا منذ مطلع ستينيات القرن الماضي وكانت البداية مع الثورة والحرية الجنسية التي اكتسحت العالم الغربي آنذاك ثم وصلت ذروتها اليوم باعتراف دساتير العديد من الدول الغربية بزواج المثليين، فكان من المنطقي جدا ازاء هذه المتغيرات ان ينعكس هذا التشظي على المسرح، فشاعت بناء على ذلك في دراماتورجيا العروض تقنية المشاهد أو الأجزاء المنفصلة في النصوص، بدل مركزية المتن الحكائي، وتاريخيا فإن البدايات كانت مع المسرح الملحمي لدى المخرج والمؤلف الألماني برتولد بريخت، واستمر هذا النمط المُجزّأ من الدراماتورجيا في التيارات الأسلوبية التي أفرزتها مسارح ما بعد الحداثة، ولكن من بعد تفريغه من أي محتوى سياسي كان يشكل جوهر الخطاب الفني في مسرح بريخت الملحمي، ولم يعد من نموذج أو شكل محدد مثالي لبناء النص، حتى أن معالجة السرد دراماتورتجيا على خشبة المسرح بات أمرا مألوفا، رغم أن الذي يفصل بين الدرامي والسرد الملحمي واضحا، ومن هنا لم تَسلم مفردات منظومة المسرح الدراماتورجية في مشاغلها التقنية والمفاهيمية سواء في الكتابة أو الإخراج أو التمثيل أو السينوغرافيا من التشظي وإعادة التقييم والإنتاج وصولا إلى مخرجات جديدة من حيث المحتوى.

المتلقي يعيد إنتاج التجربة

هذه الحركية في إعادة قراءة وتقييم المفاهيم الفنية تندرج في سياق إعادة إنتاج التجربة الفنية من جديد لدى المتلقي طالما ان كل قراءة جديدة للتجربة تحدث عملية تفكيك لمفردات العمل وتأويلها، وعلى ذلك فإن العمل الفني وفق هذا الفهم لطبيعة العلاقة القائمة بينه وبين المتلقي يتم إعادة إنتاجه بشكل مستمر، انطلاقا من أن هناك تعددا في وجهات النظر، وكلما استجدت مفاهيم نقدية كلما انفتحت مساحات قرائيّة جديدة تعيد هيكلة العلاقة العمل والزمن، ورغم أن الزمن ليس كيانا ماديا شاخصا، لكننا ندرك حضوره وحركته مع ما يحدث من متغيرات على المكان والإنسان.

وحتى يتحقق الفهم أثناء التلقي في ظل هذه المتغيرات في بنية التجربة المسرحية وتحصل الاستجابة والتفاعل لدى المتلقين، هل من الضروري أن يكون للمسرحية معنى محدد وواضح؟ الجواب هنا يعتمد على طبيعة رؤيتنا للتجربة المسرحية، في ما إذا كنا ننظر إليها بما يتوفر فيها من عناصر يتم تدريسها وتلقينها لطلبة المسرح في الأكاديميات، أو أنها على الضد منها تحاكي ما استجد من رؤى وأساليب دراماتورجية في تأليف العرض.

إن غياب المعايير التقليدية في دراماتورجيا العرض المسرحي يتيح للمتلقي أن ينطلق في قراءته من مساحات أوسع للخطاب الجمالي، فيتجه بقراءته إلى الكشف عن قيم فنية أخرى خارج نطاق مفردات الكلام الذي تتشكل منه الحوارات مثل: الفضاء، حركة الجسد، الشخصيات، الاضاءة، الزمن. وكل هذه العناصر تشكل بحضورها الدرامي مدخلا آخر لقراءة شفرات خطاب العرض المسرحي وهذا ما يشير إليه جان بيير رينجير.

إعادة تشكيل هوية الفنان المسرحي

موضوعة الفهم في تجربة تلقي العرض المسرحي تقودنا أيضا إلى أن ندقق في اشكالية التقاطع بين أشكال المسرح التي تحرص على أن يكون خطاب العرض بسيطا، وعلى ان لا يتعدى حدود تحقيق التسلية، وأشكال المسرح الأخرى التي تجد في دراماتورجيا العرض لحظة من التخييل يمتزج فيها الفضاء الدرامي بالزمن، ليصبح العرض فضاء معرفيا لإثارة الأسئلة المقلقة التي تزعزع القيم والمفاهيم الجمالية لدى المتلقي، وأداة مركبة في دلالاتها لمواجهة الزمن الحاضر بكل أعباءه وتعقيداته، وهذا التقاطع بين هذين الشكلين المسرحيين سيقودنا بالنتيجة إلى طرح أسئلة محددة تتعلق بوظيفة الفنان في الحياة، وعلاقته مع المجتمع من خلال ما يقدمه من أعمال، والأمر هنا غير مرتبط بحياته الشخصية إنما في إطار إعادة تشكيل هوية الفنان في شقها الاجتماعي، باعتباره يمارس دورا محددا في الحياة من خلال عمله الفني، والأسئلة تطال حقيقة الروابط التي تجمعه مع الواقع الموضوعي، بمعنى أن شكل العرض يلعب دورا أساسيا في رسم الإطار الاجتماعي الذي يتحرك الفنان داخله، فالقيم الجمالية لشكل العرض بهذا الفهم لها امتداد عميق يتأثر ويؤثر بكل ما  هو خارج التجربة المسرحية ذاتها، بالشكل الذي لم يعد ممكنا الفصل بينهما، أو القبول بالممارسة الفنية بمعزل عن عالم المتلقين. ولكن هذا لا يعني ان ينساق عمل الفنان في منحى الاستجابة لِما يدور في ذهن المتلقي، لأن ذلك لا ينسجم مع التجربة الفنية التي لابد ان تتقدم على المتلقين بما تطرحه من أفكار ورؤى، فالعمل الفني ينبغي أن يكون تجربة مثيرة من حيث الشكل والمحتوى، بمعنى أن “إبداع الأعمال المسرحية الكبرى يكون في الرد على سؤال لم يتبلور عند المجتمع” حسب تعبير آن اوبر سفيلد.

وإذا ما تأملنا اشكالية هذه العلاقة فإن مرجعيتها أو أسبابها تعود إلى ما حصل من متغيرات في رؤية الفنان ناحية العرض، وذلك من خلال تغيير ثوابته ازاء الجمهور الذي يتلقى التجربة، وكذلك طبيعة العلاقة التي أصبحت عليها هذه العلاقة بين النص والعرض.

إن صانع العرض تتجاذبه قضيتان لا يستطيع أن يكون حياديا في موقفه منهما، فإمَّا أن يكون شعبويا يتوافق في خطابه الفني مع ذائقة الجمهور أو يذهب باتجاه توسيع دائرة الأسئلة في وعي المتلقي واستثارة ذائقته الجمالية، وكل نموذج من هذين النموذجين يتحاشى الانزلاق إلى المكان الذي يقف فيه الآخر، لأنهما ينتجان خطابان مختلفان من حيث القيم الجمالية والمحتوى، كما أن تجربة التلقي والفهم في محصلتهما النهائية تختلف بين هذا المتلقي وذاك.

تقاطع الرؤى في الأشكال المسرحية

ما يستحق الوقوف عنده أن الفن المسرحي، رغم قِدَمِه، وما شهده تاريخيا من تطور كبير شمل مختلف جوانب التجربة المسرحية ابتداء من النص وانتهاء بالأساليب والمدارس الإخراجية إلاَّ ان كل ذلك وقف عاجزا عن ردم الهوة ما بين نمط المسرح الذي عادة ما يستهلك في برامجه السنوية ما يمتلكه من تقنيات راسخة في تقاليده والتي دائما ما يعيد إنتاجها بشكل مستمر، وبين المسرح الآخر(المضاد) الذي يشتبك في خطابه الفني مع الواقع اليومي والإنساني، بكل ما يحمله هذا المسرح من نزعة إلى التجديد والتحريض باتجاه مغادرة المألوف والمتداول.

هذه الاشكالية ما زالت تفرض سطوتها في الظاهرة المسرحية عالميا، سواء في البلدان المتقدمة الأوروبية أو في بقية بلدان العالم الأخرى، وعلينا أن لا ننسى انها لا تقتصر على الفن المسرحي فقط، لكن الحديث عنها هنا في هذا الحقل الإبداعي يأخذ أهميته نظرا لعراقة المسرح، وعمق التحولات التي صاحبت حضوره في الثقافة الإنسانية، ويمكن قراءة فاعليتها في الثقافة بمعناها المطلق، من خلال التحديات الاسلوبية التي واجهها الفن المسرحي والتي كانت تعبيرا عن تفاعل النخبة المثقفة مع حركية الحياة في مجتمعاتهم.

الممثلون دراماتورج العرض

من النتائج المهمة التي تمخض عنها التجريب في الفن المسرحي الذي كرسته الأشكال المسرحية التي أفرزتها فلسفة الحداثة حتى مطلع ستينيات القرن الماضي بروز خاصية التأليف الجماعي في مسرح ما بعد الحداثة حيث يشارك جميع الممثلين في دراماتورجيا العرض المسرحي، وهي خاصية لم تتوفر في بقية الفنون الأخرى وإذا ما توفرت على سبيل المثال في الفن السينمائي فهي ليست على الصورة التي في المشغل المسرحي، ولم يكن ظهورها إلا تحولا تقنياتيا في البناء الدراماتورجي للعرض، وانعكاسا لما حصل من تحول كبير في ماهية الممثل ودوره في التجربة المسرحية، فقد شهدنا بعد منتصف القرن العشرين تحولا في مساحة الفاعلية الدراماتورجية التي ينشط فيها الممثل لأجل بناء وانضاج التجربة، ولم يعد يكتفي في استحضار الشخصية التي يؤديها اعتمادا على مشاهداته للنماذج الإنسانية ومحاكاة ملامحها السلوكية وردود أفعالها، بل تعدى ذلك إلى أن يكون مشاركا أساسيا في بناء العرض.

فضاء درامي للتخييل

هذه الانعطافة جاءت بعد سلسلة مخاضات فنية ساهم فيها عدد من المخرجين المسرحيين لتحطيم المسرح التقليدي، بدأت في تجارب انتونان ارتو ومن ثم تجارب مسرح العبث مثل صموئيل بيكت ويونسكو، وكان من نتيجتها خلخلة منظومة الثوابت التي ينهض عليها المسرح التقليدي الذي لا يمكن أن يقف على قدميه إلاّ  بحضور المؤلف والمخرج بالدرجة الأولى، ومن ثم الممثلين باعتبارهم عنصرا ثانيا من حيث الأهمية في خلق التجربة، وما كان لهذا التحول أن يصبح تقليدا أساسيا في المسرح المعاصر لو لم يتوصل من يشتغل في ميدان المسرح إلى الفكرة الجوهرية التي تؤكد على أن الفن المسرحي يمتلك خاصية ينفرد بها عن بقية الفنون الأخرى في كونه فضاء دراميا مفتوحا للتخييل، وقد ساهم التمرين اليومي على حصول هذا المتغير، فالحوار الذي لا ينقطع بين دائرة فاعلة من العناصر مؤلفة من الممثلين والمخرج والدراماتورج والسينوغرافي قد وفَّر مناخا ملائما لأجل ان يتحول هذا الجدل إلى منظومة عمل لإنتاج عرض مسرحي وفقا لمنهج الهدم والبناء، وإلى أن يتوسع الممثل في المساحة التي يشارك فيها ومن الطبيعي أن يكون الممثلون إضافة إلى ما يمتلكونه من سيطرة على تقنيات الأداء الجسدي والصوتي على درجة عالية من التسلح بالثقافة، ونتيجة ذلك أصبحنا أمام مشهد مسرحي تغيرت فيه نقطة انطلاقه ولم تعد تقتصر على نص مكتوب أو على المخرج الذي يمسك بيده كل أدوات الإنتاج.

الأحد، 19 أبريل 2020

مسرحية " زجاج في طريق الحفاة " تأليف قاسم ماضي

مهرجان المقاومة السينمائي الدولي يطلق دورته الثانية - اون لاين- بأسم المهندس

مجلة الفنون المسرحية

مهرجان المقاومة السينمائي الدولي  يطلق دورته الثانية - اون لاين- بأسم المهندس

العراق / ميسان / خاص

برعاية المقاومة الاسلامية حركة انصار الله الاوفياء في العراق وتحت شعار (نقاوم في بيوتنا لنهزم كروونا ) تطلق ادارة مهرجان المقاومة السينمائي الدولي الدورة الثانية ( اون لاين ) والتي ستحمل شرف اسم مهندس انتصارات الحشد الشعبي على زمر داعش التكفيرية الشهيد ابو مهدي المهندس وذلك في اطار الاستغلال الايجابي وذلك لمواجهة العزل المنزلي الذي خلفه انتشار فايروس كروونا العالمي  .

وجاء في بيان ادارة المهرجان : ان مصطلح ( المقاومة ) بمعناه الذي نسعى له ليس فقط سينما الحرب والسلام بل هي ايضا مقاومة الشعوب والفرد لكل المفاهيم الخاطئة في شتى المجالات ولذلك كانت الدورة الثانية من المهرجان بعد ان اختتمت دورته الاولى في ايار 2017 في محافظة ميسان جنوب العراق .

واضاف البيان : ان ادارة المهرجان وضعت مجموعة من المضامين التي يفترض ان تكون رسالة الافلام المشاركة وهي ( محاربة الارهاب بشقيه/ سلاحا – فكرا) و( قضايا الاحتجاجات وثورات الشعوب) و( حقوق الانسان) و(النزاهة) و(القضايا المجتمعية)و(القضايا الانسانية المسكوت عنها) .

واشار البيان الى شروط المهرجان والتي تلخصت في , ان المشاركة في المهرجان متاحة امام جميع المخرجين دون استثناء في عالمنا العربي والدولي , لابد ان تنسجم المواضيع وفق المضامين المحددة اعلاه , ان لا يضم محتوى الافلام المشاركة أي مادة تحريضية على مستوى العنف او الطائفية او المساس بالذوق العام , ان لايكون قد تم المشاركة به بالدورة الاولى من المهرجان , يلتزم مُقدم الفيلم بملكية جميع الحقوق بما في ذلك الموسيقى ونصوص الافلام ؛ وان المهرجان لا يتحمل أي مسؤولية قانونية , تكون الافلام من انتاج الاعوام ( 2018- 2019- 2020 ) حصرا, يستقبل المهرجان التجارب السينمائية كافة (روائي – وثائقي – تحريك) , ان لا تقل مدة الفلم عن (5) دقائق ولا تتعدى الــ(45) دقيقة, يرسل المشارك بوستر الفلم والرابط السري على اليوتيوب وتلير كل فلم لادارة المهرجان ويجب تقديم نسخة العرض بمواصفات فنية عالية , رابط المشاهدة الخاص بالفيلم يجب أن يظل متاحاً في الرابط السري حتى نهاية فترة اختيار الأفلام , ادارة المهرجان ستشكل لجان خاصة لتحكيم الروائي والوثائقي والتحريك.

واوضح البيان : تعلن ادارة المهرجان قئمة بالافلام المقبولة بعد انتهاء المدة المقررة لذلك , وعلى المشارك مشاركة بث فلمه من منصة المهرجان , هذا الاعلان يعني بدأ استقبال المشاركات حتى الخامس من شهر ايار المقبل.

يذكر ان مهرجان المقاومة السينمائي الدولي اسسه الكاتب عدي المختار في محافظة ميسان جنوب العراق وانطلق عام 2017 برعاية المقاومة الاسلامية حركة انصار الله الاوفياء في العراق وبمشاركة دول عربية عديدة وحضور فني عرقي رفيع المستوى .





السبت، 18 أبريل 2020

المسرح يبلسم الجروح في أفغانستان

مجلة الفنون المسرحية

المسرح يبلسم الجروح في أفغانستان

المصدر:AFP

في بلد محافظ شهد عقوداً من الحرب والنزوح والفقر، يأمل منتجو المسرحية أن يساهم عملهم في زيادة الوعي حول الإجهاد النفسي، والتأثيرات الطويلة الأمد للأحداث الصادمة.

وبينما كانت تدور المسرحية حول فتاتين تكافحان للخروج من صدمة تعرضتا لها قبل فترة طويلة، بدأ الطالب الأفغاني حسين يبكي، إذ تسبب أداؤهما في تأجيج ذكريات اعتداء كاد يودي بحياته.

وقال الشاب (22 عاما)، الذي نجا من تفجير انتحاري في كابول أودى بحياة 57 شخصا في 2018 "لم أستطع التوقف عن البكاء".

وأوضح جبرائيل أمين الناطق باسم منظمة "بيس أوف مايند أفغانستان" الراعية للمسرحية "كل شخص في هذا البلد تأثر بطريقة أو بأخرى بصدمة نفسية بسبب الحرب أو العنف المرتبط بها".

وتابع "المسرح وسيلة جيدة لرفع مستوى الوعي، حيث يشهد الناس الألم الذي ربما لم يعرفوا أن كثيرين حولهم يتشاركونه معهم".


وقد وجد مسح أجراه الاتحاد الأوروبي في عام 2018 أن 85 في المئة من الأفغان اختبروا حدثا صادما واحدا على الأقل أو كانوا شهودا عليه، في حين تظهر بيانات لوزارة الصحة أن ما يقرب من 50 في المئة من الأفغان يعانون محنة نفسية.

ولفت بشير أحمد سارواري، رئيس إدارة الصحة النفسية في الوزارة "لاشك أن الحرب والعنف المرتبط بها هما أبرز العوامل في الاضطرابات والصدمات النفسية في أفغانستان".

ومع استمرار معاناة العديد من الأفغان سرا، يلجأ المهنيون في مجال الصحة العقلية حالياً إلى وسائل غير تقليدية لزيادة الوعي، بما في ذلك مشاريع فنية عامة وعروض مسرحية.

من جهتها، قالت الممثلة جميلة محمودي التي تؤدي دور ضحية هجوم إرهابي في المسرحية، إن الأداء ساعدها على تقبل نجاتها من تفجير انتحاري، فقد حاربت الشابة البالغة من العمر 21 عاما اضطراب الإجهاد الناتج عن الصدمة عدة أشهر.

وأضافت "أشعر بسلام في الوقت الذي أقوم فيه بتأدية الدور الذي مررت به وعاشه آلاف الآخرين في الحياة الواقعية".

فضاءات التفاعل بين أنسنة الحركة و التَّشيُؤُ الحركي في المسرح الايمائي مسرحية أنتروبيا Entropy للمؤلف (علي العبادي)

مجلة الفنون المسرحية
د.زينب لوت 

فضاءات التفاعل بين أنسنة الحركة  و التَّشيُؤُ  الحركي  في المسرح الايمائي مسرحية أنتروبيا  Entropy للمؤلف (علي العبادي)

د. زينب لوت

 توطئة:
الصمت هو حالة من حالات التّعبير عن حركة ثنائية بين الايماء والتّماثلات الفكرية، والانتقال من السكون إلى الحركية المثيرة للتحولات ودرجة قياس هذا التحول جَسَّدَهُ الكاتب في مفهوم (أنتروبيا)، حيثُ تمنح علاقات مباشرة بين مدركات الأشياء والأفكار الّتي تترابط باختلافها وتتآلف بتباعدها المسرح يمنح هذا التَّخوم الجمالي للأفكار وربطها بالفيزياء والهندسة أين تُمارسُ اللغة وقوع الفعل في المفهوم الشيئِي وتنسجُ الاختلاط المتجانس بين اللامعقول والعبث والماهيات التي تثير النظام، وتتفاعل في الاختلاف والتباعد لتخلق عالما انتقالياً متنامياً يربط بينه وبين متلقي يبحث عن بدائل أكثر،   فالعقل هو مركز الاشتغال في تحديد المفاهيم وتحقيق وضعيات التلقي، ومن المبدأ الفيزيائي لتلقي هذا المتعاليات النصية في الأشياء ذاتها تتمثل هذه المعادلات الفيزيائية في الأنتروبية الذي:" يتغير يحدث تلقائيا في نظام فيزيائي لا بد وأن يصحبه ازدياد في مقدار «إنتروبيته»" وهو كل تحول في التفاعلات الفيزيائية بين الاشتغال التفاعلي وما يمكن تعينه و مقدار تقدم عملية التحول والتوازن هذه تمثلُ درجة  .
الفضــــــــــــــــــــــــــــــــاء وكينونة الصمت:
- الفضاء الأول(مركز الاقتراع):
يصور الكاتب (علي العبادي) منظور الرؤية في قاعة اقتراع حيث توجد طبلة تحمل فوقها قنينة حبر مخصصة للاقتراع، ترميز الأشياء وخصوصية توزيعها بالتوازي يمثلُ جانب من المحاكاة بين الأشياء وما تحملُ من معطيات تشخصُ الصمت الذي يحول الواقع الكلامي إلى متوقع ايمائي،  مقابل الفهم المتدرج في اكتمال النص المفترض عند المتلقي( الجمهور) ثم يتحول المنظر إلى المرحاض حيث يرمي الرصاص فتخرج الصراصير وهنا ترتبط صورة الحشرات بالخوف أو الدنس أو الاندثار الإنساني للإنسان ذاته.
- اللوحة الثانية(طفولة + سبايكر)
"فضاء العرض يشهد تحولات من مكان للعب الطفل في الحديقة إلى ضفة نهر"(مسرحية أنتروبيا ص.71) تحولات العرض تمنح ولوج العناصر المؤثرة في الخشبة بين فضاء اللعب وضفة النهر قدرة على  تمويه جملة من الخطابات بين طفل يمتطي حصانا بلاستيكياً والصفعات التي حددها الكاتب يمينا ثمّ شمالاً وعلى الرأس وهي معارك لطالما جمعت الشرق والغرب والعقل الذي يتخذ صفة الهوية فلا تفكير بلا خريطة ذهنية تحدد الماهيات الحقيقية للإنسان ما يحولنا إلى العبث في المسرح ما يمزج  مفهوم (البيركامو) Albert Camus علاقة الأشياء باللامعقول ومن خلال فلسفته يرى أن شخصية (سيزيف) تثير إلى وضع  الانسان في الوجود حاملٌ للشقاء مثل صخرة سيزيف في الأسوار اللامجدية: " في أي زاوية من زويا الشارع يمكن للاجدوى أن تصفع أي إنسان على وجهه، وهي في عريها المقلق، وفي ضوءها بدون بريق مضللة"(ألبير كامو ، في أسطورة سيزيف،تر: أنيس زكي حسن، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت،  ص.19)
- الفضاء الثاني / ضفة النهر:
الحركة في المسرح هي قدرة على محاكاة الفكرة وتقمص أدائها الناطق بدلالة الفعل ومقصديته يتحول الخطاب إلى مرجعيات التأويل الجماعي عند المتلقي(الجمهور) حسب المؤول المرجعي أو دوافعه المشتركة للفهم وتفسير المواقف التي تنتجها مهارات الأداء فاليد لها علاقة بالإنتاج حسب قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا ) . وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٩٥ البقرة﴾
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴿١٩٥ البقرة﴾
علاقة اليد بالأعمال وطبيعة الفعل نحو عملية الجزاء منظور ديني ووجودي، والكاتب يشخص الموسيقى ونزاع القوة في الآخر التي تسلب منه إرادة التحكم بالفعل أو أداء حرية الحركة حيث يكتب:"ترقص اليد على إيقاع الموسيقى المصاحبة للحدث، تحاول اليد أن تسحب يده اليمنى فتجد مقاومة منه ومن ثمّ تحاول أن تسحب يده اليسرى فتجد مقاومة أيضا ، تقوم اليد بمسك كلتا يديه ووضعهما خلف ظهره ، يبدي مقاومة في إفلات يده لكن لم يوفق في ذلك....... ،"(مسرحية أنتروبيا/ص.72)تتكاثف تفاعلات اليد التي تمارس الظهور لضرب الشخص الذي تحول من طفل فوق الحصان البلاستيكي لرجل قرب ضفة النهر لتتابع وهي صراع بين الأيادي محاولة البحث عن حرية الحركة لكننها تتحول "تظهر اليد على هيئة مسدس يطلق منه رصاص يسقط الشخص في النهر ليتحول الماء إلى أحمر."(مسرحية أنتروبيا،ص.72) وهي صورة لا تحتاج لمنطق الدلالات والقيم الفكرية فاللون وتحول الماء للحمرة هي صفة دموية لهذا الصراع.
- اللوحة الثالثة( المتحف): 
 يتصل المتحف بالذاكرة القومية والحضارية أما التماثيل فهي حاملة للقيم المتوارثة والمتجذرة واختلالها يؤدي بالضرورة لاختلال الحياة الثقافية والفكرية فالنماذج هي صورة حقيقة للهيئة يصف المؤلف (علي العبادي) ذلك بالتمثيل الحركي لمجموعة من الأجساد "فضاء العرض متحف فيه آثار لعدة تماثيل وأيضا شخصان أحدهما واقف والآخر جالس على هيئة تمثال"(مسرحية أنتروبيا ص.72) تلك الآثار تتشبث بوجودها رغم محاولات التغير فتتدخل قوى التخريب بأدوات أكثر دماراً يحدد صفتها في المطرقة "كل هذه المقاومة تثير غضب اليد المخربة مما يدفعها للقيام بتغيير هيئة يدها على شكل مطرقة تهدم بها الشخص الواقف ومن ثم تفعل فعلتها مع الشخص الجالس"(ص.13) تناوئ حالة الفزع من انهيار الأشياء وهي حالة مسبقة عند الجمهور لكنها تتخذ البناء التصويري في ذهنية المتلقي فالتمثيل هو رؤية لكن التلقي تمثيل مدركات المرئي "تتسم الصورة بكونها تعمل وفق منطقها الخاص المستند للجاذبية و الإغراء و الغواية، تستنجد بالإغواء بدل الحجاج ، وبالجاذبية بدل الإستدلال، وبمطلب الأداء و النجاعة عوض مطلب الحقيقة " (عبد العالي معزوز، فلسفة الصورة، الصورة بين الفن والتواصل، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2014م،ص.214)
- اللوحة الرابعة (لعبة المنضدة (
فضاء العرض مكان ما :
الفضاء حامل لمجموعة من اللوحات المتكونة على دافعية التلقي وجاذبية التقاط البدائل الكلامية بموقع الأشياء ومنظور الممثل في تجديد الخطاب بالحركة وانتماء الدلالات لدوالها ومرجعيتها "تبدأ اللوحة بظهور الشخص الأول من المسرح منحني الظهر وهو يفرش الأرض بالكاربت وما أن ينتهي من فرشه يومئ إلى شخص ثان بالدخول ، و الذي لا يظهر منه سوى قدمه .
بعد أن يدخل الشخص الثاني ويخرج من الجهة الأخرى من المسرح...."(ص.73) تنتهي اللوحة بصوت انفجار بعد رمي رمانة وبعد ذلك كتاب وتتعدد الأشياء لتتعلق بمعاني وضعيتها في ذهن المتلقي وهاجس الفهم الجمالي.
- اللوحة الخامسة (خط أحمر):
الفضاء نصب الحرية.
الحرية والانسان هل يدركها بوعي التحرر أم بممارسة منحى العبث  " الشخص الأول جالس على قطعة ديكور مربعة في حين يجلس الشخص الثاني بجنبه، كلاهما ماسك بدف الشخص الأول ينقر بالدف فيما الآخر ممتعض منه ، فيقوم بركله بقدمه مما يؤدي إلى سقوطه على الأرض ويستغل ذلك بالنقر هو على الدف "(مسرحية أنتروبيا، ص.74) تنظير المواقف الإنسانية في المسرح يُشكل جدلية دائمة الحركة ذهنياً وتقابلها حركية التشيؤ المعروض على فضاءات متعددة وبذلك يكمنُ التشكيل المقابل أفق الانتظار في منح الجانب المثير أولاً والمغاير ثم المنتظم في طرح العرض للفكرة حتى اكتمالها كرؤية متكاملة أو حتى زاوية رؤية مفتوحة للتأويل بعد العرض. 
- اللوحة السادسة (الدوران في حلقة مفرغة):
فضاء العرض صحراء تجري فيها مطاردة
الاستمرارية تمنح علاقتها بالزمن وهذا الأخير يرفع قدرة التحول ودرجته في التمثيل الاستقرائي لواقع الانسان وتفاعل الأشياء بداخله رغم تجويف الخراب والدمار و التغير تعود مسافة الأمن واستقرار في ديمومة تشبع من وجودها وصارت أحدى عاداته وفطرة تواجده ، في مسرحية ( أنتروبيا) تأثير في الآخر ينتهي بعدم التأثر أو هو يجسدُ التحول والامتزاج يصبحُ حالة تجانس "يسمع صوت طائرة تستعرض في الفضاء ثم يظهر أشخاص وهم يهمون بالفرار منبطحين على الأرض، يخرجون بعدها زحفا من الجهة الأخرى"(مسرحية أنتروبيا/ ص.74) بعد ذلك تتكرر عملية الزحف وتناثر الأشلاء في  الخشبة بسبب وضعية للقصف وفي الأخير يظهر أشخاص يمشون بطريقة عادية "وتتمثل الحياة في أن ندخل في هذا النسق وهذا الخيط من البشر والأشياء لا في التفكير فيهما"(كارلوس ليسكانو، الكاتب والآخر، ترجمة نهى أبو عرقوب، مراجعة: احمد خريس، مشروع كلمة هيئة أبو ظبي للسياحة و الثقافة، ط1    2012،ص.25) وعملية التفكير يترك درجة قياسها عبر معادلات القيمة وإفرازات التفاعل في عقل المتلقي الذي يشتغلُ مدمجاً ومؤثرات الصورة التي تتشكل داخل الفضاء على مساحة خصبة تتصل بالتفكير.



مسرحية " مــرحـــاض " تأليف علي العبادي

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption